Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
(٩) كتاب الدعوات
الْمُحْيِيِ، الْمُمِيْتُ، الْحَيُّ،
فهذا معنى حقيقة البعث المجرد لا أنه يعاد البدن المعدوم، ويركب من أجزاء أصلية
معدومة بعينها، ولهذا المعنى شرح وتفصيل مذكور في كتبه فلينظر ثمة، والله أعلم.
هذا وقد يحمل معنى المعيد على إعادة الله تعالى للعبد عوائده وفوائده وألطافه
وإحسانه، وقد أجرى الله سنته بأن ينعم على عباده عَوداً على بدء، وهو رب العباد،
رب العالمين، فيكون المبدئ بمعنى منشئ الإنعامات من الوجود ولوازمه، وهو مبتدئ
النعم قبل استحقاقها، وحظ العبد من هذين الاسمين: أن يسعى في إبداء الخيرات،
وتأسيس الحسنات، وإعادة ما انقطع عنها واضمحل.
اللهم يا مبدئ یا معيد، يا رحيم يا ودود، أغنني بحلالك عن حرامك، وبطاعتك
عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، وخُصّنا بعوائد فضلك وإنعامك وكرمك
وإكرامك، وأحينا على طاعتك، وأمتنا على دينك، واحشرنا في زمرة المتقين.
وقوله: (المحيي، المميت) الإحياء خلق الحياة في الجسم، والإماتة إزالتها
عنه، وهو محيي قلوب العارفين بالإيمان والمعرفة، ومميت القلوب بالكفر والغفلة،
وحظ العبد أن يسعى في إحياء قلبه بالمعارف الإلهية، وإماتة نفسه عن القوى الغضبية
والشهوية، اللهم أحينا بالطاعات، وأمتنا عن الشهوات، وأبقنا بك وأفننا عنا، إنك المحيي
والمميت والمبقي والمفني، وأنت على كل شيء قدير .
وقوله: (الحي) هو الفعّال الدرّاك، حتى إن من لا فعل له ولا إدراك فهو
ميت، فالحي الكامل المطلق هو الذي يندرج جميع المدركات تحت إدراكه، وجميع
الموجودات تحت فعله حتى لا يشذّ عن دركه مُدْرَك، ولا عن فعله مفعول، وذلك
هو الله فهو الحي المطلق، وكل حي سواه فحياته بقدر إدراكه وفعله، ومن عرف أنه
الحي الذي لا يموت توكل عليه، ومن اعتمد على مخلوق، واتكل عليه ليوم حاجته،

١٠٢
(٢) كتاب أسماء الله تعالى
القَيُّوْمُ، الوَاجِدُ،
احتُمِلَ وفاته وقت حاجته إليه، فيضيع رجاؤه وأمله، والتخلق فيه أن يصير حيًّا بالله
حتى لا يموت أبداً، ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ [يُرْزَقُونَ ]﴾
[آل عمران: ١٦٩].
قال سيدي أحمد المعروف بابن زروق في (قواعد الطريقة في الجمع بين الشريعة
والحقيقة): السبب في بقاء ذكر الفقراء أكثر من ذكر الفقهاء هو أن النسبة عند تحقيقها
تقتضي ظهور أثر الانتساب، فالفقيه منسوب إلى صفة من أوصاف نفسه هي فهمه
وفقهه المنقضي بانقضاء حسه، والفقير منسوب إلى ربه، وكيف يموت من صحّتْ
نسبته للحي الذي لا يموت بلا علة من نفسه، ولمَّا عمل المجاهد حتى مات شهيداً
في تحقيق كلمة الله وإعلائها حسًا ومعنى كانت حياته حسية معنوية كما أخبر به الكتاب
العزيز، ولما عمل الصالحون بذلك معنى كانت حياتهم معنوية، بدوام كراماتهم وذكر
بركاتهم على مر الدهور، قد مات قوم وهم في الناس أحياء، يا حي حين لا حي في
ديمومة ملكه وبقائه، أحينا بالحياة الباقية الأبدية حتى نكون أحياء عندك مرزوقين فرحين
بما آتيتنا من فضلك، إنّك أنت الحي لا يموت ولا يفوت.
وقوله: (القيوم) القائم بنفسه، والمقيم لغيره، الذي لا يُتصور للأشياء وجودٌ
ولا بقاء إلا به، وليس ذلك إلا الله سبحانه، وللعبد حظ منه بقدر استغنائه عما سوى الله
وإمداده للناس، ومن عرف أنه القيوم بالأمور كلها استراح عن كد التدبير وتعب
الاشتغال، وعاش براحة في ظل التوكل والتفويض، يا حي يا قیوم یا حنان يا منان،
نسألك أن تحيي قلوبنا بنور معرفتك، وأن نقوم بعبادتك، ويقوم عبادك بطاعتك، يا حي
یا قیوم.
وقوله: (الواجد) هو الذي يجد كل ما يطلبه ويريده، ولا يعوزه شيء من ذلك،

١٠٣
(٩) كتاب الدعوات
الْمَاجِدُ، الْوَاحِدُ،
وهو في مقابلة الفاقد، وكل ما هو من صفات الكمال فهو موجود لله سبحانه، وهو
الواجد المطلق، ومن عداه إن كان واجداً لشيءٍ من صفات الكمال وأسبابه فهو فاقد
لأشياء فلا يكون واجداً مطلقاً .
وقيل: من الوجد بمعنى الغناء وهو الغني المطلق، لكن حينئذٍ يلزم الترادف،
اللهم إلا أن يفرق بأن في الغنی شيئان: وِجْدان ما يريد، وعدم الاحتیاج إلى غيره،
فالواجد باعتبار الأول، والغنيُّ باعتبار الثاني، والله أعلم.
والتخلق بأن يسعى العبد في تحصيل ما لا بدّ له من الكمالات حتى يستغني عما
سوى الله وفضله، اللهم اجعلنا واجدين لأقسام الكمال فاقدين للنقصان، وصیِّرنا
واجدين شهودك فاقدين وجودنا لوجودك، ورقُّنا عن التواجد إلى الوجد، وعن الوجد
إلى الوجود، وذلك أقصى مقام العرفان والشهود.
وقوله: (الماجد) بمعنى المجيد؛ كالعالم بمعنى العليم، إلا أن في صيغة المجيد
مبالغة، وكل صفات الله كامل وبالغ إلا أنه قد يعتبر بما يدل ظاهراً على المبالغة أو
التأكيد، وقد يكتفى بإثبات أصل المعنى الذي هو في نفسه كامل من غير الدلالة عليه
باللفظ، وقد سبق معناه.
یا ماجد یا مجيد، یا غني، يا حميد، مجدنا بمجدك، وأوجدنا بوجدك.
وقوله: (الواحد) هو الذي لا يتجزأ ولا يثنَّى، أي: لا يكون له نظير، أما الاول
فكالجوهر الفرد والنقطة، والثاني کالشمس فإنه لا نظير له، لکنه یمکن أن یکون،
والموجود الذي يتفرد بخصوص وجوده غير قابل للانقسام أصلاً، ولا يمكن أن يكون
له نظير يشاركه فيه، فهو الواحد المطلق أزلاً وأبداً، وأما العبد فإنما يكون واحداً إذا
لم يكن له في أبناء جنسه نظير، في خصلةٍ من الخصال، في وقت من الأوقات، مع

١٠٤
(٢) كتاب أسماء الله تعالى
الأَحَدُ، الصَّمَدُ،
أنه يوجد في خصلة أخرى وفي وقت آخر [مثله]، فلا يكون واحداً على الإطلاق،
ومن عرف أن الله واحد في صفات الكمال لا شريك له لم يتوجه إلا إليه ولا يشركه
غيره.
والتخلق بأن يسعى أن يكون متوحداً في الكمال بالنسبة إلى من يمكن التوحد
بالنسبة إليه، ويكون واحداً في العبودية، كما أنه تعالى واحد في الألوهية، وبأن يستغرق
في لجة التوحيد فلا يرى إلا الواحد بعين الشهود، والواحد من العباد في صفات الكمال
وفي حقيقة العبودية ليس إلا محمد سيد المرسلين بَّر، فههنا إله وعبد، والإله هو الله،
والعبد هو محمد، وكما أنه ليس للَّه شريك في الألوهية فكذلك لا شريك لمحمد
في العبودية، لا إله إلا الله محمد رسول الله، اللهم اجعلنا واحديًّا أحديًّا ومحمدیًّا،
واجعلنا متوحدين في عبوديتك، متفردين في طريق صمديتك، مستغرقين في لجة
توحيدك، ومشغولين بتحميدك وتمجيدك.
واعلم أنه ليس في (جامع الترمذي) و(الدعوات) للبيهقي و(شرح السنة) اسم
(الأحد) لكن ثبت في (جامع الأصول)(١): الواحد والأحد، وقد يفرق بينهما لفظاً
ومعنّى بوجوه ذكرها الطيبي(٢)، أما الفروق اللفظية فلا كثير مناسبة بالمقام، وأما
المعنوية فيقال: إن أحداً أبلغ من الواحد، لأنه صيغة الصفة المشبهة التي بنيت لمعنى
الثبات، وأن الواحد بمعنى عديم التجزؤ، والأحد عديم التثني، وأن الواحد باعتبار
الذات، والأحد باعتبار الصفات، أو بالعكس.
(الصمد) السيد الذي يُصمد إليه في جميع الحوائج، ويقصد إليه في الرغائب،
(١) ((جامع الأصول)) (٤ / ١٧٣).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٥/ ٥٣).

١٠٥
(٩) كتاب الدعوات
الْقَادِرُ، الْمُقْتَدِرُ،
من صمدتُ الأمر: إذا قصدته، وقيل: إنه المنزَّه من أن يكون بصدد الحاجة، أو في
معرض الآفة، مأخوذ من الصمد بمعنى المصمَّد كمعظّم، وهو الصلب الذي لا جوف
له، ومن جعله الله مقصد عباده في مهمات دينهم ودنياهم، أو رَسَخَ في الدين متصلباً
فيه، فقد حَظِيَ بمعنى هذا الاسم، لكن الصمد المطلق من يُقْصَد إليه في جميع الحوائج،
وعُصم عن جميع الآفات، وليس ذلك إلا الله الواحد الصمد، اللهم يا من يقصد في
جميع الحاجات إلى جنابه، ويلجأ في طلب الرغائب إلى بابه، اجعلنا في جميع الأحوال
قاصدین إليك، وراغبین فیما لديك، راسخين في دينك، ومستقيمين في طريق يقينك،
آمین.
وقوله: (القادر، المقتدر) معناهما: ذو القدرة لكن المقتدر، أكثر مبالغة من
القادر لزيادة البناء، والقادر هو الذي إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، والقدرة عبارة
عن المعنى الذي به يوجد الشيء بتقدير الإرادة والعلم واقعاً على وفقهما، والقادر
في الحقيقة هو الذي يخترع كل موجود اختراعاً ينفرد به ويستغني فيه عن معاونة غيره،
وهو الله تعالى، وأما العبد فله قدرة بإقدار الله في الجملة على بعض الأشياء في بعض
الأحوال [ولكنها] ناقصةٌ، ومخترعات العبد أيضاً واقعة بقدرة الله، فحقيقٌ أن لا يقال
له قادراً إلا مجازاً مقيداً، فليس القادر على الإطلاق إلا الله.
قال الإمام الغزالي: وتحت هذا غور لا يحتمِلُ مثلُ هذا الكتاب كشفَه، ومن
عرف أنه قادر على الكمال لا يزول خوفه منه ولا ينقطع رجاؤه إليه، ومن عرف أن
المولى تعالى قدير ترك الانتقام، ثقة بأن قدرة الحق وانتصاره أتم وأشد من انتقامه لنفسه،
والتخلق به بأن يكون قادراً على منع نفسه من المخالفات، وردّ أعداء الدين بالجهاد
والقتال، اللهم إنا ضعفاء فقوِّنا، وإنا عاجزون فأقدرنا، وانصرنا على من عادانا من

١٠٦
(٢) كتاب أسماء الله تعالى
الْمُقَدِّمُ، الْمُؤَخِّرُ، الأَوَّلُ، الآخِرُ، الظَّاهِرُ، الْبَاطِنُ،
الجن والإنس والنفس والشيطان، بقدرتك ونصرتك، ولا تكلنا إلى أنفسنا، ولا تسلط
علينا بذنوبنا من لا يرحمنا، إنك على كل شيء قدير .
وقوله: (المقدِّم، المؤخِّر) قدم أنبياءه وأولياءه بتقربهم وهدايتهم، وأخر أعداءه
بإبعادهم وضرب الحجاب بينه وبينهم، ومن قرَّبه فقد قدَّمه، ومن أبعده فقد أخره
بالشرف والرتبة، والكل من الله، وفيه إشارة إلى أنه لم يتقدم من تقدم بعمله بل
بتقديم الله إياه، وكذلك المتأخر، والتخلق فيه: أن يقدم نفسه بالمسابقة والمسارعة
إلى الخيرات والمقربات، ولا يؤخرها بالاستبطاء والتسويف، فلا يجعل الله عبداً أسرع
إليه كعبد أبطأ عليه .
اللهم قدمنا ولا تؤخرنا، وأكرمنا ولا تهنا، وانصرنا ولا تخذلنا، فلا مؤخر لمن
قدمت، ولا مقدم لمن أخرت، ولا راد لما حكمت، وأنت خير الحاكمين.
وقوله: (الأول الآخر) الأول السابق على الأشياء بالوجود، والآخر الباقي وحده
بعد فناء الخلق، أو الأول بالوجود والآخر بالسلوك، فمنه المبدأ أولاً، وإليه المرجع
والمصير آخراً، أو الأول بإحسانه والآخر بغفرانه، الأول بحسن تعريفه إذ لولا فضله
ببداية إحسانه لما تشرفوا بعرفانه ووجدانه، والآخر بإكمال اللطف كما كان أولاً بابتداء
العرف، فالذي هداك في الابتداء هو الذي يكفيك في الانتهاء.
اللهم يا أول كل شيء وآخره، ليس لأوليتك أولٌ، ولا لآخريتك آخِرٌ، أنت
الأزلي الأبدي كذلك، وما سواك حادث وهالك، هديتُ بنعمتك في الابتداء، وتكفي
في إبقائها في الانتهاء، خُصّنا بنعمك أولاً وآخراً وبدايةً ونهايةً، فمنك المبدأ، وإليك
المعاد، وبك الرشاد، ومن عندك السداد .
وقوله: (الظاهر، الباطن) الظاهر الجلي وجوده بآياته الباهرة في أرضه وسمائه،

١٠٧
(٩) كتاب الدعوات
الْوَالِيِ، الْمُتَعَالِ، الْبَرُّ،
والباطن المحتجب كنه ذاته المقدسة بحُجُب كبريائه، والظاهر بنعمته، والباطن
برحمته، والظاهر بالقدرة، والباطن عن الفكرة، الظاهر للبصائر، والباطن عن
الأبصار، الظاهر بلا اقتراب، والباطن بلا حجاب، فهو تعالى إنما خفي لشدة ظهوره،
وظهوره سبب بطونه، ونوره هو حجاب نوره، فهو الظاهر الذي لا أظهر منه، والباطن
الذي لا أبطن منه .
وحظ العبد من هذه الأسماء: أن يهتم بأمره، ويتفكر أوّله، ويتدبر آخره، ويُصلح
باطنه وظاهره. اللهم أصلح ظواهرنا، وطهّر بواطننا، واجعل أبصارنا ناظرة إلى آثارك،
وبصائرنا مملوءة بأنوارك، أنت الظاهر [و] أنت الباطن.
وقوله: (الوالي) هو الذي تولى الأمور وملك الجمهور، والولاية تشعر بالتدبير
والقدرة والفعل، وما لم يجمع جميع ذلك لم يطلق عليه اسم الوالي، ولا والي للأمور
على الإطلاق إلا الله تعالى، فإنه المنفرد بتدبيرها أولاً، والمنفّذ للأحكام فيها ثانياً،
والقائم عليها بالإدامة والإبقاء ثالثاً .
اللهم تولّ أمورنا، واشرح صدورنا، أنت متولي الأمور، ومالك الجمهور،
وأنت المتفرد بتدبيرها في الإيجاد والإبداء والإدامة والإبقاء، وكن لنا وكيلا، وتولّنا
تولي محبة وعناية، ولطف ورعاية، ﴿إِنَّ وَلِعِىَ اللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِنَبِّ وَهُوَ يَتَوَلَى الصَِّينَ ﴾
[الأعراف: ١٩٦].
وقوله: (المتعالي) هو المبالغ في العلاء والمرتفع عن النقائص، وهو أبلغ من
العلي، وقد سبق فيه في اسم العلي .
وقوله: (البر) المحسن وهو البر في الحقيقة، إذ ما من بِرِّ وإحسان إلا وهو
موليه، والعبد إنما يكون براً بقدر ما يتعاطاه من البِرّ والتوفيق بوالديه وأستاذه وشيوخه

١٠٨
(٢) كتاب أسماء الله تعالى
الثَّوَّابُ، الْمُنْتَقِمُ،
وغيرهم، وتفصيل برِّ الله تعالى [و] إحسانه إلى خلقه مما يطول شرحه.
اللهم يا من تولى الأمور، وملك الجمهور، وتعالى عن الاتهام، وعمّ برُّه الأنامَ،
كن متولياً في جميع أمورنا، واشملنا بِبِرِّك وإحسانك، واجعلنا بارّين محسنين إلى
من له حق علينا بفضلك وامتنانك، إنك أنت البر الرؤف الرحيم.
وقوله: (التواب) هو الذي يرجع إلى تيسير أسباب التوبة لعباده مرة بعد أخرى،
بما ينبههم عن رقدة الغفلة، ويطلعهم بتخويفاته وتحذيراته على وَخامة عواقب المعاصي،
فيرجعون إلى التوبة فيرجع إليهم فضله بالقبول، وقيل: هو الذي يرجع بالإنعام على
كل مذنب حل عقد إصراره، ورجع إلى التزام طاعته، من التوب وهو الرجع، والتخلق
به: أن يصفح العبد عن زلات العباد، ويرجع على المجرمين بالإنعام، اللهم إنا نسألك
توبة سابقة منك إلينا ليكون توبتنا إليك منا، وهب لنا التلقي منك كتلقي آدم منك
الكلمات، ليكون قدوة لولده في التوبة والأعمال الصالحات، اللهم تب علينا، وتقبل
توبتنا، إنك أنت التواب الرحيم.
وقوله: (المنتقم) هو الذي يعاقب العصاة، ويقصم ظهور العتاة، وفي
(الصحاح)(١): النقمة بالفتح ويكسر: المكافأة بالعقوبة، وهو بعد الإنذار والإمهال
أشد من المعاجلة بالعقوبة، والتخلق به: أن ينتقم من أعداء الله، وأعدى الأعداء نفسه،
وحقه أن ينتقم منها متى قارفت معصية أو أخلَّت بعبادة، نقل عن أبي يزيد قال:
تكاسلتْ نفسي علي في بعض الليالي عن بعض الأوراد، فعاقبتها بأن منعتها الماء
سنة .
(١) ((الصحاح)) (٥/ ٢٠٤٥).

١٠٩
(٩) كتاب الدعوات
العَفُؤُ، الرَّؤُوْفُ، مَالِكُ الْمُلْكِ،
وقوله: (العفو) وهو الذي يمحو السيئات ويتجاوز عن المعاصي، وهو قريب
من الغفور ولكنه أبلغ منه، فإن الغفران ينبئ عن الستر، والعفو عن المحو، ومتى
عرف أنه تعالى عفوٌ طلب عفوه، ومن طلب عفوه تجاوز عن خلقه، قال الله تعالى :
﴿وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوْ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، وغاية العفو أن يحسن إلى من
ظلمه، كما يرى الله تعالى محسناً في الدنيا إلى العصاة والكفرة غيرَ معاجل لهم بالعقوبة،
بل ربما يعفو عنهم بأن يتوب عليهم، وإذا تاب عليهم محا سيئاتهم، إذ التائب من الذنب
كمن لا ذنب له، اللهم اعف عنا جرائمنا، واغفر لنا ذنوبنا، وامح عن جرائد أعمالنا
هذه السطور، إنك أنت الكريم العفو الغفور.
وقوله: (الرؤوف) الرأفة شدة الرحمة، وقيل: الرأفة إحسان مَبْدؤه شفقة
المحسن، والرحمة إحسان مَبْدؤه فاقةٌ مَن أحسن إليه، قال بعض العارفين: ومن رحمته
بعباده أن يصونهم عن موجبات العقوبة، فإن عصمته عن الزلة أبلغ في باب الرحمة
من غفران المعصية، انتهى. قلت: لو جعل الرأفة عبارة عن المعنى الأول والرحمة
عن الثاني فرقاً بينهما لكان وجهاً، والله أعلم. وقد سبق الكلام في وجه التعلق والتخلق
به في بیان اسم الرحيم.
اللهم ارحمنا، وارؤفْ بنا رأفة الحبيب بحبيبه عند الشدائد ونزولها، واحفظنا
عن ارتكاب المعاصي، واعصمنا عنها قبل خطورها وحلولها، إنك أنت الرؤف
الرحيم .
وقوله: (مالك الملك) هو الذي يُنفذ مشيئته في مملكته كيف شاء وكما شاء
إيجاداً وإعداماً وإبقاءً وإفناءً، ومملكة كل عبد بدنه وعياله ورعاياه، فينبغي أن يكون
مالكاً لها نافذاً حكمه فيها كيف شاء على موافقة الشرع والعقل، اللهم مالك الملك ملكنا

١١٠
(٢) كتاب أسماء الله تعالى
ذُو الْجَلَاَلِ، وَالإِكْرَامِ، الْمُقْسِطُ،
نفوسنا، ولا تجعلنا أسيراً لشهواتنا، وانصرنا على مملكتها، واعصمنا عن تبعاتها،
لك الملك ولك الحكم، وأنت ملك الملوك، وأحكم الحاكمين.
وقوله: (ذو الجلال والإكرام) الذي لا جلال ولا كمال إلا وهو ثابت له،
ولا كرامة ولا مكرمة إلا وهي صادرة منه، فالجلال له في ذاته، والكرامة فائضة منه
على عباده، وأنواع إكرامه عبادَه لا تكاد تنحصر وتتناهى، ويتضمن جملتها قولُه تعالى:
﴿وَلَقَدْ كُرَّمْنَا بَنِيّ ءَآدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَاً﴾ [إبراهيم: ٣٤]،
ومن عرف جلال الله تذلل له، ومن عرف إكرامه شَكَره، فلا يخدم ولا يسأل غيره.
والتخلق بأن يحصِّل لنفسه جلالاً وشرفاً وكمالاً، ويكرم وينعم عباد الله على
ما يليق وينبغي، اللهم يا ذا الجلال والإكرام شرفنا بجلالك وكمالك، وخَصِّصْنا بإكرامك
وإنعامك، واجعلنا متذللين عند مشاهدة جلالك، وشاكرين بملاحظة إكرامك مستصغرين
من عداك، ومستنكفين عن السؤال عن الأغيار مستغنين بك عمن سواك.
وقوله: (المقسط) الذي ينتصف للمظلوم من الظالم، يقال: قسط: إذا جار،
وأقسط: إذا عدل، فالهمزة للإزالة، قال الإمام الغزالي(١): وكماله أن يضيف إلى
إرضاء [المظلوم إرضاءً] الظالم، وذلك غاية العدل والإنصاف، ثم ذكر حديث إراءة الله
سبحانه الظالم الجنة، وقوله: من يشتري، وقول الظالم: ومن يطيق شراءه، ومن الذي
عنده ثمنه، وقول الله ثّ: عندك ثمنه، وهو أن تعفو عن أخيك، والإنصاف من النِّصْف
كأنه لما راعى الجانبين نصَّفَ، فنصف لهذا ونصف لذلك، والتخلق به أن يجتنب
الظلم رأساً على نفسه ثم على غيره ويسعى في إماطته، وأوفر العباد حظًا من هذا الاسم
من ينتصف أولاً من نفسه ثم لغيره، ولا ينتصف لنفسه من غيره.
(١) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ١٤٢).

١١١
(٩) كتاب الدعوات
الْجَامِعُ، الْغَنِيُّ، الْمُغْنِي،
اللهم اجعلنا من المقسطين، ولا تجعلنا من القاسطين، واحفظنا أن نظلم أنفسنا
وعبادك المستضعفين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
وقوله: (الجامع) هو المؤلف بين المتماثلات، كجمعه الخلق الكثير من الإنس
على ظهر الأرض، وحشرهم في صعيد القيامة، وبين المتباينات كجمعه بين السماوات
والكواكب، والهواء والأرض والبحار، والحيوانات والنباتات والمعادن المختلفة،
وكل ذلك متباين الأشكال والألوان والطعوم والأوصاف، وقد جمعها في الأرض،
وجمع الكل في العالم، وكذلك بين العظم والعصب والعِرق والعضلة والمخ وسائر
أجزاء الحيوان فيه، وبين المتضادات، كجمعه العناصر وكيفياتها في المزاج، وذلك
أبلغ وجوه الجمع، ومَن جمع بين العلم والعمل والكمالات النفسانية والجسمانية فله
حظ من هذا الاسم، قال بعض المشايخ: وقد جمع الله قلوب العارفين إلى شهود
تقديره حتى يتخلص من أسباب التفرقة، فلا يرى الوسائط ولا ينظر إلى الحادثات
إلا بعين التقدير، وجمع همومَهم في طلبه وقلوبَهم إلى ذكره: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَبِنُّ
اٌلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
اللهم اجمع فينا أسرارك وأنوارك، واجعلنا جامعين بين مرتبتي الفرق والجمع
وشهود الوحدة والكثرة، واجمع بيننا وبين حبيبك المصطفى وآله وأصحابه وأتباعه
يوم القيامة يا جامع المتفرقين .
وقوله: (الغني، المغني) الغني هو الذي لا يحتاج في ذاته وصفاته وأفعاله إلى
غيره، ولا يتعلق بالغير، بل يكون منزّهاً عن العلاقة مع غيره، ويكون هو المغني أيضاً،
ولكن الذي أغناه لا يتصور أن يكون غنيًّا مطلقاً، فإن أقل أموره أنه يحتاج إلى المغني
كالواجب بالغير، والغني الحقيقي المطلق هو الله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى

١١٢
(٢) كتاب أسماء الله تعالى
الْمَانِعُ،
اَللَّهِ وَاُللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]، وقد يغني الله بعض عباده عن السؤال منه رضاءً
بقضائه واكتفاءً بعلمه، ولكن ذلك لا يرفع الاحتياج الذاتي وإنما هو ترك الإظهار ورفع
الاختيار، ومن عرف أنه المغني، وقطع طمعه عن سواه، ولا يسأل إلا إياه، فقد فاز
بحظ من اسم الغني، ثم إذا سدّ خلة المحتاجين، وأغناهم عن السؤال، وأفاض من
فضل نعمة الله عنده على الفقراء والمساكين، حصل له حظّ من اسم المغني أيضاً،
وفي دعاء بعض الأجلة من المشايخ: اللهم اجعلنا أفقر عبادك إليك، وأغناهم بالاكتفاء
بما لديك، وأغنِنَا بلا سبب، واجعلنا سبب الغَناء لأوليائك وبرزخاً بينهم وبين أعدائك،
واجعلنا راضين بقسمتك ومكتفين لعملك، فالسعيد حقًّا من أغنيته عن السؤال
منك، والشقي حقاً من حرمته مع كثرة السؤال لك، فأغنِنَا بفضلك عن سؤالنا منك،
ولا تحرمنا من رحمتك مع كثرة سؤالنا لك، إنك الغني المغني، وأنت على كل شيء
قدير .
وقوله: (المانع) هو الذي يردُّ أسباب الهلاك والنقصان في الأبدان والأديان،
والمنعُ من أسباب الحفظ، وقد سبق معنى الحفيظ، فمن عرف معناه عرف معنى المانع،
فالمنع له أبواب غير منحصرة كما أن حفظه أنواع غير متناهية، فالمنع من ضروريات
الحفظ ولوازمه، لا يحصل الحفظ بدونه، فالمنع إضافة إلى السبب المهلك، والحفظ
إضافة إلى المحروس عن الهلاك، وهو المقصد من المنع وغايته، والمنع من البلاء
لطف ظاهر من الله، وقد يكون من العطاء لطفاً خفيًّا منه تعالى، وقد يمنع المنى
والشهوات عن نفوس من أراد تخصيصه، ويمنع الإرادات والاختيارات عن قلوب
من أراد تخليصه.
وقد ورد في بعض الروايات: (المعطي، المانع) في غير هذه الرواية من أبي

١١٣
(٩) كتاب الدعوات
الضَّارُّ، النَّافِعُ، النُّورُ،
هريرة، فيزيد العدد على التسعة والتسعين، فإما أن لا يكون في تلك الرواية ذكر العدد
أو متروكاً فيها ذكر اسم آخر، وقد عرفت عدم انحصار الأسماء في العدد المذكور،
وكذا الحال في غيره من الأسماء المتروكة في هذه الرواية، والمذكور في غيرها، والتخلق
باسم المانع بأن يكون مانعاً من تطرق الفساد والهلاك إلى الدين، وإلى الصالحين من
عباد الله، ويحفظ الدين وأهله من الآفات والمخافات، اللهم اجعلنا كذلك ووفقنا
لذلك.
وقوله: (الضار النافع) هو الذي يصدر منه الخير والشر والنفع والضرر، ومجموع
الوصفين يرجع إلى الوصف بالقدرة التامة الشاملة، والقدرة صفة تشمل أكثر الصفات
خصوصاً الفعلية منها، والفرق بالعموم والخصوص والجهات والحيثيات، فكل ما وقع
في العالم منسوب إلى الله تعالى بواسطة أو بغير ذلك، فلا يظن أن السم يقتل ويضرّ
بنفسه، وأن الطعام يُشبع وينفع بنفسه، وكذلك كل أجزاء العالم من العلويات والسفليات
وسائط وأسباب مسخرة لا يصدر منها إلا ما سخرت له، وكل ذلك بالإضافة إلى
القدرة الأزلية كالقلم في يد الكاتب.
ومن عرف ذلك استسلم لحكمه وقضائه، وفوض الأمور كلها إليه، وعاش في
راحة من الخلق، والخلق في راحة منه، وهذا هو حظ العبد من هذا الوصف ومن
أمثاله، وهذا هو نوع من التعلق، ووجه التخلق فيها لا تخلو عن خفاء، اللهم إلا أن
يراد أن يكون ضارًّا أو مخذلاً لأعداء الله، ونافعاً وناصراً لأوليائه، نسأل الله تعالى إياه
إنه على كل شيء قدير، والله أعلم.
وقوله: (النور) هو الظاهر الذي به كل الظهور؛ فإن الظاهر بنفسه المظهر لغيره
يسمى نوراً، ومهما قوبل الوجود بالعدم كان الظهور للوجود، ولا ظلام أظلم من العدم،

١١٤
(٢) كتاب أسماء الله تعالى
الْهَادِي، الْبَدِیعُ،
فالبريء عن ظلمة العدم - بل عن إمكان العدم - المخرجُ كلَّ الأشياء من ظلمة العدم
إلى ظهور الوجود جدير بأن يسمى نوراً، والوجود نور فائض على الأشياء كلها من نور
ذاته، فهو نور السماوات والأرض، والذي أودعَ في قلوب الخاصة من عباده من أنوار
الطاعات والأخلاق والمعارف، والتوحيد نورٌ على نور، يهدي الله لنوره من يشاء،
والتخلق به: أن يكون ظاهراً متنوِّراً بنور الإيمان والعرفان، ومُظْهِراً لأحكام الدين،
ومنوِّراً للعالم بنور الإيقان، وكمال ذلك لمحمد ◌َّ، فهو النور، ومعه النور، ومنه
النور، فهو مطلع الأنوار ومجمع الأسرار، اللهم نوِّر قلوبنا بنوره، واجعلنا ظاهرين
بظهوره .
وقوله: (الهادي) هو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، والذي قدّر فهدى،
كما هدى الطفلَ إلى التقام الثدي عند انفصاله، والفرخَ إلى التقاط الحبِّ وقت خروجه،
والنحلَ إلى بناء بيته على شكل التسديس لكونه أوفق الأشكال له، وشرحُ ذلك يطول،
والذي هدى خاصة عباده إلى سواء الطريق، وأطلع في طريقهم أنور التوفيق، وأحظى
الناسِ بهذا الاسم الأنبياء والأولياء والعلماء الوارثون الذين هدوا الخلائق إلى الطريق
القويم والصراط المستقيم، وهم مسخرون تحت قدرته وتدبيره الذي هداهم به إلى
مصالحهم في الدنيا والدين، اللهم اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم
غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
وقوله: (البديع) هو الذي لم يعهد مثله، فإنه لم يعهد بمثله لا في ذاته ولا في
صفاته، ولا في أفعاله، فهو البديع المطلق، وليس ذلك إلا الله سبحانه، وقد يجعل البديع
بمعنى المبدع، وقد فسِّر بالمعنيين قوله تعالى: ﴿ بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [البقرة: ١١٧]،
وكل عبد اختص بخاصية من النبوة أو الولاية أو العلم بحيث لم يُعهد مثلها، أو أبدع

١١٥
(٩) كتاب الدعوات
الْبَاقِي، الْوَارِثُ،
شيئاً من الأمور الراجعة إلى صفة الكمال، إما في سائر الأوقات، وإما في عصره،
فهو بديع، وأبدعُ المخلوقات محمد ◌َّ، وهو الفرد الكامل الأوحد في الاتصاف
بصفات الله .
والتخلق بأسمائه تعالى على الإطلاق، اللهم خُصّنا بمزايا كرمك، وبدائع فضلك،
وخصائص لطفك وإنعامك، إنك على كل شيء قدير .
وقوله: (الباقي) هو الدائم الوجود الذي لا يقبل الفناء، قال الغزالي(١): هو
الموجود الواجب وجوده بذاته، لكنه إذا أضيف في الذهن إلى الاستقبال سمي باقياً،
وإذا أضيف إلى الماضي سمي قديماً، والباقي المطلق هو الذي لا ينتهي تقدیر وجوده
في الاستقبال إلى آخر، ويسمى أبديًّا، والقديم المطلق هو الذي لا ينتهي تمادي وجوده
في الماضي إلى أول، ويسمى أزليًّا، ومفهوم واجب الوجود بذاته متضمن لجميع
ذلك، وإنما هذه الأسامي بحسب إضافة هذا الوجود في الذهن [إلى الماضي والمستقبل]
وإلا فهو موجود قبل الزمان وبعده، وإنما يدخل في الماضي والمستقبل المتغيرات.
والتخلق بهذا الاسم بأن يسعى في تحصيل كمال يبقى آثاره بعده، ويَفنى في
جلال الحق وكماله حتى يبقى ويَحيى بحياة أبدية، اللهم اجعلنا فانين عنا باقين بك،
وارزقنا حياة أبدية بالتخلق بأسمائك وصفاتك، غائبين عن وجودنا بشهود ذاتك.
وقوله: (الوارث) الباقي بعد فناء الموجودات الذي يرجع إليه الأملاك بعد فناء
المُلأَك، وهذا بالنظر الظاهر، وأما في الحقيقة فهو المالك على الإطلاق من الأزل إلى
الأبد، ولم يتبدل ملكه ولا يزال، فأرباب المعرفة يسمعون دائما نداءَ: ﴿لَّمَنِ الْمُلْكُ
(١) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ١٤٧).

١١٦
(٢) كتاب أسماء الله تعالى
الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالبَيْهَقِيُّ فِي ((الدَّعْوَاتِ الْكَبِيْرِ)). وَقَالَ
التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٥٠٧، ((الدعوات الكبير)): ١/ ٣٧٧].
اَلْيَوْمٌ﴾، وجوابَ: ﴿اللَّهِالْوَحِدِ اَلْقَهَّارِ﴾، من غير حرف وصوت، ويوقنون بأن الملك
والملكوت لله ليس له شريك ومساهم، عظم ملكه وجل جلاله.
والتخلق فيه يتصور على نحو ما ذكرنا في معنى الباقي، اللهم اجعلنا وارثين
العلم والدين من سيد أنبيائك وسند أصفيائك، اللهم متّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوانا،
واجعله الوارث منّا، آمين .
وقوله: (الرشيد) هو الذي تنساق تدبيراته إلى غاياتها على سَنَن السداد من
غير استشارة واسترشاد، وقيل: هو بمعنى المُرشد، والله تعالى رشد كلَّ عبد بقدر
هدايته في تدبيراته إلى الصواب في مقاصد دينه ودنياه، ممن استشاره من جنابه،
واستخاره في مبدئه ومآبه، والتجأ إليه وسقط على بابه، اللهم أرشدنا وألهمنا الصواب،
واجعلنا راشدین مصیبین في كل باب.
وقوله: (الصبور) هو الذي لا يستعجل في مؤاخذة العصاة ومعاقبة المذنبين،
والفرق بينه وبين الحليم: أن الصبور يُشعر بأنه يعاقب بالآخرة بخلاف الحليم.
وقال الإمام الغزالي(١): هو الذي لا تحمله العَجَلة على المسارعة إلى الفعل
قبل أوانه، بل ينزل الأمور بقدر معلوم، ويجريها على سَنَن محدود، ولا يؤخرها عن
آجالها المقدرة تأخير متكاسل، ولا يقدمها على أوقاتها تقديم مستعجل، بل يودع كل
شيء في أوانه على الوجه الذي يجب أن يكون، وكما ينبغي أن يكون، وكل ذلك في
حق الله سبحانه من غير مقاساة داع على مضادة الإرادة.
(١) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ١٤٩).

١١٧
(٩) كتاب الدعوات
وأما صبر العبد فلا يخلو عن مقاساة؛ لأن معنى صبره هو ثباتُ داعي الدين أو
العقل في مقابلة داعي الشهوة والغضب، ووجه التخلق به ظاهر، ﴿ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا
صَبْرًا وَتَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠] ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَصْبِرُ واْوَ صَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
تم شرح الأسماء الحسنى بفضل الله وتوفيقه، ونختمه بكلمة نقلها الإمام محمد
الغزالي(١) عن الشيخ أبي علي الفارمذي رحمهما الله، حيث قال: سمعت الشيخ أبا علي
الفارمذي يحكي عن شيخه أبي القاسم الكركاني قدس الله روحهما أنه قال: [إن]
الأسماء التسعة والتسعين تصير أوصافاً للعبد السالك، وهو بَعْدُ في السلوك غیر واصل،
انتھی .
ويشكل هذا في بادئ النظر أن الظاهر من كلام القوم أن السلوك عبارة عن تهذيب
الأخلاق ونفي صفات البشرية، فإذا حصل هذا حصل الفناء، وبه يتم السلوك وبعده
البقاء والوصول، وإذا تخلق العبد بأخلاق الله واتصف بصفاته فقد خرج عن صفات
البشرية وفني عنها، فماذا بقي بعدُ من الوصول؟
وبهذه الملاحظة قال الإمام: فإن قلت: فما معنى قوله: إن العبد مع الاتصاف
بجميع ذلك سالك لا واصل، فما معنى السلوك وما معنى الوصول؟ فاعلم أن السلوك
هو تهذيب الأخلاق والأعمال والمعارف، وذلك اشتغال بعمارة الظاهر والباطن،
والعبد في جميع ذلك مشغول بنفسه عن ربه إلا أنه مشتغل بتصفية باطنه استعداداً
للوصول بأن ينكشف له جلية الحق ويصير مستغرقاً به، فإن نظر إلى معرفته فلا يعرف
(١) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ١٥٠).

١١٨
(٢) كتاب أسماء الله تعالى
إلا الله، وإن نظر إلى همته فلا همة له سواه، فيكون كله مشغولاً بكله مشاهدة، ولا يلتفت
في ذلك إلى نفسه ليعمر ظاهره بالعبادة أو باطنه بتهذيب الأخلاق، وكل ذلك طهارة
وهي البداية، وإنما النهاية أن ينسلخ من نفسه بالكلية ويتجرد [له]، فيكون كأنه هو،
وذلك هو الوصول. هذا كلام الإمام، ويختلج أن كلام الشيخ بعد حصول التخلق بمعاني
هذه الأسماء، فيتم بذلك السلوك ويحصل بعده الوصول، فما معنى قوله: وهو بعد
في السلوك غير واصل؟ فافهم.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: لا يخفى أن للتخلق والاتصاف مراتب ودرجات
بعضها فوق بعض، وبهذا تتفاوت درجات الأولياء ومراتبهم، فيمكن أن يكون مراد
الشيخ أبي القاسم من قوله: إن الأسماء التسعة والتسعين تصير أوصافا للعبد السالك،
صيرورتها في الجملة في أول درجاتها وما يليها، وهو بعدُ في السلوك، أي: في تتميم
الاتصاف والتخلق وتكميله حتى يبلغ النهاية التي يمكن له البلوغ إليها، فإذا بلغ النهاية
وصل هذا، ولو قيل بحصول الوصول في المراتب التي فوق مرتبة النهاية جاز إطلاق
الوصول، لكن كلامه - قدس سره - في أعلى مراتب الوصول مما يبلغ به النهاية .
وهذا معنَى واضح يكون هو المراد إن شاء الله، ويُستأنس له بما ذكر الشيخ
العالم العارف الكامل شهاب الملة والدين عمر السهروردي رحمة الله، في (عوارف
المعارف)(١) مما يُشعر بتفاوت مراتب الوصول وتعددها: اعلم [أن] كل من وصل
إلى صفو اليقين بطريق الذوق والوجدان فهو رتبة في الوصول، فيتفاوتون:
فمنهم من يجد الله تعالى بطريق الأفعال وهو رتبة في التجلي، فيفنى فعلُه وفعل
(١) انظر: ((عوارف المعارف)) (ص: ٢٥٩).

١١٩
(٩) كتاب الدعوات
٢٢٨٩ - [٣] وَعَنِ بُرَيْدَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّهِ سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ: اللَّهُمَّ
إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ
يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوا أَحَدٌ فَقَالَ: ((دَعَا اللهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ
بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٣٤٧٥، د:
١٤٩٣].
غيره لوقوعه مع فعل الله تعالى، ويخرج في هذه الحالة من التدبير والاختيار، وهذه
رتبة في الوصول.
ومنهم من يوقف في مقام الهيبة والأنس بما يكاشف قلبه من مطالعة الجلال
والجمال، وهذا تجلِّي طريق الصفات وهو مرتبة في الوصول.
ومنهم من يرقى إلى مقام الفناء مشتملاً على باطنه أنوار اليقين والمشاهدة،
مغمَّى في شهوده عن وجوده، وهذا ضرب من تجلي الذات للمقربين، وهذه رتبة،
وفوق هذا رتبة حق اليقين، ويكون من ذلك [للخواصِّ] لمح في الدنيا، وهو سریان
نور المشاهدة في كلية العبد حتى يحظى بها روحه وقلبه ونفسه حتى قالبه، وهذا من
أعلی رتب الوصول.
فإذا تحققت الحقائق يعلم العبد مع هذه الأحوال الشريفة أنه في أول المنزل
فأين الوصول؟ هيهات منازل طريق الوصول لا تنقطع أبداً [أبد] الآباد في عمر الآخرة
الأبدي فكيف في العمر القصير الدنياوي! والله أعلم .
٢٢٨٩، ٢٢٩٠ - [٣، ٤] (بريدة، أنس) قوله: (دعا الله باسمه الأعظم الذي
إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب) السؤال أن يقول العبد: أعطني، فيعطي،
والدعاء أن ينادي ويقول: يا رب، فيجيبه الرب تعالى ويقول: لبيك يا عبدي، ففي
مقابلة السؤال الإعطاء، [وفي مقابلة] الدعاء الإجابة، وهذا هو الفرق بينهما، ويذكر

١٢٠
(٢) كتاب أسماء الله تعالى
٢٢٩٠ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِساً مَعَ النَّبِيِّ وَِّ فِي الْمَسْجِدِ
وَرَجُلٌ يُصَلِّي فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لاَ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ، الْحَنَّانُ
الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَاَلِ وَالإِكْرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ
أَسْأَلُكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َِّ: ((دَعَا اللّهَ بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ،
وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت:
٣٥٤٤، د: ١٤٩٥، ن: ١٣٠٠، جه: ٣٨٥٨].
أحدهما مقام الآخر أيضاً، فتدبر.
واعلم أنه قد وردت أقوال من العلماء في الاسم الأعظم ذكرها السيوطي في
رسالة مسماة بـ (الدر المنظم في الاسم الأعظم) فقال قائلون: إن أسماء الله تعالى
كلها عظيمة لا يجوز تفضيل بعضها على بعض، وينسب هذا القول إلى الشيخ أبي
الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر الباقلاني وجماعة غيرهما، وحمل هؤلاء ما ورد
من ذكر الاسم الأعظم على أن المراد به العظيم.
وقال الطبراني: اختلف في تعيين الاسم الأعظم، والذي عندي أن الأقوال كلها
صحيحة؛ إذ لم يرد في خبر منها أنه الاسم الأعظم ولا شيء أعظم منه، فكأنه يقول:
كل من أسمائه تعالى يجوز وصفه بكونه أعظم فيرجع إلى معنى عظيم.
وقال ابن حبان: الأعظمية الواردة في الأخبار المراد بها مزيد ثواب الداعي بذلك،
ومثل ذلك في القرآن أيضاً، والمرادُ به مزيد ثواب القارئ، يعني: ليس في ذاته زيادةً
عظيمةً بل ذلك باعتبار أمر خارج ولا بحث فيه، فتدبر.
وقيل: إنه مما استأثر الله بعلمه ولم يُطْلع عليه أحداً من خلقه، كما قيل بذلك
في ليلة القدر وساعة الجمعة والصلاة الوسطى، وقد عينه بعضهم لظاهر ما ورد في