Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
(٧) كتاب الصوم
فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِم)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٠٤،
م: ١١٥١].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٩٦٠ - [٥] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((إِذَا كَانَ أَوَّلُ
◌َيْلَةٍ مِنْ شَهْرٍ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ.
وقوله: (فإن سابه) أي شتمه (أو قاتله) أي: خاصمه.
وقوله: (فليقل) إما باللسان وهو الأظهر؛ لأن حقيقة القول فعل اللسان، وقال
في (فتح الباري)(١): وبه جزم المتولي ونقله عن الرافعي، أو بالقلب يعني يذكر نفسه
أني صائم حتى لا يجيبه بالشتم، ورجحه النووي في (الأذكار)(٢)، وقال في (شرح
المهذب)(٣): كلا القولين حسن، والقول باللسان أقوى، ولو جمع بينهما كان أحسن،
وقيل: إن كان صوم فرض يقول باللسان، وإن كان نفلاً فبالقلب ليبعد عن الرياء، واختاره
الروياني، ونقل عن القاضي أبي بكر بن العربي أن موضع الخلاف صوم التطوع، وفي
الفرض يقول باللسان قطعاً(٤).
الفصل الثاني
١٩٦٠، ١٩٦١ - [٥، ٦] (أبو هريرة) قوله: (صفّدت) بلفظ المجهول من
التصفيد، في (القاموس)(٥): صفده: شده وأوثقه، كأصفَده وصفّده، وككتاب:
(١) ((فتح الباري)) (٤ / ١٠٥).
(٢) ((الأذكار)) (ص: ٢٤٩).
(٣) ((المجموع)) (٦ / ٢٥٨).
(٤) انظر: ((مرعاة المفاتيح)) (٤١٢/٦).
(٥) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٨٠).

٤٠٢
(٧) كتاب الصوم
وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ
الْجَنَّةِ . .
ما يوثق به الأسير من قِدٍّ أو قيد، (مردة) بفتحات جمع مارد وهو العاتي الشديد المتجرد
للشرور، والمراد من التصفيد والفتح والتغليق المذكورة إما حقائقها أو كناية عن قلة
إغواء الشياطين وفعل الخيرات والكف عن المخالفات، وأغرب من قال بتخصيصه
بزمان النبوة، وإرادة الشياطين المسترقة للسمع، والظاهر العموم ولعدم خصوصيتها
في ذلك الزمان برمضان إلا أن يراد الكثرة والغلبة، والله أعلم(١).
(١) فَإِن قيل: كيف ترى الشرور والمعاصي واقعة فِي رَمَضَان كثيراً، فَلَو صُفِّدَتِ الشَّيَاطِين لم يَقع
شَيْءٍ من ذَلِك؟ وأجيب عن ذلك بوجوه، الأول: أَن المراد من الشَّيَاطِين مسترقو السّمع مِنْهُم،
فإنهم منعُوا زمن نزول الْقُرْآن من استراق السّمع، فزيد التسلسل مُّبَالغَة فِي الْحِفْظ. وَالثاني:
أَن المراد أَن الشَّيَاطِين لاَ يخلصون من إِفْسَاد الْمُسلمين إِلَى مَا يخلصون إِلَيْهِ فِي غَيره لاشتغالهم
بالصيام الَّذِي فِيهِ قمع الشَّيَاطِين، وبقراءة الْقُرْآن، وَالذكر. وَالثالث: أن ذلك فِي حق الصائمين
الَّذين حافظُوا على شُرُوط الصَّوْم وراعوا آدابه. والرابع: أن المراد منها بعض الشَّيَاطِين وهم
المردة كَمَا ورد في بعض الروايات، فالمطلق من الأحاديث محمول على المقيد، وبذلك ترْجم
ابْن خُزَيْمَة فِي ((صَحِيحه) كذا في ((العيني)) (٨/ ٢٧). والخامس: ما أشار إليه ابن العربي في
الجواب: أنه لَيْسَ مِنْ شَرْطِ وَسْوَسَة الشيطان وإغوائه اتِّصَالُه، بل يحتمل أن يوجد كَمَا يُوجَدُ
الأَلَمُ فِي جَسَدِ الْمَسْحُورِ وَالْمَعْيُونِ عِنْدَ تَكُلُّمِ السَّاحِرِ أَوِ الْعَاكِنِ، فَكَذَلِكَ يُوجَدُ عِنْدَ وَسْوَسَتِهِ
مِنْ خَارِجٍ، كذا في ((الزرقاني)) (٢/ ٢٩٩). وقريب منه ما قال الباجي: إن المصفَّد هو المغلول
اليد إلى العنق يتصرف بالكلام والرأي وكثير من السعي، انتهى. والسادس وهو الأوجه عندي:
أن صدور المعاصي في رمضان ليس من أثر الشيطان بل من أثر النفس اللوّامة التي تشرّبتْ من
أثر الشيطان في سائر السنة، فإن النفس لما تصبَّغَتْ بلونه تَصْدُرُ منها أفعاله، والفائدة إذ ذاك
في تصفيد الشيطان ضعف التأثير في ارتكاب المعاصي، فمن أراد التجنب عن ذلك يسهل
عليه. وهذا أمر مشاهد. والسابع: ما أفاده شيخ مشايخنا الشاه محمد إسحاق: أن ذلك مختلف=

٤٠٣
(٧) كتاب الصوم
فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ(١): يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ
أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.
[ت: ٦٨٢، جه: ١٦٤٢].
١٩٦١ - [٦] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ
غَرِيبٌ. [حم: ٤ /٣١٢].
وقوله: (يا باغي الخير) أي طالب الثواب (أقبل) ويقال: واطلب الثواب، فهذا
أوانه وموسمه، و(أقصر (٢)) من الإقصار أقصر وقصر وتقاصر، انتهى. وقصر عنه تركه
هو لا يقدر عليه .
= باختلاف الأشخاص، فيُصَفَّدُ الْمَرَدَةُ في حق الفسقة، والعامةُ في حق الصلحاء، وفيه سرٌّ
لا یخفی. «أوجز المسالك» (٥/ ٣٤٥ - ٣٤٦).
(١) قيل: يحتمل أنه ملك أو المراد أنه يلقي في قلوب من يريد الله إقباله على الخير، كذا في ((قوت
المغتذي)) (١ / ٢٥٤). قال السندي: إن قلت: أيّ فائدة في هذا النداء مع أنه غير مسموع
للناس؟ قلت: قد علم الناس به بإخبار الصادق وبه يحصل المطلوب بأن يتذكر الإنسان كل
ليلة بأنها ليلة المناداة فيتعظ بها. ((حاشية السندي على سنن النسائي)) (٤ / ١٤٠).
(٢) قال القاري: أَيْ أَمْسِكْ عَنِ الْمَعَاصِي وَارْجِعْ إِلَى اللهِ - تَعَالَى - فَهَذَا أَوَانُ قَبُولِ التَّوْبَةِ وَزَمَانُ
الإِسْتِعْدَادِ لِلْمَغْفِرَةِ، وَلَعَلَّ طَاعَةَ الْمُطِيعِينَ وَتَوْبَةَ الْمُذْنِبِينَ وَرُجُوعَ الْمُقَصِّرِينَ فِي رَمَضَانَ مِنْ
أَثَرِ النِّدَاءَيْنِ، وَنَتِيجَةُ إِقْبَالِ اللهِ - تَعَالَى - عَلَى الطَّالِبِينَ، وَلِهَذَا تَرَى أَكْثَرَ الْمُسْلِمِينَ صَائِمِينَ
حَتَّى الصِّغَارَ وَالْجَوَارِ، بَلْ غَالِبُهُمُ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ الصَّلاَةَ يَكُونُونَ حِينَئِذٍ مُصَلِّيِنَ مَعَ أَنَّ الصَّوْمَ
أَصْعَبُ مِنَ الصَّلاَةِ، وَهُوَ يُوجِبُ ضَعْفَ الْبَدَنِ الَّذِي يَقْتَضِي الْكَسَلَ عَنِ الْعِبَادَةِ، وَكَثْرَةَ النَّوْمِ
عَادَةً، وَمَعَ ذَلِكَ تَرَى الْمَسَاجِدَ مَعْمُورَةً، وَبِإِحْيَاءِ اللَّيَالِي مَغْمُورَةً، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةً
إِلاَّ بِاللهِ. ((مرقاة المفاتيح)) (٤ / ١٣٦٤).

٤٠٤
(٧) كتاب الصوم
الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
*
١٩٦٢ - [٧] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَتَاكُمْ رَمَضَانُ
شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِهِ
أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ(١)،
مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٢٣٠/٢، ن: ٢١٠٦].
١٩٦٣ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَسُولَ اللهِنَِّ قَالَ: ((الصِّيَامُ
وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانٍ لِلْعَبْدِ،
الفصل الثالث
١٩٦٢ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (فقد حرم)(٢) أي: خيراً كثيراً، أو حرم الخير
کلہ کما یأتي في حديث أنس .
١٩٦٣ - [٨] (عبدالله بن عمرو) قوله: (الصيام والقرآن) الظاهر أن المراد به
قيام رمضان به في التراويح وصلاة الليل، ويحتمل أن يكون مطلقاً.
وقوله: (يشفعان)(٣) الرواية المشهورة بالتخفيف وقد يثقل.
(١) أَيٍ: الْعَمَلُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنَ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ .
(٢) قَالَ الطِّيبِيُّ: اَنَّحَدَ الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ دَلاَلَةً عَلَى فَخَامَةِ الْجَزَاءِ، أَيْ: فَقَدْ حُرِمَ خَيْراً لَ يُقَادَرُ
قَدْرُهُ. ((مرقاة المفاتيح)) (٤ / ١٣٦٦).
(٣) يحتمل تَجسيدهما، وَيحتمل بِبَيَانِ الْحَالِ. قَالَ الطَّيِيُّ: الشَّفَاعَةُ وَالْقَوْلُ مِنَ الصِّيَامِ وَالْقُرْآنِ
إِمَّا أَنْ يُؤَوَّلَ أَوْ يَجْرِيَ عَلَى مَا عَلَيْهِ النَّصُّ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْهَجُ الْقَوِيمُ وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، فَإِنَّ
الْعُقُولَ الْبَشَرِيَّةَ تَتَلاَشَى وَتَضْمَحِلُّ عَنْ إِذْرَاكِ الْعَوَالِمِ الإِلَهِيَّةِ، وَلاَ سَبِيلَ لَا إِلَّ الإِذْعَانُ وَالْقَبُولُ،
وَمَنْ أَوَّلَ قَالَ: اسْتُغِيرَتِ الشَّفَاعَةُ وَالْقَبُولُ لِلِصِّيَامِ وَالْقُرْآنِ لِإِطْفَاءِ غَضَبِ اللهِ وَإِعْطَاءِ الْكَرَامَةِ
وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ وَالزُّلْفَى عِنْدَ اللهِ، انتهى. ((مرقاة المفاتيح)) (٤ / ١٣٦٦).

٤٠٥
(٧) كتاب الصوم
يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ! إِنِّي مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ،
وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، فَيُشَفَّعَانِ)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي
((شُعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ١٩٩٤].
١٩٦٤ - [٩] وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: دَخَلَ رَمَضَانُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِهِ:
(إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ، وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مَنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ
حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلاَ يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّ كُلُّ مَحْرُومٍ). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه:
١٦٤٤].
١٩٦٥ - [١٠] وَعَن سلمَانَ الْفَارَسِيِّ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ وَلّهِ فِي
آخِرٍ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ! قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ، شَهْرٌ
مُبَارَكٌ، شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مَنْ أَلَّفِ شَهْرِ،
وقوله: (أي رب) دون أن يقول: يا رب إشارة إلى قربهما من حضرة الحق
تعالی .
١٩٦٤ - [٩] (أنس بن مالك) قوله: (فقد حرم الخير كله) في (حرم) ضمير
لـ (من)، و(الخير) منصوب بنزع الخافض، وفيه مبالغة في بيان فضل هذه الليلة، أو
المراد ما يتعلق برمضان والقيام فيه من الخير وأمثاله، والله أعلم.
وقوله: (إلا كل محروم) أي: من السعادة والطاعة والتقرب إلى الله محكوم عليه
بالحرمان مستحيل عليه بذلك.
١٩٦٥ - [١٠] (سلمان الفارسي) قوله: (قد أظلكم) أي: شارفكم وألقى ظله
عليكم، وفي (القاموس)(١): أظلني الشيء: غشِيني، والظلّة بالضم الغاشية وما أظلك
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٤٦).

٤٠٦
(٧) كتاب الصوم
جَعَلَ اللهُ صِيَامَهُ فَرِيضَةً، وَقِيَامَ لَيْلِهِ تَطَوُّعاً، مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ من الْخَيْرِ
كَانَ كَمَنْ أَذَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَذَّى فَرِيضَةً فِيهِ كَانَ كَمَنْ أَذَّى سَبْعِينَ
فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ، وَشَهْرُ الْمُوَاسَاةِ،
وَشَهْرٌ يُزَادُ فِيهِ رِزْقُ الْمُؤْمِنِ، مَنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِماً كَانَ لَهُ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ، وَعِثْقَ
رَقَتِهِ مِنَ النَّارِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَقِصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ) قُلْنَا:
يَا رَسُولَ اللهِ! لَيْسَ كُلُّنَا نَجِدُ مَا نُقَطِّرُ بِهِ الصَّائِمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِّهِ:
(يُعْطِي اللّهُ هَذَا الثَّوَابَ مَنْ فَطَّرَ صَائِماً عَلَى مَذْقَةِ لَبَنٍ،.
من شجر.
وقوله: (وشهر المواساة)(١) أصله بالهمزة، قلبت واواً، وآساهُ بمالِهِ: أَنَالَه،
وجَعَلَه فيه إسْوَةً، لا يكون ذلك إلا من کفاف، فإن كان من فضلة فليس بمواساة،
كذا في (القاموس)(٢).
وقوله: (من فطّر) بالتشديد، أي: أطعم صائماً، (كان له مغفرة) بالنصب والرفع،
وكذا قوله: (وعتق).
وقوله: (ليس كلنا يجد) بصيغة الغائب باعتبار لفظ (كل)، والمتكلم باعتبار
المعنى .
وقوله: (مذقة) بفتح الميم وسكون الذال المعجمة (لبن) أي شربة لبن يخلط
(١) فِيهِ تْبِيَةُ عَلَى الْجُودِ وَالإِحْسَانِ عَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِ الإِنْسَانِ، لاَ سِيَّمَا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْجِيرَانِ.
(وَشَهْرٌ يُزَادُ فِي رِزْقِ الْمُؤْمِنِ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: ((يُزَادُ فِيهِ رِزْقُ الْمُؤْمِنِ سَوَاءٌ كَانَ غَنِيًّا أَوْ
فَقِيراً)، وَهَذَا أَمْرٌ مُشَاهَدٌ فِيهِ، وَيحتملُ تَعْمِيمُ الرِّزْقِ بِالْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ. ((مرقاة المفاتيح))
(٤ / ١٣٦٨).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٥٩).

٤٠٧
(٧) كتاب الصوم
أَوْ تَمْرَةٍ، أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ، وَمَنْ أَشْبَعَ صَائِماً سَقَاهُ اللهُ مِنْ حَوْضِي شَرْبَةً
لاَ يَظْمَأُ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَهُوَ شَهْرٌ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ، وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ، وَآخِرُهُ
عِثْقٌ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ خَفَّفَ عَنْ مَمْلُوكِهِ فِيهِ غَفَرَ اللهُ لَهُ وَأَعْتَقَهُ مِنَ النَّارِ».
١٩٦٦ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ إِذَا دَخَلَ شَهْرُ
رَمَضَانَ أَطْلَقَ كُلَّ أَسِيرٍ، وَأَعْطَى كُلَّ سَائِلٍ.
١٩٦٧ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ: ((إِنَّ الْجَنَّةَ تُزَخْرَفُ ..
بالماء، والمذيق كأمير [اللبن] الممزوج بالماء، مَذَقَهُ فَامْتَذَقَ فهو ممذوق ومذیق .
وقوله: (أو تمرة) عطف على (مذقة).
١٩٦٦ - [١١] (ابن عباس) قوله: (أطلق كل أسير) فإن قلت: كيف يجوز
إطلاق كل أسير وقد يكون على بعض الأسراء حق لأحد من الناس؟ قلنا: لم يكن
أسراؤه * إلا الكفار أسروا في الغزوات، وهو مخير فيهم بعد الأسر بين المن والإطلاق
وأخذ الفداء والاسترقاق عند أكثر الأئمة، ويتعين القتل أو الاسترقاق عند الحنفية،
ولم يكن بينهم من عليه حقوق الناس من الديون ونحوها، ولو كانت فلعله { # كان
يُرضي أهلها ويطلق، والله أعلم.
١٩٦٧ - [١٢] (ابن عمر) قوله: (تزخرف)(١) أي: تزين،.
.
(١) قال القاري: أَيْ: يُبْتَدَأُ التَّزْيِنُ مِنْ أَوَّلِ السَّنَّةِ مُنْتَهِياً إِلَى سَنَةٍ آتِيَةٍ أَوَّلَ الْحَوْلِ غُرَّةَ الْمُحَرَّم،
وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْجَنَّةَ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ مِنْ أَوَِّهَا إِلَى آخِرِهَا مُزْيَةٌ لِأَجْلِ رَمَضَانَ، وَمَا يَتَتَّبُ عَلَيْهِ
مِنْ كَثْرَةِ الْغُفْرَانِ وَرَفْعِ دَرَجَاتِ الْجِنَانِ، مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الزَّمَانِ، وَلاَ يَبْعُدُ أَنْ يُجْعَلَ رَأْسُ
الْحَوْلِ مِمَّا بَعْدَ رَمَضَانَ، وَلَعَلَّهُ اصْطِلاَحُ أَهْلِ الْجِنَانِ، وَيُنَاسِبُهُ كَوْنُهُ يَوْمَ عِيدٍ وَسُرُورٍ، وَوَقْتَ
زِينَةٍ وَحُبُورٍ، وَقَالَ ابْنَ حَجَرٍ: لَعَلَّ الْمُرَادَ هُنَا بِالْحَوْلِ بِأَنْ تَبْتَدِىَِّ الْمَلاَئِكَةُ فِي تَزْيِنِيِهَا أَوَّلَ
شَوَّالٍ وَتَسْتَمِرَّ إِلَى أَوَّلِ رَمَضَانَ، فَتُفْتَحُ أَبَوَابُهَا حِينَئِذٍ لِبَطَّلِعَ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى مَا لاَ يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ -

٤٠٨
(٧) كتاب الصوم
لِرَمَضَانَ مِنْ رَأْسِ الْحَوْلِ إِلَى حَوْلٍ قَابِلٍ». قَالَ: ((فَإِذَا كَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ
رَمَضَانَ هَبَّتْ رِيحٌ تَحْتَ الْعَرْشِ (١) مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ عَلَى الْحُورِ الْعِينِ، فَقُلُّنَ:
يَا رَبّ !.
في (القاموس)(٢): الزخرف بالضم: الذهب وكمال حسن الشيء، والمزخرف المزين،
وزخارف الدنيا أنواع زينتها .
وقوله: (على الحور العين) الحور جمع حوراء من الحور بفتحتين شدة بياض
العين في شدة سوادها، أحور وحوراء نعت منه، وقال أبو عمرو: الحور أن تسود
العين كلها مثل أعين الظباء والبقر، وليس في بني آدم حور، وإنما يقال للنساء: حور
العيون تشبيهاً بالظباء والبقر، كذا في (الصحاح)(٣). قال في (القاموس) (٤): الحور
جمع أحور وحوراء بالتحريك: أن يشتد بياض العين وسوادها، وتستدير حدقتها،
= قَبْلُ، إِعْلاَمَاً لَهُمْ بِعِظَمِ شَرَفِ رَمَضَانَ وَشَرَفِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَمُجَازَاتِهِمْ عَلَى صَوْمِهِمْ بِمِثْلِ هَذَا
النَّعِيمِ الْمُقِيمِ الظَّاهِرِ الْبَاهِرِ، اهـ. وَالأَظْهَرُ أَنَّ ابْتِدَاءَ الزِّيْنَةِ مِنْ أَزَّلِ رَمَضَانَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ :
(فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ... إِلَخْ))، لِأَنَّ الزِّينَةَ الْمُتَعَارَفَةَ تَكُونُ فِي أَوَائِلٍ أَمْرِ الْفَرَحِ، وَقَدْ تَكُونُ
بَعْدَ الْفَرَحِ، وَالْمُنَاسِبُ هُنَا الأَوَّلُ، وَلاَ يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ بِاللَمِ فِي قَوْلِهِ: (لِرَمَضَانَ) وَقْتُهُ، وَمِنْ
بَيَّانِيَّةٌ. ((مرقاة المفاتيح)) (٤ / ١٣٧٠).
(١) أَيْ: مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ فَثَرَتْ رَائِحَةٌ عَطِرَةً طَيَِّةً، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: تَحْتَ الْعَرْشِ أَيْ فِي الْجَنَّةِ،
لِأَنَّ سَقْفَ الْجَنَّةِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ سَقْفاً بِمَعْنَى
أَعْلاَهَا، وَأَنَّهُ لَيْسَ فَاصِلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَنْ يَكُونَ هُبُوبُ الرِّيحِ فِي الْجَنَّةِ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ الرِّيحَ تَنْزِلُ
مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ مُبْتَدَأَ بِاعْتِبَارِ ظُهُورِهَا فِي الْجَنَّةِ. ((مرقاة المفاتيح)) (٤ / ١٣٧١).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٥٢).
(٣) ((الصحاح)) (٢ / ٦٣٩).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٥٥).

٤٠٩
(٧) كتاب الصوم
اجْعَلْ لَنَا مِنْ عِبَادِكَ أَزْوَاجاً تَقَرَّ بِهِمْ أَعْيُنَا، وَتَقَرَّ أَعْيُنُهُمْ بِنَا)). رَوَى الْبَيْهَقِيُّ
الأَحَادِيثَ الثَّلاثَةَ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ٣٦٠٨، ٣٦٢٩، ٣٦٣٣].
١٩٦٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ وَلِ أَنَّهُ قَالَ: ((يُغْفَرُ لأُمَّتِهِ
فِي آخِرِ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ».
وترق جفونها، ويبيضّ ما حواليها، أو شدة بياضها وسوادها في بياض الجسد، أو اسوداد
العين كلها مثل الظباء، ولا يكون في بني آدم، بل يستعار لها، والعِينُ جمع عَيناء وهي
المرأة الواسعة العين، في (القاموس)(١): عَيِنَ كفرح عيناً وعِينةً بالكسر: عَظُم سَوادُ
عينه في سعة فهو أعينُ.
وقوله: (تقر) - بفتح القاف وكسرها - إما من القر بفتح القاف وكسرها بمعنى
القرار والثبات، فهو عبارة عن نيل المقصود والفوز بالبغية؛ لأن العين تقر وتسكن
بالنظر إلى المحبوب وتطمئن برؤيتها، وبالنظر إلى غير المحبوب يتحرك ويلتفت إلى
كل جانب، أو من الفرح والسرور؛ لأن العين يستقر في حالة السرور، وفي الهم
والحزن يتحرك كقوله تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْنِ﴾ [الأحزاب: ١٩]،
أو من القر بضم القاف بمعنى البرودة، وبرودة العين ولذته في مشاهدة المحبوب،
وحره واحتراقه في رؤية الأعداء، ولهذا سمي الولد قرة العين، كأنهن لما رأين زخرفة
الجنة وزينتها زادت أمنيتهن في الأزواج، فسألن الله ذلك.
١٩٦٨ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (يغفر لأمته) هكذا في النسخ المصححة، وفي
نسخة: (لأمتي) فهو لفظ النبي وَّز، وبلفظ الغائب حكاية عن معنى ما تلفظ به وله
لا لفظه .
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٢٤).

٤١٠
(١) باب رؤية الهلال
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟(١) قَالَ: ((لاَ، وَلَكِنَّ الْعَامِلَ إِنَّمَا يُوَفَّى
أَجْرَهُ إِذَا قَضَى عَمَلَهُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٢٩٢].
١- باب رؤية الهلال
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٩٦٩ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لاَ تَصُومُوا حَتَّى
تَرَوُا الْهِلاَلَ، وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ» .
١ - باب رؤية الهلال
الهلال اسم لغُرّة القمر أو لليلتين أو إلى ثلاثٍ أو إلى سبع، ولِليلتين من آخر
الشهر ست وعشرين وسبع وعشرين، وفي غير ذلك قمر، كذا في (القاموس)(٢)،
والمراد هنا المعنى الأول، وهو ما يرى في الليلة الأولى من رمضان أو من شوال،
يجب في نهاره الصوم أو الإفطار.
الفصل الأول
١٩٦٩ - [١] (ابن عمر) قوله: (فإن غُمّ عليكم) أي غطي الهلال وستر بالغمام
ووقع الشك في رؤيته (فاقدروا له) بكسر الدال وضمها، وقيل: الضم خطأ رواية،
(١) فيه رَدٌّ عَلَى مَنِ اخْتَارَ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ هِيَ لَيْلَةُ تِسْعِ وَعِشْرِينَ، إِذْ قَدْ تَكُونُ آخَرَ لَيْلَةٍ مِنْهُ، وَيُمْكِنُ
تَأْوِيلُهُ بِأَنْ يُقَالَ: لاَ، أَيْ: لَيْسَ سَبَبُ الْمَغْفِرَةِ كُوْنَهَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، بَلْ سَبِيُّهَا كَوْنُهَا آخِرَ لَيْلَةٍ،
وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ هِيَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَأَنْ تَكُونَ غَيْرَهَا مِنْ بَقِيَّةِ لَيَالِي الْعَشْرِ الأَخِيرِ. ((مرقاة المفاتيح))
(٤ / ١٣٧١).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٨٩).

٤١١
(٧) كتاب الصوم
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: ((الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ
غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلاَئِينَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٠٦، م: ١٠٨٠].
واختلفوا في معناه على وجوه، والمختار الذي عليه الجمهور أن المراد قدروا له تمام
ثلاثين وأكملوا هذا العدد في الشهر الذي كنتم فيه كما في الرواية الأخرى: (فأكملوا
عدة شعبان ثلاثين)، قال في (المواهب)(١): وهذا مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة
وجمهور السلف والخلف.
وقال بعضهم: إن المراد تقدير منازل القمر وضبط حساب النجوم حتى يعلم أن
الشهر ثلاثون أو تسع وعشرون، وهذا القول غير سديد، فإن قول المنجمين غير مقبول،
ولا يعتبر في الشرع، فلا يعتمد عليه إلا في رواية شاذة في الفقه، وقد نقل عن ابن
شريح أنه قال: هذا لمن خصه الله تعالى بهذا العلم.
وقوله: (فأكملوا العدة) خطاب للعامة، قال ابن العربي (٢): فصار وجوب
رمضان عنده مختلف الحال، يجب على قوم بحساب الشمس والقمر، وعلى آخرين
بحساب العدد، وهذا بعيد، انتهى.
وقال التُّورِبِشْتِي(٣): قد خالف ابن شريح في هذه الفتيا من جعل لأهل التنجيم
مدخلاً في عبادات المسلمين، ولقد علم أن العرب لم يكن يتعاطاه وكان النبي وَله
يأباه، وإلى هذا المعنى أشار بقوله ◌َله: (نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) الحديث،
وقال: (فأكملوا العدة ثلاثين) خطاباً للعامة، وخفي عليه أن الصحابة - رضوان الله
عليهم - لم يفتوا بذلك ولم يعلموه، وهم خير هذه الأمة وأخصهم بعلم الشريعة وأولاهم
(١) ((المواهب اللدنية)) (٤ / ٣٣٢).
(٢) انظر: ((فتح الباري)) (٤ / ١٢٢).
(٣) ((كتاب الميسر)) (٢ / ٤٦٠).

٤١٢
(١) باب رؤية الهلال
١٩٧٠ - [٢] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((صُومُوا
لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْتَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَئِينَ)). مُتَّفَقٌّ
عَلَيْهِ. [خ: ١٩٠٩، م: ١٠٨١].
١٩٧١ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((إِنَّ أُمَّةٌ أُمَّيَّةٌ
لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَ)).
بالتأييد والتوفيق، وقال الشيخ ابن الصلاح: معرفة منازل القمر وهو معرفة الأهلة، وأما
معرفة الحساب فأمر دقيق يختص بمعرفة الآحاد، فمعرفة منازل القمر يدرك بأمر
محسوس يدركه من يوافق النجوم، وهذا هو الذي أراده ابن شريح وقال به في حق العارف
بها في خاصة نفسه، ونقل الروياني عنه أنه لم يقل بوجوبه عليه، وإنما قال بجوازه،
وأما أبو إسحاق فقد نقل فيه في (المهذب)(١) لزوم الصوم في هذه الصورة.
وقوله: (الشهر تسع وعشرون ليلةً) أي قد يكون كذا، وقيل: هو محمول على
الغالب .
١٩٧٠ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (صوموا لرؤيته) اللام بمعنى الوقت.
١٩٧١ - [٣] (ابن عمر) قوله: (إنا أمة أمية) أي: العرب، وقيل: أراد نفسه،
وأمية قيل: نسبة إلى أمة العرب؛ لأنها لا تكتب، وقيل: نسبة إلى الأمهات، أي: إنهم
على أصل ولادة أمهم، أو لأن المرأة هذه صفتها غالباً، وقيل: منسوبون إلى أم القرى،
وإنما قيل للعرب: أميون؛ لأن الكتابة كانت فيهم نادرة، وكذا معرفة الحساب.
وقوله: (لا نكتب ولا نحسب) دل على أن معرفة الشهر عندنا ليس بالحساب،
كما هو عند المنجمين، وأكده بالإشارة بقوله: (هكذا وهكذا ... إلخ) كما هو شأن
(١) ((المجموع)) (٦ / ١٩١).

٤١٣
(٧) كتاب الصوم
وَعَقَدَ الإِنْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ. ثُمَّ قَالَ: ((الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَ)). يَعْنِي تَمَامَ
الثَّلاثِينَ، يَعْنِي مَرَّةً تِسْعاً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةٍ ثَلاَثِينَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩١٣،
م: ١٠٨٠].
١٩٧٢ - [٤] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((شَهْرَا عِيدٍ
لاَ يَتْقُصَانِ: رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩١٢، م: ١٠٨٩].
١٩٧٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الهِنَّهِ: ((لاَ يَتَقَدَّمَنَّ
أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ بَوْمٍ أَوْ بَوْمَيْنِ، ..
العامة ممن لم يعرف الحساب أصلاً .
وقوله: (يعني تمام الثلاثين) متعلق بالأخير.
وقوله: (يعني مرةً تسعاً وعشرين، ومرةً ثلاثين) متعلق بكليهما، وكلاهما من
كلام الراوي.
١٩٧٢ - [٤] (أبو بكرة) قوله: (شهرا عيد لا ينقُصان: رمضان وذو الحجة)
ذكروا لهذا توجيهات، والأصوب ما قال في (النهاية)(١): أي: في الحكم وإن نقصا في
العدد، أي: ينبغي أن لا يعرض في قلوبكم شك إذا صمتم تسعاً وعشرين يوماً، أو أن
يقع في الحج خطأ لم يكن في نسككم نقص. فإن قلت: فكيف يتصور ذلك في ذي
الحجة، فإن الحج في العشر الأول؟ قلت: يتصور بإغماء هلال ذي الحجة، ويقع
منه في الغلط بزيادة يوم نقصانه، فيقع عرفة في الثامن أو العاشر منه.
١٩٧٣ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو
يومين) المشهور في تعليله كما صرح به الترمذي التقوي بالفطر لرمضان ليدخل فيه
(١) ((النهاية)) (٥ / ١٠٦).

٤١٤
(١) باب رؤية الهلال
إِلَّ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْماً فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ:
١٩١٤، م: ١٠٨٩].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٩٧٤ - [٦] عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا انْتُصَفَ
شَعْبَانُ فَلاَ تَصُومُوا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [د:
٢٢٣٧، ت: ٧٣٨، جه: ١٦٥١، دي: ١٧٤٠].
بنشاط، وينافيه التخصيص بيوم أو يومين لأنه يدل أنه لو تقدمه بصوم ثلاثة أيام أو
أربعة جاز، كذا قال الشيخ(١)، اللهم إلا أن يكون ذكر يوم أو يومين على وجه التمثيل
لا التخصيص .
وقيل: الحكمة فيه خشية اختلاط النفل بالفرض وإيراثه الشك بين الناس فيقولون:
لعله رأى هلال رمضان حتى يصوم، وهذا الوجه أيضاً لا يخلو عن ضعف على أنه يجوز
لمن له عادة، والاختلاط المذكور باق، إلا أن يقال: جوز ذلك لأن ترك الورد شاق
على من ألِفه، فيكون في حكم صوم القضاء والنذر، فالوجه هو الأول، وذكر بعضهم
أن النهي مخصوص بالضعفاء، وقد كان رسول الله وسير جمع بين صوم الشهرين.
الفصل الثاني
١٩٧٤ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا)(٢) هذا في
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٤ / ١٢٨).
(٢) قال القاري: وَالنَّهْيُ لِلَّْزِيهِ رَحْمَةً عَلَى الأُمَّةِ أَنْ يَضْعُفُوا عَنْ حَقِّ الْقِيَامِ بِصِيَامِ رَمَضَانَ عَلَى وَجْهِ
النَّشَاطِ، وَأَمَّا مَنْ صَامَ شَعْبَانَ كُلَّهُ فَيَتَعَوَّدُ بِالصَّوْمِ وَيَزُولُ عَنْهُ الْكُلْفَةُ، وَلِذَا قَيِّدَهُ بِالإِنْتِصَافِ،
أَوْ نَهَى عَنْهُ لِنَّهُ نَوْعٌ مِنَ التََّدُّمِ الْمُقَدَّمِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْقَاضِيِ: الْمَقْصُودُ اسْتِجْمَامُ مَنْ لاَ يَقْوَى =

٤١٥
(٧) كتاب الصوم
١٩٧٥ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ إِ: ((أَحْصُوا هِلَاَلَ شَعْبَانَ
لِرَمَضَانَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٦٨٧].
١٩٧٦ - [٨] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ يَصُومُ شَهْرَيْنِ
مُتَتَابِعَيْنِ إِلاَّ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ.
حق من لم يقو على تتابع الصيام الكثير.
١٩٧٥ - [٧] (وعنه) قوله: (أحصوا هلال شعبان لرمضان) (١) يؤيد أن المراد
بالقدر هو عد الثلاثين من شعبان، لكنهم قالوا: الإحصاء أبلغ من العد في الضبط.
١٩٧٦ - [٨] (أم سلمة) قوله: (إلا شعبان ورمضان) اعلم أن الأحاديث في
صوم شعبان وردت مختلفة، منها: حديث أبي هريرة (٢) الناهي عن تقدم رمضان بصوم
يوم أو يومين، ومنها حديثه(٣) الناطق بالنهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان، ومنها
= عَلَى تَتَبُعُ الصِّيَامِ فَاسْتُحِبَّ الإِنْطَارُ كَمَا اسْتُحِبَّ إِنْطَارُهُ عَرَفَةَ لِيَقَوَّى عَلَى الدُّعَاءِ، فَأَمَّا مِنْ قَدَرَ
فَلاَ نَّيَ لَّهُ، وَلِذَلِكَ جَمَعَ النَّبِيُّ ◌َّ بَيْنَ الشَّهْرَيْنِ فِي الصَّوْمِ، اهـ. قال القاري: وَهو كَلاَمٌ حَسَنٌ
لَكِنْ يُخَالِفُ مَشْهُورَ مَذْهَبِهِ أَنَّ الصِّيَامَ بِلاَ سَبَبٍ بَعْدَ نِصْفِ شَعْبَانَ مَكْرُوهٌ، وَفَي ((شَرْحِ ابْنِ
حَجَرٍ»: قَالَ بَعْضُ أَتِمَِّنَا: يَجُوزُ بِلاَ كَرَاهَةِ الصَّوْمُ بَعْدَ النِّصْفِ مُطْلَقاً تَمَسُّكاً بِأَنَّ الْحَدِيثَ غَيْرُ
ثَابِتٍ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يَخَافُ الضَّعْفَ بِالصَّوْمِ، وَرَدَّهُ الْمُحَقِّقُونَ بِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَدِيثَ ثَابِتٌ
بَلْ صَحِيحٌ، وَبِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِلصَّعْفِ، وَمَا نِطَ بِالْمَظِنَّةِ لاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ تَحَقُّقُهَا. ((مرقاة المفاتيح)
(٤ / ١٣٧٦).
(١) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيٍ: اجْتَهِدُوا فِي إِحْصَائِهِ وَضَبْطِهِ بِأَنْ تَتَحَرَّوْا مَطَالِعَهُ وَتَتَرَّاءَوْا مَنَازِلَهُ لِأَجْلِ أَنْ
تَكُونُوا عَلَى بَصِيرَةٍ فِي إِذْرَاكِ هِلاَلِ رَمَضَانَ عَلَى حَقِيقَتِهِ حَتَّى لاَ يَقُوتَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ. ((مرقاة
المفاتيح)) (٤ / ١٣٧٧).
(٢) أخرجه البخاري (١٩١٤)، ومسلم (١٠٨٢).
(٣) أخرجه ابن ماجه (١٦٥١)، وأحمد (٢ / ٤٤٢ /٩٧٠٥).

٤١٦
(١) باب رؤية الهلال
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٣٣٦، ت: ٧٣٦، ن: ٢١٧٥،
جه: ١٦٤٨].
هذا الحديث من أم سلمة ◌َّ الدال على استيعاب شهر شعبان بالصوم، وقد جاء من
عائشة ◌َ(١): (ما رأيت رسول الله وَ ﴿ استكمل صيام شهر قط)، وجاء في حديث
آخر (٢) منها: (ما رأيته في شهر أكثر منه صائماً، كان يصوم شعبان كله إلا قليلاً)، ويدل هذا
الحديث على خلاف ما دل عليه حديث أم سلمة، وقالوا في التوفيق بين هذه الأحاديث:
إن عائشة وأم سلمة عما أخبرت كل واحدة منهما بما رأت منه ، فيحتمل أن أم سلمة
وجدته صائماً في أيام نوبتها في شعبان، فظنت أنه واصل شعبان برمضان، ووجدته
عائشة ﴾ مفطراً في بعض أيامها فأخبرت عما رأت، ويدل على ذلك قولها: (ما رأيته
في شهر أكثر منه صائماً) الحديث، ولا يلزم أن يقدر ما قدرناه في حديث أم سلمة لصديق
على التعاقب والتوالي في سائر السنين بل في بعضها، فإنها إذا رأته على ذلك عاماً أو
عامين صح لها أن تخبر عما أخبرت، كذا قال التُّورِبِشْتِي(٣).
وقال أيضاً: وأرى إحدى المعاني التي كانت تستدعي النبي وس ﴿ أن يواصل شعبان
برمضان أو يصوم أكثرها اشتغال أزواجه بقضاء ما فاتهن من رمضان، ويدل على ذلك
حديث عائشة ية: (كان يكون عليّ الصوم من رمضان فلا أستطيع أن أقضي إلا في
شعبان)، قال الراوي: تعني الشغل بالنبي ◌َّر، وفيه أنه لا يمكن الجزم بأن الباعث
للنبي ولو على صوم شهر شعبان كله أو أكثره كان اشتغال أزواجه بقضاء ما فاتهن من
صوم رمضان، بل الظاهر أن الأمر بالعكس، كان الباعث لهن على قضاء ما فات وجود
(١) أخرجه البخاري (١٩٦٩)، ومسلم (١١٥٦).
(٢) أخرجه مسلم (١١٥٦).
(٣) ((كتاب الميسر)) (٢ / ٤٦٢).

٤١٧
(٧) كتاب الصوم
١٩٧٧ - [٩] وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: ((مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ
فِيهِ فَقَدَ عَصَى أَبَّا الْقَاسِمِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ
وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٢٣٣٤، ت: ٦٨٦، ن: ٢١٨٨، جه: ١٦٤٥، دي: ١٦٨٢].
الفرصة لهن باشتغاله ◌َّر بالصوم في شعبان.
فالظاهر أن سبب كثرة صومه ◌َّل# في شعبان فضله بقرب رمضان، وتحصيل صفاء
الوقت وتنوير القلب للتهيؤ لصوم رمضان مع كونه ول 9 قوياً مغتذياً بالأنوار والأسرار
كما يظهر من حديث صوم الوصال، والنهي للأمة للشفقة والترحم عليهم، على أن بعض
المحققين صرحوا بأن النهي إنما هو في حق الضعفاء ومن لم يقو على الصيام، ومن
هذا ظهر محمل حديث أبي هريرة المفيد للنهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان المنافي
لتتابع صومه وأكثريته، وهو أنه نهاهم شفقة عليهم ليتقووا على صيام الفرض ويباشروا
العمل فيه بنشاط، وكان حاله في ذلك خلاف حال غيره وي كما قلنا، أو كان النهي
منسوخاً، والوجه الأول هو المعتمد المختار، والله أعلم.
١٩٧٧ - [٩] (عمار بن ياسر) قوله: (من صام اليوم الذي يشك فيه) وهو اليوم
المحتمل لأن يكون أول رمضان بأن غم هلاله بغيم أو غيره، والمراد الصوم بنية
رمضان، والمختار عند أبي حنيفة والشافعي ومالك وأكثر الأئمة أن لا يصوم يوم الشك،
وإن صام فليصم بنية النفل، ويستحب ذلك عندنا لمن صام يوماً يعتاد وللخواص،
ويفطر غيرهم بعد نصف النهار، وقال الإمام أحمد وجماعة: إذا كان بالسماء غيم
فليس بیوم الشك، ويحسب صومه عن رمضان، وكان ابن عمر وكثير من الصحابة
إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يوماً التمسوا الهلال؛ فإن رأوه أوسمعوا خبره صاموا
وإلا فإن كان المطلع صافياً بغير علة أصبحوا مفطرين، وإن كان فيه علة صاموا، وحمله

٤١٨
(١) باب رؤية الهلال
١٩٧٨ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ فَقَالَ:
إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلاَلَ - يَعْنِي هِلاَلَ رَمَضَّانَ - فَقَالَ: ((أَتَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّ اللهُ؟))
قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ((أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ؟)) قَالَ: نَعَمْ. قَالَ:
(يَا بِلَاَلُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَن يَصُومُوا غَداً). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٢٣٤٠، ت: ٦٩١، ن: ٢١١٢، جه: ١٦٥٢، دي:
١٦٩٢].
الجمهور على صوم النفل، والله أعلم.
١٩٧٨ - [١٠] (ابن عباس) قوله: (جاء أعرابي) الحديث، في الحديث
دليل على أن الرجل الواحد إن كان مستور الحال فخبره مقبول في هلال رمضان،
وتفصيل المذاهب أن مذهب الحنفية والصحيح من مذهب الشافعية والمشهور من
مذهب أحمد - رحمهم الله تعالى - أنه يثبت بخبر واحد عدل، ولا يشترط لفظ
الشهادة وعددها؛ لأن هذا أمر ديني يتعلق به وجوب الصوم، فشابه رواية الأخبار
والأحاديث يقبل فيها خبر واحد عدل، وعند مالك وفي قول للشافعي وفي رواية
عن أحمد وإسحاق: يشترط شهادة اثنين كما في سائر الشهادات، وتمسكوا بحديث
رواه أبو داود والدار قطني(١) عن حارث بن حاطب وكان أمير مكة قال: عهد إلينا
رسول الله وي أن نصوم برؤية الهلال، وإن لم نره فبشهادة عدلين، وقالوا: إسناده
صحيح متصل، وفي رواية النسائي عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب نحوه،
وأجيب بأن لهذا الحديث منطوقاً ومفهوماً، ومفهومه يعارض بالأحاديث التي وردت
(١) (سنن أبي داود)) (٢٣٣٨)، و((سنن الدار قطني)) (٢ / ١٦٧).

٤١٩
(٧) كتاب الصوم
١٩٧٩ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَاَلَ فَأَخْبَرْتُ
رَسُولَ اللهِوَ﴿ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ
وَالدّارمِی
[د: ٢٣٤٢، دي: ١٦٩١].
93
في قبول خبر الواحد، ورجحناها بالدليل الذي ذكرنا، لكن عدالة المخبر شرط
بالاتفاق(١).
وقال الطحاوي: يقبل خبره عدلاً كان أو غيره، وأراد بغير العدل المستور، وهو
موافق لإطلاق الحديث المذكور، ونقل الشُّمُنِّي عن (المحيط) أنه ينبغي أن يفسر جهة
الرؤية، فإن احتمل انفراده برؤية يقبل وإلا فلا، ثم عندنا يقبل وإن كان الواحد امرأة
أو فتى، وهذا في الصوم، أما في الفطر مع الغيم فيشترط العدد والثقة والشهادة والعدالة
والحرية، وبدون العلة يشترط فيهما جمع عظيم، وهو عند الأكثر عدد التواتر، وعند
البعض أهل محلته، وروي عن أبي يوسف أنه خمسون رجلاً .
١٩٧٩ - [١١] (ابن عمر) قوله: (تراءى الناس) أي أرى بعضهم بعضاً، يعني
(١) قال القاري (٤ / ١٣٧٨): قَالَ الْمُظْهِرُ: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ فِسْقٌ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ
وَعَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ مَقْبُولَةٌ فِي هِلاَلِ رَمَضَانَ اهـ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ.
انتهى. وقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي قَبُولِ الْمَسْتُورِ؛ لَكِنَّ الْحَقَّ أَنْ
لاَ يُتَّمَسَّكَ بِهِ بِالنِّسْبَةِ لِهَذَا الزَّمَانَ، لِأَنَّ ذِكْرَهُ الإِسْلاَمَ بِحَضْرَتِلَيْهِحِينَ سَأَلَهُ عَنِ الشَّهَادَتَيْنِ
إِنْ كَانَ هَذَا أَوَّلَ إِسْلاَمِهِ فَلاَ شَكَّ فِي تُبُوتِ عَدَالَتِهِ لِأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ أَسْلَمَ عَدْلاً إِلَى أَنْ
يَظْهَرَ خِلاَفُهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ إِخْبَاراً عَنْ حَالِهِ السَّابِقِ فَكَذَلِكَ، لِأَنَّ عَدَالَتَهُ قَدْ ثَبَتَتْ بِسْلاَمِهِ
فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِبِقَائِهَا مَا لَمْ يَظْهَرِ الْخِلاَفُ، وَلَمْ يَكُنِ الْفِسْقُ غَالِباً عَلَى أَهْلِ الإِسْلاَمِ فِي
زَمَانِهِ نَّهِ فَتُعَارِضُ الْغَلَبَةُ ذَلِكَ الأَصْلَ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ إِلَى ظُهُورِهَا، انتهى. ((فتح القدير))
(٢/ ٣٢٣).

٤٢٠
(١) باب رؤية الهلال
الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
*
١٩٨٠ - [١٢] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَِّ يَتَحَفَّظُ مِنْ شَعْبَانَ
مَا لاَ يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ. ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلاَئِينَ
يَوْماً ثُمَّ صَامَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٣٢٥].
١٩٨١ - [١٣] وَعَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا لِلْعُمْرَةِ فَلَمَّا نَزَلْنَا
بِبَطْنِ نَخْلَةَ تَرَاءَيْنَا الْهِلَاَلَ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلاَثٍ، وَقَالَ بَعْضُ
الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ، فَقِينَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْنَا: إِنَّا رَأَيْنَا الْهِلَاَلَ، فَقَالَ بَعْضُ
الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلاَثٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَيْنِ، فَقَالَ: أَّ لَيْلَةٍ
وَأَيْتُمُوهُ؟ قُلْنَا: لَيْلَةَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ:
اجتمعوا لرؤية الهلال(١).
الفصل الثالث
١٩٨٠ - [١٢] (عائشة) قوله: (يتحفظ من شعبان) أي يتكلف ويبالغ في عدّ
أيامه وحفظها .
١٩٨١ - [١٣] (أبو البختري) قوله: (وعن أبي البختري) بفتح الموحدة والمثناة
بينهما خاء معجمة ساكنة وكسر راء وشدة ياء، اسمه سعيد بن فيروز الكوفي، تابعي،
و(بطن نخلة) موضع بين مكة والطائف.
وقوله: (ابن ثلاث) أي: ثلاث ليال.
(١) وقبول خبر الواحد في الصوم محمول على ما إذا كان في السماء علة، كذا في ((البذل))
(٨/ ٤٧٩).