Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ (١٠) كتاب المناسك ١٣ - باب الإحصار وفوت اج الإهداء له الاصطياد له، وهذا تأويل من قال: لا يأكل مما اصطاد لأجله، وظاهره مطلق، وتورُّع من لم يأكل لاحتمالات أخر من مشاركة محرم في الدلالة أو الإشارة أو الإعانة، والله أعلم. ١٣ - باب الإحصار وفوت الحج في (النهاية)(١): الإحصار: المنع والحبس، أحصره المرض أو السلطان: إذا منعه عن مقصده، وحصره: إذا حبسه، وحصرهم العدو: ضيّقوا عليهم، وفي (القاموس) (٢): الحصر كالضرب والنصر: التضييق والحبس عن السفر وغيرِه كالإحصار. ثم الإحصار عندنا يتحقق بعدو أو مرض، فإذا أحصر المحرم جاز له التحلل، وقال الأئمة الثلاثة: لا يكون الإحصار إلا بالعدو؛ لأن التحلل بالهدي شرع في حق المحصَر ليحصِّل النجاة، وبالإحلال ينجو من العدو؛ لأنه يرجع إلى أهله فيندفع شر العدو، لا من المرض، فعندهم يقيم المريض على إحرامه، فإن زال العذر وقد فاته الحج يتحلل بعمل العمرة، وتمسكوا بقول ابن عباس ظكا: لا حصر إلا حصر العدو، وبقوله: ﴿فَإِذَآ أَمِنْهُمْ ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولأنه نزل بالحديبية. قلنا: إن الإحصار في اللغة المنع والحبس، سواء كان من عدو أو من مرض، وكذا الآية تشملهما، وقد قال رسول الله وَله: (من كُسِر أو عَرَج فقد حل، وعليه الحج من قابل)، والتحلل قبل أوانه لدفع الحرج الآتي من قبل امتداد الإحرام، والحرجُ في الاصطبار عليه مع المرض أشدّ وأعظم. (١) ((النهاية)) (١ /٣٩٥). (٢) (ص: ٣٣٩). ٤٤٢ (١٣) باب الإحصار وفوت الحج ٢٧٠٧ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَاماً قَابِلاً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . [خ: ١٨٠٩]. وههنا خلاف آخر، وهو أن الهدي يبعث عندنا إلى الحرم؛ لأن دم الإحصار قربة، والإراقة لم تعرف قربةً إلا في زمان أو مكان، فلا يقع قربة دونه، فلا يقع به التحلل، ولو واعَدَ من يبعثه ليومٍ بعينه يذبح فيه يتحلل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُواْ رُهُوَسَكُمْ خَّ بَبْغَ اْهَدِىُ مِلَّهُ ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والهدي اسم لما يهدى إلى الحرم، فلا يحل حتى يبلغ الحرم، وقال الشافعية: لا يتوقت به ويذبح حيث أحصر؛ لأنه شُرع رخصةً، وبالتوقيت يبطل التخفيف، قلنا: إن المراعى أصل التخفيف لا نهايته. وقالوا: المراد ببلوغ الهدي محله ذبحه حلاً كان أو حرماً، قلنا: هذا خلاف الظاهر، وقالوا: ذبح رسول الله وَّ﴿ وأصحابه عام الحديبية بها وهي من الحلّ، قلنا: لعله لم يكن ذلك لهم، فذبحوا بها للضرورة. هذا وقد قيل: إن الحديبية بعضها حلٌّ وبعضها حرم، فلا يلزم من ذبحه فيها ذبحه في الحل، ونقل في (المواهب اللدنية)(١) عن المحب الطبري: وهي قرية قريبة من مكة أكثرها في الحرم. ثم عندنا إذا أحصر يجب القضاء، وعند الشافعي رحمه الله لا يجب. الفصل الأول ٢٧٠٧ - [١] (ابن عباس) قوله: (حتى اعتمر عاماً قابلاً) هذا عندنا محمول على القضاء وهو الظاهر. (١) ((المواهب اللدنية)) (١ /٤٨٩). ٤٤٣ (١٠) كتاب المناسك ٢٧٠٨ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ وََّ، فَحَالَ كَفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ الْبَيْتِ، فَنَحَرَ النَّبِيُّ ◌َهِ هَدَايَاهُ، وَحَلَقَ وَقَصَّرَ أَصْحَابُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٨٠٧]. ٢٧٠٩ - [٣] وَعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِوَلْ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٨١١]. ٢٧١ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ ٢٧٠٨ - [٢] (عبدالله بن عمر) قوله: (وقصر أصحابه) أي: بعضهم، وحلق آخرون، وذلك أنهم توقفوا في الإحلال لِمَا دخل عليهم من الحزن؛ لكونهم منعوا من الوصول إلى البيت، فأشارت أم سلمة ◌َُّ أن يحلّ هو ◌َّ قبلهم، ففعل، فتبعوه، فحلق بعضهم وقصر بعض، وكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر ممن اقتصر على التقصير، كذا في (المواهب اللدنية)(١). ٢٧٠٩ - [٣] (المسور بن مخرمة) قوله: (نحر قبل أن يحلق) وقال في (الهداية)(٢): ليس عليه الحلق أو التقصير في الإحصار في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وقال أبو يوسف رحمه الله: عليه ذلك، ولو لم يفعل لا شيء عليه؛ لأن النبي ◌َّ حلق عام الحديبية، ولهما [أن الحلق] إنما عرف قربة مرتباً على أفعال الحج، فلا يكون نسكاً قبلها، وفعل النبي ◌َّه وأصحابه ليعرف استحكام عزيمتهم على الانصراف. ٢٧١٠ - [٤] (ابن عمر) قوله: (أليس حسبكم) أي: حسبكم وكافيكم (سنة (١) ((المواهب اللدنية)) (٤/ ٤٥٢). (٢) («الهداية)) (١ / ١٧٥). ٤٤٤ (١٣) باب الإحصار وفوت الحج رَسُولِ اللهِوَّهِ؟ إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَحُجَّ عَاماً قَابِلاً، فَيُهْدِيَ، أَوْ يَصُومَ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْياً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٨١٠]. ٢٧١١ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهَا: ((لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الْحَجَّ؟)) قَالَتْ: وَاللهِ مَا أَجِدُنِي إِلاَّ وَجِعَةً. فَقَالَ لَهَا: ((حُجِّي وَاشْتَرِِي، وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَسْتَنِي)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٨٩، م: ١٢٠٧]. رسول الله ؟) أي: قوله اله . وقوله: (طاف بالبيت وبالصفا والمروة) أي: إذا أحصر عن الحج يجيء بعمرة ثم يحل، (يحج عاماً قابلاً) أي: يقضيه في العام القابل . ٢٧١١ - [٥] (عائشة) قوله: (على ضباعة) بضم الضاد المعجمة (بنت الزبير) ابن عبد المطلب، فھي بنت عم رسول الله ێ . وقوله: (لعلك أردت الحج؟) استفسار على وجه التلطف والتعطف، (فقالت: والله ما أجدني إلا وجعة) بفتح الواو وكسر الجيم، تعني: نعم أريد الحج ولكن أظن عروض الوجع لما أجد في نفسي ضعفاً من المرض، ولا أعلم هل أقدر على إتمام الحج أم لا؟ (فقال لها: حجي) أي: أحرمي بالحج، و(المحل) بفتح الميم وكسر الحاء اسم زمانٍ، أي: محل خروجي، أو مكانٍ مِن حَلَّ: إذا خرج من الإحرام. والحديث يدل على تحقق الإحصار بالمرض، لكن يدل على الاشتراط، وقال من ذهب إلى أن الإحصار لا يكون إلا بالعدو: لو كان المرض يبيح التحلل لم يحتج إلى الاشتراط، وأجيب بأن الاشتراط المذكور في هذا الحديث إنما كان ليفيد تعجيل التحلل؛ لأنها لو لم تشترط لتأخر تحللها إلى بلوغ الهدي محله، ومذهب أبي حنيفة ٤٤٥ (١٠) كتاب المناسك * الْفَصْلُ الثاني : ٢٧١٢ - [٦] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُبَدِّلُوا الْهَدْيَ الَّذِي نَحَرُوا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَفِيهِ قِصَّةٌ، وَفِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ. [د: ١٨٦٤]. ومن نحا نحوه أن المحصر ليس له أن يحل حتى ينحر هديه بالحرم إلا أن يشترط، فإن اشترط فله أن يحل قبل نحر الهدي، كذا قال التُّورِبِشْتِي(١) رحمة الله عليه، وذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز التحلل مع وجود الاشتراط، وهذا الحكم مخصوص بضباعة، وقد صح عن ابن عمر أنه كان ينكر الاشتراط في الحج: (أليس حسبكم سنة نبيكم ◌َ؟) ويفهم منه أن ابن عمر قائل بالإحصار لمرض، فافهم. الفصل الثاني ٢٧١٢ - [٦] (ابن عباس) قوله: (أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية) أي: يذبحوا مكان ما ذبحوه هدياً آخر، وهذا يدل على أن هدي الإحصار لا يذبح إلا في الحرم، كما هو مذهب أبي حنيفة، وهذا إن قلنا: إنهم نحروا في الحديبية في غير الحرم، وإن قلنا: إنهم ذبحوا فيها في الحرم، فإن الحديبية أكثرها حرم، كما أشرنا في شرح الترجمة، فالتبديل للاحتياط وإدراك الفضيلة ثانياً، والأمر للاستحباب، والله أعلم. وقوله: (في عمرة القضاء) تسمية عمرة القضاء ظاهر في مذهبنا، والشافعية يقولون: المراد بالقضاء الصلح، والقضاء والمقاضاة يجيء بمعنى الصلح والمصالحة، وقد ذكروا في الصلح: أن يأتي رسولُ الله ◌َّ في العام القابل. (١) ((كتاب الميسر)) (٢ / ٦٣٥). ٤٤٦ (١٣) باب الإحصار وفوت الحج ٢٧١٣ - [٧] وَعَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: ((أَوْ مَرِضَ)). وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَفِي ((الْمَصَابِيح)): ضَعِيفٌ. [ت: ٩٤٠، د: ١٨٦٢، ن: ٢٨٦١، جه: ٢٠٧٧، دي: ٢ / ١١]. ٢٧١٣ - [٧] (حجاج بن عمرو الأنصاري) قوله: (من كسر) بلفظ المجهول (أو عرج) بكسر الراء، وفي (القاموس)(١): عَرَجَ: أصابه شيء في رجله فخَمَعَ، ولیس بِخِلْقةٍ، وفي (مجمع البحار)(٢): يقال: عَرَجَ عَرَجاناً: إذا غمز من شيء أصابه، وعَرِج عَرَجاً: إذا صار أعرج، أو كان خِلْقةً. وهذا الحديث يدل على كون الإحصار بغير العدو، ووجوب القضاء كما هو مذهب أبي حنيفة، وتقييدُه بصورة الاشتراط ضعيف. وقوله: (وفي المصابيح ضعيف) قال التُّورِبِشْتِي (٣): الحكم بضعف هذا الحديث باطل، وقال: لهذا الحديث تتمة من قول عكرمة، وهو أحد الرواة عن الحجاج بن عمرو، وذلك قوله: قد ذكرت ذلك لأبي هريرة وابن عباس، فقالا: صدق، ولقد أطنب الكلام فیه رحمه الله، انتھی . وظهر من هذا أن هذا الحدیث ثابت عند ابن عباس، فصحة ما یروی عنه (لا حصر (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٩٤). (٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٥٥٧). (٣) ((كتاب الميسر)) (٢ / ٦٣٦). ٤٤٧ (١٠) كتاب المناسك ٢٧١٤ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َه يَقُولُ: ((الْحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ لَيْلَةَ جَمْعِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ. أَامُ مِنِّى ثَلاَثَةٌ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَّلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٨٨٩، د: ١٩٤٩، ن: ٣٠٤٤، جه: ٣٠١٥، دي: ٢/ ٥٩]. وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ. إلا حصر العدو) محلٌّ نظر، على أن قوله موقوف عليه، فلا يعارض الحديث المرفوع، والله أعلم. ٢٧١٤ - [٨] (عبد الرحمن بن يعمر) قوله: (وعن عبد الرحمن بن يعمر) بفتح الياء وسكون العين وفتح الميم (الديلي) بكسر الدال وسكون التحتانية(١). وقوله: (الحج عرفة) أي: مِلاَك الحج ومعظم أركانه الوقوف بعرفة؛ لأنه يفوت بفواته، ویفوت الوقوف لا إلی بدل، وهو متفق عليه. وقوله: (من أدرك عرفة ليلة جمع) أول وقت الوقوف بعد الزوال من يوم عرفة وآخره إلى طلوع فجر يوم العيد. وقوله: (فمن تعجل في يومين ... إلخ)، أي: من نفر آخر اليومين الأولين من (١) وقيل: بضم الدال وفتح الهمزة مكان الياء، وحينئذ تكتب بصورة الواو، قاله القاري في ((مرقاة المفاتيح)) (٥ / ١٨٦٣). ٤٤٨ (١٤) باب حرم مكة حرسها الله تعالى ١٤- باب حرم كة مرتهما الله تعالى أيام التشريق - يعني الحادي عشر والثاني عشر - فلا إثم ولا حرج، وليس فيه ترك واجب، ومن تأخر إلى اليوم الثالث وهو الثالث عشر فلا إثم عليه أيضاً، وليس فيه ارتكاب بدعة ومجاوزةٌ عن الحد، يعني: هما سواءان في الجواز، وإن كان التوقف والتأخير أفضل لكثرة العبادة وزيادة السعادة. ١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى سمي حرماً لتحريم الله تعالى كثيراً مما ليس بمحرَّم في غيره من المواضع، وحرم مكة: ما أحاط بها وأطاف بها من جوانبها، جعل الله [له] حكمها في الحرمة تشريفاً وتعظيماً لها، واختلف في سبب تحريمه، فقيل: إن آدم عيا لما أهبط إلى الأرض، خاف على نفسه من الشيطان، فبعث الله تعالى ملائكة تحرسه، فوقفوا في موضع أنصاب الحرم من كل جانب، فصار ما بينه وبين موقف الملائكة حرماً. وقيل: لأن الحجر الأسود لما وضعه الخليل عليه الصلاة والسلام في الكعبة حين بناها، أضاء الحجر يميناً وشمالاً وشرقاً وغرباً، فحرّم الله ثّق من حيث انتهى نور الحجر، وقيل غير ذلك. وللحرم علامات بينات، وهي أنصاب مبنية في جميع جوانبه إلا في جهة جِدَّة وجهة الجعرانة، فإنه ليس فيهما أنصاب، وأول من نصب ذلك الخليل عليه الصلاة والسلام بدلالة جبرئيل، ثم قصي بن كلاب، وقيل: نصبها إسماعيل بعد أبيه ثم قصي، وقيل: عدنان بن أُدّ أول من وضع أنصاب الحرم حين خاف أن يدرس الحرم، ثم نصبها قريش، ثم نصبها النبي ◌ُّر عام الفتح، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم معاوية بن أبي سفيان، ثم عبد الملك بن مروان، ثم المهدي العباسي، ثم فثم، ٤٤٩ (١٠) كتاب المناسك * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ٢٧١٥ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ،وَهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: (لاَ هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَبَِّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا))، وَقَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: (إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، وليس حدود الحرم من جميع الجهات متساويةً، أقربها من جهة التنعيم، وقد بيَّنها مفصلاً في (تاريخ مكة)(١). الفصل الأول ٢٧١٥ - [١] (ابن عباس) قوله: (لا هجرة، ولكن جهاد ونية) كانت الهجرة من مكة إلى المدينة مفروضة على من يستطيع بعد أن هاجر رسول الله ويله إلى المدينة، فلما فتح مكة انقطعت تلك الهجرة المفروضة، وبقيت الهجرة من دیار الکفر إلی دیار الإسلام صوناً للدين، وهي داخلة في قوله: (ولكن جهاد ونية) أي: بقي الجهاد، ويُحرز بها (٢) من الثواب والفضيلة ما فات من الهجرة، وبقي إحسان النية في كل عمل، وهذا أيضاً في معنى الهجرة بترك هوى النفس والخروج عن موطن الطبيعة بهجران ما نهى الله عنه . وقوله: (إذا استنفرتم) بلفظ المجهول من النفير، وفي (النهاية)(٣): الاستنفار: الاستنصار، أي: إذا طُلِب منكم النصرة فأجيبوا، أي: إذا دعاكم الإمام إلى الغزو فاذهبوا . وقوله: (يوم خلق السماوات والأرض) كناية عن كونه أمراً قديماً وشريعة سالفة (١) انظر: ((أخبار مكة)) للفاكهي (٢/ ٢٤٦). (٢) كذا في الأصل، والظاهر: ((يحرز به)). (٣) ((النهاية)) (٥ / ٩٢). ٤٥٠ (١٤) باب حرم مكة حرسها الله تعالى فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ، ليس مما أحدثه الناس أو اختصَّ بشريعة، ويجوز أن يراد أنه خلقت هذه الأرض حين خلقها محرمة، كذا قالوا، والظاهر أن خلقها محرمة حين خلقها بمعنى تقدير التحريم فيها لا الحكم به بالفعل، وإنما حرمتُه في زمان آدم أو الخليل كما نقلنا، ويؤيده ما قيل : إنه كتب في اللوح المحفوظ يوم خلق السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرم مكة بأمر الله تعالی . وقوله: (ولم يحل لي إلا ساعة من نهار) يدل ظاهراً على وقوع القتال فيه، وقد وقع من خالد بن الوليد، وكان ذلك بأمر من النبي أو بإذن منه وصله، ولهذا ذهب الأكثرون ومنهم أبو حنيفة أن مكة فتحت عنوةً، وعن الشافعي وهو رواية عن أحمد أنها فتحت صلحاً؛ لأنهم لم يتهيؤوا للحرب، وإنما وقعت اتفاقاً بعد دخول خالد وتعرض بعض المشركين له، واعتذارُهُ وَِّ بحلِّ القتال له ساعة صريحٌ في وقوع القتال والفتح عنوة، وثمرة الخلاف أن من قال: فتحت عنوة، لا يجوِّز بيع دُورها وإجارتَها؛ لأن النبي (وَيه أخذها من الكفار وجعلها وقفاً بين المسلمين، ومن قال بالفتح صلحاً جوَّز ذلك لأنها مملوكة لأصحابها مبقاةٌ على أملاكهم . وقوله: (لا يعضد) أي: لا يقطع (شوكه) فضلاً عن أشجارها، وقد وقع في رواية أبي هريرة: (لا تعضد شجرتها) قال في (الهداية)(١): فإنْ قطع حشيش الحرم أو شجره - وهي ليست بمملوكة وهو ما لا ينبته الناس - فعليه قيمته إلا ما جفّ منه، وما جف (١) ((الهداية)) (١ / ١٧١). ٤٥١ (١٠) كتاب المناسك وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلاَ يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّ مَنْ عَرَّفَهَا، من شجر الحرم لا ضمان فيه؛ لأنه ليس بنام، ولا يرعى حشيش الحرم، ولا يقطع إلا الإذخر، وقال أبو يوسف رحمه الله: لا بأس بالرعي؛ لأن فيه ضرورةً، فإنَّ منع الدواب عنه متعذِّر، ولنا ما روينا، وحمل الحشيش من الحلِّ ممكن فلا ضرورة، ويخلاف الإذخر لأنه استثناه رسول الله بص له، فيجوز قطعه ورعيه، وبخلاف الكمأة لأنها ليست من جملة النبات، انتهى. وعند الشافعي ومن وافقه: يجوز رعي البهائم في كلأ الحرم، ومذهب أحمد کمذهبنا . سمعت الشيخ الإمام العارف بالله عبد الوهاب - رحمه الله - يحكي عن عارضة عماه، وقد عرضه في أواخر عمره، أنه كان من أصحابنا رجل يسمى أحمد السقا، جاء بوَرد من الحرم، فناولنيه، فشممته ساهياً أنه من الحرم، فكما شممت سری ألم إلى الخيشوم كما تدبّ النملة حتى بلغ الدماغ، ووصل إلى العينين، وجعلت تزداد يوماً فيوماً، حتى صار ما صار، وآل الأمر إلى ما شاء الله. وقوله: (ولا ينفر) من التنفير، ويدلّ على حرمة الإتلاف بطريق الأولى، فالتنفر حرام، فإن تلف في نفاره قبل السكون ضمن. وقوله: (ولا يلتقط) بلفظ المعلوم، و(لقطته) بضم اللام وسكون القاف، والأفصح فتحها، في (القاموس)(١): لَقَطه: أخذه من الأرض، فهو ملقوط ولقيط، واللَّقَطُ محركة وكحُزْمة وهُمَزة وثمامة: ما التُّقط . وقوله: (إلا من عرفها) من التعريف، يعني: ليس في لقط الحرم إلا التعريف، (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٣٢). ٤٥٢ (١٤) باب حرم مكة حرسها الله تعالى وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا))، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّ الإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ. فلا يستنفقها، ولا يتصدق بها، بخلاف لقط سائر البقاع، وهو أظهر قولي الشافعي، ولم يفرق أكثر العلماء بين لقطة الحرم ولقطة غيره من الأماكن وهو مذهبنا، والدليل لهم إطلاق قوله مدير: (اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة) من غير فصل، وسيجيء الكلام فيه في (باب اللقطة) إن شاء الله تعالى. وقالوا: معنى قوله: (إلا من عرفها) أن يعرِّفها كما يعرِّفها في سائر البقاع حولاً كاملاً حتى لا يتوهّم متوهّم أنه إذا نادى وقت الموسم فلم يظفر مالكها جاز أن يتملكها . وهذا خلاف ظاهر العبارة، وأيضاً أن الكلام ورد مورد بيان الفضائل المختصة بها كتحريم صيدها وقطع شجرها، وإذا سوِّي بين لقطة الحرم ولقطة غيره من البلاد، وجدنا حكم اللقطة في هذا الحديث خالياً عن الفائدة، والله أعلم. وقوله: (ولا يختلى خلاها) بلفظ المجهول، أي: لا يقطع، والخلا مقصوراً: النبت الرقيق ما دام رطباً، فإذا ييس فهو الحشيش، والحشيش أيضاً لا يحل قطعه كما دل عليه: (ولا يعضد شوكه)، ومن المحدثين من روى (الخلاء) ممدوداً، وهو خطأ، كذا قال التُّورِبِشْتِي(١). وقوله: (فقال العباس) هكذا في أكثر الروايات، وفي حديث أبي هريرة ظـ من الصحيحين: (فقال رجل من قريش)، و(الإذخر) بكسر الهمزة والخاء: نبت طيب الرائحة . وقوله: (فإنه لقينهم) القين بفتح القاف: الحداد والصانع، أي: يحتاج إليه في (١) ((كتاب الميسر)) (٢ / ٦٤١). ٤٥٣ (١٠) كتاب المناسك وَلِبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ: ((إِلَّ الإِذْخِرَ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٣٤، م: ١٢٥٣]. ٢٧١٦ - [٢] وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: ((لاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يَلْتَقِطُ سَاقِطَتْهَا إِلَّ مُنْشِدٌ)). [خ: ١١٢، م: ١٣٥٥]. ٢٧١٧ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َ﴿ يَقُولُ: ((لاَ يَحِلُّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلاَحَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٥٦]. ٢٧١٨ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهْ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ وَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ. فَقَالَ: ((اقْتُلْهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٤٦، م: ١٣٥٧]. وقود النار، (ولبيوتهم) أي: سقفهم، وفي الحديث الآخر: (فإنه لقيوننا (١)) جمع قين، وقد جاء في الصحيحين: (فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا). وقوله: (فقال إلا الإذخر) أوحي إليه ◌َّ في الحال باستثناء الإذخر، أو هذا مبني على تفويض الأحكام إليه، أو قال بالاجتهاد، والأول أظهر وأصح، والله أعلم. ٢٧١٦ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (إلا منشد) أي: منادٍ مُعرِّفٌ، أنشد الضالة: عرفها واسترشد عنها ضد، والنشيد: رفع الصوت. ٢٧١٧ - [٣] (جابر) قوله: (أن يحمل بمكة السلاح) أي: بلا ضرورة وحاجة، وعليه الجمهور، وقيل: مكروه مطلقاً. ٢٧١٨ - [٤] (أنس) قوله: (ابن خطل) وفي أكثر النسخ: (أن ابن خطل) واسمه عبدالله، وقيل: عبد العزيز، وقيل: غالب، وكان قد ارتد، وقتل مسلماً كان يخدمه، وكان يهجو رسول الله صل﴿ والمسلمين، وقيل: كان له قينتان تغنيان بهجاء المسلمين، (١) رواه ابن أبي شيبة (٣٦٩٠٠). ٤٥٤ (١٤) باب حرم مكة حرسها الله تعالى ٢٧١٩ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٥٨]. ٢٧٢٠ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ وَفِيهِمْ أَسْوَاتُهُمْ. وقال النووي(١): في الحديث دليل لمن أجاز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة كمالك والشافعي رحمهما الله، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وأجيب [عن الحديث] بأن حكمه مستثنى كاستثنائه من قوله ويشير: (من دخل المسجد فهو آمن)، وبأنه قتله في الساعة التي أبيحت له، ولعله أخرجه من الحرم فقتل، والله أعلم. ٢٧١٩ - [٥] (جابر) قوله: (وعليه عمامة سوداء بغير إحرام) فيه دليل على أنه لا يجب الإحرام لمن يريد دخول مكة لا للنسك، وهو أصح قولي الشافعي رحمه الله، والجواب عند الحنفية أنه أحل له وص ﴾ ساعة . وقوله: (سوداء) فيه استحباب لبس الأسود، وقيل: لم تكن سوداء، بل اسودت بالاستعمال بالادِّهان وغيره، والله أعلم. ٢٧٢٠ - [٦] (عائشة) قوله: (يغزو جيش) إخبار عما يقع في آخر الزمان، والجيش هو جيش السفياني ملك مصر [في] عهد المهدي الموعود. وقوله: (ببيداء من الأرض) ظاهره يدل على أن المراد جنس البيداء، وقيل: موضع مخصوص بين مكة والمدينة . وقوله: (وفيهم الأسواق) الظاهر أنه جمع سوق، والمراد أهلها، والسوقة يجيء (١) (شرح صحيح مسلم)) (٩ / ١٣٢). ٤٥٥ (١٠) كتاب المناسك وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: ((يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ ثُمَّيُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١١٨، م: ٢٨٨٤]. ٢٧٢١ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٩٦، م: ٢٩٠٩]. ٢٧٢٢ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِّ ◌َِِّ قَالَ: ((كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ يَقْلَعُهَا حَجَراً حَجَراً). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٥٩٥]. بمعنى الرعية، ولكن في جمعها على أسواق تردد. وقوله: (ومن ليس منهم) أي: موافقاً لهم في قصد تخريب الكعبة كالأسارى والصغار وأمثالهم. وقوله: (يخسف بأولهم وآخرهم) وهكذا قد يجري الحكم الإلهي يهلك الأخيار بشؤم الأشرار ثم يميز بينهم في الآخرة. ٢٧٢١ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (ذو السويقتين) تثنية سويقة تصغير ساق، أبدلت ألفه واواً للضمة، وظهرت التاء لكون الساق مؤنثاً سماعياً؛ لأن المكرر من أعضاء الآدمي مؤنث، وإنما صغرت لأن الغالب على سوق الحبشة الدقة والخموشة، كذا قالوا، والظاهر من اللفظ أن ذلك المتخرب يكون صغير الساقين ودقيقهما من بين الحبشة، ولعله يكون أدقهما ممن عداه منهم. ٢٧٢٢ - [٨] (ابن عباس) قوله: (كأني به) أي: كأني ملتبس بمخرِّب الكعبة، أي: كأني أنظر إليه، وهو الآخر (١) عندي، و(أسود) بالنصب، وكذا (أفحج) بتقديم (١) كذا في (ع)، وفي (د): ((وهو خاص))، والظاهر: ((وهو حاضر)) كما يظهر من عبارة ((أشعة اللمعات)) بالفارسية (٢/ ٤٠٩) ولفظه: ((ومي بينم أو راووع حاضر است نزد من)). ٤٥٦ (١٤) باب حرم مكة حرسها الله تعالى * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٢٧٢٣ - [٩] عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَّةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((احْتِكَارُ الطَّعَامِ فِي الْحَرَمِ إِلْحَادٌ فِيهِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٠٢٠]. ٢٧٢٤ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِهْلِمَكَّةَ: ((مَا أَطْيَكِ مِنْ بَدٍ وَأَحَبَّكِ إِلَيّ، الحاء على الجيم من الفحج محركة بمعنى التباعد من الفخذين، وفي (القاموس)(١): فحج في مشيته: تدانى صدور قدميه، وتباعد عَقِبَاه، ونصبهما إما على الحال من الضمير المجرور في (به) إن كان قد جرى ذكره سابقاً، أو على التمييز إن كان مبهماً فسر بهما نحو ربّه رجلاً. وفي هذه القصة عزة وإظهار قدرة على تخريب مثل هذه البنية العظيم الشأن على يد مثل هذا الشخص الحقير الضعيف البنيان، والله على كل شيء قدير. الفصل الثاني ٢٧٢٣ - [٩] (يعلى بن أمية) قوله: (عن يعلى) بفتح الياء (ابن أمية) بضم الهمزة وتشديد الياء. وقوله: (احتكار الطعام في الحرم إلحاد) فيه الاحتكار حرام في جميع البلاد وفي مكة أشد، والإلحاد في الحرم: ارتكاب ما حرم فيه، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامٍ بُظُلْمِ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. ٢٧٢٤ - [١٠] (ابن عباس) قوله: (ما أطيبك) بكسر الكاف صيغة تعجب، و(من) بيان للضمير، أو المراد: من بين البلاد [و]من جملتها، و(أحبك) عطف على (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٩٦، ١٩٧). ٤٥٧ (١٠) كتاب المناسك وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيْحٌ غَرِيبٌ إِسْنَاداً. [ت: ٣٩٣٦]. ٢٧٢٥ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ حَمْرَاءَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ وَاقِفاً عَلَى الْحَزْوَرَةِ، فَقَالَ: ((وَاللّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللهِ إِلَى اللهِ، وَلَوْلاَ أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٣٩٢١، جه: ٣١٠٨]. (أطيبك) فتكون (ما) داخلةً عليه غير محذوفة، فلا يلزم التغير في صيغة التعجب، وقد حكم بمنعه النحاة، فتدبر. ٢٧٢٥ _ [١١] (عبدالله بن عدي) قوله: (على الحزورة) بحاء مهملة مفتوحة وزاي معجمة، وعوام مكة يصحفونه بالعزورة بعين مهملة، وهي على وزن قسورة، وذكر الدارقطني أن تخفيف الحزورة هو الصواب، وأن المحدثين يفتحون الزاي ويشددون الواو، وهو تصحيف، نقله صاحب (المطالع) وقال: قد ضبطنا بالوجهين عن ابن سراج، انتھی . والحزورة: الرابية الصغيرة، والجمع حزاور، وكان عندها سوق الخياطين بمكة، وهي في أسفلها عند منارة المسجد التي تلي أجياد، وهذا هو المشهور على ما ذكره الأزرقي، ونقل عن بعض المكيين أنها بفناء دار الأرقم المعروف بدار الخيزران عند الصفا، كذا في (تاريخ مكة) للفاسي. وذكر فيه أيضاً: أن هذا القول من النبي ◌ّ﴾ المذكورَ في هذا الحديث عند خروجه من مكة في عمرة القضية؛ لأن قريشاً سأل النبي مل أن يخرج من مكة بعد الثلاثة الأيام، وظن بعضهم أنه قال ذلك حين خرج من مكة للهجرة إلى المدينة، ولیس كذلك، لأن في بعض طرق هذا الحديث: أنه قال ذلك وهو على راحلته بالحزورة، ٤٥٨ (١٤) باب حرم مكة حرسها الله تعالى * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٢٧٢٦ - [١٢] عَنْ أَبِىِ شُرَيْح الْعَدَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ - وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ -: اثْذَّنْ لِي أَّهَا الأَمِيرُ أُحَدَّثْكَ قَوْلاً قَامَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ◌َّهِ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَيَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَّتْهُ عَيْنَيَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلاَ يَحِلُّ لإِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمَاً، وَلاَ يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ وَ﴾(١) ... ولم يكن ﴿ بهذه الصفة حين هاجر إلى المدينة، لأنه خرج منها مستخفياً، وفي (تاريخ الأزرقي): أنه مسلم قال ذلك عام الفتح على الحجون، ولا منافاة لأنه يمكن أنه قال في کلیهما، انتهى. ولا يخفى عليك أن هذا القول منه وَله: (ولولا أني أخرجت منك لما خرجت) لا يلائم عام الفتح، اللهم إلا أن يقال ذلك من جهة تذكر إخراجهم وإيذائهم سابقاً في قضية الهجرة، فافهم. الفصل الثالث ٢٧٢٦ - [١٢] (أبو شريح العدوي) قوله: (البعوث) جمع بعث، وهو بسكون العين، ويحرك: الجيش. وقوله: (قام به) أي: قال خطيباً. وقوله: (سمعته) الضمير للقول، وكذا بواقي الضمائر، وتعليق الإبصار مجاز للمبالغة . (١) سقطت التصلية في نسخة . ٤٥٩ (١٠) كتاب المناسك فِيهَا فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ. وَإِنَّمَا أُذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ))، فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لَكَ عَمْرُو؟ قَالَ: قَالَ: أَنَا أَعْلِّمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ! إِنَّ الْحَرَمَ لاَ يُعِيذُ عَاصِياً وَلاَ فَارَّا بِدَمٍ، وَلاَ فَارَّا بِخَرْبَةٍ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي الْبُخَارِيِّ: الْخَرْبَةُ: الْخِيَانَةُ(١). [خ: ١٧٧، م: ١٣٥٤]. ٢٧٢٧ - [١٣] وَعَنْ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لاَ تَزَالُ هَذِهِ الأُمَّةُ بِخَيْرِ مَا عَظَّمُوا هَذِهِ الْحُرْمَةَ حَقَّ تَعْظِيمِهَا، فَإِذَا ضَيَّعُوا ذَلِكَ هَلَكُوا)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣١١٤]. وقوله: (بخربة) الخربة والخراب بالضم ويفتحان: الفساد في الدين، كذا في (القاموس)(٢) . وقوله: (وفي البخاري: الخربة: الخيانة) ونقل الطيبي عن (صحيح البخاري) أنها البلية . ٢٧٢٧ - [١٣] (عياش بن أبي ربيعة) قوله: (وعن عياش بن أبي ربيعة) أخو أبي جهل لأمه، أسلم قديماً، كان رسول الله وَّ يدعو له في القنوت: (اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة). وقوله: (هذه الحرمة) أي: حرمة بيت الله وبلده الحرام. (١) في نسخة: ((الجناية)). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٦). ٤٦٠ (١٥) باب حرم المدينة حرسها الله تعالى ١٥ - باب حرم المدينة تحركها الله تعالى ١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى قد ورد في الأحاديث تحريم حرم المدينة، واختلفوا في ترتب حكم التحريم عليه، ومذهب أبي حنيفة أن معنى الحرم فيها مجرد التعظيم والتكريم من غير ثبوت أحكام أخر، مثل حرمة الصيد وقطع الشجر ولزوم الجزاء، ومن فعل شيئاً مما حرم أثم، ولا جزاء عليه، وهو قول مالك، وروايةٌ عن أحمد، وقولٌ للشافعي، وقال النووي(١): المشهور من مذهب مالك والشافعي والجمهور أنه لا ضمان في صيد المدينة وقطع شجرها، بل حرام بلا ضمان، وقال بعض العلماء: يجب فيه الجزاء كحرم مكة . قال في (فتح الباري)(٢): احتج الطحاوي على مذهب الحنفية بحديث أنس في قصة أبي عمير: (ما فعل النغير) قال: لو كان صيدها حراماً ما جاز حبس الطير. وأجيب باحتمال أن يكون من صيد الحل، قال أحمد: من صاد من الحل ثم أدخله المدينة لم يلزمه إرساله؛ لحديث أبي عمير، وهذا قول الجمهور، لكن لا يَرِدُ ذلك على الحنفية لأن صيد الحل عندهم إذا دخل الحرم كان له حكم صيد الحرم، ويحتمل أن تكون قصة أبي عمير كانت قبل التحريم. وقال التُّورِبِشْتِي(٣): لم ير تحريم صيد المدينة إلا نفر يسير من الصحابة، والجمهور منهم لم ينكروا اصطياد الطيور بالمدينة، ولم يبلغنا فيه أن النبي ◌َّ نهى عنه بطريق يعتمد، وقد قال لأبي عمير: (ما فعل النغير)، ولو كان حراماً لم يسكت (١) ((شرح صحيح مسلم)) (٥/ ١٥٢). (٢) ((فتح الباري)) (٤ / ٨٣). (٣) ((كتاب الميسر)) (٢ / ٦٤٧).