Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
(١٠) كتاب المناسك
(فَإِنَّ ذَلِكِ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ؟ غَيْرَ أَنْ
لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩٤، م: ١٢١١].
٢٥٧١ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي
أَمَّرَهُ النَّبِيُّ نَّهِ عَلَيْهَا قَبْلَ حَبْجَّةِ الْوَدَاعِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي رَهْطٍ، أَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ
فِي النَّاسِ: ((أَلاَ لاَ يَحُجُ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرٌِ، وَلاَ يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْبَانٌ». مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٩، ١٦٢٢، م: ١٢٤٧].
بـ (بنات آدم) النساء، أو بنات آدم بلا واسطة، وقد مر الكلام في ابتداء حدوث الحيض
في بابه .
وقوله: (غير أن لا تطوفي) وذلك إما لاشتراط الطهارة في الطواف كما هو
مذهب الأئمة، أو لأجل حرمة دخول الحائض المسجد، وهذا عند أبي حنيفة، فإن
الطهارة ليست شرطاً للطواف عنده.
٢٥٧٣ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (أمره النبي ◌ٍَّ*) بالتشديد من التأمير، و(يوم
النحر) ظرف لـ (بعثني)، وفي بعض النسخ: (في يوم النحر).
وقوله: (أمره أن يؤذن) الضمير للرهط باعتبار اللفظ، أو لأبي هريرة على
الالتفات.
وقوله: (ألا لا يحج بعد العام مشرك) قيل: هو من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ
تَجَسَُّ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨]، والمراد بالمسجد الحرام الحرم، والظاهر
أن هذا النهي على حِدَةٍ سوى النهي عن قرب المسجد الحرام، فافهم.
وقوله: (ولا يطوف بالبيت عريان) وكان ذلك عادة في أهل الجاهلية، وكانوا
يقولون: لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها، ولعل هذا قبل النهي عن قرب المسجد

٣٤٢
(٣) باب دخول مكة والطواف
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٢٥٧٤ - [١٤] عَنِ الْمُهَاجِرِ الْمَكِّيِّ، قَالَ: سُئِلَ جَابِرٌ عَنِ الرَّجُلِ
يَرَى الْبَيْتَ يَرْفَعُ بَدَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ حَجَجْنَا مَعَ النَّبِّ ◌َ فَلَمْ نَكُنْ نَفْعَلُهُ.
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُّو دَاوُدَ. [ت: ١،٨٥٥
٢٥٧٥ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَدَخَلَ مَكَّةَ،
فَأَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ،
الحرام، وإلا فالطواف في المسجد، وهم ممنوعون عنه سواء كانوا عارين أو لابسين،
ولم يكن طائفون عراة حتى ينهوا عنه، وذلك ظاهر.
الفصل الثاني
٢٥٧٤ - [١٤] (المهاجر المكي) قوله: (فلم نكن نفعله) بالنون، وقد یروی
بالياء، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي، وقال أحمد: یرفع اليدين ويدعو،
وتمسكوا بما روي عن ابن جريج: (أن النبي ◌َّ كان إذا رأى البيت رفع يديه، وقال:
اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً وتكريماً ومهابةً، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه
واعتمره تشريفاً وتعظيماً وتكريماً وبرًّا)، رواه الشافعي في (مسنده)، كذا ذكره في
(شرح كتاب الخرقي)(١) في مذهب الإمام أحمد رحمة الله عليه، وذُكر في بعض رسائل
المناسك الحنفية: أن أول ما رأى البيت يدعو، ولا بد أن يرفع اليدين؛ لأنه سنة في
الدعاء، فتدبر في حديث جابر .
٢٥٧٥ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (فاستلمه)(٢) والاستلام: مسح الحجر باليد
(١) ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (٣ / ١٨٦).
(٢) قوله: ((فاستلمه ... في مذهب الإمام أحمد))، هذه العبارة ما ثبتت إلا في (ب)، وقد تقدم
شرح الاستلام في حديث (٢٥٥٥) (٣٠٥ - ٣٠٦).

٣٤٣
(١٠) كتاب المناسك
ثُمَّ أَتَى الصَّفَا، فَعَلَهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى الْبَيْتِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَذْكُرُّ اللهَ
مَا شَاءَ وَيَدْعُو. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٨٧٢].
أو بالقبلة، فيقال: من السلام بمعنى التحية، ولهذا يسمي أهل اليمن [الركن] الأسود:
المحيا؛ لأن الناس يحيونه، قاله الأزهري، وقال الجوهري: هو مشتق من السّلام(١)
بالكسر بمعنى الحجارة، وواحده سَلِمة بفتح السين وكسر اللام، استلمت الحجر:
أي: لمسته، كما جاء اكتحل من الكحل، وقال بعضهم: الاستلام افتعال من المسالمة،
كأنه فعل أمراً يفعله المسالم والمصالح، وقال بعض من الناس: كأنّ المستلم يحيي
نفسه عند الحجر بالسلام، لأن الحجر لا يردُّ عليه، كما يقال: اختدم إذا لم يكن له
خادم، وقال ابن الأعرابي: هو مهموز الأصل، تُركت همزته، وهو مشتق من الملاءمة
وهو بمعنى الموافقة، وقيل: [من اللأمة وهي السلاح] كأنه حفظ وحصَّنَ نفسه ولبس
السلاح [بمس الحجر]، ذكرت هذه الوجوه كلها في (شرح الخرقي)(٢) في مذهب
الإمام أحمد .
وقوله: (ثم أتى الصفا) لم يذكر في هذا الحديث ركعتي الطواف، ولعله اقتصر
على الأركان والواجبات، والركعتان عند أبي هريرة سنتان كما هو مذهب الشافعي،
ولكنهما عندنا واجبتان لورود الأمر، والله أعلم.
وقوله: (فجعل يذكر الله ما شاء ويدعو) وقد ورد فيه الأدعية المخصوصة
المذكورة في كتب المناسك، وهي مذكورة في (سفر السعادة)(٣)، وقال محمد: ليس
(١) في الأصل: ((الاسلام)) وهو تحريف.
(٢) انظر: ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)» (١٨٩/٣).
(٣) ((سفر السعادة)) (ص: ١٧٤).

٣٤٤
(٣) باب دخول مكة والطواف
٢٥٧٦ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ قَالَ: «الطَّوَافُ حَوْلَ
الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلاَةِ، إِلَّ أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلاَ يَتَكَلَّمَنَّ إِلاَّ
بِخَيْرِ)). رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ جَمَاعَةً وَقَفُوهُ
عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. [ت: ٩٦٠، ن في الكبرى: ٣٩٣٠، دي: ٢ / ٤٤].
٢٥٧٧ - [١٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((نَزَلَ الْحَجَرُ الأَسْوَدُ
مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضاً مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ،
وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [حم: ١ / ٣٠٧، ت: ٨٧٧].
في مناسك الحج دعاء مخصوص ويدعو بما شاء، وقال: إن تعيين الدعاء يُذهب
الشوق .
٢٥٧٦ - [١٦] (ابن عباس) قوله: (الطواف حول البيت مثل الصلاة) قد
يُتمسك بهذا الحديث في اشتراط الطهارة كما هو مذهب الأئمة، ولكن لا يخفى أن
ليس المراد حقيقتها؛ لأن طهارة الثوب واستقبال القبلة والقراءة وسائر الأركان ليس
بمعتبر، لكن الطهارة أفضل عندنا .
٢٥٧٧ - [١٧] (عنه) قوله: (نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضاً
من اللبن فسودته خطايا بني آدم)، قيل: في هذا الحديث امتحان إيمان الرجل، فإن
كان كامل الإيمان يقبل هذا، ولا يتردد، وإن كان ضعيف الإيمان يتردد، والكافر ينكر،
انتھی .
ولعمري ما في الحديث ما يخالف الدليل القاطع الحاكم باستحالته حتى يجبَ
تأويله وصرفه عن ظاهره، أما النزول من الجنة فلا استحالة فيه، فإن الجنة فيها جواهر،
فيمكن أن الله أنزل منها شيئاً إلى الأرض، حتى يحمل الإنزال على معنى القضاء

٣٤٥
(١٠) كتاب المناسك
والقسمة، أو معنى الخلق، أو إقامة إنزال الأسباب فيها مقام إنزالها نفسها كما في
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥]، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِّنَ الْأَنْعَمِ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجْ﴾ [الزمر: ٦].
وأما قولهم: إنا قد عرفنا بالنصوص الثابتة أن الجنة وما احتوت عليه من الجواهر
مباينة لما خلق في هذه الدار الفانية في الخواص وحُكمِ الزوال والفناء وإحاطة الآفات
بها، فإن ذلك خَلْقُ الخالق محكماً غير قابل لشيء من ذلك، وقد وجدنا الحجر
أصابه الکسر حتی صار فلقاً، وذلك من أقوى أسباب الزوال.
فنقول: يمكن أن يكون فقدان خواص الجنة لنزوله إلى هذه الدار وسراية أحوالها
وأحكامها إليه، ويستأنس له بما يأتي من حديث عبدالله بن عمر: (أن الركن والمقام
ياقوتتان من يواقيت الجنة، طمس الله نورهما، ولو لم يطمس الله نورهما لأضاءتا
ما بين المشرق والمغرب)، وكما قالوا في الجواب عن قول الزائغين في كون ما بين
قبر النبي ◌َّ ومنبره روضة من رياض الجنة على تقدير كونه محمولاً على الحقيقة:
أنه لو كان من الجنة لما نجوع ونظماً فيها، وكما في عكس هذه الصورة من صعود
بعض الأنبياء في السماء من عدم انحلال قواهم وفساد مزاجهم وتغير أحوالهم كما
في الدنيا، فليكن ههنا كذلك، والله على كل شيء قدير .
ومثل هذا الكلام في قوله: (أشد بياضاً فسودته خطايا بني آدم) بأن يكون في
ابتداء نزوله أبيض، ثم جُعل لذنوب بني آدم ومس أيديهم خاصية وسببية في تسويده.
وأما قول بعض الزائغين بأنه لو كان هذا الذي رووه من تسويد خطايا بني آدم الحجر
واقعاً لتناقلته الأمم في عجائب الأخبار، فساقط من درجة الاعتبار، ولا استبعاد فيه،
نعم، لو قيل: المراد هو الظاهر، ولكن يحتمل أن يكون إشارة إلى معنی مناسب،

٣٤٦
(٣) باب دخول مكة والطواف
لم يستبعد .
ومما قيل في تأويل كونه من الجنة: إنه جعل لما فيه من اليمن والتبرك والشرف
والكرامة كالشيء الذي نزل من الجنة، وأراد به مشاركته جواهر الجنة في بعض أوصافها،
ومثله قوله ◌َّي: (العجوة من الجنة)، وقد علمنا أنه أراد به مشاركتها في أثمار الجنة
في بعض الصفات، لِمَا جعل فيها من الشفاء والبركة بدعائه * بذلك فيها، ولم يرد
أنه من ثمار الجنة نفسها للاستحالة التي شاهدنا فيها كاستحالة غيرها من الأطعمة،
وتحولها عن النعوت والصفات الواردة في ثمار الجنة، أو لأنه من حيث إنه مکفر
للخطايا محاء للذنوب كأنه من الجنة .
وتأويل قوله: (نزل من الجنة) أي: الصفات الموهوبة لها كأنها من الجنة، قال
الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِّنَ الْأَنْعَمِ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجْ
[الزمر: ٦]، فيحمل الإنزال على معنى القضاء والقسمة، أو على معنى الخلق، أو إقامة
إنزال الأسباب فيها مقام إنزالها نفسها .. .
وتأويل قوله: (كان أشد بياضاً فسودته خطايا بني آدم) أنه من كثرة تحمله أوزار
بني آدم صار كأنه ذو بياض شديد فسودته الخطايا، وإن خطايا بني آدم تكاد تؤثر في
الجماد، فتجعل المبيضَّ منها مسودًّا، فكيف بقلوبهم، وهذا نوع من التمثيل والمبالغة
في شأن الحجر، وتفظيع أمر الخطايا والذنوب، ففيه تخويف وتنبيه، فإن الرجل إذا
علم أن الذنب يسوِّد الحجر خاف أن يَسْوَدّ بدنه بشؤم ذنوبه، ويذهب نور الإيمان،
والعياذ بالله .
وهذا كله تأويلات وتمحلات من النفس ناشئة من ضيق دائرة الإيمان، ومَن

٣٤٧
(١٠) كتاب المناسك
٢٥٧٨ - [١٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ فِي الْحَجَرِ: ((وَاللهِ
لَيَبْعَثَنَّهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ عَلَى ...
شرح الله صدره للإسلام(١) ووسع دائرة المعرفة يصدِّقه ويقول: آمنا به، والله على
كل شيء قدير، غايته أن يقال: المراد هو الظاهر، ويحتمل - والله أعلم - أن يكون
المراد ما ذكرنا من المعاني المتناسبة، فافهم، وبالله التوفيق.
ثم اعلم أنه قد اشتهر في الناس أنه قد بقي في الحجر الأسود بياض إذا زال
جاءت القيامة أو قربت أو كما يقولون، وكنت متحيراً في ذلك، وأن له أصلاً أم لا،
وذكرت ذلك في حضرة الشيخ يوماً فلم يتكلم بشيء، ثم وجدت في (تاريخ مكة)
للفاكهي ذكر ذلك، فترجم لذلك بقوله: ذكر ما روي من البياض في الحجر الأسود
بعد اسوداده، ثم قال: ذكر ابن جبير في (جزء رحلته) أن في الحجر الأسود نقطةً
بيضاء صغيرةً مشرقة ولم يذكر سواها، وكانت رحلته في سنة تسع وسبعين وخمس مئة،
وقال الفقيه سليمان بن خليل العسقلاني في (منسكه)(٢): لقد أدركت في الحجر الأسود
ثلاث مواضع بيض، نقشه في الناحية التي تلي باب الكعبة المعظمة، ثم إني أملح
تلك النقط فإذا هي كل وقت في نقص، ونقل القاضي عز الدين ابن جماعة في (منسكه)
كلام ابن خليل هذا، وذكر أنه رأى الحجر الأسود في سنة ثمان وسبع مئة، وفيه نقطة
بيضاء ظاهرة، وأنه لم يرها في سنة ست وثلاثين إلا بعد جهد، انتهى.
٢٥٧٨ - [١٨] (عنه) قوله: (يبصر بهما) فيعرف من استلمه. وكلمة (على)
باعتبار تضمين معنى الرقيب والحفيظ .
(١) كذا في (ع) و(ك) و(ر)، وفي (ب) و(د): ((للإيمان)).
(٢) انظر: ((العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين)) (١ / ٦٧).

٣٤٨
(٣) باب دخول مكة والطواف
مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقِّ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٩٦١، جه:
٢٩٤٤، دي: ٢ / ٤٢].
٢٥٧٩ - [١٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ
الرُّكْنَ وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ طَمَسَ اللهُ نُورَهُمَا، وَلَوْ لَمْ يَطْمِسْ
نُورَهُمَا لِأَضَاءَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٨٧٨].
وقوله: (بحق) يتعلق بـ (من استلمه) أي: استلمه إيماناً واحتساباً، ويجوز أن
یتعلق بـ (یشهد).
وهذا الحديث أيضاً محمول على ظاهره، فإن الله قادر على إيجاد البصر والنطق
في الجمادات، فإن الأجسام متشابهة في الحقيقة يقبل كل منها ما يقبل الآخر من
الأعراض، ويؤوِّله الذين في قلوبهم زيغ التفلسف - والله العاصم - ويقولون: إن ذلك
كناية عن تحقيق ثواب المستلم، وأن سعيه لا يضيع، والعجب من البيضاوي أن يقول:
إن الأغلب على الظن أن المراد هذا، وإن لم يمتنع حمله على الظاهر، ولا عجب
فإنه مجبول على التفلسف في تفسير القرآن وشرح الأحاديث، تجاوز الله عنه .
٢٥٧٩ - [١٩] (ابن عمر) قوله: (ياقوتتان من ياقوت الجنة) وهذا أيضاً يؤولونه
بأن المراد بيان شرفهما وكرامتهما؛ لأن الياقوت من أشرف الأحجار، ولا بد أن
يكون ياقوت الجنة أشرف وأجود من ياقوت الدنيا، فكأنه قال: كأنهما ياقوتتان من
الجنة .
وقوله: (طمس الله نورهما) ليكون الإيمان بهما إيماناً بالغيب.
وقوله: (رواه الترمذي) وأخرجه ابن حنبل في (مسنده) وابن حبان في
(صحيحه)(١) .
(١) ((مسند أحمد)) (٧٠٠٠)، و((صحيح ابن حبان)) (٣٧١٠) عن عبدالله بن عمرو .

٣٤٩
(١٠) كتاب المناسك
٢٥٨٠ - [٢٠] وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُزَاحِمُ عَلَى
الرُّكْنَيَّنِ زِحَاماً مَا رَأَيْتُ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِوَّهِ يُّزَاحِمُ عَلَيْهِ. قَالَ:
إِنْ أَفْعَلْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ نَّهِ يَقُولُ: ((إِنَّ مَسْحَهُمَا كَفَّارَةٌ لِلْخَطَايَا»،
وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ أُسْبُوعاً، فَأَحْصَاهُ، كَانَ كَعِثْقِ رَقَبَةٍ))
وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ((لاَ يَضَعُ قَدَماً وَلاَ بَرْفَعُ أُخْرَى إِلاَّ أَحَطَّ اللهُ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً
وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٩٥٩].
٢٥٨١ - [٢١] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَ}
يَقُولُ مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: ((﴿رَبَّنَآءَائِنَا فِ الدُّنْيَاحَسَنَّةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: ٢٠١])). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٨٩٢].
٢٥٨٢ - [٢٢] وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ: أَخْبَرَتْنِي بِنْتُ أَبِي تُجْرَاةَ
قَالَتْ:
٢٥٨٠ - [٢٠] (عبيد بن عمير) قوله: (وعبيد بن عمير) كلاهما بلفظ التصغير.
وقوله: (إن أفعل) أي: إن أزاحم فلا تنكروا علي؛ فإني سمعت رسول الله وَله
في فضل استلامهما ما لا أطيق الصبر عنه، وفيه الحرص على الفضائل وارتكاب
التعب والمشقة في تحصيلها .
وقوله: (فأحصاه) أي: حافظ على رعاية واجباته وسننه وآدابه، والضمير في
(لا يضع) لـ (من)، وفي (بها) للقدم.
٢٥٨١ - [٢١] (عبد الله بن السائب) قوله: (يقول ما بين الركنين: ﴿رَبَّنَاَ ءَائِنَا﴾)
الآية، قيل: لم يصح عن رسول الله وَّ دعاء في الطواف إلا هذا، والله أعلم.
٢٥٨٢ - [٢٢] (صفية بنت شيبة) قوله: (بنت [أبي] تجراة) ضبط بضم التاء

٣٥٠
(٣) باب دخول مكة والطواف
دَخَلْتُ مَعَ نِسْوَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ دَارَ آلِ أَبِي حُسَيْنٍ، نَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَهُوَ
يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَرَأَيْتُهُ يَسْعَى، وَإِنَّ مِثْزَرَهُ لَيَدُورُ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ
وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: (اسْعَوْا فَإِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ)). رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)
وَرَوَى(١) أَحْمَدُ مَعَ اخْتِلاَفٍ. [حم: ٦/ ٤٢١].
٢٥٨٣ - [٢٣] وَعَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: ((رَأَنْتُ رَسُولَ اللهِوَه
يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى بَعِيرٍ، لَاَ ضَرْبٌّ، وَلاَ طَرُّدٍّ، وَلاَ إِلَيْكَ إِلَيْكَ»،
رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)). [٧/ ١٤٢، رقم: ١٩٢٢].
وسكون الجيم والراء قبل الألف، وفي بعض النسخ بالهمزة بعد الراء.
وقوله: (وإن مئزره) في (القاموس)(٢): الإزار: الملحفة كالمئزر، وقال في باب
الفاء: اللحاف ککتاب: ما یلتحف به، واللباس فوق سائر اللباس من دثار البرد ونحوه،
كالملحفة والملحف بکسرهما .
وقوله: (فإن الله كتب عليكم السعي) ظاهر في الفرضية، وهو مذهب الشافعي
ومالك وأحمد، وقيل: هو تطوع بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَاجُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾
[البقرة: ١٥٨]، وقال أبو حنيفة: واجب، وهو قول جامع في الحديث والآية، فافهم(٣).
٢٥٨٣ - [٢٣] (قدامة بن عبدالله) قوله: (قدامة) بضم قاف وخفة دال.
(ولا إليك إليك) اسم فعل بمعنى تنح .
(١) في نسخة: ((ورواه)).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٢٢، ٧٨٦).
(٣) وانظر: ((أوجز المسالك)) (٧/ ٤٣٧ - ٤٤٨)، فيه بحث نفيس في السعي وأحكامه، فلينظر
ثمة.

٣٥١
(١٠) كتاب المناسك
٢٥٨٤ - [٢٤] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَّيَّةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ طَافَ بِالْبَيْتِ
مُضْطَبِعاً بِبُرْدٍ أَخْضَرَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ.
[ت: ٨٥٩، د: ١٨٨٣، جه: ٢٩٥٤، دي: ٢ / ٤٤٣].
٢٥٨٥ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلَهُ وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا
مِنَ الْجِعْرِانَةِ فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ ثَلاَناً، وَجَعَلُوا أَرْدِيَتَهُمْ تَحْتَ أَبَاطِهِمْ، ثُمَّ قَذَفُوهَا
عَلَى عَوَاتِقِهِمُ الْيُسْرَى. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٨٨٤]
* الْفَصْلُ الْثَالِثُ:
٢٥٨٦ - [٢٦] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَا تَرَكْنَا اسْتِلاَمَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ:
الْيَمَانِي وَالْحَجَرِ، فِي شِدَّةٍ وَلاَ رَخَاءٍ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَسْتَلِمُهُمَا .
مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٨، م: ١٢٦٨].
٢٥٨٤ - [٢٤] (يعلى بن أمية) قوله: (مضطبعاً) مر معنى الاضطباع.
٢٥٨٥ _ [٢٥] (ابن عباس) قوله: (اعتمروا من الجعرانة) بكسر الجيم والعين
المهملة وتشديد الراء: موضع على مرحلة من مكة في جانب حنين وهوازن، قسم
رسول الله وَي﴾ [بها] غنائم حنين، وأقام فيها سبعة عشر يوماً أو أقل أو أكثر، والمشهور
أنه ◌َّ﴿ أتى مكة ليلاً، ولم يخبر أحداً، فصلى العشاء في الجعرانة، ثم أتى مكة واعتمر،
ثم ذهب إليها وصلى الفجر فيها، والله أعلم.
وقوله: (وجعلوا أرديتهم ... إلخ)، هذا هو معنى الاضطباع.
الفصل الثالث
٢٥٨٦ - [٢٦] (ابن عمر) قوله: (في شدة ولا رخاء) أي: ازدحام وخلوة.

٣٥٢
(٣) باب دخول مكة والطواف
٢٥٨٧ - [٢٧] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: قَالَ نَافِعٌ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَسْتَلِمُ
الْحَجَرَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَبَلَ يَدَهُ، وَقَالَ: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِّهِ يَفْعَلُهُ.
[م: ١٢٦٨].
٢٥٨٨ - [٢٨] وَعَنْ أَمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ وَلِ أَنِّي
أَشْتَكِي. فَقَالَ: طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ، فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ وَُّ
يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ يَقْرَأُ بِ ﴿وَالُورِ ) وَكَتَبِ مَّسْطُورٍ﴾ [الطور: ١ - ٢]. مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. [خ: ١٥٤٠، م: ١٢٧٦].
٢٥٨٩ - [٢٩] وَعَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ،
وَيَقُولُ: إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ مَا تَنْفَعُ وَلاَ تَضُرُّ، .
٢٥٨٧ - [٢٧] قوله: (ما تركته) الظاهر أن الضمير للاستلام مطلقاً، ويجوز أن
يكون للاستلام على الوجه المخصوص المذكور، وهو أنه استلم الحجر بيده ثم قبّل
یده، والأول هو الوجه، فافهم.
٢٥٨٨ - [٢٨] (أم سلمة) قوله: (أني أشتكي) مفعول (شكوت)، الشكوى
والشكاية: الإخبار عن مكروه أصاب، وهو المراد بقوله: (شكوت)، ويجيء بمعنى
المرض وهو المراد بقوله: (أني أشتكي)، فيكون المعنى: شكوت مرضي، ومقصودها
أنها لا تستطيع الطواف راجلاً .
وقوله: (يصلي) وكانت صلاة الفجر .
٢٥٨٩ - [٢٩] (عابس بن ربيعة) قوله: (عابس) بالموحدة المكسورة بين
المهملتين .
وقوله: (أنك حجر) باعتبار صورته في هذه الدنيا، قيل: إنما قال عمر هذا

٣٥٣
(١٠) كتاب المناسك
وَلَوْلاَ أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِهِ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٢٠،
م: ١٢٧٦].
٢٥٩٠ - [٣٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: ((وُكِّلَ بِهِ سَبْعُونَ
مَلَكاً - يَعْنِي الرِّكْنَ الْيَمَانِيَ - فَمَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَّةَ فِي
الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، رَبََّا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ
قَالُوا: آمِينَ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٩٥٧].
٢٥٩١ - [٣١] وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ لْ قَالَ: ((مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعاً،
وَلاَ يَتَكَلَّمُ إِلاَّ بِ سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ،
القول لئلا يفتتن بعض قريبي العهد بالإسلام بعبادته، وروي أنه لما قال عمر څ ذلك
قال علي رضي الله عنه وکرم وجهه: مه يا أمير المؤمنين! إنه ينفع ويضر بإذن الله .
٢٥٩٠ - [٣٠] (أبو هريرة) قوله: (يعني الركن اليماني) تفسير لضمير (به)،
والظاهر أنه إذا كان فضل الركن اليماني إلى هذه المرتبة كان فضل الركن الأسود أكثر
وأعلى من ذلك، إلا أن تكون هذه الخاصية مخصوصة به، وتكون للحجر الأسود فضائل
وخواص أخر أوفر وأعظم، والله أعلم.
٢٥٩١ - [٣١] (عنه) قوله: (ومن طاف فتكلم) أي: بتلك الكلمات وهو في
حالة الطواف، وإنما كرر (من طاف) ليناط به غير ما نيط به أولا، كذا قال الطيبي(١).
ويمكن أن يكون معناه: تكلم بكلام الناس دون ما ذكر من التسبيح والتحميد
والتهليل والتكبير مقابلاً لقوله: (ولا يتكلم إلا بسبحان الله) أي: لا يتكلم بغير ذكر
الله، فیکون مقابله أن يتكلم بغیر ذكره، ومع ذلك کان له ثواب لکنه یکون کالخائض
(١) ((شرح الطيبي)) (٢٧٩/٥).

٣٥٤
(٤) باب الوقوف بعرفة
وَاللهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلَّ بِاللهِ، مُحِيَتْ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَكُتِبَ
لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَمَنْ طَافَ فَتَكَلَّمَ وَهُوَ فِي تِلْكَ
الْحَالِ، خَاضَ فِي الرَّحْمَةِ بِرِجْلَيْهِ كَخَائِضِ الْمَاءِ بِرِ جْلَيْهِ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
[جه: ٢٩٥٨].
٤ - باب الوقوف بعرفة
في الرحمة برجليه وأسفل بدنه؛ لكونه عاملاً وعابداً به، ولا تبلغ الرحمة إلى أعلاه
لكونه متكلماً بغير ذكر الله، وإذا لم يتكلم إلا بذكر الله يستغرق في بحر الرحمة من
قدمه إلى رأسه ومن أسفله إلى أعلاه، هكذا يختلج في القلب معنى الحديث، والله
أعلم.
٤ - باب الوقوف بعرفة
هذا أحد ركني الحج عظيم حتى ورد: (الحج عرفة)، وعرفة اسم للمكان
المخصوص، وقد يجيء بمعنى الزمان، وأما عرفات بلفظ الجمع فيجيء بمعنى
المكان فقط، ولعل جمعه باعتبار نواحيه وأطرافه وتعدد محالِّ الوقوف فيه، ووجه
تسميتها بها إما لتعارف آدم وحواء في هذا المكان بعد الهبوط، أو لأن جبرئيل كان
يعلِّم الخليل المناسك ويقول: أعرفت؟ أو لأنه مكان معظّم مشهور كأنه معروف قبل
التعريف، وقيل: لتعرُّف العباد فيه إلى الله تعالى بالعبادات والأدعية، وهذا المكان
محل عظيم لا يوازيه أحد من الأمكنة الأرضية، فسمي بها، وعلى هذه الوجوه هو مشتق
من المعرفة .

٣٥٥
(١٠) كتاب المناسك
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٥٩٢ - [١] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ النَّقَفِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ
وَهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنَّى إِلَى عَرَفَةَ: ((كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مَعَ
رَسُولِ اللهِوَّهِ؟ فَقَالَ: كَانَ يُهِلُّ مِنَّا الْمُهِلُّ فَلاَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبُِّ الْمُكَبِّرُ
مِنَّا فَلاَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٥٩، م: ١٢٨٥].
٢٥٩٣ - [٢] وَعَنْ جَابِرِ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ: ((نَحَرْتُ هَهُنَا وَمِنَّى
كُلُّهَا مَنْحَرٌ؛ فَانْحَرُوا فِي رِ حَالِكُمْ، وَوَقَفْتُ هَهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ
هَهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢١٨].
وقيل: هو مشتق من العَرْف بسكون الراء، ويستعمل في الأكثر في الرائحة
الطيبة، ولما كان في منى الروائح المنتنة من الذبائح سمَّوا في مقابلها عرفة لخلوها
عن تلك الروائح.
الفصل الأول
٢٥٩٢ - [١] (محمد بن أبي بكر) قوله: (محمد بن أبي بكر) بن عوف
(الثقفي).
وقوله: (غاديان) أي: ذاهبان في الغدوة.
وقوله: (ويكبر المكبر منا فلا ينكر عليه) علم من هذا أن المقصود للحاج
ذكر الله في ذلك اليوم بعد أن لبّى بعد الإحرام مرة أو مرتين، نعم التلبية أولى وأفضل
وأقرب إلى السنة .
٢٥٩٣ - [٢] (جابر) قوله: (نحرت ههنا) إشارة إلى مكان مخصوص في منى
نحر فيه، وكذا في عرفات، و(جمع) والجمع عَلَم للمزدلفة، والظاهر أنه قال كلاً من

٣٥٦
(٤) باب الوقوف بعرفة
٢٥٩٤ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَالَ: ((مَا مِنْ
يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدَاً مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمٍ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو،
ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلاَئِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلاءِ؟!)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م:
١٣٤٨].
* الْفَصْلُ الثاني:
٢٥٩٥ - [٤] عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ خَالٍ لَهُ - يُقَالُ
لَهُ يَزِيدُ بْنُ شَيْبَانَ - قَالَ:
هذه الكلمات في مكانه جمعها الراوي.
٢٥٩٤ - [٣] (عائشة) قوله: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار
من يوم عرفة) وقعت كلمة (من) في هذا الحديث متعددة، فـ (من) الأولى زائدة في
النفي، و(أكثر) بالنصب خبر (ما)، وقد يرفع فيكون خبر مبتدأ محذوف، أو واقع على
لغة بني تميم، و(من) الثانية أيضاً زائدة، و(أن يعتق) بتأويل المصدر تمييز، والثالثة
متعلقة بـ (يعتق)، والرابعة تفضيلية متعلقة بـ (أكثر)، فيكون المعنى: ليس يوم أكثر
إعتاقاً فیه من النار من يوم عرفة.
وقوله: (ما أراد هؤلاء) بلفظ الاستفهام للتعجب، وحملِ الملائكة على الاعتراف
بفضل بني آدم، والإشارة إلى أن مبتغاهم المغفرة، وقد غفرت لهم عاجلاً، ولهم
من الدرجات العلى في الآخرة آجلاً، فماذا يريدون بعد ذلك؟ .
الفصل الثاني
٢٥٩٥ - [٤] (عمرو بن عبدالله) قوله: (عن عمرو بن عبدالله بن صفوان) بن
أمية بن خلف الجمحي القرشي.

٣٥٧
(١٠) كتاب المناسك
كُنَّا فِي مَوْقِفٍ لَنَا بِعَرَفَةَ يُبَاعِدُهُ عَمْرُو مِنْ مَوْقِفِ الإِمَامِ جِدًّا، فَأَنَانَاَ ابْنُ مِرْبَعٍ
الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللهِوَهَإِلَيْكُمْ يَقُولُ لَكُمْ: (تِفُوا عَلَىَ
مَشَاعِرِكُمْ، فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثٍ أَبِيَكُمْ إِْرَاهِيمَ عَِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَأَبَّو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٨٨٣، د: ١٩١٩، ن: ٣٠١٤، جه: ٣٠١١].
٢٥٩٦ - [٥] وَعَنْ جَابِرِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: ((كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ،
وَكُلُّ مِنَّى مَنْحَرٌ، وَكُلُّ الْمُزْدَِّفَةِ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ فِجَاجٍ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ».
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ. [د: ١٩٣٧، دي: ٢ / ٥٦ - ٥٧].
وقوله: (كنا في موقف لنا) أي: كنا واقفين بعرفات في موقف كان لآبائنا في
الجاهلية .
وقوله: (يباعده) أي: يبعده ويصفه بالبعد.
وقوله: (فأتانا ابن مربع) بكسر الميم وسكون الراء، الأنصاري، صحابي، اسمه
زید أو یزید أو عبدالله، روی عنه یزید بن شیبان.
وقوله: (قفوا على مشاعركم) أي: موضع نسككم ومواقفكم القديمة، فإنها
جاءتكم من إرث إبراهيم، ولا تحقروا شأن موقفكم بسبب بُعده عن موقف الإمام،
فإن عرفة كلها موقف، فمن وقف بأي بقعة من عرفات فهو آتٍ بسنة إبراهيم متبعٌ
لملته، والغرض سدّ باب التنازع والتشاجر في المواقف بقربه من موقف النبي وَيه
وبعده منه .
٢٥٩٦ - [٥] (جابر) قوله: (وكل المزدلفة) مزدلفة أيضاً علم لموضع
مخصوص كعرفة ومنى، ولكن أدخل عليها الألف واللام؛ لأن العلم المشتق يجوز
فيه إدخال اللام وتركها كما في الحارث والحسن مثلاً، و(الفجاج) بكسر الفاء جمع

٣٥٨
(٤) باب الوقوف بعرفة
٢٥٩٧ - [٦] وَعَنْ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ نَّهِ يَخْطُبُ النَّاسَ
يَوْمَ عَرَفَةَ عَلَى بَعِيرٍ، قَائِماً فِي الرِّكَابَيْنِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٩١٧].
٢٥٩٨ - [٧] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ
النَّبِيَّ ◌َهِ قَالَ: ((خَيْرُ الذُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمٍ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ
قَبْلِي: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥٨٥].
فج بالفتح: الطريق الواسع بين جبلين، أي: أيّ طريق تدخل مكة جاز، وفي أيّ
موضع منها تنحر الهدي جاز، وإن لم يكن طريقاً دخل أو نحر فيه رسول الله وَالت،
وكذا المعنى في عرفة ومزدلفة، والمقصود التوسعة ونفي الحرج.
٢٥٩٧ - [٦] (خالد بن هوذة) قوله: (وعن خالد بن هوذة) بفتح الهاء وسكون
الواو وفتح الذال .
وقوله: (قائماً في الركابين) كأنه كان لقصد الارتفاع وحصول القوة في الكلام
وإسماعه من البعيد.
٢٥٩٨ - [٧] (عمرو بن شعيب) قوله: (خير ما قلت) أي: دعوت، والدعاء هو:
(لا إله إلا الله وحده ... إلخ)، وتسميته دعاء، إما لأن الثناء على الكريم تعريض
بالدعاء والسؤال، وإما لحديث: (من شغله ذكري عن مسألتي) الحديث، هكذا
قالوا، ولا يخفى أن عبارة هذا الحديث لا تقتضي أن يكون الدعاء قوله: (لا إله
إلا الله ... إلخ)، بل المراد أن خير الدعاء ما يكون يوم عرفة أيَّ دعاء كان.
وقوله: (خير ما قلت) إشارة إلى ذكر غير الدعاء، فلا حاجة إلى جعل (ما قلت)
بمعنى: ما دعوت، نعم قد ورد في بعض الطرق: (دعائي ودعاء من قبلي من النبيين

٣٥٩
(١٠) كتاب المناسك
٢٥٩٩ - [٨] وَرَوَى مَالِكٌ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ إِلَى قَوْلِهِ ((لاَ شَرِيكَ
لَهُ)). [ط: ١ / ٤٢٢].
٢٦٠٠ - [٩] وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ كَرِيزِ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَلِ قَالَ:
((مَا رُبِيَ الشَّيْطَانُ يَوْماً هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ، وَلاَ أَدْحَرُ، وَلاَ أَحْقَرُ، وَلاَ أَغْيَظُ مِنْهُ
فِي يَوْمٍ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّلِمَا يَرَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللهِ عَنِ الذُّنُوبِ
الْعِظَامِ، إِلَّ مَا رُئِّيَ يَوْمَ بَدْرٍ))، فَقِيلَ: مَا رُبِّيَ يَوْمَ بَدْرٍ؟ قَالَ: ((فَإِنَّهُ قَدْ رَأَى
جِبْرِئِيلَ يَزَعُ الْمَلاَئِكَةَ))،.
يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده)، وفي هذا الطريق أيضاً ذُكر بعد هذا الذكر أدعية، فيمكن
أن يكون هذا الذكر توطئة لتلك الأدعية؛ لما يستحب من الثناء على الله قبل الدعاء،
فافهم.
٢٥٩٩، ٢٦٠٠ - [٨، ٩] (طلحة بن عبيدالله بن كريز) قوله: (وعن طلحة
ابن عبيدالله) هكذا وقع في النسخ: (عبيد الله) بلفظ التصغير موافقاً لما وقع في بعض
نسخ (المصابيح)، والصواب (عبدالله) بدون الياء موافقاً لما ذكر في (جامع الأصول)
و(المغني)(١)، تابعي، فحديثه مرسل، و(كریز) بفتح الكاف وكسر الراء وسكون الياء
وآخره زاي.
وقوله: (ولا أدحر) الدحر: الطرد والإبعاد والدفع، قوله تعالى: ﴿مَذْهُومَّا مَّدْحُورًا ﴾
[الأعراف: ١٨] أي: مطروداً.
وقوله: (يزع الملائكة) بالزاي والعين المهملة من وَزَعَه يَزَعُه فهو وازع: إذا
(١) قلت: في ((جامع الأصول)) (١٤ / ٣٩٧) بالياء وكذا في ((الموطأ))، وأما في ((المغني))
(ص: ٢١٢) ففيه بدون الياء، والله أعلم.

٣٦٠
(٤) باب الوقوف بعرفة
رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلاً، وَفِي: ((شَرْح السُّنَّةِ)) بِلَفْظِ ((الْمَصَابِيحِ)). [ط: ١/ ٤٢٢].
٢٦٠١ - [١٠] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَِ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ
عَرَفَةَ، إِنَّ اللهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَاهِي بِهِمُ الْمَلاَئِكَةَ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا
إِلَى عِبَادِي، أَنَوْنِي شُعْئاً غُبْراً ضَاجِّينَ مِنْ كُلِّ فَجِّ عَمِيقٍ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ
غَفَرْتُ لَهُمْ، فَيَقُولُ الْمَلاَئِكَةُ: يَا رَبٌّ! فُلاَنْ كَانَ يُرَمَّقُ،
كفه ومنعه، والمراد: يرتبهم ويسويهم ويكفهم عن الانتشار، وفي (القاموس)(١):
الوازع: الزاجر، ومن يدبِّر أمور الجيش، ويرد من شذ منهم، وفي (الصراح)(٢): وزع:
باز داشتن و[أول وآخر] لشکر را فراهم آوردن، وزاع: سرهنگ وسالار لشکر وباز
دارنده .
وقوله: (بلفظ المصابيح) ولفظه: (إلا ما كان من يوم بدر، فقيل: وما رأى
من يوم بدر؟ قال: إنه قد رأى جبرئيل وهو يزع الملائكة).
٢٦٠١ - [١٠] (جابر) قوله: (فيباهي بهم) الضمير راجع إلى الواقفين بعرفة
لتقدم ذكرهم حكماً في قوله: (إذا كان يوم عرفة)، ويحتمل أنه كان قد جرى ذكرهم
صريحاً فذكر فضلهم.
وقوله: (ضاجين) في (الصحاح)(٣): أضجّ القوم: صاحوا، وضجوا: جزعوا،
والمراد: رفع أصواتهم بالتلبية وجزعهم بالدعاء والتضرع والبكاء.
وقوله: (فلان كان يرهق) بلفظ المجهول من باب التفعيل أو الإفعال، مَن
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧١١).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٣٣١).
(٣) ((الصحاح)) (١/ ٣٢٦).