Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
(١١) كتاب البيوع
أَوَ حَبَلَ قَتِّ فَلاَ تَأْخُذْهُ فَإِنَّهُ رِباً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٦٠٣].
٥- بالبالني مما من البيوع
في (الصحاح(١))، والتبن بالكسر: عصيفة الزرع من بُرٍّ أو نحوه.
وقوله: (أو حبل قت) الحبل بالتحريك مصدر يسمى به المحبول، وقيل:
مشدود بالحبل، والقتُّ بفتح القاف وتشديد التاء: الفصفصة اليابسة التي تأكلها
الدواب، كذا في (المشارق)(٢)، وفي (القاموس)(٣): الفصفصة، أو يابسه.
وقال الطيبي(٤): القَتُّ الرطبة من علف الدواب، وفي الحواشي: يقال لها بمكة:
برسوم، ويقال: إنه الأَبّ الذي وقع في القرآن(٥)، والله أعلم.
هذا وفي بعض النسخ: (حمل قت) بالميم، ونحن ما وجدنا في الشروح إلا
كذلك، والله أعلم.
وفي الحديث مبالغة في الامتناع عن قبول الهدية من المستقرض.
٥ - باب المنهي عنها من البيوع
وفي بعض النسخ: (المنهي عنه)، اعلم أن النهي عن البيع قد يكون للحرمة كالبيع
(١) ((الصحاح)) (١ / ١٤٧).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (٢/ ٢٨٦).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٥٨).
(٤) ((شرح الطيبي)) (٦ / ٥٩).
(٥) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ وَفَكِهَةٌ وَأَبََّ ﴾ [عبس: ٣١].

٥٤٢
(٥) باب المنهي عنها من البيوع
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٨٣٤ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِوَلَّهُ عَنِ الْمُزَابَةِ :..
الفاسد، بمنزلة الصلاة التي فُقد من أركانها أو شرائطها شيء، وقد يكون للكراهة
كالبيع عند أذان الجمعة، بمنزلة الصلاة في الأرض المغصوبة. ثم الحنفية جعلوا البيع
الحرام قسمين: فاسداً وباطلاً، فجعلوا البيع بالميتة والدم والحر مثلاً باطلاً لانعدام
ركن البيع، وهو مبادلة المال بالمال، فإن هذه الأشياء لا تعدّ مالاً عند أحد، والبيع
بالخمر والخنزير فاسداً لوجود حقيقة البيع، وهو مبادلة المال بالمال فإنه مال عند بعض
الناس، لكنه ليس بمال متقوم بل أمرنا بإهانته، والباطل لا يفيد ملك التصرف، ولو
هلك المبيع في يد المشتري يكون أمانة عند بعض المشايخ، لأن العقد غير معتبر فبقي
القبض بإذن المالك، والفاسد يفيد الملك عند اتصال القبض، ويكون المبيع مضموناً
في يد المشتري بالاتفاق، كذا في (الهداية)(١)، وقد فصِّل وحقق ذلك في كتبهم.
الفصل الأول
٢٨٣٤ - [١] (ابن عمر) قوله: (نهى رسول الله ويّفي عن المزابنة) من الزبن وهو
الدفع، وإنما سمي مزابنة لأن أحد المتبايعين إذا وقف على غبن وأراد فسخ العقد
دفعه الآخر، لكن هذا الوجه يجري في كل بيع، ولا يختص بيع الثمر على الشجر
بجنسه موضوعاً على الأرض، ويقال في وجه التخصيص: إن المساواة بين البدلين
شرط في البيع، وما على الشجر إنما يكون مقدَّراً بالخرص لا يؤمن فيه من التفاوت،
فاحتمال النزاع فيه غالب، فالبائع يحرص على إمضاء العقد والمشتري على فسخه.
(١) ((الهداية)) (٣/ ٤٢ - ٤٣).

٥٤٣
(١١) كتاب البيوع
أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَ نَخْلاً بِتَمْرٍ كَيْلاً، وَإِنْ كَانَ كَرْماً أنْ يَبِيِعَهُ بِزَبِيْبٍ
كَيْلاً، أَوْ كَانَ - وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: وَإِنْ كَانَ - زَرْعاً أَنْ يَبِيِعَهُ بِكَبْلٍ طَعَامِ، نَهَى
عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٠٥، م: ١٥٤٢].
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: نَهَى عَنِ الْمُزَابَةِ، قَالَ: وَالْمُزَابَةُ: أَنْ يُبَاعَ مَا فِي
رُؤُوسِ النَّخْلِ بِتَمْرٍ بِكَيْلٍ مُسمَّى إِنْ زادَ فَلِي وَإِن نَقَصَ فَعَلَيَّ.
وقوله: (أن يبيع) بيان للمزابنة، والحائط: البستان.
وقوله: (وإن كان) أي: الحائط، أي: ما فيه من الأشجار التي يباع ثمرها، أو
يراد بالحائط النخل والكرم مجازاً.
وقوله: (أن يبيعه) تكرير وإعادة لقوله: (أن يبيع) ولو لم يذكره لكفى الأول،
والضمير في (أو كان) للحائط، و(زرعاً) خبره، وإطلاق الحائط على الزرع مرتب من
المشاكلة، (وعند مسلم: وإن كان) بدل (أو كان)، وهذا أنسب بما قبله.
وقوله: (بكيل طعام) بالإضافة في جميع النسخ.
وقوله: (نهى عن ذلك) تكرير وتأكيد، وليس جزاءً لـ (إن كان)؛ لأن جزاءها
محذوف لدلالة قوله: (نهى) المذكور قبله، أو هو الجزاء كما يذكرون في مثل هذا
التركيب من الوجهين، فعلى هذا تكون المزابنة بيعَ كل ثمر على الشجر غير مختص
بالرطب، بل غير مختص بالثمر أيضاً إن لم يسم الزرع ثمراً.
وأما قوله: (والمزابنة: أن يباع ما في رؤوس النخل بتمر) فظاهر في التخصيص
يبيع الرطب بالتمر، ولعله بناء على الغالب من العادة.
وقوله: (إن زاد فلي، وإن نقص فعلي) حال بتقدير القول، وهذا قول البائع إن
كان ضمير (زاد) راجعاً إلى (تمر)، وقول المشتري إن كان راجعاً إلى (ما على رؤوس

٥٤٤
(٥) باب المنهي عنها من البيوع
٢٨٣٥ - [٢] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِنَّهِ عَنِ الْمُخَابَرَةِ
وَالْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَةِ، وَالْمُحَاقَلَةُ: أَنْ يَبِيِعَ الرَّجُلُ الزَّرْعَ بِمِئَةٍ فَرَقٍ حِنطَةً، ..
النخل)، وهذا أنسب لأن احتمال النقصان في جانب المشتري أظهر خصوصاً عند
يبس الرطب.
اعلم أن البيع جائز في صورة العرايا بالاتفاق، فإن كانت العرايا عبارة عن بيع
الثمر على الشجر بما في الأرض خرصاً، وهو الظاهر من عبارة الأحاديث، فالعرية
مستثناة من المزابنة، وإن لم يكن بيعاً حقيقةً بل مشابهاً به فلا استثناء، ويكون قوله :
(قد رخص في العرايا) بطريق الاستثناء دفعاً لتوهم عدم جوازه، ويظهر ذلك بما ذكروا
في تفسير العرايا، فقد جاء في تفسيرها عبارات مختلفة كما ستعرف.
٢٨٣٥ - [٢] (جابر) قوله: (نهى رسول الله وَل﴾ عن المخابرة، والمحاقلة،
والمزابنة) اعلم أنه وقع في حديثي جابر ألفاظ هي أسماء لأنواع البيع، قد وقع تفسير
أكثرها في الحديث، ولكن الشارحين قد استنبطوا لها معاني من كتب اللغة وكتب
غريب الحديث، فنذكر منها ما ظفرنا به، وبالله التوفيق.
فمنها: (المحاقلة) من الحقل، وهو في اللغة الزرع إذا انشعب ورقه، وظهر وکثر
قبل أن يغلظ سُوقه، أو ما دام أخضر، والمحاقل المزارع جمع محقلة كالمبقلة من
البقلة، أو جمع حقل على خلاف القياس، وفسر في الحديث بـ (أن يبيع الرجل الزرع
بمئة فرق حنطة)، والفرق بفتح الفاء والراء: مكيال معروف عند أهل المدينة، وهذا
التفسير لا يخلو عن إجمال، وتفصيله ما قيل: إنه بيع الزرع في سنبله بالبُر أو ما دام
أخضر، وقيل: إنه بيع الزرع قبل بدو صلاحه أو بيعه قبل طيبه، غير أن قوله: (بمئة
فرق حنطة) يوهم أنه إذا زاد أو نقص عن هذا المقدار لم يكن ذلك محاقلة، لكنه

٥٤٥
(١١) كتاب البيوع
وَالْمُزَابَةُ: أَنْ يَبِيعَ الثَّمْرَ فِي رُؤُوسِ النَّخْلِ بِمِئَةٍ فَرَقٍ، وَالْمُخَابَرَةُ: كِرَاءُ
الأَرْضِ بِالثُّلُثِ والرُّبُعِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٣٦].
مذكور على طريق التمثيل، والحقل أيضاً: قَرَاح طيِّب يزرع فيه، وإلى هذا المعنى
التفت من قال: هو اكتراء الأرض بالحنطة، ومن قال: إنها المزارعة بالثلث والربع
مثلاً .
ومنها: (المزابنة) وقد عرف معناها فهي في الثمر كالمحاقلة في الزرع.
ومنها: (المخابرة) وقد فسر في هذا الحديث بـ (كراء الأرض بالثلث والربع(١))
مثلاً، كالمحاقلة على قول، وكذلك ذكر في (الصحاح)(٢) و(القاموس) (٣): المخابرة:
المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض، وهو الخِبر أيضاً بالكسر، ونقل عن النووي
في (الحاشية): لكن البذر في المخابرة من العامل، وفي المزارعة من مالكها،
(١) قال شيخنا في التقرير: اعلم أن الحسن البصري منع كلّ صور إعطاء الأرض، وقال: لا بد
من أن يزرع بنفسه أعمّ من أن يعطي على الربع أو على الثلث مثلاً أو على روبية في كذا من
الأرض أو على موضع مخصوص. ومالك أباح صورةً النقد أن يعطي على الكراء كلّ ذراع على
روبية مثلاً. والإمام أبو حنيفة والشافعي أباحا صورة النقد، وأن يقول: آخذ على كل ذراع
منَّا من البُرّ، لا أن يقول منَّا من بُرّ هذا الأرض خاصةً فهي لا تجوز. وأحمد وصاحبا الإمام
أبي حنيفة أباحوا الكراء على البُرّ عاماً كان أو مخصوصاً بما يخرج من هذا الأرض، وكذا
أباحوا بالنقد. والحديث دليل الإمام، وقصة خيبر دليل الصاحبين. وأجاب الإمام عن دليلهما
بأنها كانت خراج مقاسمة لا المزارعة، وأجابا عن دليله بأن النهي محمول على المواساة، أي:
لا ينبغي لمن عنده الأرض فارغاً أن يكري، بل ينبغي الإعطاء بدون الأجرة. انتهى. قلت:
الفتوى عند الحنفية على قول الصاحبين.
(٢) ((الصحاح)) (١ / ١٦١).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٥٧).

٥٤٦
(٥) باب المنهي عنها من البيوع
واختلف في صحتها، انتهى.
وقد ورد: (ولو تركنا المخابرة) أي: لكان خيراً، أو هو للتمني، وفي آخر:
(لا نرى بالخبر بأسا) هو بكسر الخاء أفصح من فتحها، وهو المخابرة، كذا في (مجمع
البحار)(١)، وقال في (المشارق)(٢): (الخبر) بفتح الخاء وسكون الباء كذا قيدناه من
طريق الطبري، وعند ابن عيسى: بضم الخاء، وعن غيرهما بكسر الخاء، وبالفتح ذكره
صاحب (العين)، وبالوجهين قيدناه في كتاب أبي عبيد، ومنه المخابرة.
وقال النُّوربِشْتِي (٣): الخبرة بالضم: النصيب، يقال: تخبَّروا وأَخْبَرُوا: إذا اشتروا
شاةً فذبحوها واقتسموا لحمها، وقيل: من الخبر بالكسر بمعنى المؤاكرة، والخبير
الأكّار، وقيل: إن أصل المخابرة من خيبر؛ لأن النبي ◌ُّ أقرّها في أيدي أهلها على
النصيب من محصولها، فيقال: خابرهم، أي: عاملهم في خيبر، ثم تنازعوا فنهاهم عن
ذلك، ثم جازت بعد ذلك، كذا في (المشارق)(٤)، وقال: هذا قول ابن الأعرابي، وغيره
يأباه، ويقول: إنها لفظة مستعملة، قال النُّوربِشْتِي(٥): وعلى هذا ينبغي أن لا يكون
المخابرة قبل الإسلام، والوجهان الأولان أوضح.
وقيل: هو من الْخَبَار وهي الأرض السهلة اللينة.
(١) ((مجمع البحار)) (٢ / ١٠).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (١/ ٣٥٧).
(٣) ((كتاب الميسر)) (٢ / ٦٧٢).
(٤) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٣٥٧).
(٥) ((كتاب الميسر)) (٢ / ٦٧٢).

٥٤٧
(١١) كتاب البيوع
٢٨٣٦ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِنَّهِ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَّةِ
وَالْمُخَابَرَةِ وَالْمُعَاوَمَةِ، وَعَنِ الثُّنْيَا، وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م:
١٥٣٦].
٢٨٣٦ - [٣] (وعنه)، ومنها: (المعاومة) وهو بيع ثمر النخل والشجر سنتين
فصاعداً، في (القاموس)(١): عاومَتِ النَّخْلَةُ: حَمَلَتْ سَنَةٌ، ولم تَحْمِلْ أخرى، وعاوم
فلاناً: عامَلَهُ بالعامِ .
وقال في (المشارق)(٢): وهو بيع ثمر الشجر سنتين، وهو من بيعه قبل طِبه،
وقال بعضهم: هو اكتراء الأرض سنتين، وقال في (القاموس)(٣): والمُعاوَمَةُ المَنْهِيُّ
عنها: أن تَبِيعَ زَرْعَ عامِكَ، أو هو أن تَزِيدَ على الدَّيْنِ شيئاً وتُؤَخِّرَهُ.
ومنها: (الثنيا) بالضم على وزن الدنيا اسم من الاستثناء، وكذلك الثَّنْوَي، وهي
في البيع أن يستثني شيئاً مجهولاً، وقال القتيبي: هو أن يبيع شيئاً جزافاً ثم يستثني
منه شيئاً، وقال: وتكون الثنيا في المزارعة أن يستثني بعد النصف أو الثلث كيلاً معلوماً،
وقال في (المشارق)(٤): وبيع الثنيا بضم الثاء، وهو كل ما استثني في البيع مما لا يصح
استثناؤه من مجهولٍ وشبهِهِ من مكيل من صُبرة باعها.
وقوله: (ورخّص في العرايا) جمع عرية بتشديد الياء، واختلف اللغويون والفقهاء
في اشتقاقها ومعناها، أما اشتقاقها فقيل: إنها من قولهم: عريتُ الرجلَ النخلةَ، أي:
أطعمْتُه ثمرها عامها، فيعروها، أي: يأتيها، وقد يقال: أعریته، أي: جعلت له أن يأتيها
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٥٢).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ١٨٤).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٥٢).
(٤) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٢٠٤).

٥٤٨
(٥) باب المنهي عنها من البيوع
متى شاء، وعلى هذا يفسرها أكثر أهل اللغة، فهي فعيلة بمعنى مفعولة، والتاء للنقل
من الوصفية إلى الاسمية.
وقيل: إنها من قولهم: عَرَوْت الرجل أعروه [عرواً]: أتيته [طالباً] معروفه،
ويكون أعريته على هذا في معنى أعطيته، وذلك مثل قولهم: أسألته وأطلبته: إذا
أعطيته سؤله وآتیته طلبته.
وقيل: من عَرِيَ يعرى: إذا خلا عن الشيء، من العري خلاف اللبس، ويقال:
عزَّاه تعريةً فهو عريان، ومنه المعرَّى، أي: المجرد. قال النُّوربِشْتِي(١): والوجه الذي
ينفرد أقاويل أهل اللغة فيه هو أن يكون في معنى العطية والعارفة .
وأما معناها فهو نوع من المزابنة لمن له حاجة، فلما نهى عن المزابنة، وهو
بيع الثمر في رؤوس النخل بالتمر خص منها العرية، وهو أن من لا نخل له من ذوي
الحاجة يدرك الرطب، ولا نقد بيده يشتري به الرطب لعياله، ولا نخل له يطعمهم
منه، ويكون قد فضل له من قوته تمر، فيشتري منه صاحب النخل ثمرة نخله بخرصها
من التمر، روي أنه جاء أهل الحاجة من أهل المدينة، وشكوا إلى رسول الله ێ﴿ وقالوا:
نهيت عن هذا البيع ونشتهي الرطب، وليس عندنا من الذهب والفضة ما نشتري به،
فرخّص لهم، ومناسبة هذا المعنى بالمعنيين الأولين المذكورين في اللغة ظاهر، وأما
بالثالث فلأنها عريت من التحريم، أو لأنها جردت النخلة عن ثمرها أو عن ملكه.
وقيل: أن يكون للرجل نخيلات في حائط غيره لهبة له، أو تملكه من الأصل،
فيأتي صاحب الحائط بأهله فيسكن بين النخيل، فيدخل عليهم ذلك الرجل فيجدون
(١) (كتاب الميسر)) (٢/ ٦٧٣).

٥٤٩
(١١) كتاب البيوع
٢٨٣٧ - [٤] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ عَنْ
بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ إِلاَّ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا تَمْراً ..
في أنفسهم، ويتأذون ويتضررون بدخوله عليهم، فرخِّص لصاحب الحائط أن يؤتيه
مقدار خرص نخيلاته تمراً عوضاً عما له في ذلك.
ونقل عن مالك رحمه الله: هو أن يعري - أي: يهب ـ الرجلُ نخلةً من نخلاته
لآخر ويعطيها له، ثم يتأذى الواهب بدخول الموهوب له عليه، فرخّص للواهب أن
يشتريها، وهو تخصيص بإحدى الصورتين، وهو أعم من الهبة وغيرها كما أشرنا
إليه، لكن اعتبار معنى الهبة أقوم وأنسب بأقاويل أهل اللغة وما وقع في أشعارهم كما
ذكر. وكذا ما نقل عن أبي حنيفة رحمه الله من أنه يهب ثمرة نخله، ویشقّ عليه تردد
الموهوب إلى بستانه، وكره أن يرجع في هبته، فيدفع إليه بدلها تمراً وهو صورة
البيع، ولفظ الحديث صريح في أنها بيعٌ حقيقةً، وذكر عن سفيان: العرايا نخل كانت
توهب للمساكين، فلا يستطيعون أن ينظروا أجدادها، فرخص لهم أن يبيعوها بما
شاء من التمر .
وقال الشافعي وأحمد رحمهم الله: هو بيع الرطب على روؤس النخل بالتمر على
الأرض بالخرص، وهو منهي عنه، والقياس بطلانه، لكن رخص هذا البيع في صورة
العرية، كما ذكر.
٢٨٣٧ - [٤] (سهل بن أبي حثمة) قوله: (وعن سهل بن أبي حثمة) بفتح الحاء
المهملة وسكون المثلثة .
وقوله: (عن بيع الثمر بالتمر) بالمثلثة في الأول والفوقية في الثاني.
وقوله: (بخرصها تمراً) تمييز أو حال مقدرة، والضمير في (خرصها) للنخلة

٥٥٠
(٥) باب المنهي عنها من البيوع
بَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَباً. مُتَّفق عَلَيْهِ. [خ: ٢١٩١، م: ١٥٤٠].
٢٨٣٨ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ أَرْخَصَ فِي بَيْع
الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ الثَّمْرِ فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ أَوْسُقٍ أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، شَكَّ
دَاوُدُ بْنُ الْخُصَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٩٠، ٢٣٨٢، م: ١٥٤١].
المفهومة من المقام أو للعرية إن كانت مطلقة على النخلة، فإنه قد جاء إطلاق العرية
على البيع وعلى النخلة التي يباع ثمرها وعلى ثمرها، كما يفهم من إطلاقاتهم،
فالمضاف محذوف، أي: بخرص ثمرها، ويجوز أن يكون الضمير للثمر لكونها جنساً
في معنى الجمع، والباء في (بخرصها) للسببية أو للملابسة، والمعنى أنه يقدر الرطب
الذي على النخلة محققاً كم يكون، ويعرف مقداره، ويعطي من التمر ذلك المقدار،
وكذا حال الضميرين في (يأكلها أهلها) والمراد بأهلها المشتري.
٢٨٣٨ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (من التمر) متعلق بـ (بيع).
وقوله: (فيما دون خمسة أوسق) جمع وَسْق كفَلْسٍ وأفلس، وفتح واوه أشهر
من كسرها: ستون صاعاً (١)، وهو حمل بعير، كذا قال النووي.
وقوله: (شك داود) ففي أقل من خمسة أوسق جائز بلا شبهة، وفيما زاد عليها
غير جائز، وفي خمسة قولان، أصحهما لا يجوز، لأن القياس فيه أن لا يجوز، وإنما
جوز ضرورة رفع الاحتياج فيقتصر على هذا القدر، وهو عدد قد اعتبر في باب الصدقة
كما مر في (باب ما يجب فيه الزكاة): (ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة)،
ثم الأصح جوازه للأغنياء والفقراء، وفي قول: لا يجوز للأغنياء، وكذلك الخلاف
في غير الرطب والعنب، كل ذلك مذهب الشافعي، ولا يعرف ما الحكم في ذلك
(١) وَالصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثِ بِالْبَغْدَادِيِّ. انظر: ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٧ / ٤٩).

٥٥١
(١١) كتاب البيوع
٢٨٣٩ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: نَهَى رَسُولُ اللهِنَّه عَنْ بَيْعِ الثَّمَارِ
حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا (١)، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٩٤،
م: ١٥٣٤].
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ، وَعَنِ السُُّلِ حَتَّى
يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ العَاهَةَ. [م: ١٥٣٥].
٢٨٤٠ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَارِ حَتَّى
تُزْمِيَ،
عندنا، فتدبر.
٢٨٣٩ - [٦] (عبدالله بن عمر) قوله: (نهى البائع) لئلا يكون آخذاً مال المشتري
لا بمقابلة شيء، و(المشتري) لئلا يكون مضيعاً له لوجود المخاطرة قبل ذلك.
وقوله: (حتى تزهو) أي: تحمرّ أو تصفرّ، والزهو حسن المنظر وإشراق الزهر،
وزُها الدنيا [كهُدىً]: زينتها، وزها وأزهى بمعنى، والمراد تمامها وكمالها وسلامتها
عن الآفات، وهذه الألوان علامة ذلك كما أشار إلى ذلك بقوله: (ويأمن العاهة).
٢٨٤٠ - [٧] (أنس) قوله :
(١) قال شيخنا في (التقرير)): الصور المنحصرة ههنا ست؛ لأن البيع إما قبل البدو أو بعد بدو
الأثمار، وعلى كل تقدير إما على شرط الإبقاء على الأشجار أو بشرط عدم الإبقاء أو بدون
الشرط. فالشافعي أدار الحكمَ على بدو الصلاح، فثلاثة صور عنده جائزة، والإمام أباح صورةً
شرط عدم الإبقاء أو صورة بدون الشرط إذا يفرغ المشتري عند استفراغ البائع. والحديث يوافق
الشافعية، والجواب عن الحنفية بأن الحديث محمول على بيع السلم، أو بأن المراد البيع بشرط
الإبقاء فيكون فاسداً، أو النهي ليس للتشريع، بل المقصود المشورة. انتهى.

٥٥٢
(٥) باب المنهي عنها من البيوع
قِيلَ: وَمَا تُزْهِيَ؟ قَالَ: حَتَّى تَحْمَرَّ، وَقَالَ: ((أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ
يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟)). مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٩٨، م: ١٥٥٥].
٢٨٤١ - [٨] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ،
وَأَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوائِحِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٣٦، ٥٥٤
(بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟) يشمل حال المشتري والبائع، و(بم) اختصار بما، وجاز
دخول الجار على ما الاستفهامية مع أن لها صدر الكلام؛ لكمال الاتصال بين الجار
والمجرور، فهما في حكم كلمة واحدة .
وقوله: (وما تزهي) أي: ما معنى قولك: (تزهي)، وهو الظاهر، ويجوز أن يكون
بتقدير أن، فیکون بتأويل المصدر.
٢٨٤١ - [٨] (جابر) قوله: (عن بيع السنين) هو بيع المعاومة المذكور فيما
سبق .
وقوله: (وأمر بوضع الجوائح) جمع جائحة من الجوح، وهو الإهلاك
والاستئصال كالإجاحة والاجتياح، ومنه الجائحة للشدة المجتاحة للمال، وفي (مجمع
البحار)(١): الجائحة: آفة تهلك الثمار والأموال، وكل مصيبة عظيمة، وفتنة مبيرة
جائحة، وهذا إن كان قبل التسليم فظاهر، وإن كان بعده فالأمر للاستحباب بناء على
المروءة والتورع، وقيل: إن ذلك في الأراضي الخراجية التي أمرُها إلى الإمام، أمره
بوضع الخراج عنها إذا اجتاحتها الجوائح.
وفي قوله: (وضع الجوائح) إشارة إلى إسقاط ما يوازي النقصان بقدره.
(١) ((مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٤٠١).

٥٥٣
(١١) كتاب البيوع
٢٨٤٢ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَراً
فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلاَ يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئاً، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ
حَقٌّ؟)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٥٤].
٢٨٤٣ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانُوا يَيْتَاعُونَ الطَّعَامَ فِي أَعلَى
السُّوقِ فَيَبِيِعُونَهُ فِي مَكَانِهِ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللّهِ ◌َ﴿ عَنْ بَيْعِهِ فِي مَكَانِهِ حَتَّى
يَتْقُلُوهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلم أَجِدُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. [د: ٣٤٩٤].
٢٨٤٤ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنِ ابْتَاعَ طَعَاماً فَلاَ
و و
يَبِیعُهُ.
٢٨٤٢ - [٩] (وعنه) قوله: (لو بعت) لو بمعنى إن، فلذلك أدخل في جوابه
الفاء .
٢٨٤٣ - [١٠] (ابن عمر) قوله: (فيبيعونه) أي: قبل القبض والاستيفاء، وهو
المراد بالنقل، كذا قالوا، وأيدوه بالفاء التعقيبية التي تدل على وقوع البيع بعد الابتياع
بلا مهملة، والدليل عليه الحديث الآتي.
وقوله: (ولم أجده في الصحيحين) قال الشيخ الجزري: متفق عليه، ورواه أبو
داود والنسائي والبيهقي(١) نحوه، كذا في بعض الحواشي، وأيضاً فيه: أخرجه
(البخاري)(٢) في (باب نهي التلقي) من (كتاب البيع) بلا تفاوت حرف، فكان تتبع
المصنف قاصراً غير تام.
٢٨٤٤، ٢٨٤٥ - [١١، ١٢] (وعنه) قوله: (فلا يبيعه) بصيغة النفي، خبر في
(١) ((سنن أبي داود)) (٣٤٩٤)، و((سنن النسائي)) (٤٦٠٧)، والبيهقي في الكبرى (١٠٧٣).
(٢) ((صحيح البخاري)) (٢٠٥٩).

٥٥٤
(٥) باب المنهي عنها من البيوع
حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ)) .
٢٨٤٥ - [١٢] وَفَي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ((حَتَّى يَكْتَالَهُ)). مُتَّفق عَلَيْهِ.
[خ: ٢١٢٦، م: ١٥٢٥، ١٥٢٦].
٢٨٤٦ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَمَّ الَّذِي نَى عَنْهُ النَّبِيُّ ◌َّهِ فَهُوَ
الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ. قَالَ ابْنُ عَّاسٍ: وَلاَ أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّ مِثْلَهُ.
مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٣٥، م: ١٥٢٥].
٢٨٤٧ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: لاَ تَلَقَّوْا
الرُّكْبَانَ لِبَيْعِ،
ے
معنى النهي في أكثر النسخ، بل في جميعها، وكتب في نسخة في الهامش: (فلا يبعه)
بصيغة النهي.
وقوله: (حتى يستوفيه) أي: يقبضه، فدل الحديثان على عدم جواز بيع
ما لم يقبض، وهو بإطلاقه مذهب الشافعي ومحمد رحمهما الله، وقال مالك: لا يجوز
في الطعام ويجوز فيما سواه، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: يجوز في
العقار، وهو ظاهر مذهب أحمد، والدليل لهم أن ركن البيع صدر من أهله في محله،
ولا غرر فيه؛ لأن الهلاك في العقار نادر بخلاف المنقول.
٢٨٤٦ - [١٣] (ابن عباس) قوله: (فهو الطعام أن يباع حتى يقبض) هذا يصلح
دليلاً لمالك، ولكن ابن عباس قاس عليه ما سواه، وهذا معنى (ولا أحسب كل شيء
إلا مثله).
٢٨٤٧ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (لا تلقوا الركبان) من التلقي، وذلك بأن
يستقبلوا القافلة التي يجلبون الطعام قبل أن يقدموا الأسواق.

٥٥٥
(١١) كتاب البيوع
وَلاَ يَيَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلاَ تَنَاجَهُوا، وَلاَ يَبَعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ،
وَلاَ تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ،
وقوله: (ولا يبع بعضكم على بيع بعض) عدي بـ (على) لتضمين معنى الغلبة،
والبيع بمعنى الاشتراء، وهذا إن لم يُرد شراءه بل أراد رد عقدهما فقط يكون أقبح.
وقوله: (ولا تناجشوا) النجش في اللغة: إثارة الصيد، والبحث عن الشيء، وفي
الشرع: أن تواطئ رجلاً إذا أراد بيعاً أن تمدحه، أو أن تريد الإنسان أن يبيع بياعة
فتساومه بها بثمن كثير؛ لينظر إليك ناظر فيقع فيها، أو أن تنفّر الناس من الشيء إلى
غيره، كذا في (القاموس)(١).
وقوله: (ولا یبع حاضر لباد) نهى الحضريّ أن يتولى البيع من قبل البدوي؛ لما
كان في ذلك من تنقيص ما أباح الله من الأرباح على أرباب التجارات، وسدّ باب
المرافق على أرباب البياعات، وزاد في حديث جابر الآتي: (دعوا الناس يرزق الله
بعضهم من بعض).
وقوله: (ولا تصروا الإبل والغنم) بفتح التاء وضم الصاد من صرَّ، وبالعكس
من صرَّى، قال النووي في (شرح مسلم)(٢): الثانية رواية مسلم، والأولى رواية غيره،
كذا في (مجمع البحار)(٣)، وقال في (المشارق)(٤): كذا صحيح الرواية، والضبط في هذا
الحرف بضم التاء وفتح الصاد وفتح لام الإبل من صرَّى: إذا جمع مخففاً ومثقلاً،
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٦١).
(٢) ((شرح صحيح مسلم)) (٥/ ٤٢١).
(٣) «مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٣٢١).
(٤) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٧٦).

٥٥٦
(٥) باب المنهي عنها من البيوع
فَمِنِ ابْنَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا: إِنْ رَضِيَهَا
أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعاً مِنْ تَمْرِ. مُتَّفق عَليْهِ. [خ: ٢١٥٠، م:
١٥١٥].
وهو تفسير مالك والكافة من أهل اللغة والفقه، وبعض الرواة يحذف واو الجمع ويضم
لام الإبل على مالم يسم فاعله، وهو خطأ على هذا التفسير، لكنه يخرَّج على تفسير
من فسره بالربط والشد من صرّ يصر، وقال فيه: المصرورة، وهو تفسير الشافعي لهذه
اللفظة، كأنما بحبسه لها ربط أخلافها وشدها لذلك، وبعضهم صحح قوله: (تصروا)
بفتح التاء وضم الصاد ونصب الراء وإثبات واو الجمع، ولا يصح أيضاً إلا على التفسير
الآخر من الصر، وكان شيخنا أبو محمد بن عتاب يقول للقارئ عليه والسامعين
منه: اجعلوا أصلكم في هذا الحرف متى أشكل عليكم ضبط قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَّكُواْ
أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]، واضبطوه على هذا المثال فيرتفع الإشكال، ويحكي لنا ذلك عن
أبيه، لأنه من صرّى مثل زكى، انتهى. والتصرية هو حبس اللبن في ضروع الإبل والغنم
لتباع كذلك، يغرُّ بها المشتري، والمُصَرَّة هي التي يُفعل بها ذلك، وهي المحفلة،
يقال: صرَّيت الماء في الحوض: إذا جمعته، وإن كان من الصرّ كما في بعض الروايات،
ففيه أيضاً معنى الجمع، ومنه الصُّرَّةُ.
ثم ذكر بعد النهي عن التصرية حكمه فقال: (من ابتاعها) أي: اشترى الإبل
والغنم التي بها صريت، ولم يعلم ذلك (فهو بخير النظرين)، أي: ملتبس بخير النظرين
لنفسه، أي: مخير (بعد أن يحلبها) من باب نصر وضرب، وإنما قيد به لأن الغالب
أنه لا يحصل العلم إلا بعد حلبها، ولو اطلع عليها قبله كان له الخيار.
وقوله: (وصاعاً من تمر) عطف على الضمير المنصوب في (ردها)، وهو بدل

٥٥٧
(١١) كتاب البيوع
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنّ
رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا صَاعاً مِنْ طَعَامٍ لاَ سَمْرَاءَ. [م: ١٥٢٤].
اللبن الموجود في الضرع حال البيع، والمعنى في ذلك: أن اللبن الحادث بعد العقد
ملك المشتري، فيختلط باللبن الموجود حال العقد، فلو رد عليه أو مثله لأفضى ذلك
إلى حرج ومشقة، وقد يتعذر الوقوف عليه، فجعل الشارع له بدلاً مقدراً لا يزيد
ولا ينقص، وعند البعض لا يختص بالتمر بل يرد صاعاً من طعام أيِّ طعام كان،
والأظهر تعيين التمر للتنصيص عليه، ويحتمل أن يكون ذلك بطريق التمثيل والاكتفاء
لا على وجه التعيين والتخصيص، والله أعلم.
وقوله: (وفي رواية لمسلم: رد معها صاعاً من طعام لا سمراء) ظاهره يدل
على أن الواجب رد صاع من طعام سوى الحنطة، فقيل: معناه أن التمر متعيِّن ولا يجوز
غيره كالحنطة ونحوها، وإنما خص النفي بالحنطة لكونه أعرف في إطلاق اسم الطعام،
وإنما تعين التمر لأنه غالب طعام العرب، فينصرف إليه المطلق العام، وقيل: أراد به
أن الواجب ردّ صاع من الطعام أيِّ طعام كان، وإن الحنطة غير واجبة على التعيين،
وجاز أن يرد صاعاً من تمر أو شعير أو غيرهما، فتدبر.
واعلم أن ثبوت الخيار في المصراة وردًّ صاع من تمر أو طعام هو مذهب
الشافعي ومالك وأحمد وأبي يوسف رحمهم الله، مع خلاف في مذهب أحمد رحمه الله
في أنه يجب على الفور أو بعد ثلاثة أيام، وأما مذهب أبي حنيفة رحمه الله وطائفة من
العراقيين ومالك رحمه الله في رواية أخرى أنه إنما يثبت بالشرط لا بدونه، ولا يجب
رد صاع لأنه يخالف القياس الصحيح من كل وجه، لأن الأصل أن الشيء إنما يضمن
بالمثل، أو بالقيمة في باب العدديات، أو بالثمن في باب البياعات الصحيحة، وهذا

٥٥٨
(٥) باب المنهي عنها من البيوع
ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
والقياس الصحيح يقتضي وجوب القيمة أو المثل أو الثمن في هذه الصورة،
[و]هذا الحديث يقتضي وجوب رد الصاع من تمر، والتمر ليس بقيمة اللبن قطعاً
ولا ثمنه، ولا مماثلة بينهما لا صورة ولا معنى، أما من حيث الصورة فظاهر، وأما من
حيث المعنى فلأن المِثْل من حيث المعنى لجميع الأشياء إنما هو الدراهم والدنانير،
فيكون العمل به موجباً لانسداد باب القياس الصحيح، والأصل عندنا أن الراوي إن
كان معروفاً بالعدالة والحفظ والضبط دون الفقه والاجتهاد مثل أبي هريرة وأنس بن
مالك توجه، فإن وافق حديثه القياس عمل به، وإلا لم يترك إلا للضرورة وانسداد باب
الرأي، وتمام تحقيقه في كتب أصول الفقه(١).
(١) قال العلامة الكشميري في ((فيض الباري)) (٤/ ٢١٩): وهذا الجواب باطلٌ لا يُلْتَفَتُ إليه،
ولم يزل مَطْعَناً للخصوم منذ زمن قديم، ولمثل هذا اشتهر أن الحنفية يُقدّمون الرأيَ على
الحديث، وحاشاهم أن يقولوا بمثله، فإن هذه المسألة لم يصحّ نقلها عن أبي حنيفة ولا عن
أحد من أصحابه، نعم نُسِبَتْ إلى عيسى بن أبان - المعاصر للشافعي - وهي أيضاً محل تردُّدِ
عندي، كيف! وقد قال المزني: إن أبا حنيفة أَنْبَعُ للأثر من محمد وأبي يوسف. فلعلّه تكون
بين يديه جزئياتٌ ومسائل تدلّ على هذا المعنى.
وبالجملة هذا الجواب أولى أن لا يُذْكَرَ في الكُتُبٍ وإن ذكره بعضهم، ومن يجترئ على
أبي هريرة فيقول: إنه كان غير فقيه؟! ولو سلّمنا فقد يرويه أفقههم أعني ابن مسعود أيضاً،
فيعود المحذور. وأجاب عنه الطحاوي بالمعارضة بحديث: ((الخراج بالضمان)).
والجواب عندي: أن الحديث محمول على الدّيانة دون القضاء، لما في ((فتح القدير)) في
باب الإقالة: أن الغرر إما قوليٍّ أو فعليٌّ، فإن كان الغرر قوليًا فالإقالة واجبة بحكم القاضي،
وإن كان الثاني تجب عليه الإقالة ديانةً ولا يدخل في القضاء. كيف! وأن الخِدَعَاتِ أشياءٌ =

٥٥٩
(١١) كتاب البيوع
٢٨٤٨ _ [١٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لاَ تَلَقَّوُا الْجَلَبَ،
فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[م: ١٥١٩].
٢٨٤٩ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((لاَ تَلَقَّوًا
السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلى السُّوق)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٦٥، م: ١٥١٧].
٢٨٤٨ - [١٥] (وعنه) قوله: (لا تلقوا الجلب) الجلب بالجيم محركة: اسم
لما يجلب من الطعام من بلد إلى بلد، فتلقَّى واحد من أهل البلد إلى جماعة جاؤوا
بالطعام إلى هذا البلد فاشترى منهم، وهذا إذا كان يضر بأهل البلد، فإن كان لا يضر
لا بأس به، إلا إذا لَبَس السعر على الواردين فحينئذٍ يُكره لما فيه من الغرر
والضرر.
وقوله: (فإذا أتى سيده) أي: صاحبه ومالكه، والضمير للجلب وهو البائع،
وقيل: أطلق السيد وهو اسم لمالك العبد لأن المجلوب قد يكون عبداً فغلَّبه على
غيره من السلع فذكر السيد، والوجه الأول هو الظاهر المتبادر إلى الفهم، والمراد أنه
إذا باع الجالب بأرخص من سعر البلد، ثم أتى السوق فعلم بالسعر فله الخيار، وأما إذا
لم يبع بالأرخص فلا خيار، وقيل: له الخيار مطلقاً لإطلاق الحديث.
٢٨٤٩ - [١٦] (ابن عمر) قوله: (لا تلقوا) بالتشديد من تلقي السلع، أي:
الجلب .
= مستورةٌ ليس إلى علمها سبيلٌ، فلا يُمْكِنُ أن تدخل تحت القضاء. فالتصريةُ أيضاً خديعةٌ، ويجب
فيها على البائع أن يُقِيلَ المشتري دِيانةً وإن لم يَجِبْ قضاءً. وحينئذٍ فالحديث مُتأتٍ على
مسائلنا أيضاً، انتهى. وبسط شيخ مشايخنا الكلام في ((بذل المجهود)) (١١ / ١٥٢ - ١٥٨).

٥٦٠
(٥) باب المنهي عنها من البيوع
٢٨٥٠ - [١٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ تَّهِ: ((لاَ يَبْعِ الرَّجُلُ عَلَى
بَيْع أَخِيهِ، وَلاَ يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةٍ أَخِيهِ إِلَّ أنْ يَأْذَنَ لَهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م:
١٥١٥].
٢٨٥١ - [١٨] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((لاَ يَسُمِ الرَّجُلُ
عَلَى سَوْمٍ أخيهِ الْمُسْلِمِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥١٥].
٢٨٥٢ - [١٩] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((لاَ يبِيعُ حَاضِرٌ
لِبَادٍ،
٢٨٥٠ - [١٧] (وعنه) قوله: (لا يبع) بلفظ النهي الغائب، وكذا: (لا يخطب)،
أو بلفظ الخبر فيهما بمعنى النهي، والمراد بالبيع المبايعة أعم من الشراء والبيع، وهذا
إذا تراضى المتعاقدان على مبلغ ثمن في المساومة، فأما إذا لم يركن أحدهما إلى
الآخر، [فهو يبيع من يزيد] ولا بأس به، وهو محمل النهي في النكاح أيضاً، كذا في
(الهداية)(١).
٢٨٥١ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (لا يسم) من باب نصر من السوم، وهذا يؤيد
رواية (لا يبع) بلفظ النهي، وهذا أيضاً محمول على الاتفاق والتراضي على ثمن كما
في الحديث الأول.
٢٨٥٢ - [١٩] (جابر) قوله: (لا يبيع حاضر لباد) بلفظ الخبر في جميع النسخ،
وهذا يؤيد الرواية الأخرى الواقعة بلفظ الخبر، فكلاهما صحيحان، و(يرزق) صحح
بالرفع والجزم، والجزم أظهر.
(١) ((الهداية)) (٣/ ٥٣).