Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ (١٥) كتاب الأيمان والنذور ٣٤٣٧ - [١٢] وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّخَّاكِ قَالَ: نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَ﴿ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلاَّ بِبُوَانَةَ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌّ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟)) قَالُوا: لاَ، قَالَ: ((فَهَلْ كَانَ فِيهِ عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟)) قَالُوا: لاَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َِّ: (أَوْفٍ بِنَذْرِك، فَإِنَّهُ لاَ وَفَاءَ لِنَذْرِ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلاَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ)) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٣١٣]. هذا الحديث من ابن عباس على كون كفارته كفارة اليمين في النذر المطلق، وفي النذر بمعصية، وفي النذر بما لا يطيق، فتدبر. ٣٤٣٧ - [١٢] (ثابت بن الضحاك) قوله: (أن ينحر إبلاً ببوانة) بضم الموحدة وتخفيف الواو، قال الطيبي(١): موضع في أسفل مكة دون يلَمْلَمَ، وقال الجوهري: اسم موضع، وقد يحذف التاء، وقال في (القاموس)(٢): هضبة وراء يَنْبُعَ، وكذا في (مختصر النهاية)(٣)، وما ذكره الطيبي (٤) أقرب؛ لأن مكة وحواليه من مظان النحر وعبادة الأوثان، وأما ينبع بفتح التحتانية وضم الموحدة بينهما نون، فموضع على مرحلة من المدينة على طريق مصرَ. وفي الحديث أن من نذر أن يضحي في مكان لزمه الوفاء به بعد أن لم يكن معبد الأوثان، ولو في وقت ما أو مجمع الكفار، وفي حكمه أن ينذر التصدق على أهل (١) (شرح الطيبي)) (٧ / ٣٦). (٢) ((القاموس)) (ص: ١٠٨٨). (٣) ((الدر النثير)) (١ / ٩٩). (٤) (شرح الطيبي)) (٧ / ٣٦). ٢٦٢ (١) باب في النذور ٣٤٣٨ - [١٣] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيِهِ عَنْ جده: أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ قَالَ: ((أَوْفِي بِنَذْرِكِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٣١٢]. وَزَادَ رَزِيزٌ: قَالَتْ: وَنَذَرْتُ أَنْ أَذْبَحَ بِمَكَانٍ كَذَا وَكَذَا، مَكَانٌ يَذْبَحُ فِيهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ: ((هَلْ كَانَ بِذَلِكَ الْمَكَانِ وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ ◌ُعْبَدُ؟)) قَالَتْ: لاَ، قَالَ: ((هَلْ كَانَ فِيهِ عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟)) قَالَتْ: لاَ، قَالَ: (أَوْفِي بِنَذْرِكِ)). ٣٤٣٩ - [١٤] وَعَنْ أَبِيِ لُبَابَةَ: أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ◌َِّ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ البلد . أَهْجُرَ. ٣٤٣٨ - [١٣] (عمرو بن شعيب) قوله: (على رأسك) أي: بحضرتك، و(الدف) بالضم أشهر وأفصح، وجاء بالفتح أيضاً، وفيه: دليل على النذر بالمباح، فإن ضرب الدف مباح في الجملة، وقالَ من خصَّ النذر بالطاعة والقربة: إن ضرب الدف وإن لم يكن من القربات التي وجب على الناذر الوفاءُ بها، بل من المباحات كأكل الأطعمة اللذيذة، ولبس الثياب الناعمة، ولكنه ◌َّه أمرها بالوفاء نظراً إلى مقصدها الصحيح الذي هو إظهارُ الفرح والسرور بقدوم رسول الله ﴿ سالماً غانماً مظفَّراً على الأعداء . وقوله: (مكان) بالجر بدل من مكان، وبالرفع على أنه خبر محذوف. ٣٤٣٩ - [١٤] (أبو لبابة) قوله: (إن من توبتي أن أهجر) لما حاصر النبي ◌َّ بني ٢٦٣ (١٥) كتاب الأيمان والنذور دَارَ قَوْمِي الَّتِي أَصَبْتُ فِيهَا الذَّنْبَ، وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ صَدَقَةً قَالَ: ((يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلَثُ)). رَوَاهُ رَزِينٌ. [ط: ٤٨١/٢، د: ٣٣١٩]. ٣٤٤٠ - [١٥] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ رَجُلاً قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِّي نَذَرْتُ لِلَّهِ وَ إِنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنٍ قَالَ: ((صلِّ هَهُنَا)) ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ: ((صَلِّ هَهُنَا))، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ: ((شَأْنَكَ إِذاً)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٣٣٠٥، دي: ٣ / ١٨٤ - ١٨٥]. قُريظةَ، بعثوا إليه ◌ََّ أن ابعَثْ إلينا أبا لبابة نستشيره في أمرنا، فأرسله إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال والنساء والصبيان يبكون في وجهه، فرقٌ لهم فقالوا: يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حَلْقِهِ أنه الذبحُ، قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي حتى عرفتُ أني خُنْتُ اللهَ ورسولَه، ثم انطلق على وجهه وارتبط نفسه بسارية المسجد، وقال: لا أبرح مكاني حتى يتوبَ الله عليَّ، فأنزل الله توبته، فسار الناس إليه يُطلقوه، قال: لا والله حتى يكون رسول الله صل هو الذي يطلقني، فأطلقه فقال: يا رسول الله! إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبتُ فيها الذنب، الحديثَ، يريد دار بني قريظة لما أن عياله وأمواله كانت فيهم وفي أیدیهم . ٣٤٤٠ - [١٥] (جابر بن عبدالله) قوله: (صل ههنا) أي: في المسجد الحرام فإنه أفضل، (شأنك إذاً) أي: الزم شأنك، وإذن جواب وجزاء، أي: إذا أبيت أن تصلي ههنا، فافعل ما نذرت به من صلاتك في بيت المقدس، قالوا: إن نذر أن يصلي في ٢٦٤ (١) باب في النذور ٣٤٤١ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس: أَنَّ أَخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً، وَأَنَّهَا لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ مَشْي أُخْتِكَ، فَلْتَرْكَبْ وَلْتُهْدِ بَدَنَةً)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٣٢٩٧، دي: ٢ / ١٨٣]. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَّبِي دَاوُدَ: فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ◌َّهِ أَنْ تَرْكَبَ وَتُهْدِيَ هَدْياً، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهُ: ((إِنَّ اللهَ لاَ يَصْنَعُ بِشَقَاءٍ أُخْتِكَ شَيْئاً فَلْتَرْكَبْ ولْتَحُجَّ وَتُكَفِّرْ يَمِينَهَا)). [د: ٣٢٩٥]. بيت المقدس يخرج عن عهدة النذر إذا صلى في مسجد الحرام أو مسجد الرسول وَيّر، وإن نذر أن يصلي في مسجد الرسول وزير جاز له أن يصلي في مسجد الحرام، وإن نذر بالصلاة في المسجد الحرام لم يجز في غيره لكونه أفضل من غيره، هذا وكتب في (الحاشية): أن المشهور عند الحنفية أنه لا يجوز أن يصلي في غير ما نذر فيه، وعن أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يجوز إلا في الأفضل أو المُساوِي. ٣٤٤١ - [١٦] (ابن عباس) قوله: (ولتهد بدنة) قال بعضهم: الشاة كافية، والأمر بالبدنة للندب، وقال بعضهم: تجب بدنة لظاهر الحديث، وقيل: لا يجب شيء، وإنما أمر بالنحر استحباباً، والله أعلم. وقوله: (بشقاء أختك) بفتح الشين: الشدة والعسر، ويمد، شقي كرضي شقاء وشقاوة وشقوة ويكسر، كذا في (القاموس)(١). وقوله: (وتكفر يمينها) يؤيد مذهبنا أن النذر يستلزم اليمين. (١) («القاموس)) (ص: ١١٩٥). ٢٦٥ (١٥) كتاب الأيمان والنذور ٣٤٤٢ - [١٧] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ◌َه عَنْ أُخْتٍ لَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ حَافِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ فَقَالَ: ((مُرُوهَا فَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَرْكَبْ وَلْتَصُمْ ثَلاثَةَ أَّامٍ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٣٢٩٣، ت: ١٥٤٤، ن: ٣٨١٥، جه: ٢١٣٤، دي: ٢ / ١٨٣]. ٣٤٤٣ - [١٨] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أَخَوَيْنِ مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ، فَسَأَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ الْقِسْمَةَ فَقَالَ: إِنْ عُدْتَ تَسْأَلُنِي الْقِسْمَةَ فَكُلُّ مَالِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّ الْكَعْبَةَ غَنِيَّةٌ عَنْ مَالِكَ، كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَكَلِّمْ أَخَاكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَلِ يَقُولُ: ((لاَ يَمِينَ عَلَيْكَ وَلاَ نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبِّ،. ٣٤٤٢ - [١٧] (عبدالله بن مالك) قوله: (فلتختمر) بلفظ الافتعال، وفي نسخة بلفظ التفعيل، والخمار: ما تغطي به المرأة رأسها، واختمرت وتخمَّرت: إذا لبسَت الخِمَارَ. وقوله: (فلتختمر) لأن ترك الاختمار معصية فلا يصح النذر به، وأما صوم ثلاثة أيام فلأنها كفارة اليمين، وقيل: هي بدل الهدي، وكانت عاجزة عن المشي حافية، وقد جاءت الرواية هكذا. ٣٤٤٣ - [١٨] (سعيد بن المسيب) قوله: (في رتاج الكعبة) الرَّتَج محركة والرِّتَاج ككتاب: الباب العظيم، وهو الباب المغلق، ورتج الباب: أغلقه، والمراد في الحديث نفس الكعبة؛ لأنه إنما أراد أن ماله هدي إلى الكعبة، وإنما ذكر الباب تعظيماً، ولهذا قال: (إن الكعبة غنية عن مالك). ٢٦٦ (١) باب في النذور وَلاَ فِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَلاَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٢٧٢]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٣٤٤٤ - [١٩] عَن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ لَّه يَقُولُ: ((الَّذْرُ نَذْرَانِ: فَمَنْ كَانَ نَذَرَ فِي طَاعَةٍ فَذَلِكَ لِلَّهِ فِيهِ الْوَفَاءُ، وَمَنْ كَانَ نَذَرَ فِي مَعْصِيَةٍ فَذَلِكَ لِلشَّيْطَانِ وَلاَ وَفَاء فِيهِ وَيُكَفِّرُهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٣٨٤٥]. ٣٤٤٥ - [٢٠] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ نَفْسَهُ إِنْ نَجَّاهُ اللهُ مِنْ عَدُوِّهِ، فَسَأَلَ ابْنَ عَبَّاس فَقَالَ لَهُ: سَلْ مَسْرُوقاً .... وقوله: (فيما لا يملك) بلفظ المجهول أو المعلوم، وهذا إما حكم مستقل ذكر هنا استطراداً، أو مما نحن فيه لأن قوله: (كلُّ مالي في رِتاج الكعبة) نذرٌ فيما لا يملك لكونه قبل القسمة . الفصل الثالث ٣٤٤٤ - [١٩] (عمران بن حصين) قوله: (ويكفر ما يكفر اليمين) قد سبق شرح الحدیث بتمامه . ٣٤٤٥ - [٢٠] (محمد بن المنتشر) قوله: (نذر أن ينحر نفسه) كأنه كان موتُه على يد العدو أشدَّ عليه وأغلظَ وأفضحَ، فقال: اللهم إني لا أشق علي أصل الموت، بل أنحر نفسي باختياري، ولكن الموت على يد العدو يشق علي، فإن أنجيتني منه أنحر لك نفسي . وقوله: (سل مسروقاً) إنما أحاله عليه لأنه كان يأخذ من أم المؤمنين عائشة، ٢٦٧ (١٥) كتاب الأيمان والنذور فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ: لاَ تَنْحَرْ نَفْسَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ كُنْتَ مُؤْمِناً قَتَلْتَ نَفْساً مُؤْمِنَةً، وَإِنْ كُنْتَ كَافِراً تَعَجَّلْتَ إِلَى النَّارِ، وَاشْتَرٍ كَبْشاً فَاذْبَحْهُ لِلْمَسَاكِينِ، فَإِنَّ إِسْحَاقَ خَيْرٌ مِنْكَ، وَفُدِيَ بِكَبْشٍ، فَأَخْبَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: هَكَذَا كُنْتُ أَرَدْتُ أَنْ أَفْتِيَكَ. رَوَاهُ رَزِينٌ. وهذا من غاية احتياط ابن عباس وصبره، وفيه تثبيت لقوله، وحفظ فتواه من وَصْمة الخلاف والنزاع. وقوله: (فإنك إن كنت مؤمناً) أي: عند الله وفي نفس الأمر، أو قال على سبيل التردید إلزاماً له . وقوله: (فإن إسحاق خير منك) يدل على أن المذبوح هو إسحاق لا إسماعيل كما هو المشهور، وقد يوجد في كلام بعض الكبراء القول بأنه إسحاق، وقد يستشكل بقوله مثل: (أنا ابن الذبيحين)، وقال السيوطي في بعض رسائله: إن هذا القول من تحريفات أهل الكتاب، والله أعلم. (١٦) كتاب القضاء - (١٦) كِتَابِ القِصَضاء * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٣٤٤٦ - [١] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ : النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، ١٦ - كتاب القصاص هو اسمٌ من قَصَّ أثرَه قَصَّا وقَصِيصاً: تَتَبَّعَهُ، قوله تعالى: ﴿فَارْتَدًا عَلَىّ ءَاثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] أي: رجعا من الطريق الذي سلكاه يقصَّان الأثر، والولي يتبع القاتل في فعله، ويقصُّ أثره؛ ليدركه، وينقم منه، ويقتله، أو من تقاصًا أي: تساويًا، وتماثلا، ويتساوى الوليُّ والقاتلُ بالقصاص بأن يفعل به مثل ما فعله. الفصل الأول ٣٤٤٦ - [١] (عبدالله بن مسعود) قوله: (لا يحل دم امرئ) أي: إراقةُ دم إنسانٍ . وقوله: (يشهد) صفة ثانية لـ (امرئ)، أو صفة لـ (مسلم) للكشف والتوضيح، إشارة إلى أن الإتيان بالشهادتين كافٍ في العصمة . وقوله: (إلا بإحدى ثلاث) أي: خصال، ففصلها بتعداد المتصفين بها. وقوله: (النفس بالنفس) مرفوع، أي: يقتل النفس بالنفس، أو منصوب على ٢٧٢ (١٦) كتاب القصاص وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمَارِقُ لِدِينِهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٧٨، م: ١٦٧٦]. ٣٤٤٧ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَماً حَرَاماً). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٨٦٤، م: ١٦٧٨]. ٣٤٤٨ _ [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلِ: ((أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ. حكاية لفظ القرآن، أو مجرور بتقدير يحلُّ قتلُ النفسِ. و(الثيب الزاني) المراد به المحصن، خص أحد أوصافه بالذكر، وهو الوطء بنكاح صحيح المتضمّنُ له الثيِّبُ، وباقي الأوصاف ظاهر، وهو أيضاً معرب بالحركات الثلاث كالمعطوف عليه، وكذا قوله: (والمارق لدينه) والمروق: الخروج، والخوارج مارقة لخروجهم عن الدين، ومنه مرق القدر، وصلته باللام، إما لكونها بمعنى عن، أو تضمين معنى الترك، و(التارك للجماعة) بيان له، أي: بالارتداد، وقيل: يتناول كل خارج عن الجماعة ببدعة أو خلاف إجماع، كذا نقل الطيبي عن النووي (١). ٣٤٤٧ - [٢] (ابن عمر) قوله: (في فسحة من دينه) أي: سَعةٍ ورجاءِ رحمةٍ من الله؛ فإذا أصاب دماً حراماً ضاق عليه أمرُ دينه ورجاءُ الرحمة، أو في سعة من توفيق الأعمال الصالحة؛ فإذا قَتَلَ حُرِمَ من التوفيق وضاق عليه الأمر، وهذا المعنى أوفق لحديث أبي الدرداء الآتي في الفصل الثاني: (لا يزالُ المؤمنُ مُعِنِقاً)، الحديث. ٣٤٤٨ _ [٣] (عبدالله بن مسعود) قوله: (أول ما يقضى بين الناس) أي في (١) ((شرح الطيبي)) (٧ / ٤٣). ٢٧٣ (١٦) كتاب القصاص يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٢٢]. ٣٤٤٩ - [٤] وَعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلاً مِنَ الْكُفَّارِ، فَاقْتَلْنَا، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لاَذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ - وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا أَهْوَيْتُ لِأَقْتُلَهُ قَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ - أَقْتُلُهُ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ: ((لاَ تَقْتُلْهُ)) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّهُ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لاَ تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٦٥، م: ٩٥]. حقوق العباد، فلا ينافي أول ما يحاسب عليه العبد صلاته. ٣٤٤٩ - [٤] (المقداد بن الأسود) قوله: (ثم لاذ) أي: عاذ، واللَّوْذُ واللِّواذُ كالعَوْذِ والعِيَاذِ: الالتجاءُ. وقوله: (فلما أهويت) أي: سقطتُ وقصدتُ. وقوله: (لا تقتله) يستفاد منه صحة إسلام المُكرَه، وأن الحربيَّ إذا جنى على مسلم ثم أسلم لم يؤاخذ بالقصاص. وقوله: (فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله) أي: هو معصومُ الدم لإسلامه كما كنت كذلك بالإسلام قبل أن تقتله، (وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال) أي: لم تبقَ معصومَ الدم كما كان هو قبل الإسلام، لكن السبب مختلف، فإن إباحة دمك لكونك قاتلاً، وإباحة دمه لكونه كافراً، وليس التشبيه في الكفر، ولو حمل عليه كان تغليظاً وتشديداً؛ فلا يلزم أن يكون مرتكبُ القتل كافراً، كما هو مذهب الخوارج. ٢٧٤ (١٦) كتاب القصاص ٣٤٥٠ _ [٥] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِنَّهِ إِلَى أَنَاس مِنْ جُهَيْنَةَ، فَأَتَيْتُ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَذَهَبْتُ أَطْعَنُهُ فَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ، فَطَعَنْتُّهُ فَقَتَلْتُهُ، فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ(١) وََّ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ((أَقَتَلْتَهُ وقدْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ؟)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ تَعَوُّذاً قَالَ: ((فَهَلَّ شَقَفْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٧٢، م: ٩٦]. ٣٤٥٠ _ [٥] (أسامة بن زيد) قوله: (فأتيت على رجل منهم) اسم الرجل على الصحيح مِرْداسٌ، واختلف في اسم أبيه، فقيل: مرداس بن نهيك الفزاري، وقيل: ابن عمرو الفدكي، قال الُّورِبِشْتِي(٢): قد تبين لنا من القولين أنه لم يكن جهنيًّا، وإنما كان دخيلاً فيهم غريباً بأرضهم، فسَبَوهم من جملتهم؛ لأنهم وجدوه في بلاد جُهَينةَ، يرعى غنماً له، فلما قال: لا إله إلا الله رأوا أنه قال ذلك تعوُّذاً، فقتله أسامة على أنه مباح الدم، والخطأ موضوع عن المجتهد، أو لأنه قال في حالة البأس وإجراء السيف عليه، ولذا لم يلزمه الدية، ومذهب جمع من العلماء أن الرجل بقوله: لا إله إلا الله لا يكون محكوماً بإسلامه حتى يضمّ إليه محمد رسول الله، وإنما وجب الإمساك عنه حتى يعرف حاله، فتوجه النكير على أسامة لتركه التوقف في أمره حتى یتبین له الحق، انتهى . قوله: (فهلا شققت عن قلبه؟) أي: إذا زعمت أنه قال ذلك تعوذاً لِمَ لا شققت قلبه؛ لتعلم وتطلع على ما في قلبه، وتبين لك أنه قال ذلك تعوذاً أو إخلاصاً، يعني ولا يمكن ذلك، فالحكم للظاهر فقط، وشقُّ القلبِ مستعارٌ للفحص والبحث عن حال (١) في نسخة: ((إلى رسول الله)). (٢) ((كتاب الميسر)) (٣/ ٨٠٩). ٢٧٥ (١٦) كتاب القصاص ٣٤٥١ - [٦] وَفِي رِوَايَةٍ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِاللهِ الْبَجَلِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَمه قَالَ: ((كَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟)) قَالَهُ مِرَاراً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٧]. ٣٤٥٢ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((مَنْ قَتَلَ مُعَاهِدَاً لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةٍ أَرْبَعِينَ خَرِيفاً)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣١٦٦]. قلبه، ولهذا عدّاہ بـ (عن)، وقد یروی بدون (عن). ٣٤٥١ - [٦] (جندب بن عبدالله البجلي) قوله: (إذا جاءت) أي: كلمة لا إله إلا الله (يوم القيامة) بأن يمثلها الله تعالى في صورة رجل مخاصم، أو من يخاصم لها من الملائكة، أو من تلفظ بها . ٣٤٥٢ - [٧] (عبدالله بن عمرو) قوله: (من قتل معاهداً) بكسر الهاء: مَن عاهد الإمام على ترك الحرب ذمياً أو غيره، وروي بفتحها، وهو مَنْ عاهده الإمام، والمعاهدة مع المسلمين في حكم معاهدة الإمام. وقوله: (لم يرح) من راحَ يَراحُ أو راحَ يَرِيحُ أو أراحَ يُرِيحُ، وقال الشيخ: هو بفتح الراء والياء، وهو أجود، وعليه الأكثر، والكل بمعنىً. وقوله: (وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين خريفاً) أي عاماً، فإن الخريف يكون في كل عام مرة، والعرب يعتبرون ابتداء العام من الخريف، وفي رواية: (سبعين عاماً)، وفي أخرى: (مئة عام)، وفي (الموطأ): (خمس مئة عام)، وفي (الفردوس): (ألف عام)، وجمع ذلك بحسب اختلاف الأعمال وتفاوت درجات العمال، كذا ٢٧٦ (١٦) كتاب القصاص ٣٤٥٣ - [٨] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهَا خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أَبَداً، وَمَنْ تَحَسَّى سُمَّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِ يَتَحَسَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أَبَداً، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارٍ جهنَّمَ خَالِداً مُخَلَّداً فِيهَا أَبَداً)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٧٨، م: ١٠٩]. ذكر السيوطي(١)، وليس عدمُ وِجدان رائحة الجنة كنايةً عن عدم دخولها، كما يفهم في العرف من مثل هذه العبارة، بل عدم وجدانها أولَ ما يجدها الصالحون من عباد الله، ويقال: إن الله يرسل الروائح الطيبة من الجنة في المحشر؛ لتيسر عليهم الوقوف فيه ويريحهم من متاعبه، فيُحرَمُ بعضُ العُصاة منها، والله أعلم. ٣٤٥٣ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (من تردى) أي: ألقى نفسه من جبل، يقال: ردى في البئر، وتردَّى: سقط، ردي كرضي: هلك، وقال الطيبي(٢): المراد يتهور الإنسان، فيرمى نفسه من جبل. وقوله: (من تحسى) حسا زيد الماء وتحسَّاه: شربه شيئاً بعدَ شيءٍ، والمراد هنا الشرب مطلقاً. و(السم) بفتح السين وضمها: دواء قاتل يُطرح في طعام أو ماء، وقيل : مثلثة السين . وقوله: (يتوجأ بها) أي: يضرب بالحديدة، وجأه باليد وبالسکین کوضعه: ضربه كتوجّاً، وقد وقع في أكثر نسخ (المصابيح): (يجأ) كيضع، والأول أولى روايةً ودرايةً، ثم الحكم بخلود العذاب لهؤلاء مؤول، إما بالاستحلال، أو يحمل الخلود (١) انظر: ((التوشيح شرح الجامع الصحيح)) (٩ /٤٠٤٥). (٢) ((شرح الطيبي)) (٧ / ٤٧). ٢٧٧ (١٦) كتاب القصاص ٣٤٥٤ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْتَقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعَنُهَا يَطْعَنُهَا فِي النَّارِ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٣٦٥]. ٣٤٥٥ _ [١٠] وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ فَأَخَذَ سِكِيناً، فحزَّبِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: بَادَرَبِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ فَحَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّة)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٦٣، م: ١١٣]. ٣٤٥٦ - [١١] وَعَنْ جَابِرِ: أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ. على المَكْثِ الطويل، كما يقال: سجن مخلَّد، ووقف مخلَّد جمعاً بين الدلائل. ٣٤٥٤ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (الذي يخنق) من باب نصر. وقوله: (والذي يطعنها) في (القاموس) (١): طعنه بالرمح كمنعه، ونصره، طعناً: ضربه . ٣٤٥٥ _ [١٠] (جندب بن عبدالله) قوله: (فجزع) من باب سمع. وقوله: (فحزّ بها) بالمهملة ثم المعجمة، ويروى بالجيم أيضاً، أي: قطع بالسكين، وهي تؤنث، وجاء بزيادة التاء. و(رقأ) بمعنى سكَنَ، يقال: رقاً الدمعُ، كجعل، رقاً ورُقوءاً: جفَّ وسكَنَ . وقوله: (فحرمت عليه الجنة) أيضاً مؤول، إما بالاستحلال أو مع المقربين، وأما الحمل على أنه كان كافراً فبعيد كما لا يخفى. ٣٤٥٦ - [١١] (جابر) قوله: (الدوسي) بفتح الدال وسكون الواو والسين (١) («القاموس المحيط)) (ص: ١١١٨). ٢٧٨ (١٦) كتاب القصاص لَمَّا هَاجَرَ النَّبِىُّ وَّهِ إِلَى الْمَدِينَةِ هَاجَرَ إِلَيْهِ، وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَمَرِضَ فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ، حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، ورآهُ مُغَطِّياً يدَيْهِ فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَّتِي إِلَى نَبِيِّهِنَّهِ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّياً يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ، فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللهِوَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((اللّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِر)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٦]. المهملة، نسبة إلى دَوْس بن عبدالله . وقوله: (هاجر) أي: الطفيلُ بن عمرو (إليه) أي: إلى النبي ◌َّ، و(هاجر معه) أي: مع الطفيل (رجل من قومه فمرض) أي: الرجلُ، و(مشاقص) جمع مشقص بكسر الميم: نصل عريض أو طويل، أو سهم فيه ذلك، يرمى به الوحش، والشقص بكسر الشين: النصيب، و(البراجم) جمع بُرْجُمَة بضم الباء والجيم: العقد التي في ظهور الأصابع يجتمع فيها الوسخ. وقوله: (فشخبت يداه) أي: سال منهما الدم، والشخب بالضم: ما خرج من الضرع من اللبن، وبالفتح: الدم، وشخب اللبن، كمنع ونصر، فانشخب . وقوله: (ورآه) الظاهر أنه بلفظ الماضي من الرؤية، عطف على قوله: (فرآه)، وهكذا يوجد في النسخ المصححة، وقد صحح في نسخة أصلنا: (وراءه) بمعنى عقبه، وكتب في الحاشية: ظرف لقوله: (فرآه). وقوله: (اللهم وليديه فاغفر) أي: كما غفرت لسائر أعضائه اغفر ليديه أيضاً، وفيه دليل على عدم كفره وخلوده في النار لأنه ◌َّ دعا له بالمغفرة. ٢٧٩ (١٦) كتاب القصاص ٣٤٥٧ - [١٢] وَعَنْ أَبِ شُرَيح الْكَعْبِيِّ عَنْ رَسُولِ اللهِنَِّ قَالَ: ((ثُمَّ أَنْتُمْ يَا خُزَاعَةُ قَدْ قَتَلْتُمْ هَذَا الْقَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ، وَأَنَا وَاللهِ عَاقِلُهُ، مَنْ قَتَلَ بَعْدَهُ قَبِيلاً فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَيْنِ: إِنْ أَحَبُوا قَتَلُوا وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالشَّافِعِيُّ. [ت: ١٤٠٦، ((مسند الشافعي)) ١ / ٢٩٥]. ٣٤٥٧، ٣٤٥٨ - [١٢، ١٣] (أبو شريح الكعبي، وأبو هريرة) قوله: (ثم أنتم يا خزاعة) هذا من تتمة الخطبة التي خطبها رسول الله ولي﴿ يوم الفتح، ومقدمته مذكورة في (باب حرم مكة) من (كتاب الحج)، وكانت خُزاعةُ قد قتلوا في تلك الأيام رجلاً بمكة بقتيل لهم في الجاهلية، فأدَّى رسول الله وَّهُ دِيتَه لإطفاء نار الفتنة بين القبيلتين . وقوله: (أنا والله عاقله) أي: مُعطِي دِيَتهِ، والعَقْلُ: عطاءُ الدِّيَةِ، يقال: عقَلَ القتيلَ: وَدَاه، وإنما سمي عقلاً لأن الإبل التي يعطى فيها تُعقَلُ في فِناء وليِّ الدم، أو لأن الدية تعقل، أي: تمنع عن السفك. وقوله: (بين خيرتين) تثنية خِيَرَة، بكسر الخاء وفتح الياء، بمعنى الاختيار، ج قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨]، وفي (الصراح)(١): الخيرة: المصطفى، يقال: محمد خيرة الله بسكون الياء وتحريكها: اختیار بر گزیدن. والحديث ظاهر في أن الاختيار لأولياء المقتول إن شاؤوا اقتصُّوا وإن شاؤوا أخذوا الدية، وهو مذهب الشافعي وأحمد، وعند أبي حنيفة ومالك: لا تثبت الدية إلا برضى القاتل، وهو أحد قولي الشافعي؛ لأن موجَبَ القتلِ عمداً هو القصاصُ لقوله تعالى: ﴿كُنِبَ عَلَيْكُمْ اَلْقِصَاصُ فِى الْقَنْلىّ﴾ [البقرة: ١٧٨] إلا أنه يقيد بوصف العمد (١) ((الصراح)) (ص: ١٧٦). ٢٨٠ (١٦) كتاب القصاص وَفِي ((شرح السنَّة) بِإِسْنَادِهِ، وَصَرَّحَ: بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي شُرَيْح وَقَالَ: ٣٤٥٨ - [١٣] وَأَخْرَ جَاهُ مِنْ رِوَايَةٍ أَبِي هُرَيْرَةَ يَعْنِي بِمَعْنَاهُ. [خ: ١١٢، م: ١٣٥٥]. ٣٤٥٩ - [١٤] وَعَنْ أَنَسِ: أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَیْنِ فَقِيلَ لَهَا: مَنْ فَعَلَ بِكِ هَذَا؟ أَفُلاَنٌ؟ حَتَّى سُمِّيَ الْتَهُودِيُّ فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَجِيءَ بِالْيَهُودِيِّ، فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللهِنَّهِ فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٨٤، م: ١٦٧٢]. ء لقوله ◌َّل: (العَمْدُ قَوَدٌ) أي: موجبَهُ، فإيجاب المال زيادة؛ فلا يكون للولي أخذَ الديةٍ إلا برضى القاتل، والمسألة مختلف فيها بين الصحابة ومَن بعدهم، ويمكن حمل الحديث على ذلك أيضاً، فافهم. وقوله: (وصرح) أي: البغويُّ في (شرح السنة) : (بأنه ليس في الصحيحين عن أبي شريح) وهذا اعتراض على صاحب (المصابيح) حيث ذكره في الصحاح عن أبي شريح، مع أنه ليس في الصحيحين عنه، وإنما المروي في الصحيحين عن أبي هريرة معناه . ٣٤٥٩ - [١٤] (أنس) قوله: (رضَّ) أي: كسَرَ ودَقَّ، و(الجارية) من النساء من لم يبلغ كالغلام من الرجال، (فأومأت) بالهمزة، وفي أكثر النسخ: (فَأَومَتْ) بتخفيفها . وقوله: (فرض رأسه بالحجارة) هذا دليل على أن القتل بالحجر المثقل الذي يحصل به القتل غالباً يوجب القصاص، وهو قول أكثر العلماء، وإليه ذهب مالك وأحمد والشافعي وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله، ولا يوجب عند أبي حنيفة، وهي