Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ (٩) كتاب الدعوات اللَّطِيفُ، وقوله: (اللطيف) قيل: معناه المُلْطف، كالبديع بمعنى المبدع، وقد اختلف في مجيء فعيل بمعنى مُفْعل، وقيل: العليم بخفيات الأمور ودقائقها وما لَطُفَ منها، وهو الذي اجتمع له الرفق في الفعل، والعلم بدقائق المصالح، وإيصالها إلى من قدَّرها، قال الإمام الغزالي(١): إنما يستحق هذا الاسم من يعلم دقائق المصالح وغوامضها، وما دقّ منها وما لطف، ثم يسلك في إيصالها إلى المستصلح سبيل الرفق، فإذا اجتمع الرفق في الفعل واللطف في الإدراك تمّ معنى اللطف، ولا يتصور كمال ذلك إلا لله تعالى، أما إحاطته بالدقائق والخفايا فلا يمكن تفصيل ذلك، وأما رفقه في الأفعال ولطفه فيها، فلا يدخل تحت الحصر، ولا يعرفه إلا من عرف تفاصيل أفعاله، وعرف دقائق الحكمة، وبقدر اتساع المعرفة فيها تتسع المعرفة لمعنى اسم اللطيف. ثم نبّه الإمام على بعض أمثلته وجُمَله؛ كلطفه في خلقه الجنينَ إلى آخر عمره، وفي إيصال الغذاء إلى الآدمي، وكإخراج اللبن الصافي بين الفرث والدم، وإخراج الجواهر النفيسة من الأحجار، وإخراج العسل من النحل، والإبريسم من الدود، والدر من الصدف . قال: وأعجب من ذلك خلقُه من النطفة القذرة مستودعاً لمعرفته وحاملاً لأمانته ومشاهداً لملكوت سماواته، وهذا مما لا يمكن إحصاؤه، ومن لطفه بعباده أنه أعطاهم فوق الكفاية، وكلّفهم دون الطاقة، وأنه يسَّرَ لهم الوصول إلى سعادة الأبد بسعي خفيف في مدة قصيرة، وهي العمر، بل في ساعة لطيفة كمن آمن ومات من ساعته، وحق من عرفه لطيفاً وعالماً بمكنونات الضمائر، وموصلاً إليه جلائل النعم برفق، أن يشكره ويعترف بتقصيره. (١) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ١٠١). ٨٢ (٢) كتاب أسماء الله تعالى الْخَبِيرُ، والتخلق به: أن يلطف بعباده ويرفق بهم في الأرفاق الحسية الدنيوية والمنافع الروحانية الدينية، كالدعوة إلى الله والإرشاد إلى طريقة الحق برفقٍ ولطفٍ وموعظةٍ حسنة، وشمائل مَرْضية، وأعمال صالحة، يا لطيف الطف بي وبوالدي وأولادي في جميع الأحوال كما تحب وترضى، واعف عنا، وعاملنا بلطفك الجميل يا لطيف : والطف بعبدك في الدارين إن له صبراً متى تدعه الأهوال ينهزمٍ وقوله: (الخبير) هو الذي لا تعزب عنه الأخبار الباطنة، فلا يجري في الملك والملكوت شيء، ولا تتحرك ذرة ولا تسكن، ولا تضطرب نفس ولا تطمئن، إلا ويكون عنده منه خبر، ويرجع معناه إلى معنى العليم إلا أن يخص بالأخبار كما أشير إليه. وقال الغزالي(١): وهو بمعنى العليم، لكن العلم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة يسمى خِبْرةً، ويسمى صاحبها خبيراً، هذا وقد يجعل الخبير بمعنى المخبر، أي: المتمكن من الإخبار عما علمه، ويرجع إليه صفة الكلام، ومن عرف أن الله تعالى خبير لزم التقوى ظاهراً وباطناً، ومن عرف أنه مطلع على سرّه اكتفى عن سؤاله لعلمه بحاله وشأنه، أو أحضر الحاجة بقلبه من غير أن ينطق بلسانه . والتخلق به: أن يكون خبيراً بما يجري في عالمه وقلبه وبدنه، ويكون ذا خبرة بالغة عن مكايد نفسه ومكرها وخدعها ذا حذر منها، وعلى المعنى الثاني أن يكون مخبراً بها للناس، ومنذراً وداعياً إلى طريق النجاة منها، اللهم أنت العليم الخبير بظواهرنا وبواطننا فأصلحها، ووفقنا للاختيار عن أحوال نفوسنا حتى تتزكى، وصفات قلوبنا حتى تتطهر، واجعلنا مخبرين بها الخلق داعين لهم إلى طريق الحق، يا عليم يا خبير. (١) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ١٠٣). ٨٣ (٩) كتاب الدعوات الْحَلِيمُ، الْعَظِيمُ، وقوله: (الحليم) هو الذي لا يستفزه غضب، ولا يعتريه غيظ، ولا يحمله على استعجال العقوبة ومسارعة الانتقام مع غاية الاقتدار على ذلك، والله هو الحليم على الإطلاق؛ فإن العبد قد لا يستعجل العقوبة لكن يكون على عزمها بالحقد، قال بعضهم: الحقود يؤخر الانتقام انتهازاً للفرصة، والحليم يؤخره انتظاراً للتوبة، وقد وصف تعالى ذاته بالانتقام أيضاً، فحق العبد أن يخاف من انتقامه، ويرجو العفو لحلمه؛ لأنه إذا حلم عنه في الحال فيرجى أن يغفر له في المآل. ووجه التخلق به ظاهر. يا حليم ذا الأناة جنبنا عن غضبك، ولا تغرّنا بحلمك، وأوقفنا في مقام خوفك ورجائك، واجعل عاقبة أمورنا العفو والمغفرة، إنك أنت الحليم الغفور. وقوله: (العظيم) الذي لا يتصوره عقل ولا يحيط بكنهه بصيرة، والعظيم قد يطلق على الأجسام فيقال: هذا الجسم عظيم، وذلك أعظم منه، إذا كان امتداد مساحته في الطول والعرض والعمق أكثر منه، ثم هو ينقسم إلى عظيم يملأ العين ويأخذ منه مأخذاً كالجمل والفيل مثلاً، وإلى ما لا يحيط البصر بجميع أطرافه كالأرض والسماء، وهذا أعظم من الأول، وقد يطلق على مدركات البصائر، وفيها أيضا تفاوت، فمنها ما يحيط العقل بكنه حقيقتها، ومنها ما تقصر العقول عنها أكثرها أو بعضها، ومنها ما لا يتصور أصلاً الإحاطة بكنه حقيقته، وذلك هو العظيم المطلق الذي جاوز جميع حدود العقول، ولم تتصور الإحاطة بكنهه، وذلك هو الله تعالى، ومن عرف عظمته يستحقر نفسه ويذللها للإقبال عليه سبحانه، بالامتثال لأوامره والتسليم لأحكامه، والتخلق بأن يحصِّل من الكمالات والصفات الشريفة ما يَعْظُم به قَدْرُه، حتى يبلغ مرتبة لا يبلغ أكثر العقول كنهه، وقد ورد في الحديث أن العالم العامل الذي يعلِّم الناس الخير يسمى في الملكوت عظيماً، والعظيم من العباد الأنبياء والعلماء الذين إذا عرف ٨٤ (٢) كتاب أسماء الله تعالى الْغَفُورُ، الشَّكورُ، العَلِيُّ، . العاقل صفاتهم امتلأ بالهيبة صدره، وأعظم البشر بل كل المخلوقات سيد المرسلين محمد ◌ّة، اللهم عظّم جلالك في قلوبنا، وصغّر الدنيا بأعيننا، واملأ قلوبنا بعظمتك حتى نستحقر في جنبها كل ما سواك. وقوله: (الغفور) بمعنى الغفار، والفرق بينهما - وكلاهما صيغة المبالغة -: أن المبالغة فيه من جهة الكيفية، وفي الغفار باعتبار الكمية، فالغفار ينبئ عن كثرة المغفرة ووقوعها مرة بعد أخرى؛ فإن الفعّال ينبئ عن كثرة الفعل، والفعول عن كماله وشموله، فهو غفور بمعنى أنه تام الغفران وكامله، حتى يبلغ أقصى درجات المغفرة بتعلقها بالذنوب العظيمة. وقيل: الغفور من إذا غفر من عبد نوعاً من الذنب غفر من جميع العباد ذلك النوع، والتخلق فيه ظاهر . يا غفار يا غفور يا عظيم المغفرة تُدْعَى لكل عظيم اغفر الذنب العظيم؛ فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا الرب العظيم. وقوله: (الشكور) هو الذي يعطي الثواب الجزيل على العمل القليل، وأيُّ ثواب أجزل وأعظم من ثواب الآخرة على العمل بأيام معدودة في الدنيا، ويقال: هو المثْني على عباده المطيعين، وقيل: معناه: المُجازِي عبادَه على شكرهم، فيكون الاسم من قبيل المشاكلة كما في تسمية جزاء سيئة سيئةً، وحظ العبد منه: أن يعرف نعم الله تعالى عليه، ويشكره عليها، ويعرف أن خروجه عن عهدة شكره تعالى غير ممكن، وأن يشكر الناس بمجازاتهم عليها أكثر مما صنعوا إليه، والثناء عليهم والدعاء لهم، اللهم اجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها قابليها، وأَتِمَّها علينا، واجعلنا من عبادك الشاكرين، واجز من أنعم علينا خيراً في الدنيا والدين. وقوله: (العلي) هو الذي لا رتبة فوق رتبته، وجميع المراتب منحطة عنه، ٨٥ (٩) كتاب الدعوات وذلك لأن السبب فوق المسبَّب بالرتبة، وهو تعالى مسبِّبُ جميع الأسباب، وإليه تنتهي مراتب العلية والفاعلية، وأيضاً الموجودات تنقسم إلى ميت وحي، والحي ينقسم إلى ما ليس له إلا الإدراك الحسي وهو البهيمة، وإلى ما له مع الإدراك الحسي الإدراك العقلي، والذي له الإدراك العقلي ينقسم إلى ما يعارضه في معلوماته الشهوةُ والغضب وهو الإنسان، وإلى ما يَسْلَمُ إدراكه عن معارضة المكدّرات، والذي سلم ينقسم إلى ما يمكن أن يبتلى به ولكن رُزِقَ السلامةَ كالملائكة، وإلى ما يستحيل ذلك في حقه وهو الله سبحانه وتعالى فهو فوق الكل في الرتبة، هكذا ينبغي أن تُفْهم فوقيته وعلوه. فإن هذه الأسامي وضعت أولاً بالإضافة إلى إدراك البصر وهو درجة العوام، ولمَّا تنبه الخواص لإدراك البصائر ووجدوا بينها وبين الأبصار موازنات، استعاروا فيها الألفاظ المطلقة، ففهمها الخواص وأنكرها العوام الذين لم يجاوز إدراكُهم عن الحواس التي هي رتبة البهائم. وإذا فهمت هذا [فقد] فهمت كونه فوق العرش؛ لأن العرش فوق جميع الأجسام، والموجود المنزه عن التحدد والتقدر بحدود الأجسام ومقاديرها فوق الأجسام كلها في الرتبة، ولكن خص العرش لأنه فوق جميع الأجسام، فإن كان فوقها كان فوق جيمعها . وحظ العبد: أن يبذل جهده في العلم والعمل حتى يفوق جنس الإنس في الكمالات، ويعلوه في المراتب والمقامات من بني نوعه، ولكن لا يكون عليًّا مطلقاً؛ إذ لا ينال درجة إلا ويكون في الوجود [ما هو] فوقها، وهو درجات الأنبياء مع تفاوتها، وأعلى الدرجات درجة نبينا محمد ◌َّه، والعلي المطلق هو الله جلّ جلاله وتعالى شأنه. اللهم يا علي المتعال بلغنا إلى المنزل الرفيع والمقام العالي بالكمال في العلم ٨٦ (٢) كتاب أسماء الله تعالى الكَبِيرُ، الْحَفيظُ،. والعمل، وارفعنا إلى أعلى الدرجات في الفضائل والكمالات، ثم اخفض أبصارنا بالنظر إلى رؤية علومنا وأعمالنا برفعها إلى كمالات سيد الكائنات، عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات، فنكون مقتبسين من أنواره ومستفيضين من أسراره في الحياة وبعد الممات، برحمتك يا أرحم الراحمين. وقوله: (الكبير) ذو الكبرياء، والكبرياء عبارة عن كمال الذات، والمراد بالكمال كمال الوجود، وكمال الوجود يرجع إلى شيئين : أحدهما: دوامه، ويقال إذا طال مدة وجود الإنسان: إنه كبير السن، وإذا كان طويل الوجود كبيراً، فالدائم الأزلي الأبدي أولى بأن يكون كبيراً، ثم لا يقال: عظيم السن، فالكبير يستعمل فيما لا يستعمل فيه العظيم، وبهذا يظهر أنهما ليسا بمترادفين. ثانيهما: أن وجوده هو الوجود الذي يصدر عنه كل موجود، فالكبير يكون بمعنى كامل الذات تام الوجود، والعظيم بمعنى كامل الصفات رفيع القدر عالي المرتبة . والتخلق: أن يجتهد في تکمیل نفسه حتی یکبر بدوام ذکره وآثار فضله، ويسري كماله إلى غيره بالإفاضة والإرشاد، اللهم صغرنا بشهود عظمتك وکبریائك، وخُصنا بهدايا نعمائك وآلائك، واجعلنا في أعيننا صغاراً، وفي أعين الناس كباراً، إنك على كل شيء قدير يا عظيم يا كبير. وقوله: (الحفيظ) حافظ الموجودات بإبقائها بصيانة المتضادات المتعاديات بعضها عن بعض، كالعناصر في المواليد بالتركيب والمزاج بتعديل قواها، وبخلق الآلات والجوارح في ذواتها الخارجة عنها كالأسلحة، وخلق المعرفة والهداية إلى إعمالها واستعمالها، وبخلق الحواس التي هي كالجواسيس المنذرة بقرب الأعداء ٨٧ (٩) كتاب الدعوات والآفات كالعين والأذن وغيرهما، وكذلك شمل حفظُه - جلت قدرته - كُلَّ ذرة في ملكوت السماوات والأرض، حتى الحشيشُ الذي ينبت من الأرض يحفظ لبابه بالقشر الصلب، وطراوته بالرطوبة، وما لا يحفظ بمجرد ذلك يحفظ بالشوك النابت منه، فالشوك سلاح النبات كالقرون والمخالب والأنياب للحيوانات، وكل قطرة من ماء فمها حافظ يحفظها عن استحالتها هواء، وقد ورد في الخبر: أنه لا تنزل قطرة من المطر إلا ومعها ملك يحفظها إلى أن تصل [إلى] مستقرها من الأرض وذلك حق، والمشاهدة الباطنة لأرباب البصائر قد دلت إليه فآمنوا بالخبر من غير تقليد بل عن بصيرة، ومن حفظه تعالى إبقاء الإيمان للمؤمنين، وحفظ عقائدهم عن الزيغ والزلل، وصيانة عقود أوليائه في حفظ التوحيد، وأبوابُ حفظه تعالى كثيرة لا تحصى ولا تتناهى. وقد يقال: الحفظ صون الشيء عن الزوال والاختلال إما في الذهن وبإزائه النسيان، وإما في الخارج وبإزائه الضياع، والحفيظ يصح إطلاقه على الله تعالى بكل واحد من المعنيين؛ فإن الأشياء كلها محفوظة في علمه تعالى لا يمكن زوالها عنه بسهو أو نسيان، وأنه تعالى يحفظ الموجودات من الزوال والاختلال، والحفيظ من العباد من يحفظ جوارحه عن المعاصي، وقلبَه عن ذكر ما سوى الله، وسرَّه عن ملاحظة الأغيار، ويحفظ جميع أحواله عن الخروج من حد الاستقامة والاعتدال. اللهم احفظنا في جميع الأحوال، من جميع الآفات والمخافات والأهوال، واحفظ إيماننا مما يوجب النقص ويورث الزوال، واحفظ أحوالنا عن الاختباط والاختلال، وعقولنا عن النقصان والجنان، وكف جوارحنا عن المعاصي، وقلوبنا عن ذكر ما سواك، وأسرارنا عن ملاحظة ما يوجب الإشراك، واعصمنا عن كل ما يخرجنا عن حد الاستقامة في جميع الأوقات والأحوال. ٨٨ (٢) كتاب أسماء الله تعالى الْمُقِيتُ، الْحَسِبُ، وقوله: (المقيت) خالق الأقوات وموصلها إلى الأبدان، وهي الأطعمة، وإلى القلوب وهي المعرفة، ومنه قول بعضهم حين سئل: ما القوت؟ [فقال: ] ذكر الحي الذي لا يموت، فيكون بمعنى الرزاق إلا أنه أخص منه؛ إذ الرزق يتناول القوت وغير القوت، والقوت ما يكتفى به في قوام البدن، ويكون بمعنى المقتدر والمستولي . والاستيلاء يتم بالقدرة والعلم كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُّقِينًا﴾ [النساء: ٨٥] أي: مطّلعاً قادراً، وباعتبار اجتماع المعنيين - أعني: القدرة، والعلم - يخرج عن الترادف للقادر والمقتدر والعالم. والتخلق به: أن يكون العبد مطعماً للجائع، ومرشداً للغافل، ويكون مطلعاً على أحوال نفسه، ومقتدراً على إصلاحها . اللهم اجعل ذكرك قوت أرواحنا كما جعلت رزقك كفاف أشباحنا، واجعل قدرتك مستولية على إصلاح أحوالنا، حتى نكون بفضل رزقك للجائعين مطعمين، وبكمال قدرتك وعلمك للغافلين مرشدين، إنك على كل شيء قدير . وقوله: (الحسيب) الكافي في جميع الأمور، من أَحْسَبَتي: إذا كفاني، فعيل بمعنى مُفْعِل، والله تعالى حسيب كل أحد وكافيه، وهذا وصف لا تُتصور حقيقته لغيره تعالى، فإن الكفاية إنما يحتاج إليها المكفيُّ لوجوده، ولدوام وجوده، ولكمال وجوده، وليس في الوجود شيء هو كافٍ لشيء إلا الله؛ لأن به تحصل الأشياء ويدوم به وجودها ويكمل، والأسباب التي لها دخل في وجود الأشياء وكمالها كلها بخلق الله فهو الحسيب المطلق . وقيل: الحسيب بمعنى المحاسب كالجليس والنديم، وهو الذي يحاسب الخلائق يوم القيامة، ويَعُدُّ عليهم أنفاسهم في الدنيا، وقيل: الشريف، من الحسب بمعنى ٨٩ (٩) كتاب الدعوات الْجَلِيلُ، . الشرف، ومن عرف أن الله هو الكافي ينبغي أن يكتفي به، وبحسن تدبيره، ويتوكل عليه في جميع أموره: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: ٣]، وإذا عرف أنه يحاسبه ويَعدُّ عليه أنفاسه يضبط أفعاله ويحسن أحواله، وإذا عرف أن له الشرف والكمال ظهر عليه خساسة نفسه ودناءتها فلا يتكبر بذاته ولا يُعجب بفعله. والتخلق به: أن يتسبب لكفاية حاجات المحتاجين وسد خلتهم، ويحاسب نفسه قبل أن يحاسب، ويشرِّف نفسه بالمعرفة والطاعة . قال الإمام الغزالي(١): ليس للعبد مدخل في وصف الكفاية إلا بنوع من المجاز بعيدٍ، وبالإضافة إلى بادئ الرأي وسابق الظن العامي، كالأم لطفلها في القيام بتعهده، والأستاذ لتلميذه حتى لم يضطر إلى الاستعانة بغيره، وفي الحقيقة الله هو الكافي، اللهم أنت ربنا وأنت حسبنا وكافينا فاكفنا شر من ظلمنا، وكن لنا كافياً في جميع المهمات . وقوله: (الجليل) هو المنعوت بنعوت الجلال، ونعوتُ الجلال هي: الغنى والملك والقدس والعلم والقدرة وأمثالها، والجامع لجميعها هو الجليل المطلق، والموصوف ببعضها جلالتُه بقدر ما نال من هذه النعوت، والجليل المطلق هو الله سبحانه فقط . قال الإمام الغزالي(٢): فكأن الكبير يرجع إلى كمال الذات، والجليل إلى كمال الصفات، والعظيم يرجع إلى كمال الذات والصفات جميعاً منسوباً إلى إدراك البصيرة، إذا كان بحيث يستغرق البصيرة ولا تستغرقه البصيرة. ثم صفات الجلال إذا نسبت (١) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ١١٤). (٢) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ١١٦). ٩٠ (٢) كتاب أسماء الله تعالى الْكَرِئْمُ، إلى البصيرة المدركة لها سميت جمالاً، وسمي المتصف به جميلاً، كذا قال الإمام، واسم الجميل في الأصل وُضع للصورة الظاهرة المدركة بالبصر مهما كانت، بحيث تلائم البصر وتوافقه، ثم نقل إلى الصورة الباطنة التي تدرك بالبصائر حتى يقال: سيرة حسنة جميلة، ويقال: خلق جميل، والجميل الحق المطلق هو الله تعالى كما أن الجليل المطلق هو سبحانه؛ لأن كل ما في العالم من جمال وكمال وبهاء وحسن فهو من أنوار ذاته وآثار صفاته، ولذلك يدرِك عارفُه والناظر إلى جماله من البهجة والسرور واللذة ما يستحقر معها نعيم الجنة وجمال الصورة المبصرة، بل لا مناسبة بين جمال الصورة الظاهرة وبين جمال المعاني الباطنة المدركة بالبصائر، وهذا المعنى كشفنا عنه الغطاء في كتاب المحبة من كتاب (إحياء علوم الدين). وإذا عرف العبد أن الجليل على الحق، والجميل المطلق هو الله، فلا يعظُّم ولا يحب إلا إياه، والتخلق بهما: أن يجعل نفسه موصوفة بصفات الكمال، ويحسن صفاته الباطنة والأخلاق الذميمة حتى يصير جليلاً جميلاً يحبه الله وخَلْقُه. اللهم إنا نسألك بجلال ذاتك، وجمال صفاتك، أن تجعلنا مشاهدين لجلالك، ومحبين لجمالك، متصفين بصفات الكمال، مستفيضين من أشعة ذلك الجلال والجمال. وقوله: (الكريم) قالوا: هو الذي إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، وإذا أعطى زاد على منتهى الرجاء، ولا يبالي كم أعطى ولا لمن أعطى، وإن رفعت حاجة إلى غيره لا يرضى، وإذا جُفي عاتب وما استقصى، ولا يضيع من لاذ به والتجا، ويغنيه عن الوسائل والشفعاء، فمن اجتمع له جميع ذلك لا بالتكليف فهو الكريم المطلق، وما ذلك إلا الله وحده، وحظ العبد: أن يتكلف في تحصيل ذلك، ويتجمل في الاتصاف بها، ٩١ (٩) كتاب الدعوات الرَّقِبُ، حتى يحصل له شيء من ذلك أو الكل على ما يليق بشأنه، والأنبياء كلهم متصفون بذلك أتم وأكمل ممن عداهم، خصوصاً سيد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، فهو أكرم الأكرمين بعد الله سبحانه. وقد قال ◌ّ في مدح يوسف عطية: (الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)، وقد يقال: إذا وصفت بالكرم فقد وصفت بجميع محامد الصفات، اللهم يا كريم خصنا بفضلك وكرمك، إنك أنت الكريم ذو الفضل العظيم . وقوله: (الرقيب) قال الطيبي(١): هو الحفيظ الذي يراقب الأشياء ويلاحظها، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. وقال الغزالي(٢): هو العليم الحفيظ، فمن راعى الشيء حتى لم يغفل عنه، ولاحظه ملاحظة لازمة دائمة، سمي رقيباً، فكأنه يرجع إلى العلم والحفظ، ولكنه باعتبار كونه لازماً دائماً. هذا وقد فسروا المهيمن بالرقيب لكن أخذوا في مفهومه المبالغة في الرقابة، وبهذا يخرج عن الترادف كما سبق. والتخلق به: أن يكون العبد مراقباً لربه بأن يعلم أن الله رقيبه وشاهده في كل حال ظاهرة وباطنة، ويعلم أن نفسه عدوّ له والشيطان كذلك، وأنهما ينتهزان منه الفرصة حتى يحملانه على الغفلة، فيأخذ منهما حذره بأن يلاحظ مكانهما وتلبسهما ومواضع انبعاثهما حتى يسدّ عليهما المنافذ والمجاري، فهذه مراقبتُه. اللهم أنت الرقيب على أحوالنا والعالم بسرائرنا، فاجعلنا مراقبين لك في كل حال (١) ((شرح الطيبي)) (٥ / ٤٢). (٢) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ١١٧). ٩٢ (٢) كتاب أسماء الله تعالى الْمُچِيبُ، الْوَاسِعُ، وفي كل شأن، واحفظنا من كيد النفس وتلبيس الشيطان . وقوله: (المجيب) هو الذي يجيب دعوة المضطرين بلسان الحال والقال، بل أجاب قبل أن يدعوا، وأعطى قبل أن يسألوا، ومِن إجابته دعوة الخلق، وكفاية حاجاتهم بأن دبّر قبل أن يخلقهم بخلق أسبابها من الأرزاق والآلات في الأرض والسماوات، فينبغي للعبد أن يكون مجيباً لدعوة الحق فيما أمر ونهى، ولعباده بإسعاف مرامهم بما قدر وأمكن، وبلطفٍ وبقولٍ معروف إن عجز، وبإجابة دعوتهم وقبول هديتهم كما كان يفعله رسول الله وَّر، اللهم أجب دعوتنا بلسان القال والحال والاستعداد، واجعلنا مجيبين لأوامرك، مستقيمين على سبيل السداد والرشاد، إنك أرحم الراحمين، ومجيب دعوة المضطرين . وقوله: (الواسع) السعة تضاف إلى العلم إذا اتسع وأحاط بالمعلومات، وإلى الإحسان وبسط النعم، وإلى القدرة والملك والغنى، والواسع المطلق في جميع هذه الصفات هو الله تعالى، وعن بعض العارفين: الواسع الذي لا نهاية لبرهانه، ولا غاية لسلطانه، ولا حد لإحسانه، ومِن حق مَن عرف الله وسعة علمه وقدرته وملكه وغناه أن لا يبقى في مضيق الجهل والعجز والفقر والاحتياج، بل يستغني به عن الكل. والتخلق به: أن يسعى في سعة معارفه وأخلاقه، ويكون جواداً منشرح الصدر وسيع القلب، ولا يضيق صدره بما يَرِدُ عليه من الحوادث وإيذاءِ الجاهلين. اللهم يا واسع العلم والقدرة والعطاء والملك والغنى، يا من وسع كرسيه السماوات والأرض، وسِّع أرزاقنا، وافسح معارفنا وأخلاقنا، [و] أفض علينا من سعة جودك وبسطة وجودك، وإحاطة علمك وقدرتك، وكمال غناك وقوتك، حتى نكون منشرح الصدر وسيع القلب فارغ البال، ولا نبقى في مضيق الجهل والعجز والفقر والضعف، ٩٣ (٩) كتاب الدعوات الْحَكِيمُ، الْوَدُودُ، إنك على كل شيء قدير . وقوله: (الحكيم) ذو الحكمة، وهي عبارة عن كمال العلم وإحسان العمل والإتقان فيهما، وقد يطلق بمعنى العليم المحكِم، وقيل: مبالغة الحاكم، وقد يقال: الحكيم لمن يعلم حقائق الأشياء بحسن دقائق الصناعات، ويحكمها ويتقن صنعتها، والكمال في هذه المعاني ليس إلا الله وحده ، ومن حق من عرف أن الله حكيم أن یرضی بحکمه، ویعرف أن یکون له فیه حکمٌ بالغة وإن لم تظهر عليه فلا يعترض علیه، وأنه فاعل مختار حاكم على الإطلاق، يفعل ما يشاء، ویحکم ما یرید. والتخلق به: أن يجتهد في تكميل القوة النظرية والعملية، ويُحْسن دقائق العلوم والصناعات مما يتعلق بتكميل نفسه، اللهم خصصنا بأسرار حكمتك، وأنوار رحمتك، ووفقنا لتكميل نفوسنا بمعرفة حقائق الأشياء الموجودات وأحوالها في مبدئها ومعادها، إنك أنت العليم الحكيم. وقوله: (الودود) فعول من الودّ وهو المحبة أقواها وآكدها، بمعنى الفاعل أو المفعول، يود المؤمنين ويودونه، كما قال: ﴿ُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾ [المائدة: ٥٤] أي: يرحمهم ويريد بهم الخير وينعم ويحسن إليهم ويمدحهم، ويودونه، أي: يطيعونه ويعظمونه ويهابونه ويذكرونه، والودود من عباد الله من يريد لأخيه كل ما يريد لنفسه، بل يؤثرهم على نفسه، وكمال ذلك أن لا يمنعه عن الإيثار والإحسان الغضبُ والحقدُ وما ناله من الأذى، فيصلُ مَنْ قطعه، ويعطي من حرمه، وعفا عمن ظلمه. اللهم يا ودود، ويا واهب الرشاد والسداد، نسألك من فضلك ورحمتك المحبة والوداد، وأن تجعل لنا من خالص ودك نصيباً، وأن تجعلنا من حزب من اتخذته عندك حبيباً، وأن تقيمنا مع إخواننا في مقام التحابِّ والتواد، حتى نريد ونحب لهم ما نحب ٩٤ (٢) كتاب أسماء الله تعالى الْمَجِيدُ، الْبَاعِثُ، لأنفسنا من كل محبوب ومراد، ويحصل لنا حقيقة الإيمان، أنت الرب الرحمان المستعان . وقوله: (المجيد) مبالغة الماجد، من المجد وهو سعة الكرم، من قولهم: مَجَدتِ الماشية: إذا صادفت روضةً أُنْفاً، وأمجدها الراعي، كذا قال الطيبي(١). وفي (القاموس)(٢): المجد: نيل الشرف والكرم. وقال الغزالي (٣): هو الشريف ذاته، الجميل أفعاله، الجزيل عطاؤه ونواله، فكأن شرف الذات إذا قارنه حسن الفعال سمي مجداً، وكأنه يجمع معاني اسم الجليل والوهاب والکریم، انتھی . يريد أن فيه مبالغة ما ليس في كل واحد باعتبار الاجتماع، فيخرج عن الترادف، ووجه التعلق والتخلق ظاهر. یا مجید وفقنا لتمجيدك وتحمیدك، ومجدنا بمجدك، وشرفنا بشرفك، وخصنا بكرمك، بحرمة محمد أمجد العباد وآله الأطهار الأمجاد. وقوله: (الباعث) هو الذي يبعث ما في القبور، ويحصِّل ما في الصدور، ويحيي الخلق يوم النشور، والبعث هي النشأة الآخرة، وقيل: باعث الرسل إلى الأمم، وقيل: باعث الهمم إلى البِر، وإذا كان حقيقة البعث يرجع إلى إحياء الموتى، والجهل هو الموت الأكبر، والعلم هو الحياة الأشرف، فمن رقَّى غيره من الجهل إلى العلم أنشأه نشأة أخرى، وأحياه حياة طيبة، وتخلق بهذا الاسم، وذلك رتبة الأنبياء ومن يرثهم (١) «شرح الطيبي)) (٤٥/٥). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٠١). (٣) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ١٢٣). ٩٥ (٩) كتاب الدعوات الشَّهِیدُ، من العلماء، وأما على معنى بعث الرسل إلى الأمم فكأن العبد يبعث من نفسه داعياً بالخير إلى جوارحه وقواه، وأما بعث الهمة إلى البِر فظاهر. اللهم ابعث قلوبنا الموتى من أحداث أجسادنا، وأحيها بالحياة الحقيقية الأبدية، وابعث من نفوسنا داعي الخير وباعث البر، وذلك أقصى مرادنا. وقوله: (الشهيد) من الشهود وهو الحضور، ويرجع إلى معنى العليم، فإنه تعالى عالم الغيب والشهادة، والغيب عبارة عما بطن، وهو الذي لا يشاهد، والشهادة عما ظهر وهو الذي يشاهد، فإذا اعتُبر العلمُ مطلقاً فهو العليم، وإذا أضيف إلى الغيب والأمور الباطنة فهو الخبير، وإذا أضيف إلى الأمور الظاهرة فهو الشهيد. وقيل: الشهيد مبالغة الشاهد، بمعنى: أن الله تعالى يشهد على الخلق يوم القيامة، وهذا راجع إلى المعنى الأول؛ لأنه تعالى يشهد عليهم في ذلك اليوم بما علم وشاهد منهم. ويمكن أن يكون بمعنى الشاهد على وحدانيته؛ لقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، أو الشاهد على أخذ الميثاق من النبيين بالإيمان والنصر الرسولٍ جاءهم مصدق لما معهم كما هو منطوق قوله تعالى: ﴿وَأَنَاْ عَ ذَلِكُمِّنَ الشَّهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٦]. والتخلق بالمعنى الأول يرجع إلى ما ذكر في معنى العليم والخبير. وأما المعنى الثاني فبأن يسعى العبد بتحصيل التزكية والتصفية والعدالة أن يصير من أهل الشهادة، وأن ينخرط في سلك المخاطبين بقوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، ويصير من أولي العلم الشاهدين على وحدانية الحق تعالى، وعلى ميثاق الله بأنبيائه وخاصة عباده، فافهم. اللهم ارزقنا الإيمان بغيبك، والاطِّلاع على شهادتك، واجعلنا من أهل الشهود ٩٦ (٢) كتاب أسماء الله تعالى الْحَقُّ، والحضور على وحدانيتك بشهادة العلم والنور، ونكون شهداء على الناس من أمة سيد الأنبياء، ويكون هو علينا من الشاهدين صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وأحزابه وأمته أجمعين. وقوله: (الحق) الثابت، وبإزائه الباطل الذي هو المعدوم، والثابت مطلقاً هو الله سبحانه، وسائر الموجودات من حيث إنها ممكنة لا وجود لها في حد ذاتها ولا ثبوت لها من قِبل أنفسها كما قال : ألا كل شيء ما خلا الله باطل وتحريره: أن كل ما يُخْبَر عنه فإما باطل مطلقاً، وإما حق مطلقاً، وإما حق من وجه باطل من وجه، فالممتنع بذاته هو الباطل مطلقاً، [والواجب بذاته هو الحق مطلقاً] والممكن بذاته [الواجب بغيره] هو حق من وجه باطل من وجه، فهو من جهة ذاته لا وجود له أصلاً فهو باطل، وهو من جهة غيره مستفيد للوجود، فهو من هذا الوجه الذي يلي مفيد الوجود موجود، فهو من ذلك الوجه حق، [ومن جهة نفسه باطل]، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُّ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وهو كذلك أزلاً وأبداً، وليس ذلك في حال دون حال، فعرف أن الحق المطلق هو الموجود الحقيقي بذاته، الذي منه يأخذ الوجود كل شيء وهو الله ثقتك تعالى وتقدس. والحق بمعنى الصدق الذي توصف به الاعتقادات والأقوال والمذاهب له نسبة إلى وجود الحق تعالى بالثبوت، ولهذا سمي حقًّا. وحظ العبد منه: أن يرى الله سبحانه حقًّا ثابتاً وما سواه باطلاً في ذاته حقًّا بإيجاده وإثباته، والتخلق به: أن يتّبع أمر الحق ويستغرق في وجوده حتى يتصف بمعنى الحقانية . ٩٧ (٩) كتاب الدعوات الْوَكِيلُ، قال الإمام الغزالي(١): العبد وإن كان حقًّا فليس حقًّا بنفسه، بل هو حق بالله، فإنه موجود لا بذاته، بل هو بذاته باطلٌ لولا إيجاد الحق له. فقد أخطأ من قال: (أنا الحق) إلا بأحد التأويلين: أحدهما: أن يعني أنه بالحق، وهذا التأويل بعيد لأن اللفظ لا ينبئ عنه، ولأن ذلك لا يخصه، بل كل شيء سوى الغض احق فهو بالحق. والتأويل الثاني: أن يكون مستغرقاً بالحق حتى لا يكون فيه متّسعٌ لغيره، وما أخذ كلية الشيء واستغرقه، فقد يقال: إنه هو، كما قال: أنا من أهوى ومن أهوى أنا، وعنى به الاستغراق. اللهم أنت الحق، وكل ما سواك باطل بالحقيقة، أفض علينا من حقانيتك ونورانية وجودك، حتى نكون مستغرقاً في بحر عرفانك وشهودك، ونوِّر بنور اسمك الحق قلبَ عبدك حتى يصير عبدَ الحق حقيقةً ومعنى، كما شرفته اسماً وصورة، إنك على كل شيء قدير، وبإجابة دعاء الراجي جدير. وقوله: (الوكيل) هو القائم بأمور العباد، وبتحصيل ما يحتاجون إليه، وقال الغزالي(٢): هو الموكول إليه الأمور كلها، والمستحق بذاته أن [تكون] الأمور موكولة إليه لا بتوكيل وتفويض، وذلك هو الوكيل المطلق، والوكيل قد لا يفي بما وكل إليه وفاءً تاماً، والوكيل المطلق هو الذي الأمور موكولة إليه وهو مَليّ بالقيام بها، وَفِيّ بإتمامها، وذلك هو الله تعالى وحده، وحظ العبد: أن يكل جميع أموره إليه، ويتوكل بكليته عليه، ويستكفي بالاستعانة به عن الاستمداد بغيره. (١) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ١٢٧ -١٢٨). (٢) ((المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى)) (ص: ١٢٩). ٩٨ (٢) كتاب أسماء الله تعالى الْقَوِيُّ، الْمَتِينُ، الْوَلِيُّ، والتخلق به: أن يقوم بأمور الناس، ويسعى في إنجاح مآربهم، وتحصيل مطالبهم، ويصير كأنه وكيل لهم، وأن يصير وكيل الله سبحانه على نفسه في استيفاء حقوقه، واقتضاء أوامره ونواهيه، فيكون خصمه تعالى على نفسه، ولا يفتر عن ذلك لحظة. اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك، وكن أنت وكيلاً لنا في جميع أمورنا، واجعلنا من المتوكلين عليك والمفوضين أمورنا كلها إليك، اللهم كن وجهي في كل وِجْهَة، ومقصدي في كل قصد، وغايتي في كل سعي، وملجئي وملاذي في كل شدة، ومهيمني ووكيلي في كل أمر، وتولني تَوَلّي محبة وعناية، فنعم المولى أنت ونعم الوكيل. وقوله: (القوي المتين) القوة تدل على القدرة التامة الكاملة البالغة، والمتانةُ تدل على شدة القوة، والله تعالى من حيث إنه بالغ القدرة تامُّها قويٌّ، ومن حيث إنه شديد متين فهو ذوالقوة المتين، ويرجع إلى معاني القدرة، وسيأتي ذكرها. والتخلق: أن يقوى العبد على نفسه بحيث يغلب على هواها، ويكون قوياً في الدين ومتيناً في اليقين، اللهم إنا ضعفاء فقوِّنا، وإنا عاجزون فأقدرنا وانصرنا على نفسنا، وعلى جميع أعدائنا من الجن والإنس والشياطين، إنك أنت القوي المتين. وقوله: (الولي) هو المحب الناصر، ومعنى محبة الله قد عرف، وأما نصرته فلأنه يقمع أعداء الدين وينصر أولياءه، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ الْكَفِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ﴾ [محمد: ١١] أي: لا ناصر لهم، وقد يجيء الولي بمعنى متولي الأمور، وهو تعالى متولي أمور الخلائق مما يحتاجون إليه من أمور معاشهم ومعادهم، خصوصاً لعباده الصالحين ممن وكله وفوض أموره إليه . ٩٩ (٩) كتاب الدعوات الْحَمِیدُ، والتخلق: أن يحب الله وأولياءه، ويجتهد في نصره ونصر أوليائه، ويسعى في قضاء حوائج الناس، ونظم مصالحهم، حتى يتشرف بهذا الاسم ويسمى وليًّا. ومن أمارات ولايته أن يديم توفيقه حتى لو أراد سوءاً أو قصد محظوراً عصمه عن ارتكابه، وهذا معنى: إذا أحب الله عبداً لم يضره ذنب، وأن يرزقه مودة في قلوب أوليائه فإنه محل نظر الحق، فإذا وَجَدَ فیه أحداً وقع نظره إليه. اللهم يا ولي المؤمنين تولّنا بولايتك، وأعِنّاً برعايتك وكلاءتك، وخصصنا بما خصصت به أولياءك المقربين، واحفظنا بما تحفظ به عبادك الصالحين، كما قلت في كتابك على لسان نبيك: ﴿إِنَّ وَإِعِىَ اَللَّهُ الَّذِى نَزَّلَ الْكِنَبِّ وَهُوَ يَتَوَلَى الصَّلِينَ ﴾ [الأعراف: ١٩٦]. وقوله: (الحميد) الحامد لذاته وصفاته بكلامه وبث آياته في الأنفس والآفاق، ولأنبيائه وأوليائه، والمُثْني على فضيلة الإيمان والإحسان لعباده على الإطلاق، والمحمود المستحق للمحامد كلها فإنه الموصوف بكل كمال، والمُؤلي لكل نوال، بحمده لذاته، وحمد عباده له، وكل حمد يعود إليه. وحظ العبد منه: أن يحمد الله سبحانه في کل وقت وفي كل حال، وأن يسعى في تحصيل الكمال وإعطاء النوال ليصير محموداً وممدوحاً عند الله وعند عباده، والمحمود من العباد من حُمدت عقائده وأخلاقه وشمائله وأعماله وأقواله كلها من غير شوب، وذلك محمد رَله ومن يَقْرب منه من الأنبياء والأولياء والعلماء، وكل واحد حميد على قدر كماله ونواله، والحميد المطلق هو الله. يا الله المحمود في كل فعاله اجعل فعالنا محمودة عندك، وعند عبادك الصالحين، واجعلنا متحلِّين بالحمائد، متخلِّين عن الذمائم، فلك الحمد في الأولى والآخرة، وصل على محمد صاحب المقام المحمود، وأفض علينا من بركات ذلك برحمتك ١٠٠ (٢) كتاب أسماء اللّه تعالى الْمُحْصِي، الْمُبْدِىءُ، الْمُعِيدُ، یا رحیم یا ودود. وقوله: (المحصي) هو العالم، لكن إذا أضيف العلم إلى المعلومات من حيث يحصيها ويعدّها ويحيط بها يسمى إحصاء، والمحصي المطلق هو الذي ينكشف في علمه حدٌّ كل معلوم وعدده ومبلغه، والعبد وإن أمكنه أن يحصي بعلمه بعض المعلومات فإنه يعجز عن إحصاء أكثرها، قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: ٨٥]، فالمحصي المطلق هو الله، وتخلُّق العبد به على قدره كما في أصل صفة العلم، ومن جملة التخلق به: أن يحصي العبد من أعمال نفسه قبل أن يحصى، ويحاسب قبل أن یحاسب ویجازی . وقد يعتبر الإحصاء بالنسبة إلى صفة القدرة في المقدورات فهو القادر الذي لا يشذّ عن قدرته شيء من المقدورات. اللهم يا من يحيط علمه وقدرته بكل معلوم ومقدور، لا تُحصٍ علينا أعمالنا، ولا تحاسبها فإنك من حاسبته فقد عذبت، فاعف عنا، واغفر لنا، وارحمنا، إنك أرحم الراحمين وخير الغافرين . وقوله: (المبدئ، المعيد) الإبداء: الإيجاد والإنشاء ابتداء، والإعادة خلق شيء بعد ما عدم، والله تعالى قادر على إعادة المحدثات إذا عُدمت جواهرها وأعراضها، هذا هو المشهور، وتحقيقه مذكور في الكتب الكلامية، وللإمام الغزالي في حقيقة البعث والنشور كلام يلوح منه أن الإعادة خَلْقُ مثله لا إعادة عينه، وقال: الإيجاد إذا لم يكن مسبوقاً بمثله سمي إبداء، وإذا كان مسبوقاً بمثله سمي إعادة، وقال: إن حقيقة الإنسان هو الروح وهو باق، وله نشاءات وأطوار من التراب والنطفة إلى ما شاء الله، والبعث والإعادة من تلك النشاءات، فبعد مفارقته عن البدن يخلق له بدنٌ يتعلق به،