Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
(١٠) كتاب المناسك
وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ ابْنَ عَبَّاسِ حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلاً، .
اعلم أنه قد ذكر في الحج المشعر الحرام ومشاعر الحج وشعائر الحج، فالمشاعر
واحدها مشعر، والشعائر واحدها شعيرة، ويقال: شعارة، وهي أموره ومناسكه،
ومعناه: علاماته، وقيل: الشعائر: الذبائح، وقال الفرَّاء والأخفش: هي أمور الحج،
وقال الزجَّاج: الشعائر: كل ما كان من موقفٍ ومسعَى وذبح، من قولهم: شعرت به،
أي: علمت، وقال الأزهري: الشعائر المعالم، وقال غيره في المشاعر مثله، وذكر
إشعار البدن، وهو من هذا، وهو تعليمها بعلامة، وهو شق جلد سنامها عند الحجازيين،
وتقليدها بقلادة عند العراقيين، كذا في (مشارق الأنوار)(١).
وقوله: (فأتى بطن محسر) بضم ميم وكسر سين مهملة مشددة: اسم واد قرب
المزدلفة، وقيل: هو من منى، وقيل: ما يصيب منه في المزدلفة فهو من المزدلفة،
وما يصيب منه بمنى فهو من منى، فهو برزخ بين المزدلفة ومنى، كوادي عُرَنة ونَمِرة
برزخ بين الحرم وعرفات، وقيل: بعضه من مزدلفة وبعضه من منى، وصوّبه بعضهم.
وقوله: (فحرك) أي: ناقته، وأسرع السير قليلاً، أو يفهم من بعض الأحاديث
أنه أسرع شديداً وعجل في خروجه، ويستحب الإسراع فيه إن كان ماشياً، ويحرك
دابته إن کان راكباً تأسياً بالمأثور باتباعه وذيله . .
واختلفوا في سبب إسراعه ◌َ ﴿ منه، والمشهور أنه مكان نزول العذاب على
أصحاب الفيل القاصدين هدم البيت، فاستحب فيه الإسراع لما ثبت في الصحيح من
أمره المارّين على ديار قوم لوط وديار ثمود ونحوهم بذلك، وهكذا كانت عادته وله
في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه .
(١) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٤٣٢).

٣٢٢
(٢) باب قصة حجة الوداع
ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى حَتَّى أَنَى الْجَمْرَةَ
الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلَ
حَصَى الْخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ،.
ونقل في (المواهب اللدنية)(١) عن الأسنوي: سببه أن النصارى كانت تقف فيه
كما قاله الرافعي، أو العرب كما في (الوسيط)، فأمرنا بمخالفتهم، وقال: وظهر لي
فيه معنى آخر، وهو أنه مكان نزول العذاب على أصحاب الفيل: إلى آخره.
وفي (شرح كتاب الخرقي)(٢): يسمى محسراً لأنه يحسر سالكيه ويتعبهم، وقال
الشافعي في (الإملاء): يجوز أن يكون فعل ذلك لسعة الموضع، وقيل: يجوز أن
يكون لأنه مأوى الشياطين، وقيل: سمي بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه، أي:
أعیی .
وقوله: (ثم سلك الطريق الوسطى) وهي غير الطريق الذي ذهب فيه إلى
عرفات، وذلك كانت طريق ضب، وهذا طريق المَأْزِمَين اسمان للجبلين، ولأجل
هذا لم يمر عليه وقت الذهاب على وادي محسر، ومر وقت الرجوع.
وقوله: (يخرج على الجمرة الكبرى) هي الجمرة الأولى التي في جانب مزدلفة
قريب مسجد الخيف التي يبدأ منها الرمي بعد هذا اليوم، ذكرها لتعيين الطريق، أما
اليوم فيمر منه، ويأتي جمرة العقبة التي في جانب مكة، وهي في أصل الجبل، والعقبة
بفتح العين والقاف: الطريق إلى الجبل، وهو موضع في أسفل منى، وإليه تضاف بيعة
العقبة للأنصار، وسيأتي أحكام رمي الجمار في بابه .
وقوله: (حصى الخذف) بدل (حصيات)، وفي بعض النسخ: (مثل حصى
(١) ((المواهب اللدنية)) (٤ / ٤٤٨).
(٢) ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (٣/ ٢٥٠).

٣٢٣
(١٠) كتاب المناسك
فَنَحَرَ ثَلاَثاً وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَنَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ فِي
هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ، فَأَكَلاَ مِنْ
لَحْمِهَا وَشَرِبًا مِنْ مَرَقِهَا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ،
الخذف) وهو بفتح الخاء وسكون الذال المعجمتين: رميُ الحصى بالأصابع، وفي
الحديث: (نهى عن الخذف) وهو رميك حصاةً أو نواةً تأخذها بين سبابتيك. وفي
(المشارق)(١): أو بين الإبهام والسبابة، وترمي بهما، أو تتخذ مخذفة من خشب ثم
ترمي بها الحصاة، والمراد بيان مقدار الحصى في الصغر والكبر، وفسروا حصى الخذف
بقدر حبة الباقلاء، وفسره الأثرم بأن يكون أكبر من الحمص دون البندق، وعن ابن
عمر: مثل بعر الغنم، وهو قريب من ذلك، كذا في (شرح كتاب الخرقي)(٢).
وقوله: (ما غبر) أي: بقي، والغابر أيضاً: الماضي، في (القاموس)(٣): غَير
غُبوراً: مَكث، وذهب، ضِدٌّ، وغُبْرُ الشيء، بالضم: بقيته.
وقوله: (وأشركه في هديه) حقيقة، أو المراد: أعطاه بدناً يذبحه.
وقوله: (فأكلا) يؤيد الأول، وفيه جواز الاستنابة في ذبح الهدي، والأفضل
أن يذبح بيده، وفيه استحباب تعجيل ذبح الهدايا يوم النحر وإن كانت كثيرةً.
و(البضعة) بفتح الباء: القطعة من اللحم، وقد مر تحقيق هذا اللفظ في (كتاب
الإيمان)، والضمير في (لحمها) و(مرقها) للهدايا، ويجوز أن يكون للـ (قدر)، فإنها
تؤنث .
و(المرق) بفتح الميم والراء: جمع مرقة، والمَرْق بسكون الراء: إكثار مرقة
(١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٣٦١).
(٢) ((شرح الزركشي على كتاب الخرقي)) (٣/ ٢٥٣).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤١٧).

٣٢٤
(٢) باب قصة حجة الوداع
فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، .
القدر، كذا في (القاموس)(١).
وقوله: (فأفاض) أي: أسرع إلى مكة ليطوف، ويسمى طواف الإفاضة، وهو
فرض ثاني ركني الحج: الوقوف بعرفة والطواف بالبيت، وبه يتم الحج، وهو أفضل
في يوم النحر، ويجوز بعده.
وقوله: (فصلى بمكة الظهر) قال في (المواهب اللدنية)(٢): واختلف في أنه أين
صلى رسول الله وَّ الظهر يوم النحر؟ ففي رواية جابر عند مسلم: أنه صلى بمكة،
وكذلك قالت عائشة، وفي حديث ابن عمر في الصحيحين: أنه ◌َّ أفاض يوم النحر،
ثم رجع فصلى الظهر بمنى(٣)، فرجح ابن حزم في (كتاب حجة الوداع) له قول عائشة
وجابر، وتبعه على ذلك جماعة؛ لأنهما اثنان، والاثنان أولى من الواحد، ولأن عائشة
أخص الناس به، ولأن جابراً ساق أفعال حجه وَ﴿ من أولها إلى آخرها أتم سياق،
وهو أحفظ للقصة وأضبطها، حتى ضبط جزئياتها، حتى أمراً منها (٤) ما لا يتعلق
بالمناسك، وهو نزوله وَ* في الطريق، فبال وتوضأ وضوءاً خفيفاً، فمن ضبط هذا القدر
فهو بضبط مكان صلاته الظهر يوم النحر أولى، وأيضاً فإن حجة الوداع كانت في
آذار، وهو زمان تساوي الليل والنهار، وقد دفع من المزدلفة قبيل طلوع الشمس إلى
منى، وخطب بها الناس، ونحر بدنه، وقسمها، وأكل منه، ورمى الجمرة، وحلق رأسه،
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٥٠).
(٢) ((المواهب اللدنية)) (٣/ ٥٠٢).
(٣) قال شيخنا في ((التقرير)): والجمع سهل بأن الأنبياء يجوز لهم تكرار الفرض مع الاحتمال أنه
صلى في أحد الموضعين اقتداء نفلاً.
(٤) كذا في الأصل، وفي ((المواهب)): ((حتى أقر منها)).

٣٢٥
(١٠) كتاب المناسك
فَأَنَى عَلَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ فَقَالَ: ((انْزِعُوا يَنِي عَبْدِ
الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلاَ أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ»،.
٠٠
وتطيب، ثم أفاض، فطاف، وشرب من ماء زمزم، ووقف عليهم وهم يسقون، وهذه
أعمال يظهر منها أنها لا تنقضي في مقدار ما يمكن معه الرجوع إلى منى بحيث يدرك
الظهر فيها في فصل آذار.
ورجحت طائفة أخری حدیث ابن عمر بأن حديثه متفق علیه، وحديث جابر
من أفراد مسلم، فحديث ابن عمر أصح منه، وبأن رواته أحفظ وأشهر، وبأن حديث
عائشة قد اضطرب في وقت طوافه، فروي عنها: أنه طاف نهاراً، وفي رواية عنها:
أنه أخر الطواف إلى الليل، وفي رواية عنها: أنه أفاض من آخر يومه، فلم تضبط فيه
وقت الإفاضة ولا مكان الصلاة، كما يأتي في (باب خطبة يوم النحر ورمي أيام التشريق)،
وأيضاً فإن حديث ابن عمر أصح منه بلا نزاع؛ لأن حديث عائشة من رواية محمد بن
إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم، وابن إسحاق مختلف في الاحتجاج به، ولم يصرح
بالسماع بل عنعنه، فلا يقدم على حديث عبدالله بن عمر، والله أعلم.
وقوله: (فأتى على بني عبد المطلب يسقون) وكانت سقاية البيت على يد
العباس بن عبد المطلب، و(زمزم) بئر عند البيت، وفي الأصل عين من ضرب جبرئيل
رجله حين عطش إسماعيل، وقد ذكرنا شيئاً من أخبارها في (شرح سفر السعادة)(١)،
وكثير من تفاصيل كتاب الحج ومناسكها مذكور فيه لم نذكرها ههنا، فلينظر ثمة .
وقوله: (فلولا أن يغلبكم الناس ... إلخ)، أي: لولا خوفُ غلبة الناس عليكم
في نزع الماء من البئر لاتُباع فعلي، وازدحامُهم على ذلك الموجِبُ لخروج هذا المنصب
(١) ((شرح سفر السعادة)) (ص: ٣٦٢).

٣٢٦
(٢) باب قصة حجة الوداع
فَنَاوَلُوهُ دَلْواً فَشَرِبَ مِنْهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢١٨].
٢٥٥٦ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ((خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ لَهُ فِي حَجَّةٍ
الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ فَقَالَ(١)
رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيَحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى
فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لاَ يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا))، وَفِي رِوَايَةٍ: ((فَلاَ
يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ» قَالَتْ: فَحِضْتُ،
وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلاَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمْ أَزَلْ حَائِضاً حَتَّى كَانَ يَوْمُ
عَرَفَةَ، وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَّنِي النَّبِيُّ ◌َّهِ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وَأَمْتَشِطَ،
وَأَهِلَّ بِالْحَجِّ وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ،.
ء
من یدکم، لنزعت الماء من البئر.
وقوله: (فناولوه دلواً فشرب منه) وقد جاء في حديث آخر أن العباس قال:
يا فضل، اذهب إلى أمك، فأت رسول الله وَ ل بشراب من عندها، فمنعه عن ذلك،
وشرب من ماء زمزم من الدلو، كما يأتي في (باب خطبة يوم النحر).
٢٥٥٦ - [٢] (عائشة) قوله: (ولا بين الصفا والمروة) أي: ولا طفت بينهما،
فإن الطواف يطلق على السعي بين الصفا والمروة، كما ورد في الحديث، فإن كان
مجازاً كما هو الظاهر - فإن الطواف: الحركة حول الشيء - يقدر بعد (لا): سعيت،
أو يحمل على عموم المجاز.
وقوله: (أن أنقض رأسي ... إلخ)، أي: أخرج من إحرام العمرة وأستبيح
محظورات الإحرام، (وأهل بالحج) أي: أحرم له، وإحرام الحائض والنفساء جائز،
(١) في نسخة: ((قال)).

٣٢٧
(١٠) كتاب المناسك
فَفَعَلْتُ حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي، بَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَرَّنِي
أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي.
يغتسلن ويُحرمن .
وقد وقع في بعض الروايات: (أن اغتسلي وأحرمي) كما مرّ في أول الباب من
حديث جابر: فأمرها برفض تلك العمرة التي كانت أحرمت بها أولاً والانتقال إلى
الحج المفرد، فلما أدت حجها أمرها بالاعتمار قضاء لتلك العمرة السابقة، وهذا
قول أبي حنيفة وأصحابه، فإن مذهبهم أن المرأة إذا تمتعت وأحرمت للعمرة فحاضت
قبل الطواف تركت العمرة وأحرمت للحج المفرد، ثم قضت العمرة، ويستدلون بهذا
الحديث عن عائشة .
وقال الأئمة: أمر النبي وَ﴿ عائشة بالقران، فلما طهرت وأفاضت من عرفات
فطافت وسعت، تم لها الحج والعمرة، كما هو حال القارن، قالت: يقع في نفسي
أني طفت للعمرة بعد الوقوف، وكان وقته قبله، بعث معها أخاها عبد الرحمن بن
أبي بكر، حتى أحرمت من التنعيم، واعتمرت، فهذه عمرة زائدة على ما وجب عليها،
أمرها بها تطبيباً لقلبها وجبره، وإلا كان الطواف والسعي اللذين فعلتهما بعد الإحرام
كفتها (١) من الحج والعمرة كما للقارن، فكانت ◌ً متمتعة في الابتداء، وصارت قارنة
في الانتهاء، وما جاء في الروايات: (ارفضي عمرتك)، و: (دعي عمرتك)، و: (اقضي
عمرتك)، يؤيد مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وهم يؤولونها بأن المراد برفض العمرة
وتركها التحلل منها، وما جاء في رواية: (أمسكي عن العمرة) محتمل للوجهين.
وقوله: (وأمرني أن أعتمر مكان عمرتي) أي: بدلها قضاءً لما فات، وهذا
أيضاً يؤيد مذهبنا .
(١) كذا في النسخ المخطوطة، والظاهر: ((كفيا)).

٣٢٨
(٢) باب قصة حجة الوداع
مِنَ التَّنْعِيمِ، قَالَتْ: فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَانُوا طَوَافاً بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنِّى، وَأَمَّا الَّذِينَ
جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافاً وَاحِداً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٩،
م: ١٢١١].
٢٥٥٧ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: تَمَثَّعَ رَسُولُ اللهِل ◌َهُ فِي حَجَّةٍ
الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْخُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ فَأَهَلَّ
بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَتَمَثَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ ◌َه
وقوله: (من التنعيم) متعلق بـ (أعتمر)، والتنعيم: موضع من الحل على ثلاثة
أميال من مكة، وفيه مکان یقال له: مسجد عائشة لإحرامها فيه.
وقوله: (ثم حلّوا) تعني: الذين لم يسوقوا الهدي.
وقوله: (ثم طافوا طوافاً بعد أن رجعوا من منى) تعني: طواف الزيارة.
وقوله: (فإنما طافوا طوافاً واحداً) يعني: يوم النحر للحج والعمرة كما هو
حكم القارن(١).
٢٥٥٧ - [٣] (عبدالله بن عمر) قوله: (تمتع رسول الله وَ﴿) تأويله عند من قال:
(١) في ((التقرير)): اعلم أن الحديث كما أنه يخالف الحنفية يخالف الشافعية أيضاً، فإن طواف
القارن عند الحنفية أربعة: القدوم والعمرة والزيارة والصدر، وعند الشافعية ثلاثة، فأي معنى
((طوافاً واحداً)) مع أنه يخالف فعله علي كما هو المعروف في الروايات، ولذا أوله الشافعية
بأن المراد منه السعي، وليس بشيء، ووجَّه الحنفية بأن المراد أنهم طافوا قبل طواف الحج
طوافاً واحداً، فكأنهم تداخلوا في طواف القدوم والعمرة، أو المعنى: طافوا طوافاً واحداً
وهو طواف الزيارة للحل عن النسكين معاً، وإلا فالمفرد والمتمتع يحل به عن الحج فقط،
انتھی .

٣٢٩
(١٠) كتاب المناسك
بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا
قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ: ((مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ مِنْ
شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَلْيَطُفْ
بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ، وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّلِيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ، فَمَنْ
لَمْ يَجِدْ هَدْباً فَلْيَصُمْ ثَلاَثَةَ أَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ) فَطَافَ
حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ،
إنه * كان قارناً، أن المراد بالتمتع المعنى اللغوي، وهو الانتفاع والالتذاذ، ولا شك
أن ذلك في القران موجود للاكتفاء على النسكين بنسك واحد، أو المراد أمر بعض
أصحابه بالتمتع على طريق الإسناد إلى السبب الآمر توفيقاً بين الروايات، وأما التوفيق
بأحاديث الإفراد أنه أحرم للحج مفرداً، ثم أدخل العمرة في الحج وصار قارناً، وقال:
(دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)، ثم أهل للحج والعمرة معاً، فمن سمع
أول الكلام روى أنه أفرد بالحج، ومن سمع تمامه روى أنه قارن، وتفصيله في (شرح
سفر السعادة)(١).
وقوله: (وليقصر) اقتصاره على الأدنى، وقد مر الكلام فيه في حديث جابر.
وقوله: (ثلاثة أيام في الحج) الأفضل أن يصوم السابع والثامن والتاسع، وهو
المذهب عندنا، وقيل: الأولى أن يصوم الثلاثة قبل التاسع.
وقوله: (وسبعة إذا رجع إلى أهله) اختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا
رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فقيل: إذا رجعتم إلى أهليكم، وهو أحد قولي الشافعي، أو: إذا
نفرتم وفرغتم من أعمال الحج ورجعتم إلى مكة، وهو مذهب أبي حنيفة، أو: قول
(١) ((شرح سفر السعادة)) (ص: ٣٣١).

٣٣٠
(٢) باب قصة حجة الوداع
ثُمَّ خَبَّ ثَلاَثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعاً، فَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ
الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَانْصَرَفَ، فَأَتَى الصَّفَا، فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ
سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَدْيَّهُ
يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ
مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِوَّهِ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ:
١٦٩١، م: ١٢٢٧].
٢٥٥٨ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((هَذِهِ عُمْرَةٌ
اسْتَمْتَعْنَا بِهَا، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ الْهَدْيُ فَلْيَحِلَّ الْحِلَّ كُلَّهُ، فَإِنَّ الْعُمْرَةَ قَدْ
دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢٤١].
للشافعي، كذا قال البيضاوي والطيبي(١)، والمذكور في (الهداية)(٢): إذا رجع إلى أهله.
وقوله: (ثم خب) الخبب: نوع من العدو، أو كالرمل، كذا في (القاموس) (٣)،
والمراد هنا الرمل .
وقوله: (ثم حل من كل شيء حرم منه) حتى النساء، وأما قبل الطواف بعد
النحر فقد حل ما سوى النساء.
٢٥٥٨ - [٤] (ابن عباس) قوله: (فإن العمرة قد دخلت في الحج) قد مضى
شرحه فيما سبق.
(١) انظر: ((تفسير البيضاوي)) (١ / ١١٠)، و((شرح الطيبي)) (٥/ ٢٦٢).
(٢) ((الهداية)) (١ / ١٥٣).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٥).

٣٣١
(١٠) كتاب المناسك
وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي.
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٥٥٩ - [٥] عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ فِي نَسٍ مَعِي
قَالَ: أَهْلَلْنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ◌َِ﴾(١) بِالْحَجِّ خَالِصاً وَحْدَهُ، قَالَ عَطَاءُ: قَالَ
جَابِرٌ: فَقَدِمَ النَّبِيُّلَّهِ صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَأَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ،
قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ: حِلُّوا، وَأَصِيبُوا النِّسَاءَ، قَالَ عَطَاءٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ،
وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ، فَقُلْنَا:
وهذا الباب خال عن الفصل الثاني.
الفصل الثالث
٢٥٥٩ _ [٥] (عطاء) قوله: (أصحاب محمد) منصوب على الاختصاص
نحو: نحن معاشر الأنبياء.
وقوله: (فأمرنا) بلفظ الماضي المعلوم.
وقوله: (أن نحل) بفتح النون وكسر الحاء.
وقوله: (قال عطاء: قال: حلوا) الظاهر من السياق أن يكون فاعل (قال) جابراً،
أي: قال جابر في تفسير قوله: (أمرنا أن نحل) حاكياً عن قول رسول الله وَله: (حلوا)
بكسر الحاء بلفظ الأمر، ويجوز أن يكون فاعل (قال) رسول الله وَليقول، أي: قال عطاء:
قال جابر في تفسيره: قال رسول الله نَّ، فافهم.
ثم فسر عطاء تفسير جابر بقوله: (ولم يعزم) أي: لم يوجب عليهم وَطْأهن،
(ولكن أحلهن) أي: أباح وَطْأهن.
(١) سقطت التصلية في نسخة.

٣٣٢
(٢) باب قصة حجة الوداع
لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّ خَمْسٌ أَمَرَنَا أَنْ نُفْضِيَ إِلَى نِسَائِنَا، فَأْتِيَ
عرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَنِيَّ، قَالَ: يَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِهِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَوْلِهِ بِيَدِهِ
يُحَرِّكُهَا، قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ ◌َهِ فِيْنَا، فَقَالَ: ((قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ،
وَأَصْدَقُكُمْ، وَأَبَرُّكُمْ، وَلَوْلاَ هَذْبِي لَحَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ
أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، فَحِلُّوا))، فَحَلَلْنَا، وَسَمِعْنَا، وَأَطَعْنَا.
قَالَ عَطَاءُ: قَالَ جَابِرٌ:
وقوله: (إلا خمس) أي: خمس ليال.
وقوله: (أن نفضي) من الإفضاء، وهو لازم بمعنى الوصول، ولهذا عُدّي بالباء،
وفي حديث: (إذا أفضى أحدكم بيده) أي: أوصل يده، وفي (الصحاح)(١): أفضى
إلى امرأته: باشرها.
وقوله: (فنأتي عرفة) ليس من تمام أمر رسول الله ◌َّ، بل هو عطف على مقدر،
أي: فتنزهنا من ذلك، وقلنا: فنأتي عرفة، كذا قال الطيبي(٢)، ويمكن أن يقال: يجوز
أن يكون من تمام أمر الرسول عطفاً على قوله: (نفضي) باعتبار ما يستلزمه ذلك
الأمر، كأنه لما أمر بالإفضاء إلى النساء أمر بإتيانهم عرفة بهذه الحالة. و(مذاكير)
جمع ذكر على غير القياس، كذا قال السيوطي في (مختصر النهاية).
وقوله: (قال) أي: عطاء: (يقول جابر) أي: يشير.
وقوله: (أنظر إلى قوله) أي: إشارته (بيده يحركها) أي: اليد لإراءة صورة
الذكر .
(١) ((الصحاح)) (ص: ٨١٤).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٦ / ١٩٧٤).

٣٣٣
(١٠) كتاب المناسك
فَقَدِمَ عَلِيٍّ مِنْ سِعَايَتِهِ، فَقَالَ: ((بِمَ أَهْلَلْتَ؟))، قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِّ ◌ِ،
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((فَأَهْدِ، وَامْكُثْ حَرَاماً))، قَالَ: وَأَهْدَى لَهُ عَلِيٌّ
هَدْباً، فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْثُمٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدِ؟
قَالَ: ((لِأَبَدٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢١٦].
٢٥٦٠ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: ((قَدِمَ رَسُولُ اللهِِّ لِأَرْبَعِ مَضَيْنَ
مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، أَوْ خَمْسٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ وَهُوَ غَضْبَانُ، فَقُلْتُ: مَنْ أَغْضَبَكَ
يَا رَسُولَ اللهِ، أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ، قَالَ: أَوَمَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ،
فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ، وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ
مَعِي حَتَّى أَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَحِلَّ كَمَا حَلُّوا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢١١].
وقوله: (من سعايته) سعى سعايته: باشر عمل الصدقات.
وقوله: (فأهد) بقطع الهمزة من الإهداء.
وقوله: (وأهدى له) أي: لنفسه.
وقوله: (قال: لأبد) قد يدل بعض الأحاديث على أنه كان خاصًّا بالصحابة في
تلك السنة، وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي، فوجْهُ التوفيق: أن الاعتمار في
أشهر الحج والحل على تقدير عدم الإهداء والبقاءَ على الإحرام على تقدير الإهداء
باق إلى يوم القيامة، وأما فسخ الحج إلى العمرة فمختص بتلك السنة، كذا قالوا.
٢٥٦٠ - [٦] (عائشة) قوله: (من أغضبك) استفهامية، و(أدخله الله النار) دعاء،
وهذا أظهر وأعذب من جعل الكلام جملة شرطية كما لا يخفى.

٣٣٤
(٣) باب دخول مكة والطواف
٣ - باب دخول مكة والطواف
: الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
*
٢٥٦١ - [١] عَنْ نَفِعِ قَالَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لاَ يَقْدَمُ مَكَّةَ إِلَّ بَاتَ
بِذِي طُوَى حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَغْتَسِلَ وَيُصَلِّيَ، .
٣ - باب دخول مكة والطواف
ذكر في الباب كيفية دخول مكة، ومن أين يدخل؟ ومن أين يخرج؟ وأيَّ وقت
يدخل؟ وذكر كيفية الطواف وما يلزمه من استلام الحجر وكيفيته وما يتبع ذلك، وقال
في (القاموس)(١): مكَّهُ: أهلكه، ونقصه، ومنه: مكة: للبلد الحرام، أو للحرم كله،
لأنها تنقص الذنوب أو تفنيها، أو تهلك من ظلم فيها. وتسمى بكة أيضاً، من بكَّ
عنقه: إذا دقَّها، لدقها أعناق الجبابرة، أو الازدحام الناس بها، وقيل: لأنها تبك الرجال،
أي: تدقهم وتكسر سَورتهم بالرياضة والمجاهدة، وقيل: بكة اسم لما بين جبليها، أو
للمطاف، والطواف: الحركة حول الشيء، غلب على الحركة حول الكعبة، زادها الله
تعظيماً وتشريفاً.
الفصل الأول
٢٥٦١ - [١] (نافع) قوله: (لا يقدم) من القدوم، وهو من باب سمع يسمع،
و(ذو طوى) مثلثة الطاء وينون: موضع قرب مكة، كذا في (القاموس)(٢)، وقال
النُّورِبِشْتِي(٣): هو موضع بمكة داخل الحرم، يفتح طاؤه ويضم، والفتح أشهر، وقد
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٦٠، ٨٧٨).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٠١).
(٣) (كتاب الميسر)) (٢ / ٦٠١).

٣٣٥
(١٠) كتاب المناسك
فَيَدْخُلَ مَكَّةَ نَهَاراً، وَإِذَا نَفَرَ مِنْهَا مَرَّ بِذِي طَوَّى، وَبَاتَ بِهَا حَتَّى يُصْبِحَ،
وَيَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َِّكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٧٣، م:
١٢٥٩].
٢٥٦٢ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ ◌َّهِ لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةَ دَخَلَهَا
مِنْ أَعْلاَهَا، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٧٧، م: ١٢٥٨].
قيدها بعض الرواة بالكسر، ولا أحسبه صواباً، وفي (مجمع البحار)(١): موضع في صوب
طريق العمرة، وفتح الطاء أشهر الثلاثة.
وقوله: (فیدخل مكة نهاراً) فيه استحباب دخول مكة نهاراً لیری البيت ويدعو،
وجرت العادة الآن لمن يأتي من طريق جدة أن يدخلوه وقت السحر، والسنة مع
الأول.
وقوله: (كان يفعل ذلك) هذا في الدخول، فافهم.
٢٥٦٢ - [٢] (عائشة) قوله: (دخلها من أعلاها) وهو جانب المعلى، وذو
طوى أيضاً في هذا الجانب، والمعلى مقبرة مكة بفتح الميم وسكون العين، والعامة
يقول: معلى بضم الميم وفتح العين وتشديد اللام، وفي حديث ابن عمر قال: (كان
النبي ◌ّه إذا دخل مكة دخل من الثنية العليا التي بالبطحاء، وإذا خرج خرج من الثنية
السفلى)، متفق عليه(٢)، قال في (شرح كتاب الخرقي)(٣): وعلى هذا يتم فعل الأمة
سلفاً بعد سلف.
(١) ((مجمع بحار الأنوار) (٣ / ٤٧٨).
(٢) ((صحيح البخاري)) (ح: ١٥٧٦)، و((صحيح مسلم)) (ح: ١٢٥٧).
(٣) ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (٣/ ١٨٥).

٣٣٦
(٣) باب دخول مكة والطواف
٢٥٦٣ - [٣] وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ ◌َِّ، فَأَخْبَرَتْنِي
عَائِشَةُ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ
لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً. ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ،
ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ مِثْلَ ذَلِكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٤١،
م: ١٢٣٥].
٢٥٦٣ - [٣] (عروة بن الزبير) قوله: (إن أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه
توضأ، ثم طاف) وهذا هو طواف القدوم.
وقوله: (ثم لم تكن عمرة) يحتمل أن يكون قولَ عائشة، وأن يكون من قول
عروة، وقول التُّوربِشْتِي: والذي يدل عليه سوق الكلام أنه من قول عروة (١)، محل
نظر. وأما قوله: (ثم حج أبو بكر) إلى آخر الحديث قول عروة بلا تردد، ويدل على
ذلك سياق حديث مسلم .
و(عمرة) مرفوع وكان تامة، وقد ينصب، أي: لم يكن الطواف عمرةً، أي:
لم يحلوا من إحرامهم ذلك، ولم يفسخوا الحج إلى العمرة، فالنبي ◌َّ لم يفعله بنفسه
ولا من جاء بعده من الخلفاء المذكورين، وأما أمر الأصحاب بفسخ الحج إلى العمرة
فکان مخصوصاً بهم عامئذ، ولم یکن لأحد بعدهم.
هذا وقد جاء في بعض الروايات: (ثم لم يكن غيره) أي: غير الطواف، أي:
لم يكن تَحَلُّلٌ بالطواف من الإحرام، بل أقاموا على إحرامهم حتى نحروا هدیھم.
وقال القاضي عياض(٢): في حديث مسلم عن هارون بن سعيد في طواف القارن،
(١) ((كتاب الميسر)) (٢/ ٦٠٢).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ١٥٤).

٣٣٧
(١٠) كتاب المناسك
٢٥٦٤ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِهِ إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ
أَوِ الْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ سَعَى ثَلاَثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ،
ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ١٦١٦، م: ١٢٦١].
٢٥٦٥ _ [٥] وَعَنْهُ قَالَ: رَمَلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ
ثَلاَثاً، وَمَشَى أَرْبَعاً، وَكَانَ يَسْعَى بِبَطْنِ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢٦٢].
وذكر حج النبي ◌َّ وحج أبي بكر وطوافهما بالبيت، ثم قال: (ثم لم يكن غيره)
بالغين المعجمة بعدها ياء باثنتين تحتها، ثم ذكر في حج عثمان مثل ذلك، وفي حج
الزبير، وذكر البخاري هذا وقال: (ثم لم تكن عمرة) بعين مهملة بعدها ميم ساكنة وهو
الصواب، انتھی.
٢٥٦٤ - [٤] (ابن عمر) قوله: (سعى ثلاثة أطواف) والمراد به الرمل المذكور
فيما قبلُ، اعلم أن الطواف عبارة عن سبعة أطواف حول البيت، ويقال لكل طوفة:
شوط، والشوط: الجري مرة إلى غاية، والجمع أشواط، وقد وقع في رسائل المناسك
ذكره، ولكن قال صاحب (القاموس)(١): إنه كره جماعة من الفقهاء أن يقال لِطَوَفات
الطواف: أشواط، ولم يبين وجه ذلك، ولعل الوجه في ذلك رعاية الأدب بذكره بلفظ
يدل على التعظيم من الجري حوله، أو لأن هذا لفظ الجاهلية، فكرهوا إطلاقه، كما
قيل في كراهة إطلاق يثرب على المدينة المطيبة، والله أعلم.
وقوله: (ثم سجد سجدتین) صلی رکعتین .
٢٥٦٥ - [٥] (عنه) قوله: (وكان يسعى ببطن المسيل) السعي أشد من المشي
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٢١).

٣٣٨
(٣) باب دخول مكة والطواف
٢٥٦٦ - [٦] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ نَّ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى
الْحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ، فَرَمَلَ ثَلاَثاً، وَمَشَى أَرْبَعاً. رَوَاهُ
مُسْلِمٌ. [م: ١٢١٨].
٢٥٦٧ - [٧] وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ ابْنَ عُمَرَ عَنِ
اسْتِلاَمِ الْحَجَرِ، فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِّهِ يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ .
[خ: ١٦١١].
٢٥٦٨ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمْ أَرَ النَّبِيَّ وَهِ يَسْتَلِمُ مِنَ الْبَيْتِ
إِلَّ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٠٩، م: ١٢٦٧].
وأخف من العدو .
٢٥٦٦ - [٦] (جابر) قوله: (ثم مشى) يعني: كان ابتداؤه في الطواف باستلام
الحجر، وإطلاق (ثم) هنا لا يخلو عن مسامحة إلا أن يعتبر ابتداء الاستلام، على أن
التعقيب والتراخي يختلف باختلاف الأمور عرفاً، فرب أمر يعتبر متراخياً مع قربه
وآخر متعاقباً مع بعده، فتدبر.
٢٥٦٧ - [٧] (الزبير) قوله: (وعن الزبير بن عربي) على لفظ ضد عجمي،
تابعي بصري .
وقوله: (يستلمه ويقبله) الاستلام يتناول اللمس والتقبيل، فذكرُ التقبيل بعده في
حكم ذكر الخاص بعد العام، أو يراد هاهنا اللمس بقرينة ذكر التقبيل .
٢٥٦٨ - [٨] (ابن عمر) قوله: (إلا الركنين اليمانيين) المراد بهما الركن الأسود
والركن اليماني تغليباً، والركنان الآخران أحدهما شامي وثانيهما عراقي، ويقال لهما:
الشاميان تغليباً، وركن البيت جانبه، وللركنين اليمانيين فضيلة باعتبار بقائهما على

٣٣٩
(١٠) كتاب المناسك
٢٥٦٩ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ ◌َهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ
عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٠٧، م: ١٢٧٢].
بناء الخليل؛ فلذلك خصهما بالاستلام، والركن الأسود أفضل لكون الحجر الأسود
فيه، ولهذا يقبّل، ويكتفى باللمس في الركن اليماني، ولم يثبت منه ولم تقبيل الركن
اليماني، وعليه الجمهور، وفي استلام الركنين الشاميين كلام ذكرناه في (شرح سفر
السعادة)(١)، والأشهر في (اليمانيين) بتخفيف الياء وقد تشدد، والأصل في النسبة
يمني، وقد جاء يمان بمعنى النسبة بإبدال الألف من الياء المشددة، وقد يجيء يماني
بتخفيف الياء بتعويض الألف من إحدى الياءين وإبقاء الأخرى، فيقال: اليمانيين
بالتخفيف، وقد تشدد، وفيه جمع بين العوض والمعوض عنه، قال في (فتح الباري)(٢):
وجوز سيبويه التشديد، وقال: الألف زائدة.
٢٥٦٩ - [٩] (ابن عباس) قوله: (على بعير) قالوا: إنما طاف رسول الله وَّ راكباً
لكثرة ازدحام الناس وسؤالهم عنه ◌َّر الأحكام، وكانت ناقته محفوظة من الروث
والبول فيه، وأما الطواف لغيره وسي فجائز أيضاً، والأفضل المشي. و(المحجن)
بكسر الميم وفتح الجيم: العصا المعوجة، وكل معطوف معوج، يقال: حجن العود
يَحْجِنه: عطَفه، وفلاناً: صدّه وصرفه وجذبه بالمحجن، وكانت في يده ثَّ عصا
معوجة الرأس مثل الصولجان، والعصا في عرف العرب: خشبة صغيرة أصغر من الرمح
والعنزة، والرمح أكبر، ثم العنزة، ثم العصا أصغر من الكل، وكانت عادته وَ ل﴾ أن
يأخذ بيده عصا وراء العنزة التي يحملها الخادم لمصلحة السترة ونحوها، وليس المراد
(١) انظر: ((شرح سفر السعادة)) (ص: ٣٤٢).
(٢) ((فتح الباري)) (٣ / ٤٧٣).

٣٤٠
(٣) باب دخول مكة والطواف
٢٥٧٠ - [١٠] وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ طَافَ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا
أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ وَكَّرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٦٣٢].
٢٥٧١ - [١١] وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ يَطُوفُ
بِالْبَيْتِ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م:
١٢٧٥].
٢٥٧٢ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ◌َِّ لاَ نَذْكُرُ إِلَّ
الْحَجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ طَمِثْتُ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ◌َهِ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: ((لَعَلَّكِ
نَفَسْتِ؟)) قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ:
بالعصا العصا التي يأخذ المشايخ والضعفاء بأيديهم، ولم يثبت منه ◌ّ أخذ هذا العصا،
ولم يتعارف أيضاً في فقهاء مكة يعتمدون في المشي عليها إلا بعض الفقراء من أهل
الیمن وغيرهم.
٢٥٧٠ - [١٠] (عنه) قوله: (أشار إليه بشيء) كالمحجن، وليس في هذا الحديث
تقبيل ذلك الشيء، ويأتي في الحديث الآتي تقبيل المحجن.
٢٥٧١ - [١١] (أبو الطفيل) قوله: (ويستلم الركن) أي: الأسود.
وقوله: (يقبل المحجن) بيَّن ما أبهم في الحديث السابق كما قلنا.
٢٥٧٢ - [١٢] (عائشة) قوله: (بسرف) بفتح السين المهملة وكسر الراء: موضع
على مرحلة من مكة أو أقل، فيه قبر ميمونة زوج النبي ◌َّ، وقد اتفق تزوجها والبناء
بها وموتها في هذا الموضع.
وقوله: (طمئت) أي: حضت من نصر وسمع، ونفست أيضاً بمعنى حضت من
سمع، وقد يقال: نُفُست بلفظ المجهول، وأما في الولادة فيقال بالمجهول، والمراد