Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
(١٠) كتاب المناسك
أَوْ شَجَرٍ، أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هَهُنَا وَهَهُنَا». رَوَاهُ التِّرْمِذُِّ وَابْنُ
مَاجَهْ. [ت: ٨٢٨، جه: ٢٩٢١].
٢٥٥١ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ الله ◌ِوَهِ يَرْكَعُ بِذِي
الْحُلَيَقَةِ رَكْعَتَيْنٍ، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّقَةُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْخُلَيْفَةِ أَهَلَّ
بِهَؤُ لاَءِ الْكَلِمَاتِ، وَيَقُولُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَيْكَ، لَبَيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي
يَدَيْكَ، لَبَيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفَظَهُ لِمُسْلِمٍ. [خ: ١٥٥٣،
م: ١١٨٤].
(ما عن يمينه)، وهو الأظهر معنَى، ووجه التعبير بـ (مَن) لتنزيل الأشياء المذكورة
لإضافة التلبية إليها منزلة ذوي العقول.
وقوله: (من ههنا وههنا) إشارة إلى المشرق والمغرب، والغاية محذوفة، أي:
إلى منتهى الأرض.
٢٥٥١ _ [١٢] (ابن عمر) قوله: (والرغباء إليك) بفتح الراء وسكون المعجمة
ممدوداً، وبضم الراء مقصوراً، كلاهما روايتان، يريد أن الرغبة وطلب الخير إليك؛
لأن الخير كله بيديك، وفي (القاموس)(١): رغب فيه، كسمع، رَغْباً ويضم، ورَغْبةً:
أراده، كارتَغب، وعنه: لم يُرِده، وإليه رَغَباً محركة، ورَغْبِى، ويضمّ، ورَغْباء كصحراء،
ورَغَبوتاً [ورَغَبُوتى] ورَغَباناً، محرّكاتٍ، ورُغبة بالضم ويحرّك: ابتهل، أو هو الضراعة
والمسألة.
وقوله: (أو العمل) معطوف على (الرغباء)، أي: العمل منتهَى إليك، وأنت
المقصود فيه، أو إليك يصعد العمل .
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٧).

٣٠٢
(١) باب الإحرام والتلبية
٢٥٥٢ - [١٣] وَعَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيِهِ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّ:
أَنَّهُ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَِّهِ سَأَلَ اللهَ رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ، وَاسْتَعْفَاهُ بِرَحْمَتِهِ مِنَ
النَّارِ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. [الأم: ٢/ ١٥٧].
* الْفَصْلُ الْثَالِثُ:
٢٥٥٣ - عَنْ جَابِرِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ لَمَّا أَرَادَ الْحَجَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ
فَاجْتَمَعُوا، فَلَمَّا أَتَى الْبَيْدَاءَ أَحْرَمَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ(١).
٢٥٥٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَبِّكَ لاَ شَرِيكَ
لَكَ، فَقُولُ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((وَيْلَكُمْ قَذٍ قَدٍ»، إِلَّ شَرِيكاً هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ
وَمَا مَلَكَ، يَقُولُونَ هَذَا وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ.
٢٥٥٢ - [١٣] (عمارة بن خزيمة) قوله: (عمارة) بضم العين وتخفيف الميم
(ابن خزيمة) بضم الخاء وفتح الزاي .
الفصل الثالث
٢٥٥٣ - [١٤] (جابر) قوله: (فلما أتى البيداء) الفلاة، وهو اسم لموضع بين
مكة والمدينة قريب من ذي الحليفة .
٢٥٥٤ _ [١٥] (ابن عباس) قوله: (قد قد) يروى بسكون الدال وبكسرها مع
التنوين بمعنى قط، بمعنى حَسْب، كانوا يقولون: لا شريك لك، (إلا شريكاً هو لك
تملكه وما ملك) يعنون الأصنام، فلما بلغوا إلى قولهم: (لا شريك لك) قال النبي ◌َّ:
(قد قد) أي: لا تقولوا: إلا شريكاً لك، واكتفوا بقولكم: (لا شريك لك).
(١) هذا وهم من المصنف، فإن حديث جابر هذا ليس في ((صحيح البخاري))، بل أخرجه الترمذي
في ((سننه)) (رقم: ٨١٧).

٣٠٣
(١٠) كتاب المناسك
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٨٥].
٢- باب قصة حجة الوداع
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٢٥٥٥ - [١] عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ مَكَثَ بِالْمَدِينَةِ
تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَنَ فِي النَّاسِ
وقوله: (تملكه) صفة شريكاً، (وما ملك) عطف على الضمير المنصوب في
(تملكه)، والضمير في (ملك) لـ (شريكاً)، وعجباً من حماقتهم أنهم قائلون بأن الأصنام
مملوك الله ثم يشركون بها، هل هذا إلا تناقض؟ ! .
٢ - باب قصة حجة الوداع
[(الوداع)] بفتح الواو سميت بها لأن رسول الله صل﴿ ودَّع الناس فيها، وعلَّمهم
الشرائع، واستشهدهم على أداء الرسالة وتبليغ الأحكام، وكانت في السنة العاشرة،
وحديث جابر المذكور أتمّ وأجمع الأحاديث المروية في هذا الباب(١)، وهو مروي عن
الإمام جعفر الصادق عن أبيه الإمام محمد الباقر عن جابر له.
الفصل الأول
٢٥٥٥ _ [١] (جابر بن عبدالله) قوله: (ثم أذّن) أي: أعلم بلفظ المعلوم من
(١) وحديث جابر أجمع حديث لحجة النبي ريَّ، وعليه بنى الكلام الذين ذكروا صفة حجة النبي ◌َّ-
من المحدثين وأهل السير، منهم شيخنا الإمام محمد زكريا الكاندهلوي تبرك في كتاب ((جزء
جحة الوداع)) بشرح هذا الحديث، وقال النووي: وهو حديث عظيم مشتمل على جمل من
الفوائد والنفائس، وخرّج فيه أبو بكر بن المنذر من الفقه مئة ونيفاً وخمسين نوعاً، انظر: ((جزء
حجة الوداع)) (ص: ٣٧).

٣٠٤
(٢) باب قصة حجة الوداع
بِالْحَجِّ(١) فِي الْعَاشِرَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَّهِ حَاجٌ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ،
فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى إِذَا أَيْنَا ذَا الْخُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ
أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِوَِّكَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: ((اغْتَسِي وَاسْتَثْفِرِي
بِشَوْبٍ وَأَخْرِمِي))، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِوَّ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى
إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَقَّتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ، أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: لَبَيِّكَ اللَّهُمَّ لَّيْكَ، لَبَّيْكَ
لاَ شَرِيكَ لَكَ لَتَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ. قَالَ
جَابِرٌ: لَسْنَا نَنْوِي إِلاَّ الْحَجَّ،
التأذين، ويروى بلفظ المجهول.
وقوله: (بشر كثير) ورد في بعض الروايات: كانوا أكثر من الحصر والإحصاء،
ولم يعيِّنوا عددهم، وقد بلغوا في غزوة تبوك التي هي آخر غزواته وَ لا مئة ألف، وحجة
الوداع كانت بعد ذلك، لا بد أن يزدادوا فيها، ويروى: مئة وأربعة عشر ألفاً، وفي
رواية: مئة وأربعةً وعشرين ألفاً، والله أعلم .
وقوله: (واستثفري) الاستثفار: أن يدخل إزاره بين فخذيه ملويًّا ويشدّ على هيئة
ثفر الدابة بفتح الثاء وضمها.
وقوله: (وأحرمي) فيه جواز الإحرام للنفساء، وكذا حكم الحائض.
وقوله: (في المسجد) أي: مسجدٍ كان بذي الحليفة .
و(القصواء) اسم ناقته بَّ، وقيل: إنما سميت بها لسبقها، وكان عندها أقصى
السير وغاية الجري، وقيل: القصواء ناقة قطع طرف أذنها، فكلُّ ما قطع من الأذن
(١) قوله: ((بالحج)) كذا في بعض النسخ، والظاهر أن قوله: ((بالحج)) سهو من الكاتب يدل عليه
قوله: ((حاج))، انتهى، كذا في هامش النسخة الهندية.

٣٠٥
(١٠) كتاب المناسك
لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَطَافَ (١) سَبْعاً، ..
فهو جدع، فإذا بلغ الربع فهو قصواء، وإذا جاوز فهو عضب، فإذا استؤصلت فهو
صلم، والناقة قصواء، ولا يقال: بعير أقصى، ولم تكن ناقته مياه قصواء على الصحيح
وإنما هو لقب لها، وقد روي في حديث آخر: كان له ناقة تسمى العضباء، وناقة تسمى
الجدعاء، وفي أخرى: صلماء، وفي أخرى: مخضرمة، وكله في الأذن، فكل واحدة
إما صفة ناقة مفردة، أو الجميع صفة ناقة واحدة، ويؤيده حديث علي ظ حين بعث
ليبلّغ سورة براءة، فروي: العصواء، وفي آخر: العضباء، وفي آخر: الجدعاء، فهو
يصرح بأن الثلاثة صفة ناقة واحدة، والله أعلم.
وقوله: (لسنا نعرف العمرة) المتبادر أن معناه: لم تكن العمرة في قصدنا حين
الخروج ولم ننوها، وقال التُّورِبِشْتِي(٢): أن المعنى: لسنا نعرف العمرة في أشهر
الحج، وكان أهل الجاهلية يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، وإنما شرعت
عام حج رسول الله وَ لاته .
وقوله: (استلم الركن) أي: الركن الأسود، وإليه ينصرف الركن عند الإطلاق،
واستلامه: أن يقبله أو يلمسه باليد إن تيسر، وهو افتعال من السلام بمعنى التحية، ولذلك
أهل اليمن يسمون الركن الأسود: المحيا، أي: الناس يحيونه، أي: يسلِّمون عليه،
قاله الأزهري(٣) .
وقال القتيبي والجوهري: افتعال من السِّلام، وهي الحجارة، واحده سَلِمة بكسر
(١) قوله: ((فطاف سبعاً)) كذا في جميع النسخ من ((المشكاة))، وهكذا وقع في ((المصابيح)) وفي رواية
مختصرة عند النسائي والترمذي، وليس هو عند مسلم، انتهى. ((مرعاة المفاتيح)) (٩/ ٧).
(٢) ((كتاب الميسر)) (٢ / ٥٩٨).
(٣) انظر: ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ١١٠).

٣٠٦
(٢) باب قصة حجة الوداع
فَرَمَلَ ثَلاَثاً وَمَشَى أَرْبَعاً،
اللام، يقال: استلمت الحجر: إذا لمسته، كما يقال: اكتحلت من الكحل.
وقيل: افتعال من المسالمة، كأنه فعل ما يفعله المسالم.
وقيل: الاستلام أن يحيِّ نفسه عند الحجر بالسلام؛ فإن الحجر لا يحيِيِّه،
كما يقال: اختدم، إذا لم يكن له خادم، وقال ابن الأعرابي: هو مهموز الأصل ترك
همزه، مأخوذ من الملاءمة وهي الموافقة، وقيل: من اللأمة وهي السلاح، كأنه
حصَّن نفسه بمس الحجر، ذكر هذه الوجوه شارح كتاب الخرقي(١).
وقوله: (فرمل ثلاثاً) رمل رَمَلاً ورَمَلاناً محركتين: هرول، وقال في
(المشارق)(٢): هو وثبٌّ في المشي ليس بشديد مع هزِّ المنكبين، وقال: الرمل في
الطواف، ورمل فيها بفتح الراء والميم في الاسم والفعل الماضي، وجاءت في رواية
بعضهم ساكنة الميم على المصدر. وفي (شرح كتاب الخرقي)(٣): الرمل الهرولة، وقال
الأزهري: الإسراع، وفسر الأصحاب الرمل بإسراع المشي مع تقارب الخطا. وقال في
(الهداية) (٤): الرمل أن يهزّ في مشيته الكتفين كالمبارز يتبختر بين الصفين.
وكان السبب في تشريع هذا الفعل في الابتداء إظهار المسلمين جلادتهم
للمشركين، وكان ذلك في عمرة القضاء، ثم لما فعله ◌َّ في حجة الوداع وقد زال ذلك
السبب - لأنه لم يكن حينئذ بمكة من المشركين من تُظهر عنده الجلادة - صار ذلك سنةً
(١) انظر: ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (١٨٩/٣)، وفي بعض ألفاظه تحريف صُحح
من ((الإنصاف)» للمرداوي (٤ / ٧).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٤٦٣).
(٣) ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (١٩٢/٣).
(٤) ((الهداية)) (١ / ١٣٨).

٣٠٧
(١٠) كتاب المناسك
﴾ [البقرة: ١٢٥]
ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَقَرَأْ: ﴿وَأَتَّخِذُواْ مِن ◌َّقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّ
فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، وَفِي رِوَايَةٍ:
مستقلة، وقد ثبت عن ابن عباس أن رسول الله وَ ل﴿ رمل في حجته وعمرته وكذلك فُعل
بعده، وإلا فقد يرتفع الحكم بارتفاع العلة كما في سهم مؤلفة القلوب ونحوه.
ثم هذا الرمل مسنون في كل طواف بعده سعيٌّ كما في طواف العمرة وطواف
القدوم وطواف الإفاضة دون طواف الوداع، وليس في هذا الحديث ذكر الاضطباع
وهو مسنون أيضاً مع الرمل، وكيفية الاضطباع: أن يجعل رداءه تحت إبطه الأيمن،
ويلقيه على كتفه الأيسر، من الضبع بسكون الباء، وهو وسط العضد، وقيل: هو ما تحت
الإبط، وفيه أيضاً من التجلد كما في الرمل .
وقوله: (ثم تقدم إلى مقام إبراهيم) ومقام إبراهيم اسم لحجر، فيه أثر قدميه،
موضوع قُبالة البيت.
وقوله: (فقرأ ﴿وَأَتَّخِذُواْ مِنْ مَقَامِ إِبْرَهِمَ مُصَلّ﴾ [البقرة: ١٢٥]) في (اتخذوا) قراءتان:
فتح الخاء وكسرها، والرواية في الحديث الكسر، وهو الأنسب بالمقام.
وقوله: (فصلى ركعتين) وهاتان الركعتان واجبتان عندنا لورود الأمر بهما،
وعند الشافعي سنة .
وقوله: (فجعل المقام بينه وبين البيت) أي: صلى الركعتين خلف المقام، وهذا
أفضل مكان لصلاة هاتين الركعتين، وجاز أن يصلي حيث شاء. وتقديم ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ
أَحَدُّ ﴾ [الإخلاص: ١] على ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ ﴾ [الكافرون: ١] واقع في (صحيح
مسلم) و(شرح السنة) في إحدى الروايتين، ويوجّه بأن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ لإثبات
التوحيد، و﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ للتبرؤ عن الشركاء، فقدم اهتماماً بشأن الإثبات،
وقد وقع في بعض الروايات بتقديم ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ كما هو الظاهر، والحديث

٣٠٨
(٢) باب قصة حجة الوداع
أَنَّهُ قَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَ﴿قُلْ يَتُهَ آلْكَفِرُونَ ﴾، ثُمَّ رَجَعَ
إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا
قَرَأَ: ((﴿إِنَّ الصَّفَا وَاَلْمَرْوَةَ مِن شَعَِّ الهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ))، بَدَأَ
بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَخَّدَ اللهَ وَكَبََّهُ
وَقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ
وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ وَمَشَى إِلَى
الْمَرْوَةِ حَتَّى انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ سَعَى، .
دل على أنه لا بأس بتقديم سورة متأخرة على التي تقدم، وله شواهد كثيرة في الأحاديث.
وقوله: (إلى الصفا) في (القاموس) (١): الصفاة: الحجر الضخم الصلد لا يُنبت،
والصفا من مشاعر مکة بلحْفٍ أبي قبيس .
وقوله: (فاستقبل القبلة) وكان إذ ذاك تُرى الكعبة من الصفا ولم يكن حائل
بينهما والآن حجبها بناء الحرم، ومع ذلك يقع النظر إليها على الركن الأسود من أحد
الأبواب بحذائه .
وقوله: (حتى انصبت قدماه) أي: انحدرت في المسعى، من قولهم: صببت
الماء فانصبّ: أي سكبته فانسكب، والمسعى كان إذ ذاك وادياً، ويحصل بالنزول عن
الصفا انحدار وسعي، فيسعى إلى الميلين الأخضرين، والعلامة لذلك منصوبة إلى
الآن في جدار المسجد، والأصل في ذلك: أن هاجر أم إسماعيل ذهبت يوماً - حين
كان طفلاً - للماء، وكانت إذا دخلت الوادي حُجب إسماعيل عن نظرها فكانت تصعد
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٩٧).

٣٠٩
(١٠) كتاب المناسك
حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى
الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافٍ عَلَى الْمَرْوَةِ نَدَى وَهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ وَالنَّاسُ
تَحْتَهُ فَقَالَ:
الصفا والمروة لتنظر إليه، فبقيت ذلك سنَّة لفعله ◌َّ السعي، والآن سوَّى التراب
أرض البلد، ولا يحصل بعد النزول عن الصفا انحدار، ولكن يتكلفون في السعي إتياناً
بالسنة .
والسعي بين الصفا والمروة واجب، وإنما قال الله تعالى: ﴿فَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن
يَعَلَّوَّفَ بِهِمَا﴾؛ لأن الأنصار كانوا يتحرجون عن الطواف بين الصفا والمروة فقيل
لهم: لا جناح عليه أن يطوف بهما، كذا قالوا.
وقوله: (حتى إذا صعدتا) من الإصعاد، وهو الذهاب في الأرض والإبعاد سواء
كان في صعود أو حدور، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُنَ عَلَى أَحَدٍ﴾
[آل عمران: ١٥٣]، وفي (القاموس)(١): أصعد في الأرض: مضى، وفي الوادي: انحدر،
كصعّد تصعيداً، وكذا في (الصحاح)، وفي (المشارق)(٢): يقال: صعد في الجبل:
علاه، وصعد وأصعد كله واحد، وأصعد في الأرض لا غير: ذهب مبتدئاً، ولا يقال
في الرجوع، قال ابن عرفة: وإنما يقال في الرجوع: انحدر، ومعناه في الحديث: ارتفاع
القدمين في بطن المسيل إلى المكان العالي؛ لذكره في مقابلة الانصباب عند الهبوط
في الوادي، ومعناه: دخلتا في الصعود. و(المروة) واحد المرو، وهي حجارة بيض
برّاقة تورِي النارَ، أو أصلب الحجارة، اسم جبل بمكة.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٧٩)، وانظر: ((الصحاح)) (ص: ٥٨٩).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٨٣ - ٨٤).

٣١٠
(٢) باب قصة حجة الوداع
(لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْتَ، وَجَعَلْتُّهَا عُمْرَةً،
فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْتٌّ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً)، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ
ابْنِ جُعْثُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدِ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللهَِّهُ
أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الأُخْرَى وَقَالَ: (دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ) مَرَّتَيْنِ ....
وقوله: (لو أني استقبلت من أمري ... إلخ)، هذا الكلام توطئة وتمهيد لقوله:
(فمن كان منكم ليس معه هدي ... إلخ)، قاله تطبيباً لقلوب أصحابه وتسلية لهم،
ومعناه: لو عنَّ لي هذا الرأي الذي رأيته آخراً وأمرتكم به أولاً في ابتداء أمري في الإحرام
لما سقت الهدي، وحاصله: أنه وير أمر أصحابه بعد وصوله مكة وأدائه العمرة بخروج
من لم يسق الهدي عن الإحرام، وبقاء من ساقه، فشقّ عليهم أن يحلوا ورسول الله
محرم ويتركوا متابعته، وأيضاً قالوا: أنحج وتقطر مذاكيرنا؟ كما يأتي، فقال لهم:
قد وقع مني ما وقع من سوق الهدي، وقد أمرني الله بأن من ساق الهدي لا يحل حتى
ينحر، فلا يصح له فسخ الحج بعمرة بخروجه عن الإحرام، ومن لم يسق الهدي اعتمر
وحلَّ من إحرامه ثم يحرم بعد ذلك للحج، ولو كنت علمت قبل هذا أن يشق عليكم
الخروج من الإحرام، لما سقت الهدي، وخرجت من الإحرام، وجعلت الحج عمرة
كما أمرتكم.
وقوله: (ابن جعشم) بضم الجيم وسكون العين وضم الشين المعجمة.
وقوله: (واحدة في الأخرى) حال، أي: جاعلاً واحدة منها في الأخرى، وهي
حال مؤكدة؛ لأن التشبيك لا يكون إلا هكذا.
وقوله: (دخلت العمرة في الحج) قال النووي(١): اختلف العلماء في معناه على
(١) (شرح صحيح مسلم)) للنووي (٤ / ٣٢٦).

٣١١
(١٠) كتاب المناسك
((لاَ بَلْ لِأَبَدِ أَبَدٍ، وَقَدِمَ عَلِيٍّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُّدْنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ فَقَالَ لَهُ: ((مَاذَا قُلْتَ
حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ) قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنَّى أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ، قَالَ:
((فَإِنَّ مَعِي الْهَدْيَ فَلاَ تَحِلَّ)) قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْىِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ
الْيَمَنِ وَالَّذِي أَنَى بِهِ النَّبِيُّ ◌َهِ مِثَةً، قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ،
أقوال، أصحها - وبه قال جمهورهم - معناه: أن العمرة يجوز فعلها في أشهر الحج
إلى يوم القيامة، والمقصود بيان إبطال ما كانت أهل الجاهلية عليه من امتناع العمرة
في أشهر الحج، وكانوا يرونه من أفجر الفجور.
وقوله: (لا بل لأبد أبد) (لا) نفي لكلام مقدر يفهم مما سبق، تقديره: ليس
لعامكم بل لأبد، أو المراد نفي ترديده، أي: ليس مردوداً بل يتعين القسم الثاني،
و(أبد) مكررٌ اثنين، وفي بعض الروايات ثلاثاً.
وقوله: (بيدن) بضم الباء وسكون الدال: جمع بدنة بفتح الباء والدال، وهي
من الإبل خاصة عند الشافعي، وعندنا يشمل البقر، وقال النووي(١): البدنة عند جمهور
أهل اللغة وبعض الفقهاء: الواحدة من الإبل والبقر والغنم، وخصّها جماعة بالإبل،
وهو المراد في حديث تبكير الجمعة، وقد سبق في (باب الجمعة).
وقوله: (فرضت الحج) أي: ألزمته [على] نفسك بالإحرام.
وقوله: (فحل الناس كلهم) أي الناس الذين كانوا لم يسوقوا الهدي، وجاء
في الحديث: أن أمهات المؤمنين وفاطمة رضي الله عنهن كلهن أحللن، كذا في (سفر
السعادة)(٢)، وقول الطيبي: هذا من العام الذي خُص؛ لأن عائشة ﴾ لم تحل ولم
(١) ((شرح صحيح مسلم)) للنووي (٣ / ٤٠٠).
(٢) (سفر السعادة)) (ص: ١٧٥).

٣١٢
(٢) باب قصة حجة الوداع
وَقَصَّرُوا إِلَّ النَّبِيَّ ◌َهِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْئٌ،
تكن ممن ساق الهدي، مما لا نعرف له سنداً، والله أعلم.
وقوله: (وقصروا) يدل بظاهره أنهم كلهم قصروا، وجاء في الحديث أن بعضهم
حلقوا وبعضهم قصروا، فدعا رسول الله ◌َّ للمحلّقين فقال: (اللهم ارحم المحلقين)،
قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: (اللهم ارحم المحلقين)، قالوا: والمقصرين
يا رسول الله، قال: (والمقصرين) مرتين أو ثلاث مرات، قالوا: والسبب في تكرير
الدعاء للمحلقين أن أكثر من حج معه ◌َّ لم يسق الهدي، فلما أمرهم أن يفسخوا
الحج إلى العمرة ثم يتحللوا منها ويحلقوا رؤوسهم شقّ عليهم. ثم لما لم يكن لهم
بد من الطاعة كان التقصير في أنفسهم أخف من الحلق ففعله أكثرهم، فرجَّح ◌َّ فعل
من حلق لكونه أبين في امتثال الأمر.
وقيل: إن عادة العرب أنها كانت تحب توفر الشعور والتزين بها، وكانوا يرون
الحلق من الشهرة ومن فعل الأعاجم، فلذلك كرهوا الحلق واقتصروا على التقصير.
ثم اعلم أنه قد ورد هذا الحديث في الحديبية وفي حجة الوداع، فقيل: كان
فيهما، لكن السبب في الموضعين مختلف، فالذي في الحديبية كان بسبب توقفٍ من
الصحابة عن الإحلال؛ لِمَا دخل عليهم من الحزن؛ لكونهم منعوا عن الوصول إلى
البيت، وفي حجة الوداع ما ذكرنا، ثم في الوداع: هل كان عند أمر النبي ◌َِّ الصحابة
بالإحلال بعد العمرة قبل الحج، أو كان في الحج يوم النحر؟ فالمفهوم من (سفر
السعادة)(١) أنه كان في الأول، ومن (المواهب اللدنية) وغيرها أنه كان في الحج يوم
النحر، وسيأتي في الفصل الأول من (باب الحلق) من حديث ابن عمر أنه قال: في
(١) ((سفر السعادة)) (ص: ١٧٥).

٣١٣
(١٠) كتاب المناسك
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الثَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنَّى فَأَهَلُوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ النَّبِيُّ ◌َلُ
فَصَلَّى بِهَا الظَّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلاً حَتَّى
طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ،
حجة الوداع، وقد وقع في رواية الشيخين عن أبي هريرة من غير تعيين: هل قاله في
الحديبية أو في حجة الوداع؟ قالوا: لم يقع في شيء من طرقه التصريح بسماعه لذلك
من النبي ◌َّة، ولو وقع لقطعنا بأنه كان في حجة الوداع؛ لأنه شهدها ولم يشهد الحديبية،
كذا في (المواهب)(١)، فتدبر. والله أعلم.
وقوله: (فلما كان يوم التروية) وهو اليوم الثامن من ذي الحجة؛ لأنهم كانوا
یرتوون فیه من الماء لما بعد، أو لأن إبراهيم /ێ كان يتروّى ويتفكر في رؤياه فیه،
كذا في (القاموس)(٢).
وقوله: (توجهوا) أي: قصدوا التوجه (إلى منى فأهلوا) أي: أحرموا، ومنى
كإلى وقد تصرف؛ سميت لما يمنى بها من الدماء، وعن ابن عباس: لأن جبرئيل عليَ
لما أراد أن يفارق آدم قال له: تمنّ، قال: أتمنى الجنة؛ فسميت منى الأمنية آدم،
والذهاب إلى منى والبيتوتة فيها ليس عندنا واجباً بل سنة .
وقوله: (وركب رسول الله (وَ﴾) الحج راكباً أفضل، خصوصاً على الإبل، و(نمرة)
بفتح النون وكسر الميم: اسم موضع قرب عرفات، وهو منتهى أرض الحرم، وكأنه
بين الحل والحرم، وعرفات من الحل، وقيل: اسم جبل شبهوه بالنمرة، حيوان معروف
فيه النُّمرة، بالضم: النكتة بأيِّ لون كان، والأنْمَر ما فيه نمرة، كما قالوا: جبل ثور،
لمشابهته به في الشكل .
(١) ((المواهب اللدنية)) (٤ / ٤٥١).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٨٧).

٣١٤
(٢) باب قصة حجة الوداع
فَسَارَ رَسُولُ اللهِّهِ وَلاَ تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلاَّ أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ كَمَا
كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِوَِّ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ
الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ
فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: ((إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ
حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلاَ كُلُّ
شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ،
وقوله: (ولا تشك قريش) أي: لا تظن (إلا أنه واقف) وقال الطيبي(١): تقديره:
لا تشك قريش في أن رسول الله * يخالفهم في سائر المناسك إلا في الوقوف في المشعر
الحرام، فتأمل، و(المشعر الحرام) اسم لجبل بمزدلفة يقال له: قُزَح.
وقوله: (كما كانت قريش تصنع في الجاهلية) فإنهم كانوا يقفون بمزدلفة،
ويسمونه موقف الحمس وأهل حرم الله، بخلاف سائر العرب؛ فإنهم كانوا يقفون
بعرفات، فظنت قريش أنه ◌َ﴿ يقف في المشعر الحرام على عادتهم.
وقوله: (فأجاز) أي: تجاوز من المزدلفة إلى عرفات؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ
أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، (حتى أتى عرفة) وهي بفتح الراء،
يجيء مفرداً بمعنى المكان والزمان، وعرفات بلفظ الجمع مخصوص بالمكان.
وقوله: (فرحلت له) بلفظ المجهول، أي: شدَّ على ظهرها الرحل ليركبها .
وقوله: (كحرمة يومكم هذا ... إلخ)، تأكيد للحرمة فإنهم كانوا قائلين
بحر متها .
وقوله: (تحت قدمي) بلفظ التثنية، وقوله: (موضوع) يحتمل أن يكونا خبرين،
(١) ((شرح الطيبي)) (٥ / ٢٥٠).

٣١٥
(١٠) كتاب المناسك
وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ
ابْنِ الْحَارِثِ - وَكَانَ مُسْتَرْضَعاً فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَهُ هُذَيِلٌ - وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ
مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِباً أَضَعُ مِنْ رِبَانَاَ رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبٍ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ
كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَفِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، .
أو الخبر هو (موضوع) و (تحت) ظرف له وهو الأظهر، والمراد بالوضع تحت القدم
إبطاله وتركه، وتقول العرب في الأمر الذي لا تكاد تراجعه وتذكره: جعلت ذلك تحت
قدمي .
وقوله: (دم ابن ربيعة بن الحارث) ابن عبد المطلب، ربيعة ابن عم رسول الله وَّت ،
صحبه، وروى عنه، توفي في خلافة عمر الله، واسم ابنه إياس، أصابه حجر في
حرب کانت بین سعد وهذیل .
وقوله: (وكان) أي: ابن ربيعة، قال التُّورِبِشْتِي: وقد وقع في نسخ (المصابيح):
(دم ربيعة)، فذكر جمع من أهل العلم أن رواة هذا الحديث لم يصيبوا في نقل (دم
ربيعة)، وإنما الصواب: (دم ابن ربيعة)، وقد ألحق هذه الزيادة بنسخ من (المصابيح)،
ولا نرى التسليم لهم مع إمكان تقرير معنى الحديث على ما وردت به الرواية عن جماعة
من علماء النقل وحفاظهم: (دم ربيعة)، وهي رواية البخاري، وإنما أضاف الدم إلى
ربيعة لأنه كان وليَّ الدم، والمراد: قتيل ربيعة، والضمير في قوله: (وكان مسترضعاً)
راجع إلى القتيل، فسلك بالكلام مسلك الإيجاز بالحذف والإضمار، ومثل ذلك جائز
في الكلام إذا قرنت به دلالة عليه(١).
وقوله: (بأمان الله) أي: بعهده، وهو ما عهد إليكم فيهن، والمراد
(١) ((كتاب الميسر)) (٢/ ٦٠٠).

٣١٦
(٢) باب قصة حجة الوداع
وَاسْتَخْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لاَ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَداً
تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ
وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ
بِهِ: كِتَابَ اللهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟))، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ
قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا
إِلَى النَّاسِ:
بـ (كلمة الله) قيل: هو قوله تعالى: ﴿فَنكِحُوَأْمَا طَابَ لَكُمْ﴾[النساء: ٣]، وقيل: الإيجاب
والقبول؛ لأن الله تعالى أمر بها، وقيل: كلمة التوحيد، إذ لا تحل مسلمة لغير
مسلم .
وقوله: (أن لا يوطئن) ضبط بالتخفيف من الإيطاء، وهو مهموز أبدل الهمزة
ياء، ويجوز إثباتها، وهو كناية عن إقدار الغير على الدخول عليهن والاختلاط والحديث
بهن .
وقوله: (غير مبرح) بالحاء المهملة من باب التفعيل، أي: غير شديد، والبرح:
الشدة والشر، وبُرَحَاء الحمّى وغيرها: شدة الأذى، ومنه: برّح به الأمر تبريحاً، وتباريحُ
الشوقِ: توقُّجُه، كذا في (القاموس)(١)، وهذا يدل على أنه ليس المراد بإيطاء الفرش
الزنا .
وقوله: (بعده) أي: بعد التمسك به والعمل به، أو بعد وجوده، أو بعد
تر که .
وقوله: (فقال بإصبعه) أي: أشار، و(يرفعها) حال، و(ينكتها) في نسخ (المشكاة)
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٠٨).

٣١٧
(١٠) كتاب المناسك
(اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ» ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَذَّنَ بِلاَلٌ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى
الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئاً، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى
الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ
بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ،.
بالتاء الفوقانية، والصواب: (ينكبها) بالموحدة، قال في (المشارق)(١): روايتنا بتاء باثنتين
فوقها، وقال بعض المتقنين: صوابه: (ينكبها) بياء واحدة، ومعناه: يردها ويقلبها إلى
الناس مشيراً إليهم لأنه عليها كان راكباً، انتهى. وذلك لأن النكت بالفوقانية من نَكَتَ
الأرض بالقضيب: إذا ضرب في الأرض فيؤثر فيها، وهذا بعيد من معنى الحديث،
وقيل: مجاز عن الإشارة بقرينة (إلى).
وفي (مجمع البحار): (ينكبها إلى الناس) أي: يميلها، من نكَب الإناءَ، ونكَّبه
تنكيباً: إذا أماله وكبّه، وروي بالفوقية بعد الكاف، وهو بعيد المعنى.
وقوله: (فصلى العصر) أي: جمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين، وهو عندنا،
وعليه بعض أصحاب الشافعي، بسبب النسك؛ ليتضرع للوقوف والدعاء، وعند الشافعية
للسفر .
وقوله: (ولم يصل بينهما شيئاً) من السنن والنوافل، وذلك أيضاً للاستعجال
بالوقوف.
وقوله: (إلى الصخرات) وفي رواية: (الصخيرات) بإثبات ياء التصغير.
وقوله: (وجعل حبل المشاة بين يديه) الحبل بفتح الحاء المهملة وسكون
الباء الموحدة: المستطيل من الرمل، وقيل: هو التّلّ الضخم منه، وجمعه حبال،
(١) ((مشارق الأنوار)) (٢ / ٢٣).

٣١٨
(٢) باب قصة حجة الوداع
فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفاً حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلاً حَتَّى غَابَ
الْقُرْصُ،
وقيل: الحبال في الرمل كالجبال في غير الرمل، وفي [قصة] بدر: صعدنا على
حبل، أي: قطعة من الأرض ضخمة ممتدة، وأضيف إلى المشاة لاجتماعهم هناك
من الموقف .
وفي (المشارق)(١): يعني صفّهم ومجتمعهم تشبيهاً لصفهم بحبل الرمل، وقيل:
(حبل المشاة) حيث يسلك الرجالة، والأول أولى، وقد يحتمل أن يراد به كثرة المشاة،
والحبل: الخلق، انتهى.
وهناك موقف النبي ◌َّل، وهو إن لم يتعين بخصوصه، ولكن ينبغي أن يقف
في حوالي هذا الموضع، تارة ههنا وتارة هناك، قريبَ البناء القديم الذي يقول له
العامة: مطبح آدم ؛ ليفوز بموقفه ◌َّه، وقال التُّورِبِشْتِي(٢): إنه نقل عن الأخفش
أنه قال: الحبل : جبل عرفة .
وفي (مجمع البحار)(٣) عن النووي: روي بمهملة وسكون باء بمعنى مجتمعهم،
وبجيم وفتح باء بمعنى طريقهم، وحيث تسلكه الرجالة، والرواية بالجيم مذكور في
(شرح كتاب الخرقي)(٤).
وقوله: (حتى غاب القرص) بيان لما قبله دفعاً لتوهم المجاز بإرادة غروب
أكثر الشمس، وقيل: صوابه: حين غاب القرص.
(١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٢٧٤).
(٢) (كتاب الميسر)) (٢/ ٦٠٠).
(٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٤٣٠).
(٤) (٣ / ٢٤١).

٣١٩
(١٠) كتاب المناسك
وَأَرْدَفَ أُسَامَةً، وَدَفَعَ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ
وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ،
وقوله: (ودفع) أي: أسرع في السير بمعنى اندفع، يقال: اندفع الفرس: أسرع
في سيره، وقال في (المشارق)(١): الدفع تكرّر في الحج في غير حديث، ومعناه:
الذهاب والسير، يقال: دَفَعَتِ الخيلُ: إذا سارت، والقوم: جاؤوا بمرة.
وقال السيوطي في (مختصر النهاية)(٢): دفع من عرفات: خرج منها.
و(المزدلفة) بين عرفات ومنى، وازدلف افتعل من الزَّلَف بمعنى القُرْبة، ازدلف
إليه: اقترب، سميت بها لأنه يتقرب فيها إلى الله، أو لاقتراب الناس إلى منى بعد
الإفاضة، أو لمجيء الناس إليها في زلفٍ من الليل، أو لأنها أرض مستوية مكنوسة،
والزَّلَف يجيء بمعنى الأرض المكنوسة والمستوي من الجبل الدَّمِث، وهذا أقرب،
كذا في (القاموس)(٣)، والمزدلفة تسمى جمْعاً أيضاً بسكون الميم، والمشهور في وجه
تسميتها وهو المروي عن ابن عباس: أن آدم وحواء اجتمعا واقتربا فيها، وتعارفا
بعرفات، والله أعلم .
وقوله: (بأذان واحد وإقامتين) كما صلى الظهر والعصر بعرفات، وهذا مذهب
الشافعي وزفر وبعض آخر من الأئمة، وعند أبي حنيفة وبرواية عن أحمد وكثير من
العلماء: بأذان وإقامة، وجاء رواية ذلك عن ابن عمر في (صحيح مسلم)، وحَسّنه
الترمذي وصححه؛ لأن العشاء لما كانت هنا في وقت لم يحتج إلى الإفراد بالإقامة
(١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٤١٣).
(٢) ((الدر النثير)) (١/ ٣٣٢).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٥٣ - ٧٥٤).

٣٢٠
(٢) باب قصة حجة الوداع
وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئاً، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ
تَبَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ،
فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَخَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفاً حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا
فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ،
والإعلام بها، والعصر بعرفة كانت في غير وقتها فيحتاج بزيادة الإعلام(١).
وقوله: (لم يسبح بينهما) أي: لم يصل، والنافلة تسمى سبحة بضم السين
وسكون الباء.
وقوله: (ثم اضطجع) ولم يُحي هذه الليلة مع دوام مواظبته على ذلك، والمبيت
بمزدلفة واجب عندنا، وكذلك عند أحمد وبعض الشافعية، وعند بعضهم فرض .
وقوله: (حين تبين له الصبح) أقول: في قوله: (له) إشارة إلى أنه لم يتبين
لغيره وَّ، فقد روي أنه صلاها لغير وقته، وفي رواية: (بغلس)، والتحقيق أنه صلاها
في وقته، ولكن كان الناس يشكّون في طلوع الفجر، وعلمه رسول الله وَّ إما بالوحي
أو لكمال علمه بذلك، وقد سبق الكلام فيه في (باب مواقيت الصلاة) فليتذكره.
وقوله: (حتى أتى المشعر الحرام) هو اسم جبل بمزدلفة يسمى قُزَح، والوقوف
عند المشعر الحرام - أي: ما يليه ويقرب منه - أفضل، وإلا فالمزدلفة كلها موقف
إلا وادي محسِّرٍ، وقال في (القاموس)(٢): المشعر الحرام وتكسر ميمه: المزدلفة،
وعليه اليوم بناء، ووهم من ظنه جبيلاً بقرب ذلك البناء.
(١) ورجح ابن الهمام والطحاوي روايات تثنية الإقامة وقالا: إن الروايات متعارضة، والقياس
يقتضي تعدد الإقامة، قاله في ((التقرير)).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٨٨).