Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
(١٩) كتاب الجهاد
فَمَا ظَنُّكُمْ؟)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٩٧].
٣٧٩٩ - [١٣] وَعَنْ أَبِي مَسْعُودِ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ
مَخْطُومَةٍ فَقَالَ: هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَكَ بِهَا يَوْمَ
الْقِيَامَةِ سَبْعُ مِئَةٍ نَاقَةٍ كُلَّهَا مَخْطُومَةٌ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٩٢].
٣٨٠٠ - [١٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ بَعَثَ بَعْئاً إِلَى بَنِي
لِحْيَانَ مِنْ هُذَيْلٍ فَقَالَ: ((لِتْبَعِثْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا،.
وقوله: (فما ظنكم) بذلك الرجل هل يترك من حسناته شيئاً، أو فما ظنكم
بالله هل تشكُّون في هذه المجازاة. وقال التُّورِبِشْتِي(١): وقيل: معناه فما ظنكم مَن
أعطاه الله هذه الفضيلة والدرجة، فربما يكون وراء ذلك من الفضيلة.
٣٧٩٩ - [١٣] (أبو مسعود) قوله: (بناقة مخطومة) أي التي: جُعِلَت الخِطامُ
في أنفها، والخطام بالكسر: ما وضع في أنف البعير لينقاد به، والخطم بفتح الخاء
وسكون الطاء من الدابة مُقدَّم أنفها وفمها، ومنقار الطائر، وهو الزِّمام من زمَّه:
شدَّه.
٣٨٠٠ - [١٤] (أبو سعيد) قوله: (بعث بعثاً) أي: أرسل جيشاً، والبعث ويحرك:
الجيش، والجمع بُعُوث.
وقوله: (إلى بني لحيان) بالكسر وقد يفتح أبو قبيلة، و(هذيل) بلفظ التصغير
أبو حيٍّ من مُضَرَ.
وقوله: (لينبعث من كل رجلين أحدهما) أي: ليخرج من كل قبيلة نصفُ عددِها،
(١) ((كتاب الميسر)) (٣/ ٨٧٤).

٥٤٢
(١٩) كتاب الجهاد
وَالأَجْرُ بَينَهُمَا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٩٦].
٣٨٠١ - [١٥] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((لَنْ
يَبْرَحَ هَذَا الدِّينُ قَائِماً يُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَقُوْمَ السَّاعَةُ».
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٢٢].
٣٨٠٢ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((لاَ يُكْلَمُ
أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللهِ.
وكون الأجر بينهما محمولٌ على ما إذا خَلَفَ المقيمُ الغازيَ في أهله بالخير، كذا نقل
الطيبي(١) .
٣٨٠١ _ [١٥] (جابر بن سمرة) قوله: (لن يبرح) أي: لا يزالُ.
وقوله: (يقاتل) استئناف للجملة الأولى، والعصابة الجماعة، وورد في حديث
آخر: (لا يزالُ أهل الغَرْبِ)، قال القاضي عياض في (المشارق)(٢): قال يعقوب ابن
شيبة عن علي بن المديني: الغرب هنا الدلو العظيم، وأراد العرب لأنهم أصحابها
والمُستَقُون بها، وليست لأحد إلا لهم ولأتباعهم، وقال معاذ: هم أهل الشام، فحمله
على أنه غرب الأرض خلاف المشرق، والشام غربٌ من الحجاز، وقيل: هم أهل
الشام وما وراءه، وقيل: المراد هنا أهل الحِدَّة هو الاستنصار في الجهاد ونصرة دين
الله، والغرب الحدة.
٣٨٠٢ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (لا يكلم) الكلم: الجرح، والجمع كُلوم
وكِلام، وكلَّمَه يُكلِّمُه: جرحه فهو مكلوم وكلیم.
(١) ((شرح الطيبي)) (٧ / ٢٧٣).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٢١٥).

٥٤٣
(١٩) كتاب الجهاد
- وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ - إِلَّ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَماً،
اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ)». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٠٣، م: ١٨٧٦].
٣٨٠٣ - [١٧] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَِّ: ((مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ
الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يُرْجَعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا فِي الأَرْضِ.
قوله: (والله أعلم بمن يكلم في سبيله) جملة معترضة لتفخيم شأن من يخرج
في سبيل الله، ولتقليل وجود مَن شأنه كذلك على وجه الإخلاص، وصيانته عن
السُّمعة والرِّياء حتى يكتفي بعلمه تعالى، ولتسليته وترجيته لئلا يتوهم نقصانه ويستبعد
أجره وثوابه، وهو شامل لكل من يُكلَم ويؤذَى على الحق.
وقوله: (يثعب) بفتح الياء والعين بمثلثة ساكنة بينهما، والثعب يجيء متعدياً،
يقال: ثعَبْتُ الماءَ والدمَ فانثعب، أي: فجَّرتُه فانفجَرَ، كذا في (الصحاح)
و(القاموس)(١)، فيكون (دما) مفعولاً به، وفسره في (النهاية)(٢) بقوله: يجري، وفي
(المشارق)(٣): ينفجر، وظاهرهما يدل على أنه لازم، فيكون (دماً) تمييزاً، اللهم إلا
أن يحمل على بيان حاصل المعنى، وجاء في حديث آخر: (يشخب دماً)، وفسره
الأكثرون بـ (يَسِيل) وينفجر، وقال في (مختصر النهاية)(٤): الشخب: السيلان، وفسره
بعضھم بـ (یصبّ)، فتدبر .
٣٨٠٣ - [١٧] (أنس) قوله: (وله ما في الأرض من شيء) يحتمل أن يكون
(١) ((الصحاح)) (١/ ٩٢)، و((القاموس المحيط)) (ص: ٧٢).
(٢) ((النهاية)) (١ / ٢١٢).
(٣) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٢٠٥).
(٤) ((الدر النثير)) (١ / ٥١٣).

٥٤٤
(١٩) كتاب الجهاد
مِنْ شَيْءٍ إِلَّ الشَّهِيدُ يَتَمَنَّى أَنْ يُرْجَعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيَّقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ، لِمَا يَرَى
مِنَ الْكَرَامَةِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨١٧، م: ١٨٧٧].
٣٨٠٤ - [١٨] وَعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَاللهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنْ هَذِهِ
الآيَةِ: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَنَّا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ الآيَةَ
[آل عمران: ١٦٩]، قَالَ: إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ((أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْوَافٍ
طَيْرِ خُضْرِ،
عطفاً على قوله: (أن يرجع)، أي: ما يحب الرجوع ولا أن يكون له شيء في الدنيا،
وأن يكون حالا أي: لا يحب الرجوع حال كونه مالكاً لأشياءَ كثيرة من أمتعة الدنيا،
كذا فى الحاشية، فافهم .
٣٨٠٤ - [١٨] (مسروق) قوله: (إنا قد سألنا عن ذلك) أي: رسولَ الله وَلهم
بقرينة الحال، إذ من المتعيِّن أن سؤال الصحابة في أمثال هذه الأمور لا يكون إلا
من رسول الله رير، وقد كتب في بعض النسخ في الهامش بعلامة صح.
وقوله: (في أجواف طير خضر) قيل: إيداعها في أجواف تلك الطيور كوضع
الذُّرر في الصناديق تكريماً وتشريفاً لها، وإدخالها في الجنة بهذه الصورة لا متعلِّقة
بهذه الأبدان مدبَّرةً فيها تدبيرَ الأرواح في الأبدان كما كانت في الأبدان الدنياوية،
فإنها يتبوأ بها في الجنة تجد ما فيها من الروائح، ويشاهد ما فيها من الأنوار، ويتلذذ
ويبتهج بها، وبما يحصل لها من قرب الرحمن تعالى وجوار الملائكة المقربين والتبوء
في الجنة الأعلى، وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿يُرْزَقُونَ ﴿ فَحِينَ بِمَآ ءَاتَهُمُ اللَّهُ
مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠]، وهذا دفع لشبهة من تمسك به في القول بالتناسخ،
ولتوهم من قال: إن هذا تنزيل وتنقيص لهم حيث أخرجوا من الأبدان الإنسانية إلى

٥٤٥
(١٩) كتاب الجهاد
لَهَا قَدِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِيٍ إِلَى تِلْكَ
الْقَنَادِیلِ.
الأجسام الحيوانية، فتدبر.
وقيل: لعل أرواح الشهداء لما استكملت تمثلت بأمر الله سبحانه بصور طير
خضر وحصلت لها تلك الهيئة، كتمثّلِ الملَكِ بَشَراً، فليست هذه الأبدان هي التي
تتعلق بها تلك الأرواح ويدبر فيها، بل هي أنفسها صور الأرواح تمثلت بها،
فافهم .
وأقول - والله أعلم -: يحتمل أن تكون تلك الأبدان على صفات الأبدان
الإنسانية وإن كانت على صور طير خضر، ولا تكون على صفاتها حقيقة فإنه لا اعتداد
للصور والأشكال، بل لا يبعد أن يقال: تسميتها بالطيور لانتقالها من مكان إلى مكان
على هيئة الطيران لا المشي على الأقدام كما يكون للآدمي في الدنيا، فلا يلزم
تنزيلها وتنقيصها كما يوهم.
وأما ظن التناسخ فأيضاً باطل، فإنها ليست أبداناً لها يستقر فيها على وجه ينفي
الحشر والنشر كما يقول القائلون به، بل هي في مدة بقائهم في الجنة قبل قيام القيامة
ووجود الحشر، ولهذا أورد في حديث آخر: (حتى يرجعه الله جسده يوم القيامة ليبعث
الأجساد)، والله أعلم.
وقيل: الحديث تمثيل لحالهم وما هم عليه من البهجة والسعادة، شبه بهجتهم
وبهاءهم وتمكُّنهم من التلذذ بأنواع المشتهيات، والتبوء من الجنة حيث شاؤوا، وقربهم
من الله تعالى، وانخراطهم في غار الملإ الأعلى الذين [هم] حول عرش الرحمن بما
إذا كانوا في أجواف طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، وتأوي إلى قناديل

٥٤٦
(١٩) كتاب الجهاد
فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلَاَعَةً فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئاً؟ قَالُوا: أَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي
وَنَحْنُ نَسْرَعُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا
أنَّهُمْ لَنْ يُْرَكُوا مِنْ أَنْ يَسْأَلُوا قَالُوا: يَا رَبُّ نُرِيدُ أَنْ تُرَدَّ أَرْوَاحُنَا فِي أَجْسَادِنَ
حَتَى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مرَّةً أُخْرَى فَلَمَّا.
معلقة بالعرش، كذا نقل الطيبي(١) عن القاضي البيضاوي(٢) وهذا على عادة القاضي
في تأويل الأحاديث والآيات بالإخراج عن الصور إلى المعاني ميلاً إلى التفلسف،
ورعايةً لحال ضعفاء الإيمان، والحق أنه محمول على ظاهره وإن لم ندرٍ كيفيته
بأفهامنا القاصرة، وهذا أقوى الإيمان، والله أعلم بحقيقة الحال.
وقوله: (فاطلع إليهم ربهم) الاطّلاع مجازٌ عن مزيد تلطّفه بهم، وتعديتُه
بـ (إلى) لتضمين معنى الانتهاء.
وقوله: (اطلاعة) يحتمل أن يكون للمرة، ويحتمل أن يكون للنوع أي: اطلاعاً
خاصاً ملتبساً برحمة مخصوصة وفضل مخصوص، ويشبه أن يكون لهما، فالمرة
مستفادة من التاء، والنوعية من التنكير.
وقوله: (ففعل ذلك) أي: السؤالَ.
وقوله: (لن يتركوا من أن يسألوا) (مِن) صلة (يتركوا) بتضمين معنى العفو
والعذر والخلاص ونحوها، وقال الطيبي(٣): هي زائدة لوقوعها في سياق النفي،
و(أن يسألوا) بدل من ضمير (يتركوا)، فافهم.
(١) ((شرح الطيبي)) (٧ / ٢٧٦).
(٢) ((تفسير البيضاوي)) (١ / ٤١٢).
(٣) ((شرح الطيبي)) (٧ / ٢٧٧).

٥٤٧
(١٩) كتاب الجهاد
رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٨٧].
٣٨٠٥ - [١٩] وَعَنْ أَبِ قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ﴿ِ قَامَ فِيهِمْ فَذَكَرَ لَهُمْ
أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالإِيمَانَ بِاللهِ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيَتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ يُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((نَعَمْ إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُخْتَسِبٌ مُقْبِلٌ
غَيْرُ مُذْبٍِ)) ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((كَيْفَ قُلْتَ؟)) فَقَالَ:
وقوله: (أن ليس لهم حاجة) لحصول الثواب العظيم بالمرة الأولى، ولو كانت
في المرة الثانية لكان مثل ذلك، ولا حاجة إلى ذلك فتركوا من السؤال.
فإن قلت: فما فائدة سؤالهم أن تُرَدَّ أرواحُهم في أجسادهم حتى يقتلوا في
سبيل الله مرة أخرى، ولا يحصل فيها إلا مثل ما هم فيه؟ أجيب: مرادهم بهذا الكلام
القيام بموجب الشكر في مقابلة النعم التي أنعم الله تعالى عليهم.
فإن قلت: رؤية الله تعالى كانت أعظم النعم فلِمَ لم يطلبوها؟ قلت: يجوز أن
تكون رؤية الله تعالى موقوفة على كمال استعداد يليق بها يحصل ليوم القيامة،
فصرف الله قلوبهم عن طلب ذلك إلى وقت حصول الاستعداد، كذا في (شرح ابن
الملك)(١) .
٣٨٠٥ - [١٩] (أبو قتادة) قوله: (مقبل غير مدبر) تأكيد من قبيل عسير غير
يسير، وقيل: احتراز عمَّن يقبلُ في وقت ويدبرُ في وقت .
وقوله: (ثم قال رسول الله پێ: کیف قلت؟) استعاد منه السؤال المذكور ليجيب
(١) انظر: ((شرح مصابيح السنة)) (٣١٥/٤).

٥٤٨
(١٩) كتاب الجهاد
أَرَّأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَيَّكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَلَّه :
(نَعَمْ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُخْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ إِلَّ الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِي
ذَلِكَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٨٥].
٣٨٠٦ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّ قَالَ:
(الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّ الدَّيْنَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٨٦].
٣٨٠٧ - [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((يَضْحَكُ اللهُ
تَعَالَى إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلاَنِ الْجَنَّةَ:
بالجواب المذكور ثانياً تقريراً وتأكيداً للمرام مع زيادة شيء آخر مهمٌّ، وهو استثناء
الدين بقوله: (إلا الدين) استثناء متصل من الخطايا؛ لأنه يفضي إلى ارتكاب الخطايا
من الكذب وخلف الوعد كما عرف في وجه استعاذته وَّ﴿ من الغرم، وقال التُّورِبِشْتِي(١):
أراد بالدين هنا ما يتعلق بذمته من حقوق المسلمين، انتهى. فيكون حاصله أن الجهاد
في سبيل الله يكفر كل شيء إلا حقوق الناس.
٣٨٠٦ - [٢٠] (عبدالله بن عمرو بن العاص) قوله: (يكفر كل شيء إلا الدين)
ذكر السيوطي أنه قد ورد: أن شهداء البحر يُغْفَرُ لهم الذنوبُ كلُّها والدَینُ، وورد:
أن الله تعالى يَلي قبضَ أرواح شهداء البحر لا يكِلُ ذلك إلى ملَكِ الموت(٢).
٣٨٠٧ - [٢١] (أبو هريرة) قوله: (يضحك الله تعالى إلى رجلين) أي: يتلقاهما
بالقبول والرضاء، والتعدية بـ (إلى) باعتبار معنى الانبساط والإقبال الذي هو مأخوذ
(١) ((كتاب الميسر)) (٣/ ٨٧٦).
(٢) ((بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث)) (٦٣٤).

٥٤٩
(١٩) كتاب الجهاد
يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلُ ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ)). مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٢٦، م: ١٨٩٠].
٣٨٠٨ - [٢٢] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيَّفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((مَنْ
سَأَلَ اللهَالشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ».
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٠٩].
٣٨٠٩ - [٢٣] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ الْبَرَاءِ وَهِيَ أَمُّ حَارِثَةَ بْنِ
سُرَاقَةَ أَتَتِ النَّبِيِّ بَيْ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ(١) !.
في الضحك باعتبار معناه اللغوي، فإنه يراد به في متعارف اللغة انبساط الوجه
وتكشیر الأسنان من سرور النفس، وقيل: يجوز أن يكون معنی الضحك إدرار الرحمة،
يقال: ضحك السحاب: إذا صبت ماءه.
وقوله: (ثم يتوب الله على القاتل) الكافر بأن يؤمنَ ثم يُستشهَدَ . .
٣٨٠٨ _ [٢٢] (سهل بن حنيف) قوله: (وعن سهل بن حنيف) بلفظ التصغير
بالحاء المهملة .
قوله: (بلغه الله منازل الشهداء) فيه أن المرء يثاب على نيته، والنظر في أنه
يثاب يعني ما يثاب على الفعل أو بمثله ونظيره، وأقول في قوله: (بلغه الله منازل
الشهداء): نوع إيماء إلى الثاني، والله أعلم.
٣٨٠٩ - [٢٣] (أنس) قوله: (أن الربيع) بضم الراء وفتح الباء وتثقيل الياء
المكسورة .
(١) في نسخة: ((يا نبي الله)).

٥٥٠
(١٩) كتاب الجهاد
أَلاَ تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرِ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَإِنْ كَانَ فِي
الْجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ فَقَالَ: ((يَا أَّ
حَارِثَةَ! إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ.
وقوله: (يوم بدر) موضع معروف يذكر ويؤنث، وقعت فيه الغزوة التي أعز الله
بها الإسلام بقتل صناديد قريش كأبي جهل وأضرابه، قيل: هي اسم ماء، وقيل: اسم
بئر حفرها بدر بن قریش، وقیل: کان البئر یری فیه البدر.
قوله: (سهم غرب) في (القاموس)(١): أصابه سهمٌ غربٍ ويحرك، وسهمٌ
غربٌ نعتاً، أي: لا يُدرَى راميه. وقال في (المشارق)(٢): قوله: (فأصابه سهم غرب)
يقال على النعت بفتح الراء وسكونها، قال أبو زيد: فبفتح الراء إذا رمى شيئاً فأصاب
غيره، وبسكونها إذا أتى السهمُ من حيثُ لا يُدرَى، وقال الكسائي والأصمعي: إنما
هو سهمٌ غَرَبٍ بفتح الراء مضافاً الذي لا يُعرَفُ راميه، فإذا عرف فليس بغرب، قال:
والمحدثون يسكنون الراء والفتح أجود وأكثر في لسان العرب، وقال ابن سراج:
والإضافة أيضاً مع فتح الراء ولا يضاف مع سكونها، انتهى. وقال: والغرب بالتحريك
ضرب من الشجر، يقال له بالفارسية: سيسدار، قد يتخذ منه السهام فيقال: سهم
غرب، فيضاف ولا يضاف، والذي ذكرناه في الحديث ليس من هذا في شيء.
وقوله: (وإن كان غير ذلك) بالرفع على أن (كان) تامَّةٌ، وقد ينتصب، أي: إن
كان الأمر غيرَ ذلك، و(ذلك) إشارةٌ إلى كونه في الجنة .
قوله: (إنها جنان في الجنة) الضمير للقصة، والجملة - أعني (جِنانٌ في الجنَّة) -
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٤).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (٢/ ٢١٦).

٥٥١
(١٩) كتاب الجهاد
وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٨٠٩].
٣٨١٠ - [٢٤] وَعَنْهُ قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِوَِّ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى
سَبَقُوا الْمُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ، وَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((قُومُوا
إِلَى جَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ)) قَالَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ: بَخِ بَخْ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ: بَخْ بَحْ؟)) قَالَ: لاَ وَاللهِ
يَا رَسُولَ اللهِ! إِلَّ رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا.
خبرُها يفسرها، والتنوين للتعظيم، أي: درجات عظيمة فيها والفردوس أعلاها.
٣٨١٠ - [٢٤] (وعنه) قوله: (حتى سبقوا المشركين) أي: نزلوا بدراً قبل
نزول المشركين .
وقوله: (إلى جنة) أي: مسارعين إليها، أي: إلى أعمال هي سبب دخولها.
وقوله: (عرضها السماوات والأرض) أي: عرضها كعرض بحذف كاف التشبيه
والمضاف، والمراد وصفها بالسعة والبسط، فشُبِّهَت بأوسع ما علمه الناس من
خلقه وأبسطه، وذكر العرض للمبالغة في وصفها بالسعة؛ لأنه دون الطول، وعن ابن
عباس: (كسبعٍ سماواتٍ وسبعٍ أرضَيِنَ لو وُصِلَ بعضُها ببعضٍ).
وقوله: (قال عمير) بلفظ التصغير (ابن الحمام) بضم المهملة وتخفيف الميم.
و(بخ بخ) بفتح الموحدة وسكون الخاء وتنوينها، يقال: للمدح والرضاء بالشيء،
كررت للمبالغة، فإذا أفردت وقفت عليها، وإن كررت وصلت الأولى بالأخرى. وأما
أصحاب الحديث فإنهم يروونها بسكون الخاء في الوصل والوقف، ومن أهل اللغة
من يشدد الخاء منهما .
وقوله: (يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها) حملوه على معنيين أحدهما:

٥٥٢
(١٩) كتاب الجهاد
قَالَ: ((فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا)) قَالَ: فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ ثُمَّ
قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَيِتُ حَتَّى أَكُلَ تَمَرَانِي إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ قَالَ: فَرَمَى بِمَا كَانَ
مَعَهُ مِنَ الثَّمْرِ ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٠١].
٣٨١١ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: (مَا تَعُدُّونَ
الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟»
أنه سيق إلى فهم الرجل من قوله صل ى: (ما يحملك ... إلخ) أن الحامل على ذلك
القول التعجُّبُ تشبيهاً بالهزل والمزاح من غير نية ورَوِيّة، فنفى عمير ذلك، وقال:
ما قلت ذلك إلا رجاء أن أكون من أهلها .
وثانيهما: أنك قلت ذلك خوفاً من القتل وبذل المهجة واستعظاماً واستبعاداً
لذلك؟ فقال: لا، بل قلت: رجاءً وشوقاً إلى لقاء الله ونيل ثوابه، فافهم.
وقوله: (من قرنه) بفتحتين، أي: من جعبته، قيل: هو جعبة من جلد لا خشب
فيها أو بالعكس.
وقوله: (لئن أنا حييت) من قبل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٠]،
فالنحویون علی أن قوله: أنتم فاعلُ فعلٍ محذوفٍ یفسّره ما بعده انفصل بعد حذف
العامل، وأرباب المعاني يقولون: مبتدأ قدِّم للاختصاص وجعل الفعلية اسمية،
وتحقيقه في (شرح التلخيص) للتفتازاني.
وقوله: (حتى قتل) وكان عظُّهُ أولَ مَن استشهد من الأنصار.
٣٨١١ _ [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (ما تعدّون الشهيد فيكم؟) نقل الطيبي(١)
(١) ((شرح الطيبي)) (٧ / ٢٨١).

٥٥٣
(١٩) كتاب الجهاد
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ قَالَ: ((إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي
إِذاً لَقَلِيلٌ، مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَهُوَ
شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ)).
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩١٥].
٣٨١٢ - [٢٦] وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمْرٍ و قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ:
((مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّة.
عن المالكي: أن العدَّ يوافق الظن في المعنى والعمل، فـ (ما) استفهامية في موضع
مفعول ثانٍ، والتعبير بـ (ما) للدلالة على الوصف كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا
بَنَّهَا﴾ [الشمس: ٥]؛ لأن الاستفهام هنا في الحقيقة على الحالة التي ينال بها المؤمن
رتبة الشهادة على أنها تعم العقلاء وغيرهم عند الشيخ ابن الحاجب، ولهذا أجابوا
بقولهم: مَن قُتِلَ .
والشهيد: فَعِيل بمعنى مفعول، أي: يُشْهَدُ ويحضرُه الملائكةُ بالنور والكرامة،
أو بمعنى فاعل أي: يشاهد ما أُعِدَّ له من النعيم أو يحضر عند ربه، هذا إذا كان من
الشُّهود والمشاهدة، ويحتمل أن يكون من الشهادة، أي: مشهود له بالفضل والكرامة،
أو يشهد لنفسه بذلك بالصدق والإخلاص، أو يشهد على الأمم يوم القيامة كما يشهد
الرسل عليهم السلام. والظرفية في قوله: (في سبيل الله) حقيقية، وفي قَرِينَه مجازية،
أو بمعنى الباء للسببية، والمراد بكونِ هؤلاء شهداءَ مشاركتُهم لهم في نوع من
المثوبات التي يستحقها الشهداء، لا مساواتهم لهم في جميع المثوبات والأحكام.
٣٨١٢ - [٢٦] (عبدالله بن عمرو) قوله: (ما من غازية) أي: جماعة غازية
(أو سرية) وهي قطعة من الجيش تبعث للجهاد، والغزو: قطع جيش كبير، وقد اصطلح

٥٥٤
(١٩) كتاب الجهاد
تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلَّ كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ، وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ
سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلَّ تَمَّ أُجُورُهُمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٠٦].
أهل السير على أن يطلقوا الغزو على ما كان فيه النبي ◌َّ بنفسه الكريمة، والسرية
على ما لم يكن فيها، والغزو بمعنى اللغة يتناولهما معاً، ولهذا قال: تغزو في كلا
الصورتين، يعني أن هذا الحكم ثابت في الغزو الكثير والقليل، فـ (أو) ليس للشك،
ويحتمل أن يكون للشك من الراوي في أن لفظ النبي ◌َّر: ما من غازية، أو ما من
سرية .
وقوله: (إلا كانوا قد تعجلوا) أي: في الدنيا ثلثي أجورهم، أي: الغنيمةَ
والسلامةَ، وبقي ثلث أجورهم يستوفونه يوم القيامة، وعلى هذا من سلم ولم يغنم
استوفى ثُلثَ أجوره وبقي ثلثان، وذلك بسبب ما قصد بغزوه محاربة أعداء الله ونصر
أوليائه.
وقوله: (تخفق) من الإخفاق، ومعناه أن تغزو ولا تغنم وتخيب من ذلك،
والإخفاق أن تغزو فلا تغنم شيئاً، وكذا كل طالب حاجة إذا لم يقضِ حاجته، وأصله
من الخَفْقِ وهو التحرُّك، خَفَقَت الرايةُ تخفِقُ وتخفُقُ خَفْقاً وخَفَقاناً: اضطربت
وتحركت، وكذا السراب، كاختفق، وخفق النجم يخفق خفوقاً: غاب، والخفق: تغيب
القضيب في الفرج، والخفقان محركة: اضطراب القلب، والمعنى صار فيه الغنيمة
خافقة غير ثابتة مستقرة.
وقوله: (وتصاب) أي: الغازيةُ أو السريةُ، من المصيبة بمعنى تُقْتَلُ، فهنا أقسام
متعددة: السلامة مع الغنيمة، وعدمها، والهلاك، وكل محسوب، فإن الله لا يضيع
أجر المحسنين، وتمام الأجر في عدم الغنيمة مع القتل، والجرح أيضاً محسوب على

٥٥٥
(١٩) كتاب الجهاد
٣٨١٣ - [٢٧] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((مَنْ مَاتَ
وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م:
١٩١٠].
٣٨١٤ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َهِفَقَالَ:
الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ،
فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: ((مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي
سَبِيلِ الله)).
قدرها، فتدبر .
٣٨١٣ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (ولم يحدث) من التحديث (به) أي: بالغزو
(نفسه)، أي: لم يقل في نفسه: يا ليتني كنت غازياً، وقيل: معناه لم يُرِدِ الخروجَ،
وعلامتها في الظاهر إعدادُ آلْتِهِ، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لَأَعَدُواْ لَهُ عُدَّةَ ﴾
[التوبة: ٤٦]، كذا في الحواشي.
وقوله: (مات على شعبة من نفاق) أي: أشبهَ المنافقين المتخلِّفين عن الجهاد.
٣٨١٤ - [٢٨] (أبو موسى) قوله: (فقال) أي: الرجلُ الذي جاء إليه، ومقول
القول: (الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر) أي: لأنْ يُذكَرَ بين الناس ويوصفَ
بالشجاعة، ويذهب صيته في الآفاق، وهو السمعة.
وقوله: (ليرى) بلفظ المجهول من الرؤية، و(مكانه) أي: منزلته من الشجاعة
وقدره، مرفوع على أنه مفعول ما لم يُسَمَّ فاعله، أو منصوب على أنه مفعول ثان،
وفي (يرى) ضمير الرجل، ويجوز أن يكون بلفظ المعلوم من الإراءة، و(مكانه) منصوب
على أنه مفعول ثان، والمفعول الأول محذوف، أي: ليُرِيَ الناسَ في الشجاعة وهو

٥٥٦
(١٩) كتاب الجهاد
مُتَّفق عَلَيْهِ. [خ: ٢٨١٠، م: ١٩٠٤].
٣٨١٥ - [٢٩] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهُ رَجَعَ مِنْ غَزْوَةٍ تَبُوكَ فَدَنَاَ
مِنَ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: ((إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَاماً مَا سِرْتُمْ مَسِيراً وَلاَ قَطَعْتُمْ وَادِياً إِلاَّ
كَانُوا مَعَكُمْ)) وَفِي رِوَايَةٍ: ((إِلَّ شَرِكُوكُمْ فِي الأَجْرِ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ
وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: ((وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ:
٤٤٢٣].
٣٨١٦ _ [٣٠] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ. [م: ١٩١١].
الرياء، ويجوز أن يكون المراد مكانه في الجنة أو في العرصات أو في سبيل الله،
وهذا أيضاً نازل عن درجة الصدق في الإخلاص لوجه الله، ولتكون كلمته هي العليا،
فافهم .
٣٨١٥، ٣٨١٦ - [٢٩، ٣٠] (أنس) قوله: (رجع من غزوة تبوك) موضع من
الشام، وهو آخر غزواته وقلتله.
وقوله: (إلا كانوا معكم) أي: بالقلب والهمة والدعاء، وبهذا شركوا في الأجر،
أي: في أصله لا في قدره، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىِّ وَفَضَّلَ اللّهُ
اُلْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥]، وشركوا بكسر الراء في (القاموس)(١):
شركه کعلمه شِرکةً بالکسر.
وقوله: (حبسهم العذر) فإن القاعدين الموعود لهم الحسنى هم أولو الضرر
كما نص عليه في كتاب الله، وفي الحديث فضل نية الخير والتأسف على فوات ذلك.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٧٠).

٥٥٧
(١٩) كتاب الجهاد
٣٨١٧ - [٣١] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍ و قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَه
فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: ((أَحَيُّ وَالِدَاكَ؟)) قَالَ: نَعَمْ قَالَ: ((فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ).
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٠٤، م: ٢٥٤٩].
وَفِي رِوَايَةٍ: ((فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا)).
٣٨١٨ - [٣٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ: ﴿ قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ: ((لاَ هِجْرَةَ
بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ:
٢٧٨٣، م: ١٣٥٣].
٣٨١٧ - [٣١] (عبدالله بن عمرو) قوله: (ففيهما) أي: في خدمة والديك،
(فجاهد) من قبيل قوله تعالى: ﴿فَإِيََّىَ فَأَعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]، وهذا إذا كان الجهاد
تطوعاً، وهكذا حكم الحج وسائر العبادات.
٣٨١٨ - [٣٢] (ابن عباس) قوله: (لا هجرة) أي: فريضة (بعد الفتح) أي فتح
مكة، فإنها كانت فريضة عيناً من مكة بل من كل مكان أسلموا فيه وهو دار الكفر إلى
المدينة، فإن أهل الدين فيها كانوا قليلين ضعفاء فافترضت ليستعينوا بهم وليزول
وزر المشركين وافتتان المسلمين بهم، فلما فتحت مكة زالت العلة إلا أن مفارقة الأوطان
لأجل الجهاد، أو للفرار من دار الكفر ومن الفتنة، أو لطلب العلم، أو لزيارة المساجد
الثلاثة باقية إلى يوم القيامة، وقد يُفرَضُ على الكفاية خروجُ طائفة من المؤمنين للتفقُّه
بموجب قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآَيِفَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ فِ اُلِّينِ﴾ الآية
[التوبة: ١٢٢].
وقوله: (وإذا استنفرتم فانفروا) الاستنفار طلب النفر، أي: الخروج، أي: إذا
أمرَكم الأميرُ بالخروج فأطيعوه.

٥٥٨
(١٩) كتاب الجهاد
الْفَصْلُ الثَّانِي:
٣٨١٩ - [٣٣] عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ:
(لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ، ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَوَأَهُمْ حَتَّى
يُقَاتِلَ آخِرُهُمُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٢٤٨٤].
الفصل الثاني
٣٨١٩ - [٣٣] (عمران بن حصين) قوله: (ظاهرين) أي: غالبين، ظهر عليه:
غلبه .
وقوله: (على من ناواهم) أي: عاداهم، والمناواة والنِّواء: المعاداة، يقال:
ناويتُ الرجل نِواءً ومناواةً، وأصله من النهوض؛ لأن من عاديته وحاربته: ناء إليك
أي: نهض، ونويت إليه، وورد في الخيل: (ونواءً لأهل الإسلام) بكسر النون ممدوداً،
أي: معاداةً لهم، ومنه قوله: لينوء بها، أي: ينهض، وقوله: فذهب لينوء فأغمي عليه،
ومنه قوله تعالى: ﴿لَنَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦]، وفي الحديث الآخر: وناء بصدره،
أي: نهض، كذا في (المشارق)(١)، وبالجملة النوء في الأصل النهوض، في
(القاموس)(٢): ناء نوءاً: نهض بجهد ومشقة، وقد يراد به العداوة لما ذكر.
وقوله: (حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال) قيل: المراد بآخرهم عيسى ◌َ لَّا
ومن تابعه، والمقصود أن الجهاد في هذه الأمة وظهورهم على الحق وغلبتهم على
الكفار باقٍ إلى يوم القيامة.
(١) ((مشارق الأنوار)) (٢/ ٥٥).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٤).

٥٥٩
(١٩) كتاب الجهاد
٣٨٢٠ - [٣٤] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َلْ قَالَ: ((مَنْ لَمْ يَغْزُ وَلَمْ
يُجَهِّزْ غَازِياً أَوْ يَخْلُفْ غَازِياً فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ أَصَابَهُ اللهُ بِقَارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٠٣].
٣٨٢١ - [٣٥] وَعَنْ أَنَسِ عَنِ النَّبِيِّ ◌َلِ قَالَ: ((جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ
بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ه:
٢٥٠٤، ن: ٣٠٩٦، دي: ٢ / ٢١٣].
٣٨٢٢ - [٣٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((أَفْشُوا
السَّلاَمَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَاضْرِبُوا الْهَامَ، تُوَرَُّوا الْجِنَانَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٨٥٤].
٣٨٢٠ - [٣٤] (أبو أمامة) قوله: (أو يخلف) بالجزم عطف على (يُجهِّزْ)،
و(القارعة): الداهية الشديدة، ومنه سميت القيامة قارعة.
٣٨٢١ - [٣٥] (أنس) قوله: (وألسنتكم) بأن تخوّفوهم وتوعدوهم بالقتل
والأخذ والنهب ونحو ذلك، وبأن تذمُّهم وتسبُّهم إذا لم يؤدِّ ذلك إلى سبِّ الله
سبحانه وتعالى، وبأن تدعوا عليهم بالخذلان والهزيمة، وللمسلمين بالنصر والغنيمة،
وبأن تحرِّضوا الناس على الغزو ونحو ذلك.
٣٨٢٢ - [٣٦] (أبو هريرة) قوله: (أفشوا السلام) بأن تجهروا به حتى يسمع
المُسلَّمَ عليه، والمراد سلِّموا على مَن تعرفونه وعلى مَن لا تعرفونه، (واضربوا الهام)
أي: هامَ الكفارِ جمع هامة بالتخفيف بمعنى الرأس، وفي حليته وَّر: (عظيم الهامة)،
وضربُ الهام كناية عن الجهاد. و(تورّثوا) بلفظ المجهول من الإيراث.

٥٦٠
(١٩) كتاب الجهاد
٣٨٢٣ - [٣٧] وَعَن فَضالَةَ بنِ عُبِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللهِنَِّ قَالَ: ((كُلُّ مَيِّتٍ
يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّ الَّذِي مَاتَ مُرَابِطاً فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِنَّهُ يُنَمَّى لَهُ عَمَلُهُ إِلَى
يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَأْمَنُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٦٢١، د:
٢٥٠٠].
٣٨٢٤ - [٣٨] وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ. [دي: ٢ / ٢٧٨].
٣٨٢٥ - [٣٩] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ:
((مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللهِ فُوَاقَ نَاقَةٍ فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ،
٣٨٢٣، ٣٨٢٤ - [٣٧، ٣٨] (فضالة بن عبيد، عقبة بن عامر) قوله: (وعن
فضالة) بفتح الفاء .
وقوله: (فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة) قد أسلفنا الكلام عليه في الفصل
الأول من كتاب العلم في حديث أبي هريرة: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله) فتذكر.
٣٨٢٥ - [٣٩] (معاذ بن جبل) قوله: (فواق) أي: قدرَ فُواقٍ، وهو بضم الفاء
ويفتح: ما بين الحَلْبتَينِ، فإن الناقة تُحلَبُ وتُتْرَكُ ليدرَّ، ثم تُحلَبُ، ويقال: ما أقام
عندي إلا فُواقاً، وأصله من الفَوق؛ لأن الدرَّ ينزل من فوق، ولقد أبعد من قال:
يحتمل أن يكون المراد بما بين الحلبتين ما بين الغداة إلى العِشاء؛ لأن الناقة تُحلَبُ
فيهما؛ لفوات المبالغة، لأن الجهاد والقتال من الغداة إلى العشاء متعسِّر، اللهم إلا
أن يراد به السعي إلى الجهاد والتهيؤ [له]، ولله در صاحب (القاموس)(١) حيث نقل:
الفُواق ما بين الحلبتين، أو ما بين فتح يدك وقبضها على الضَّرع.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٤٧).