Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
(٦) كتاب الزكاة
فَأْمُرَ لَكَ بِهَا)). ثُمَّ قَالَ: ((يَا قَبِيصَةُ! إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَحِلُّ إِلاَّ لِأَحَدِ ثَلاَثَةٍ:
رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيْهَا ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍّ أَصَابَتْهُ
جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَاماً مِنْ عَيْشٍ ....
من الزكاة بشرط أن يستدين لغير معصية الإطلاقُ، ولكن هو أيضاً صورة المسألة في
إصلاح ذات البين، ويفهم من عبارة (الهداية)(١) أن هذا قول الشافعي، وعندنا الغارم
من لزمه دَين ولا يملك نصاباً فاضلاً عن دينه، وفي شرح ابن الهمام(٢): أو له دين على
الناس لا يقدر على أخذه، وليس عنده نصاب فاضل في الفصلين، ولو دفع إلى فقيرة
لها مهر دين على زوجها يبلغ نصاباً وهو موسر بحيث لو طلبت أعطاها لا يجوز، وإن
کانت بحيث لا يعطي لو طلبت جاز.
وقوله: (رجل) بدل من (أحد)، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف.
وقوله: (حتى يصيبها) أي: الحمالة، أي: مالاً يؤدى عما ضمن وهو الصدقة.
وقوله: (ثم يمسك) أي: نفسه عن السؤال بعد أداء الحمالة اكتفاء بقدر الضرورة
لئلا يعتاد بحكم الطبيعة .
وقوله: (أصابته جائحة) الجوح: الإهلاك والاستئصال، كالإجاحة والاجتياح،
ومنه الجائحة للشدة المجتاحة للمال، يقال: جاحتهم الحاجة واجتاحتهم، وجاح الله
ماله وأجاحه، أي: أهلكه واستأصله بالجاحة، وهذا إشارة إلى حال المسكين وإصابة
الفاقة للفقير على القول المشهور بأن المسكين من لا شيء له.
وقوله: (حتى يصيب قواماً من عيش) بكسر القاف، أي: ما يغني عنه يقوم به
(١) ((الهداية)) (١ / ١١٠).
(٢) انظر: ((فتح القدير)) (٤ /١٨٦).

٣٠٢
(٤) باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له
- أَوْ قَالَ: سِدَاداً مِنْ عَيْشٍ -، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلاَثَةٌ مِنْ ذَوِي
الْحِجَی مِنْ قَوْمِهِ، .
حاجته، وأيضاً قوام الشيء بالكسر: نظامه وعماده وملاكه، وهو قريب من هذا المعنى،
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ الَّتِ جَعَلَ اللَّهُ لَكُرْقِيَمًا﴾ [النساء: ٥]، وأما القوام
بالفتح فهو بمعنى العدل والوسط، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾
[الفرقان: ٦٧] أي: كان إنفاقهم وسطاً عدلاً بين الإسراف والتقتير، هكذا في الشروح
وكتب اللغة والتفسير، وأما صاحب (القاموس)(١) فقد جعل القوام كَسَحَابٍ بمعنى
العدل وما يعاش به، وبالكسر بمعنى نظام الأمر وعِمَاده، فتدبر .
وقوله: (أو قال: سداداً) بكسر السين بمعنى ما يسدّ به الحاجة، وكل ما يسدّ
به شيء فهو سداد، ومنه سداد الثغر والقارورة، قال التُّورِبِشْتِي(٢): والسين منه مكسورة،
ومن فتح فقد أخطأ، وأما السداد - بالفتح - فهو بمعنى الصواب والقصد في القول
والعمل، وفي ذكر القوام أو السداد مبالغة في الكفّ عن المسألة كأنه شبه السائل بالمضطر
الذي يحل له أكل الميتة لسدّ رمقه وقيام بدنه، وليس ذلك شرطاً في حلّ السؤال، بل
يكفي في ذلك فقدان قوت يومه .
وقوله: (يقوم) هكذا في رواية مسلم، وقيل: الصواب (يقول) كما جاء في رواية
أبي داود، وأجيب بأن التقدير: يقوم ثلاثة قائلين: لقد أصابت، ولكنه ذكر (يقوم) مبالغة،
ولهذا برزه في معرض القسم في قوله: (لقد أصابت) بقرينة ذكر اللام، وليس المراد
معنى الشهادة، وذكر الثلاثة أيضاً للاحتياط؛ لكونها جماعة، وكذا ذكر (ذوي الحجى)
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٦٢).
(٢) ((كتاب الميسر)) (٢/ ٤٣٢).

٣٠٣
(٦) كتاب الزكاة
لَقَدْ أَصَابَتْ فُلاَنَاً فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَاماً مِنْ عَيْشٍ - أَوْ
قَالَ: سِدَاداً مِنْ عَيْشٍ -، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ .....
بكسر الحاء وفتح الجيم بمعنى العقل، حتى لا يقولوا بالتخمين والمساهلة، وكل ذلك
للمبالغة في المنع والزجر عن المسألة والمساهلة فيها، وظاهر الحديث أن الفاقة تثبت
بشهادة ثلاثة رجال، ولكنهم أجمعوا على أن ذلك ليس بمراد.
قال التُّورِبِشْتِي(١): نحن وإن علمنا أن الله يتعبد عباده بما يشاء من أمره، فله أن
يجعل الحجة في هذه القضية مثبتة بثلاثة كما جعلها مثبتة في هلال رمضان بواحد،
وفي الحقوق الواجبة باثنين، وفي الزنا بأربعة، ولكنا وجدنا تلك الصور مثبتة بصريح
الحكم مبنية على النصوص البينة، ووجدنا الأمر في هذا الحديث معدولاً به عن صيغة
الشهادة، ثم إنا وجدنا الأحكام الراجعة إلى الدماء والأموال والفروج مثبتة بشهادة اثنين،
وليس الأمر فيها بأيسر من الأمر في هذه القضية، بل هذه أقرب فيما يهتدى إليه من
النظر إلى التسامح والتساهل فيها، فالوجه فيه أن يجعل الأمر فيه إلى ثلاثة من طريق
الاستحباب لا من طريق الوجوب، انتهى. وإنما لم يعتبر قيام البينة في رجل أصابته
الجائحة لظهور حاله بخلاف إصابة الفاقة .
وقوله: (فما سواهن من المسألة [يا قبيصة] سحت) السحت - بالضم ويضمتين -:
الحرام أو ما خبث من المكاسب، فيلزم منه العار، أسحت الشيء: اكتسبه، والشيء:
استأصله، كسخَت فيهما، كذا في (القاموس)(٢). فعلى المعنى الأول يكون المراد
بالمسألة ما يحصل بها، وعلى الثاني محمول على ظاهرها.
(١) (كتاب الميسر)) (٢ / ٤٣٢).
(٢) (القاموس المحمية، (ص: ٥٤).

٣٠٤
(٤) باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له
يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحُتاً)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٤٤].
١٨٣٨ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَنْ سَأَلَ
النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثِّراً فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْراً، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[م: ١٠٤١].
١٨٣٩ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((مَا يَزَالُ
الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ)).
وقوله: (يأكلها صاحبها سحتاً) تأكيد وإشارة إلى أنه سحت خالص لا اشتباه
في كونه سحتاً.
وقوله: (يأكلها) خبر بعد خبر، فالضمير للمسألة أو صفة لـ (سحت)، وتأنيث
الضمير بتأويل الصدقة، ولا يخفى أن الحصر في الصورة المذكورة لأجل حلّ السؤال
وإياحته، لا لحصر مصارف الزكاة فيها، فإنها كثيرة سوى الفقراء والمساكين، ولا حاجة
إلى ما قال الطيبي(١): إن ما سوى المذكور داخل فيه ومندرج فيه، قال: الغارم والغازي
والعامل والمؤلفة قلوبهم يجمعهم معنى السعي في مصالح المسلمين، والرقاب وابن
السبيل من جنس الفقراء والمساكين.
١٨٣٨ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (أموالهم) بدل اشتمال. و(تكثراً) بمعنى الإكثار
مفعول له، أي: يسأل لتكثر ماله لا ليدفع الحاجة، و(الجمر) النار المتَّقِدة، أي: ما يكون
سبباً لدخولها .
وقوله: (فليستقل) أي: الجمر أو السؤال.
١٨٣٩ - [٣] (عبدالله بن عمر) قوله: (مزعة لحم) بضم الميم وكسرها وسكون
(١) (شرح الطيبي)) (٤ / ٥٨).

٣٠٥
(٦) كتاب الزكاة
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٧٤، م: ١٠٤٠].
١٨٤٠ - [٤] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لاَ تُلْحِفُوا فِى
الْمَسْأَلَةِ، فوَاللهِ لاَ يَسْأَلُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئاً فَتُخْرِجَ لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شَيْئاً وَأَنَ
لَهُ كَارِهٌ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٣٨].
١٨٤١ - [٥] وَعَنِ الزُّبْرِ بْنِ الْعَوَّامِ قَالَ:
الزاي بعدها مهملة: القطعة من اللحم، كذا في (القاموس)(١)، وقد ضبط بعضهم بفتح
الميم والزاي، والمحفوظ عن المحدثين الضم والسكون، وهو إما كناية عن الذل
والهوان، أي: لا جاه ولا قدر له، أو يكون عظماً لا لحم عليه(٢)، والصور في الآخرة
تختلف باختلاف المعاني .
١٨٤٠ - [٤] (معاوية) قوله: (لا تلحفوا) أي: لا تلحوا، من الإلحاف لاحفه
لحفه: لازمه، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا يَسْلُونَ النَّاسَ إِلَحَافً﴾ [البقرة: ٢٧٣]، ومنه:
كان يلحف شاربه، أي: يبالغ في قصه.
وقوله: (فيبارك) بالنصب بعد الفاء على معنى الجمعية، وقد يرفع وهو أظهر
بحسب المعنى، وكذا صحح قوله: (فتخرج) وهو بصيغة المعلوم من الإخراج،
و(مسألته) فاعله.
١٨٤١ - [٥] قوله: (عن الزبير بن العوّام) بتشديد الواو.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٠٥).
(٢) وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ عَلَامَةٌ لَهُ يَعْرِفُهُ النَّاسُ بِتِلْكَ الْعَلَمَةِ أَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا فَيَكُونُ تَفْضِيِحاً
لِحَالِهِ وَتَشْهِيراً لِمَا لَهُ وَإِذْلاَلاَ لَهُ كَمَا أَذَلَّ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيًا وَأَرَاقَ مَاءَ وَجْهِهِ بِالسُّؤَالِ، وَمِنْ دُعَاءِ
الإِمَامِ أَحْمَدَ: اللَّهُمَّ كَمَا صُنْتَ وَجْهِي عَنْ سُجُودٍ لِغَيْرِكَ فَصُنْ وَجْهِي عَنْ مَسْأَةٍ غَيْرِكَ. ((مرقاة
المفاتيح)» (٤ / ١٣٠٩).

٣٠٦
(٤) باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له
قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: («لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَأْتِيَ بِحُزْمَةِ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ
فَيَبِيِعَهَا، فَيَكُفَّ اللهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ)).
رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٤٧١].
١٨٤٢ - [٦] وَعَنْ حَكِيمٌ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: سَأَلَتُ رَسُولَ اللهِ وَه
فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُّهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ لِي: ((يَا حَكِيمٌ! إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ
حُلْوٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُوْرِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ
يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ. وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ
السُّفْلَى)). قَالَ حَكِيمٌ:
وقوله: (بخُزمة) بضم المهملة وسكون الزاي: قدر ما يحمله الرجل بصدره بين
عضديه، ويستعمل فيما يحمله على الظهر من الحطب، وحزمه يخْزمُه: شدَّه، والحزيم:
الصدر أو وَسَطُه، والحُزْمة: ما حُزِمَ.
قوله: (فیکف الله بها وجهه) أي: ذاته وقدره عن الذل الذي يلحق به بالسؤال،
وفي هذه العبارة تنبيه على أن ذلك فضل من الله وتكريم له بتوفيقه لما يصان به ماء وجهه
وعرضه .
١٨٤٢ - [٦] قوله: (حكيم بن حزام) بكسر الحاء بعدها زاي.
وقوله: (خضر) بفتح الخاء وكسر الضاد. (حُلو) بضم الحاء وسكون اللام،
والخضرة باعتبار حسنه ومرغوبيته في الظاهر، والحلاوة باعتبار ذوقه ولذّته في الباطن .
قوله: (فمن أخذه بسخاوة نفس) أي: بغير إلحاح وإشراف، أو ممن يعطيه
بانشراح وانبساط، ويناسب المعنى الأول مقابلته بقوله: (ومن أخذه بإشراف).
وقوله: (واليد العليا) المراد منها اليد المنفقة والمتعففة، كما ستعرف في شرح

٣٠٧
(٦) كتاب الزكاة
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لاَ أَرْزَأُ أَحَداً بَعْدَكَ شَيْئاً حَتَّى
أُفَارِقَ الذُّنْيَا. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٧٢، م: ١٠٣٥].
١٨٤٣ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر
وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالثَّعَقِّفَ عَنِ الْمَسْأَلَةِ: ((الْيَدُ الْعُلْيَا.
الحديث الآتي، وعلى كل تقدير فيه نهيٌّ عن السؤال وبيانٌ لفضل تركه، ففرَّعَ عليه
قَوْلَهُ: (قلت: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لا أرزأ) أي: لا أسأل أحداً بعدك
شيئاً، وأصل الرُزْء بتقديم الراء على الزاي مهموز أو غير مهموز، من باب فتح
وعلم: إصابة الخير من أحدٍ، يقال: رزأتُ الرجلَ ورزئتُهُ: إذا أصبت منه خيراً، ورجل
مُرَزَّأ: كريم يصيب الناس خيره، ويجيء بمعنى النقص، يقال: ما رزأته وما رزئته:
أي: ما نقصته، فيكون المعنى لا أنقص أحداً، أي: (شيئاً)، أي: مالاً، أي: لا أنقص
مال أحد بالسؤال عنه والأخذ منه، وقد يجيء بمعنى إصابة مصيبة، والرزيئة: المصيبة،
يقال: رَزَأَنَّهُ، أي: أصابته مصيبة، ولو حمل على هذا المعنى ويراد عدم الطلب والسؤال
لم يبعد؛ فإن سؤال مال أحد وأخذه لا يخلوا عن معنى إصابة المصيبة له، فافهم.
١٨٤٣ - [٧] (ابن عمر) قوله: (واليد العليا) هي المنفقة من الإنفاق، هكذا وقع
في (صحيح البخاري) و(صحيح مسلم)، وقال الطيبي(١): وكذا ذكره أبو داود عن أكثر
الرواة، وفي رواية أخرى له: اليد العليا هي المتعففة، من العفّة، والتعفف بمعنى
الاستعفاف بمعنى طلب العفاف، يقال: عفّ عفًّا وعفافاً ومعافةً بفتحتين وعفّةً بالكسر،
وهو الكف عن السؤال وعما لا يحل كاستعفّ وتعفّف، وهذا أنسب بسياق الحديث
من قوله: (وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة)، وكلا المعنيين صحيح، ونقل
(١) ((شرح الطيبي)) (٤ / ٦٢).

٣٠٨
(٤) باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له
خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ)). مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. [خ: ١٤٢٩، م: ١٠٣٣].
١٨٤٤ - [٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: إِنَّ أُنَاساً مِنَ الأَنْصَارِ
سَأَلُوا رَسُولَ اللهِوَِّ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ.
فَقَالَ: ((مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَذَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعِفتَّ يُعِقَّهُ اللهُ،
وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءٌ هُوَ
خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ (١)». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٦٩، م: ١٠٥٣].
١٨٤٥ - [٩] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يُعْطِيْنِي
الْعَطَاءَ فَأَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي. فَقَالَ: ((خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ.
عن النووي: أن الصحيح الرواية الأولى، والله أعلم.
١٨٤٤ - [٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (ومن يستعف یعفّه) بضم الياء وكسر
العين، أي: من يجاهد نفسه في تحصيل العفاف يصيره الله عفيفاً ويوفقه له، كقوله
تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَتَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وفيه ترغيب على الرياضة
والمجاهدة ليحصل التحلي بالمحامد .
١٨٤٥ - [٩] (عمر بن الخطاب) قوله: (فتموّله) أدخله في ملكك ومالك، أي:
(١) وَذَلِكَ لِأَنَّ مَقَامَ الصَّبْرِ أَعْلَى الْمَقَامَاتِ؛ لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِمَكَارِمِ الصِّفَاتِ وَالْحَالَاتِ، وَلِذَا قُدِّمَ
عَلَى الصَّلاَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوة﴾ [البقرة: ٤٥]، وَمَعْنَى كَوْنِهِ أَوْسَعَ
أَنَّهُ تَسِعُ بِهِ الْمَعَارِفُ وَالْمَشَاهِدُ وَالأَعْمَالُ وَالْمَقَاصِدُ، فَإِنْ قِيلَ: الرِّضَا أَفْضَلُ مِنْهُ، كَمَا
صَرَّحُوا بِهِ، أُجِيبُ: بِأَنَّهُ غَايَّتُهُ الَّتِي لاَ يُعْتَدُّ بِهِ إِلَّ مَعَهَا فَلَيْسَ أَجْنَبِيًّا عَنْهُ. ((مرقاة المفاتيح))
(٤ / ١٣١١) .

٣٠٩
(٦) كتاب الزكاة
وَتَصَدَّقْ بِهِ، فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلاَ سَائِلٍ فَخُذْهُ،
ومَا لاَ، فَلاَ تُتَّبِعْهُ نَفْسَكَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٧٣، م: ١٠٤٥].
الْفَصْلُ الثَّانِي:
*
١٨٤٦ - [١٠] عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ:
((الْمَسَائِلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ،
اجعله مالاً لك.
وقوله: (من هذا المال) إشارة إلى جنس المال.
وقوله: (أنت غير مشرف) أي: غير طامع وطالب، والإشراف: الاطلاع من
الشرف، وهو المكان العالي.
وقوله: (فلا تتبعه) بتقديم الباء على العين من الإتباع، أي: لا تجعل نفسك تابعة
له في طلبه، كذا في الحاشية من (المفاتيح شرح المصابيح)(١).
الفصل الثاني
١٨٤٦ - [١٠] (سمرة بن جندب) قوله: (المسائل كدوح) بضم الكاف جمع
كدح بالفتح والسكون، وهو الخدش، في (القاموس)(٢): كدح وجهه: خدش، أو
عمل به ما یشینه، وتكدّح الجلد: تخدّش، وکل أثر من خدش أو عض فهو کدح، ثم
يحتمل أن يكون ذلك في القيامة، كما يدل عليه حديث ابن مسعود ككون الوجه عظماً
لا لحم عليه، أو هو كناية عن إراقة ماء الوجه وإسقاط جانبه وذله وشينه عند الناس،
وهو الأنسب بقوله: (یکدح بها الرجل وجهه).
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٣٥٤/٤).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٣٠).

٣١٠
(٤) باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له
فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ، إِلاَّ أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ
أَوْ فِي أَمْرٍ لاَ يَجِدُ مِنْهُ بُدَّ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٦٣٩
ت: ٦٨١، ن: ٢٥٩٩].
١٨٤٧ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((من
سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُّهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ أَوْ
خُدُوشٌُ أَوْ كُدُوحٌ»
وقوله: (فمن شاء أبقى على وجهه) أي: صان وجهه عن الكدح ومنعه منه،
وفي نسخة: (أبقى عليه وجهه)، والضمير في (عليه) لـ (كدح) أو لـ (من)، وفي أخرى:
(أبقى على وجهه ماء).
وقوله: (ذا سلطان) أي: ذا ملك وسلطنة بيده بيت المال فيطلب حقه منه، وأما
أخذ الأموال من الملوك والسلاطين من غير حق له في بيت المال مما يحوي أيديهم
من الغصب والظلم فله حكم آخر، وهو إن غلب الحرام فيما أيديهم حرمت، وإن غلب
المباح فمباح، وإلا فهو من قبيل الشبهة بعد ما كان الآخذ مستحقاً.
وقوله: (أو في أمر لا يجد منه بدًّا) كدفع الفاقة ورفع الحاجة(١)، كما سبق في
أول الباب.
١٨٤٧ - [١١] (عبدالله بن مسعود) قوله: (ومسألته في وجهه خموش أو خدوش
أو كدوح) يحتمل أن تكون الألفاظ الثلاثة جمعاً لكون المسألة جنساً، وأن تكون
(١) قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَكَذَا يَجِبُ السُّؤَالُ عَلَى مَنِ اسْتَطَاعَ الْحَجَّ فَتَرَكَهُ حَتَّى أَعْسَرَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِأَنَّهُ
أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِي وَرْطَةِ الْفِسْقِ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْحَجِّ، فَلَزِمَهُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ هَذِهِ الزََّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْفِسْقِ
بِسُؤَالِ الأَغْنِيَاءِ مَا يُؤَدِّي بِهِ هَذَا الْوَاجِبَ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ نِزَاعُ بَعْضِهِمْ لِلْغَزَالِيِّ فِي الْوُجُوبِ.
((مرقاة المفاتيح)) (٤ / ١٣١٢).

٣١١
(٦) كتاب الزكاة
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا يُغْنِهِ؟ قَالَ: ((خَمْسُونَ دِرْهَماً أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ)).
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ١٦٢٦، ت:
٦٥٠، ن: ٢٥٩٢، جه: ١٨٤٠، دي: ١٦٤٠].
١٨٤٨ - [١٢] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّتِ:
(مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنَ النَّارِ)). قَالَ النُّغَيْلِيُّ - وَهُوَ أَحَدُ
رُوَاتِهِ - فِي مَوْضعٍ آخَرَ: وَمَا الْغِنَى الَّذِي لاَ يَنْبَغِي مَعَهُ الْمَسْأَلَةُ؟.
مصدراً، وهو الظاهر، وأما في الحديث السابق فجمع لا غير بجمع (المسائل)، قال
التُّورِبِشْتِي(١): هذه الألفاظ متقاربة المعاني، وكلها يعرب عن أثر ما يظهر على الجلد
واللحم من ملاقاة الجسد ما يُقَشّر أو يجرح، والظاهر أنه قد اشتبه على الراوي لفظ
النبي ◌ّ فذكرها سائرها احتياطاً واستقصاء في مراعاة ألفاظه، ويمكن أن يفرق بينها
فيقول: الكدح دون الخدش، والخدش دون الخمش .
وقال الطيبي(٢): فيكون ذلك إشارة إلى أحوال السائلين من الإفراط والإقلال
والتوسط، وأقول: ويناسب ذلك ذكر الخدش في البين فأعلاها الخمش، ثم الخدش،
ثم الكدح، والله أعلم.
١٨٤٨ - [١٢] قوله: (سهل بن الحنظلية) بفتح الحاء المهملة وسكون النون
وفتح الظاء المشالة، اسم أم سهل أو من أمهاته. و(النفيلي) نسبة إلى نفيل، نسبه بلفظ
التصغير .
وقوله: (في موضع آخر) متعلق بـ (قال).
(١) ((كتاب الميسر)) (٢/ ٤٣٥).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٤ / ٦٥).

٣١٢
(٤) باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له
قَالَ: ((قَدْرُ مَا يُغَدِّيهِ وَيُعَشِِّهِ)). وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ((أَنْ يَكُونَ لَهُ شَبَعُ
يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٦٢٩].
١٨٤٩ - [١٣] وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوْقِيَّةٌ .
وقوله: (قدر ما يغدِّيه ويعشِّيه) قد سبق في حديث ابن مسعود ظه: أن حدّ
الغناء الذي يمنع عن السؤال: أن يملك خمسين درهماً أو عدلها، وفي الحديث الآتي
عن عطاء: أن يملك أوقية، قالوا: والأوقية يومئذٍ أربعون درهماً، وفي هذا الحديث:
(قدر ما يغديه ويعشيه)، وأخذ الشافعي بالأول، وأحمد وابن المبارك وإسحاق بالثالث،
وبعض العلماء بالثاني، وأخذ أبو حنيفة وأصحابه بأن يملك مئتي درهم وإن لم يكن
نامياً، وقد ورد ذلك في الحديث، ذكره في (الكافي).
وقال الطيبي(١): قد روي مرسلاً: (من سأل الناس وله عدل خمس أواق فقد
سأل إلحافاً)(٢)، وخمس أواق يكون مئتي درهم؛ لأنه أيسر على الناس، وقال في
(الكافي): وهو ناسخ للأحاديث الأخر، والله أعلم.
وقوله: (أن يكون له شبع يوم أو ليلة) الشبع بالفتح وكعنب: ضد الجوع،
وبالكسر، وكعنب: اسم ما يشبعك، كذا في (القاموس)(٣)، وفي (مجمع البحار) (٤):
شبع بكسر الشين وفتح الموحدة وهو بسكون الباء اسم: ما يشبع، وبالفتح مصدر.
١٨٤٩ - [١٣] (عطاء بن يسار) قوله: (وله أوقية) بضم الهمزة وتشديد الياء
(١) ((شرح الطيبي)) (٤ / ٦٦).
(٢) أخرجه أحمد في ((مسنده)) (٤ / ١٣٨).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٧٥).
(٤) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ١٧٥).

٣١٣
(٦) كتاب الزكاة
أَوْ عِدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافاً)). رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ط: ١٨١٦،
د: ١٦٢٧، ن: ٢٥٩٦].
١٨٥٠ - [١٤] وَعَنْ حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إِنَّ
الْمَسْأَلَةَ لاَ تَحِلُّ لِغَنِيٍّ وَلاَ لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ إِلَّ لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ غُرْمٍ
مُقْطِعٍ (١)، وَمَنْ سَأَلَ النَّاسَ لِيُثْرِيَ بِهِ مَالَهُ كَانَ خُمُوشاً فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،
وَرَضْفاً يَأْكُلُهُ مِنْ جَهَنَّمَ،
وقد تخفف(٢).
١٨٥٠ - [١٤] (حُبشِيّ بن جُنادة) قوله: (لذي فقر مدقع) بضم الميم وسكون
الدال المهملة وكسر القاف: الملصق بالدقعاء، وهي التراب كناية عن شدة الحاجة
والفقر ألصقه بالتراب، ومنه سمي المسكين سكن ولم يقدر على الحركة، كما قال
تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينَاذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦].
وقوله: (أو غرم مقطع) قطع الأمر ككرم: اشتدت شناعته وجاوز المقدار في
ذلك، كأقطع وأقطعه واستقطعه وتقطعه: وجده قطيعاً.
وقوله: (ليثري به ماله) أي: يكثره، والثروة كثرة العدد من الناس والمال، وفي
(القاموس): ثري كرضي: كثر ماله كأثرى، فعلى هذا يجوز أن يكون (ماله) مرفوعاً
على الفاعلية، لكن الرواية بالنصب وهو الأوجه معنى. و(الرضف) بالفتح وسكون
(١) في النسخة الهندية: ((مفظع)).
(٢) قال القاري (٤/ ١٣١٤): وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ النَّسَائِيِّ (ح: ٢٥٩٥) مِنْ حَدِيثِ
أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: سَرَّحَتْنِي أُمِّي إِلَى رَسُولِ اللهِنَّهِ، فَيْتُهُ وَقَعَدْتُ، فَاسْتَقْبَلَنِي، وَقَالَ: ((مَنِ
اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللهُ عَنْ، وَمَنِ اسْتَعَفَّ أَعَقَّهُ اللهُ ◌َّتْ، وَمَنِ اسْتَكْفَى كَفَاهُ اللهُ تَّ، وَمَنْ سَأَلَ وَلَهُ قِيمَةُ
أُوِيَّةٍ فَقَدْ أَلْحَفَ، فَقُلْتُ: نَقَتِي الْيَاقُونَةُ خَيْرٌ مِنْ أُوْفِيَّةٍ، فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَسْأَلْهُ» .

٣١٤
(٤) باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له
فَمَنْ شَاءَ فَلْيُقِلَّ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرْ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٦٥٣].
١٨٥١ - [١٥] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ أَتَى النَّبِّ ◌َهِ يَسْأَلُهُ،
فَقَالَ: «أَمَا فِي بَيْئِكَ شَيْءٌ؟)) فَقَالَ: بَلَى، حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ، وَبَّسُطُ بَعْضَهُ،
وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ، قَالَ: ((اكْتِي بِهِمَا)) قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا
رَسُولُ اللهِ ◌َّهَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: ((مَنْ يَشْتَرِيْ هَذَيْنٍ؟)) قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا
بِدِرْهَمٍ، قَالَ: ((مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟)) مَرََّيْنِ أَوْ ثَلاَثَاَ، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا
بِدِرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، فَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا الأَنْصَارِيَّ، وَقَالَ:
(اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَاماً، فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُوماً، فَائْتِي
به))،
الضاد المعجمة: الحجارة المحماة .
وقوله: (فليقل) من الإقلال، وكذا (فليكثر) من الإكثار، والمفعول محذوف،
أي: السؤال أو الوصف، كما سبق.
١٨٥١ - [١٥] (أنس) قوله: (جلس الأمر: كاء على ظهر البعير تحت البرذعة
يبسط في البيوت تحت حُرِّ الثياب، ويححرف: كَذا في (القاموس)(١). والقعب بفتح
القاف وسكون العين: القدح الضخم الجاني، أو إلى الصِّغر، أو يُرْوِي الرَّجُلَ.
وقوله: (أنا آخذهما) بصيغة المضارع، وفي الثاني: بصيغة اسم الفاعل.
و(القدوم) بفتح القاف وضم الدال مخففة أو مشددة، قدوم [آلة] النجار مؤنثة،
والذي وقع في حديث إبراهيم: (اختتن بالقدوم)(٢)، قيل: هي هذه، وقيل: اسم موضع
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٩٩).
(٢) أخرجه أحمد (٢ / ٤٣٥، رقم: ٩٦٢).

٣١٥
(٦) كتاب الزكاة
فَأَتَاهُ بِهِ، فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللهِوَّهِ عُوداً بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: ((اذْهَبْ، فَاحْتَطِبْ،
وَبَعْ، وَلاَ أَرَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً)) فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ، فَجَاءَهُ،
وَقَدْ أَصَابَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْباً وَبِبَعْضِهَا طَعَاماً، فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ: ((هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لاَ تَصْلُحُ إِلاَّ لِثَلاَئَةِ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ
مُفْظِعٍ، أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِع). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ إِلَى قَوْلِهِ: ((يَوْمَ
الْقِيَامَةِ)). [د: ١٦٤١، جه: ٢١٩٨].
١٨٥٢ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ
أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللهِ أَوْشَكَ اللهُ لَهُ
بِالْغِنَى، إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ.
من الشام.
وقوله: (نكتة) في (القاموس)(١): النكت أن تضرب في الأرض بقضيب فيؤثر
فيها، والنكتة بالضم: النقطة، جمعها نكات كبرام جمع برمة، وشبه الوسخ في المرآة،
والمراد بـ (الدم الموجع) الدية لزمتها أو تحملها من غيره.
١٨٥٢ - [١٦] (ابن مسعود) قوله: (أوشك الله) في (القاموس)(٢): وشك الأمر
ککرُم: سرُع، وأوشك: أسرع.
وقوله: (بالغِنى) قال التُّورِبِشْتِي (٣): معناه جعل الله له الغناء - بفتح الغين - أي:
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٦٢).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٨١).
(٣) ((كتاب الميسر)) (٢/ ٤٣٧).

٣١٦
(٤) باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له
أَوْ غِنَّى آجِلِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ١٦٤٥، ت: ٢٣٢٦].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١٨٥٣ - [١٧] عَنِ ابْنِ الْفِرَاسِيِّ أَنَّ الْفِرَاسِيَّ قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ اللهِلَّه :
أَسْأَلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((لَاَ، وَإِنْ كُنْتَ لاَ بُدَّ فَسَلِ الصَّالِحِينَ» ..
بالكفاية عما هو فيه (إما بموت عاجل أو بغنى آجل) هو ضد العاجل، انتهى. وجه التعليل
أن على تقدير الكسر لا يصح هذا الترديد؛ لأنه لا يحصل الغناء بالموت.
وقوله: (أو غنى عاجل) بالعين، كذا في أكثر نسخ (المصابيح)، وفي (سنن أبي
داود) و(الترمذي): (أو غنى آجل) وهو أصح درايةً كقوله: ﴿إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءُ يُغْنِهِمُ اللَّهُ
مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] كذا قال الطيبي(١)، وجه الأصحية أنه إذا لم يكن موت عاجل
يكون بعده غناء آجل، أما تاييده بالآية فلا يخلو عن خفاء.
الفصل الثالث
١٨٥٣ - [١٧] قوله: (عن ابن الفراسي) بكسر الفاء، نسبته إلى فراس بن غنم
ابن مالك بن كنانة.
وقوله: (أسأل) بتقدير حرف الاستفهام.
وقوله: (وإن كنت لا بدّ) أي: وإن كنت تريد أن تسأل الناس ولا بد لك من
ذلك لحاجة أو فاقة، و(لا بدّ) بمعنى لا فراق ولا محالة، بدَّده تبديداً: فرّقه.
وقوله: (فسل الصالحين) لكرمهم وكون رزقهم حلالاً (٢).
(١) ((شرح الطيبي)) (٤ / ٦٩).
(٢) قال القاري: وَلِذَا كَانَ فُقَرَاءُ بَغْدَادَ يَسْأَلُونَ الإِمَامَ أَحْمَدَ، وَمِنْ غَرِيبِهِ مَا وَقَعَ أَنَّ أَهْلَ بَيْتِ الإِمَامِ =

٣١٧
(٦) كتاب الزكاة
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٦٤٦، ن: ٢٥٨٦].
١٨٥٤ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ السَّاعِدِيِّ أَنْه قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ عَلَى
الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا وَأَيْتُهَا إِلَيْهِ أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ، فَقُلْتُ: إِنَّمَا عَمِلْتُ
لِلَّهِ، وَأَجْرِي عَلَى اللهِ، فَقَالَ: خُذْ مَا أُعْطِيتَ، فَإِنِّي قَدْ عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ
رَسُولِ اللهِنَّهِ فَعَمَّلَنِي، فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ، فَقَالَ لِي رَسُولُ الهِنَّهِ: ((إِذَا
أُعْطِيْتَ شَيْئاً مِنْ غَيْرٍ أَنْ تَسْأَلَ فَكُلْ وَتَصَدَّقْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د:
١٦٤٧].
١٨٥٤ - [١٨] (ابن الساعدي) قوله: (بعُمَالة) مثلثة: أجر العمل.
وقوله: (خذ ما أعطيت) بلفظ المجهول.
وقوله: (فعمّلني) عمّله تعميلاً: أعطاه أجرة عملِهِ(١).
= احْتَاجُوا إِلَى الْخَمِيرَةِ فِي حَالِ الْعَجْنِ مَرَّةً، فَطَلَبُوا مِنْ بَيْتِ وَلَدِهِ، وَكَانَ قَدْ تَوَلَّى الْقَضَاءَ، وَمِنْ
صَلَاحِهِ وَتَقْوَاهُ يَرْقُدُ عِنْدَ بَابِهِ فِي اللَّيْلِ قَائِلاً: لَعَلَّهُ احْتَاجَ إِلَيَّ، وَلَمَّا خَبَرُوا انْكَشَفَ لِلإِمَامِ أَنَّ
فِيهِ شُبْهَةٌ، فَسَلَّهُمْ، فَحَكَوْا لَهُ بِالْقَضِيَّةِ، فَامْتَنَعَ مِنْ أَكْلِهِ، وَتَبِعُوهُ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ نُعْطِيهِ لِلْفُقَرَاءِ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ إِجْلَاءٍ عَيْبِهِ، فَلَمْ يَأْخُذْهُ الْفُقَرَاءُ، فَرَمَوْهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ، فَلَمَّا
الطَّلَعَ عَلَى فِعْلِهِمُ امْتَنَعَ مِنْ أَكْلِ الْحُوتِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ -. ((مرقاة المفاتيح))
(٤ / ١٣١٦) .
(١) قال القاري: فِيهِ جَوَازُ أَخْذِ الْعِوَضِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ الْعَامِّ، وَإِنْ كَانَ فَرْضاً كَالْقَضَاءِ وَالْحِسْبَةِ
وَالتَّدْرِيسِ، بَلْ يَجِبُ عَلَى الإِمَامِ كِفَايَةُ هَؤُلاءِ، وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ فِي مَالٍ بَيْتِ الْمَالِ، وَظَاهِرُ
هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مِمَّا سَبَقَ وُجُوبُ قَبُولِ مَا أُعْطِيَهُ الإِنْسَانُ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ وَلاَ إِشْرَافِ نَفْسٍ،
وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَحَمَلَ الْجُمْهُورُ الأَمْرَ عَلَى الإِسْتِحْبَابِ، أَوِ الإِبَاحَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. ((مرقاة
المفاتيح)) (٤ / ١٣١٧).

٣١٨
(٤) باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له
١٨٥٥ - [١٩] وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ سَمِعَ يَوْمَ عَرَفَةَ رَجُلاً يَسْأَلُ النَّاسَ فَقَالَ:
أَفِي هَذَا الْيَوْمِ؟ وَفِي هَذَا الْمَكَانِ تَسْأَلُ مِنْ غَيْرِ اللهِ؟ فَخَفَقَهُ بِالدِّرَّةِ. رَوَاهُ
رَزِینٌ.
١٨٥٦ - [٢٠] وَعَنْ عُمَرُ قَالَ: تَعْلَمُنَّ أَيّهَا النَّاسُ أَنَّ الطَّمَعَ فَقْرٌ،
وَأَنَّ الإِيَاسَ غِنَّى، وَأَنَّ الْمَرْءَ إِذَا بَيْسَ عَنْ شَيْءٍ اسْتَغْنَى عَنْهُ. رَوَاهُ
رَزِینٌ.
١٨٥ - [٢١] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((مَنْ يَكْفُلُ لِي
أَنْ لاَ يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئاً فَأَتَكَفَّلَ لَهُ بِالْجَنَّةِ؟)) فَقَالَ ثَوْبَانُ: أَنَا، فَكَانَ لاَ يَسْأَلُ
أَحَداً شَيْئاً(١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٦٤٣، ن: ٢٥٩٠].
١٨٥٥ - [١٩] (علي) قوله: (فخفقه) أي: ضربه، في (القاموس)(٢): الخفق:
الضرب بالدرة أو بعريض(٣).
١٨٥٦ - [٢٠] (عمر) قوله: (تعلمُنَّ) بتقدير لام الأمر أو الابتداء. و(الإياس)
بكسر الهمزة: القنوط وقطع الطمع، أيس ويئس لغتان.
١٨٥٧ - [٢١] (ثوبان) قوله: (من يكفل) أي: يضمن ويتعهد.
(١) أَيْ: وَلَوْ كَانَ بِهِ خَصَاصَةٌ، وَاسْتُثْنِيَ مِنْهُ إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَوْتَ فَإِنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ
الْمَحْظُورَاتِ، بَلْ قِيلَ: إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْأَلْ حَتَّى يَمُوتَ؛ يَمُوتُ عَاصِياً. (مرقاة المفاتيح))
(٤ / ١٣١٨) .
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨١١).
(٣) قَالَ الطَّيِيُّ: أَيْ: هَذَا الْمَكَانُ، وَهَذَا الْيَوْمُ يُنَافِيَانِ السُّؤَالَ مِنْ غَيْرِ اللهِ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ السُّؤَالُ
فِي الْمَسَاجِدِ، إِذْ لَمْ تُبْنَ إِلاَّ لِلْعِبَادَةِ، اهـ. ((مرقاة المفاتيح)) (٤/ ١٣١٧).

٣١٩
(٦) كتاب الزكاة
١٨٥٨ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللهِنَّهِ وَهُوَ يَشْتَرطُ
عَلَىَّ: ((أَنْ لاَ تَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئاً)) قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: ((وَلاَ سَوْطَكَ إِنْ سَقَطَ
مِنْكَ حَتَّى تَنزِلَ إِلَيْهِ فَتَأْخُذَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١٧٢/٥]
٥ - باب الإنفاق وكراهية الإسان
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٨٥٩ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لَوْ كَانَ لِي
مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَباً لَسَرَّنِي أَنْ لاَ يَمُرَّ عَلَيَّ ثَلاَثُ لَيَالٍ .
١٨٥٨ - [٢٢] (أبو ذر) وقوله: (ولا سوطك) مبالغة في النهي عن السؤال
وحسم لمادته وإن لم يكن من السؤال المحرم.
٥ - باب الإنفاق وكراهية الإمساك
أنفق ماله: أنفذه، وكل ما فاؤه نون وعينه فاء فهو دالٌ على معنى الذهاب
والخروج، نحو نفر ونفع ونفس، والإمساك: البخل، ولعل المراد الإنفاق من غير
الزكاة، ولذا ذكر الكراهية؛ لأن الزكاة وأحكامها قد ذكرت، ويجوز أن يراد مطلقاً
ما يشمل الفرض والنفل، ويكون المراد مدح صفة الإنفاق وذم الإمساك مطلقاً، وقد
فسر الإنفاق والبخل الواقعان في الآيات بما يشملهما، ولكن سوق الأحاديث المذكورة
في الباب أكثرها ينظر إلى مدح السخاء وإنفاق المال كله وعدم إبقاء شيء منه .
الفصل الأول
١٨٥٩ - [١] (أبو هريرة) وقوله: (أن لا يمر عليّ ثلاث ليال) إشارة إلى غاية
ما يبقى منه شيء إلى ثلاث ليال مع غاية كثرة ذلك المال، وقد كان لا يمر عليه وله أكثر

٣٢٠
(٥) باب الإنفاق وكراهية الإمساك
وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّ شَيْءٌ أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٣٨٩].
١٨٦٠ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ
فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانٍ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً، وَيَقُولُ الآخَرُ:
اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٤٢، م: ١٠١٠].
١٨٦١ - [٣] وَعَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلَّهِ: «أَنْفِقِي
وَلاَ تُخْصِي فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْكِ، وَلاَ تُوعِي فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيْكِ، ارْضَخِي ..
من ليلة واحدة حتى ينفق ما عنده، فافهم.
وقوله: (إلا شيء أرصده) بضم الهمزة، يقال: أرصدت له: أعددت، وفيه
أن إعداد المال وحفظه لأجل الدين جائز، بل عسى أن يجب في بعض الأحيان،
وتخصيصه بالدَّين للاهتمام دِيناً ودُنياً، والحاجات الضرورية تكون في حکمه.
١٨٦٠ - [٢] (وعنه) قوله: (خلفاً) أي: مالاً عوضاً مما أنفق، ويجوز أن يكون
المراد أعم من المال والولد، فكأنه ببركة الإنفاق يبارك في المال والأولاد، والخلف
ما استخلفت من شيء والولد الصالح. و(أعطى) الثاني بمعنى حصل وأوجد، و(التلف)
تلف المال، أو أعم كما في الخلف.
١٨٦١ - [٣] قوله: (عن أسماء) أي: بنت أبي بكر ـ
٠
بّه
وقوله: (ولا تحصي) بلفظ نهي المخاطبة وحذف النون من الإحصاء، وهو
الإحاطة بالشيء حصراً وتعداداً؛ لأن عادة العرب أن يعدد الشيء بالحصاء، والمراد
هنا عدّ الشيء لتبقيته وادخاره، والمراد بإحصاء الله إما قطع مادة البركة والمزيد، وإما
حساب الآخرة. و(الإيعاء): حفظ الأمتعة بالوعاء، والمراد هنا الإمساك وترك الإنفاق.
وقوله: (ارضخي) من رضخ يرضخ من باب فتح يفتح، يقال: رضخ له: أعطاه