Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
(٥) كتاب الجنائز
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٦٤٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((أَسْرِعُوا
بالْجَنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً.
وقيل: تنقلب الأولى صحيحة عند تحقق العجز فلا تعاد، كذا ذكره في (شرح ابن
الهمام)(١)، وسيأتي الكلام في قيد الحضور في صلاته وَّ على النجاشي.
الفصل الأول
١٦٤٦ - [١] (أبو هريرة) قوله: (أسرعوا بالجنازة) أي: بحملها إلى القبر،
والأمر فيه للاستحباب بلا خلاف(٢)، وشدَّ ابن حزم الظاهري فقال بوجوبه بظاهر
الأمر(٣)، وقيل: المراد بالإسراع تجهيزها، أو ما هو أعم من الأول، وينافيه (تضعونه
عن رقابكم)، وتعقب بأن الحمل عن الرقاب يعبر به عن أداء الحق، كما يقال: حمل
فلان عن رقبته ديوناً. والجنازة تطلق على الميت، والضمير في قوله: (فإن تك صالحة)
راجعٌ إليها، ولا حاجة إلى إرجاعه إلى الجثة المحمولة، كما في بعض الشروح،
ولا إلى ما قال الطيبي(٤): أَسند الفعلَ إلى الجنازة وأراد به الميت، وقال: إذ جعلت
(١) (شرح فتح القدير)) (٢ / ١١٧).
(٢) انظر: ((المغني)) (٣/ ٣٩٤)، قال ابن قدامة: لا خلاف بين الأئمة في استحباب الإسراع بالجنازة،
انتهى. والمراد بالإسراع: الإسراع المتوسط بين الخبب ، أي: شدة السعي - وبين المشي
المعتاد، قال العيني (٦ / ١٥٥): مراده الإسراع المتوسط، قال الحافظ (١٨٤/٣): وهو قول
الجمهور، والحاصل أنه يستحب الإسراع بها لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث
مفسدة بالميت أو مشقة على الحامل أو المشيع، انتهى.
(٣) ((المحلى بالآثار)) (٣ / ٣٨١).
(٤) ((شرح الطيبي)) (٣ / ٣٦٠).

١٢٢
(٥) باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ)). مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. [خ: ١٣١٥، م: ٩٤٤].
١٦٤٧ - [٢] وَعَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا وُضِعَتِ
الْجَنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِ،
وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ لَأَهْلِهَا: يَا وَيْلَهَا! أَيْنِ تذهبون بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا
كُلُّ شَيْءٍ إِلَّ الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَ الإِنْسَانُ.
الجنازة عين الميت ووصفت بأعماله الصالحة ... إلى آخر ما قرر، فافهم.
وقوله: (فخير تقدمونها إليه) أي: فالإسراع سببُ خيرٍ تقدمون الجنازة إليه، وهو
وصولها إلى جزاء عمله من نعيم القبر .
١٦٤٧ - [٢] (أبو سعيد) الخدري، قوله: (إذا وضعت الجنازة) أي: وضع
الميت على النعش.
وقوله: (قالت) أي: الجنازة، قيل: القائل الروح، وأسند القول إلى الجنازة
- وهو الجسد - مجازاً، وقيل: لا مانع من أن يركّ الله سبحانه الروح إلى الجسد في تلك
الحال(١).
وقوله: (يا ويلها) الويل: الهلاك، ينادي الهلاك ويقول: يا هلاكي احْضُرْ فهذا
أوانُكَ، والظاهر أن يقول: يا ويلي، ولكنه من تصرف الراوي كراهة أن يضيف الويل
إلى نفسه، وقيل: لما كان أبصر نفسه غير صالحةٍ نزعها وجعلها كأنها غيره، وهذه
نكتة، والوجه هو الأول.
(١) قال ابن بزيزة: قوله في آخر الحديث: ((يسمع صوتها كل شيء)) دال على أنه قول بلسان القال
لا بلسان الحال، انظر: ((فتح الباري)) (٣/ ١٨٥)، و((عمدة القاري)) (٦/ ١٥٨).

١٢٣
(٥) كتاب الجنائز
لَصَعِقَ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٣١٦].
١٦٤٨ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا،
فَمَنْ تَبِعَهَا فَلاَ يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣١٠، م: ٩٥٩].
١٦٤٩ - [٤] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: مَرَّتْ جَنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا رَسُولُ اللهِ لَّه
...
وَقُمْنَا مَعَهُ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهَا يَهُودِيَّةٌ، فَقَالَ: ((إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ،.
وقوله: (لصعق) أي: مات، وقيل: يغشى عليه، والصعق يجيء بالمعنيين .
١٦٤٨ - [٣] (وعنه) قوله: (فقوموا) ترحيباً للميت وتعظيماً لإيمانه، أو تهويلاً
للموت وتفظيعاً له، وهو المفهوم من حديث جابر(١).
وقوله: (حتى توضع) أي: بالأرض، وقيل: في اللحد، والأول أصح وأوفق
بالأحاديث، وترجم البخاري(٢): (باب من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب
الرجال)(٣).
١٦٤٩ - [٤] (جابر) قوله: (مرت جنازة) بضم الميم وفتحها، والضم أكثر.
وقوله: (فزع) الرواية بفتح الزاي، أي: محلٌّ فزع(٤).
(١) الآتي برقم (١٦٤٩).
(٢) انظر: ((صحيح البخاري)) (١٣١٠).
(٣) قال شيخنا: إن ههنا قيامين اختلفت الأئمة في حكمهما، الأول: القيام لمن مرت عليه الجنازة،
والثاني: قيام من تبعها، ثم لخص الكلام عليهما مختصراً. فالقيام للجنازة لمن مرت به منسوخ
عند مالك والشافعي وأبي حنيفة وصاحبيه، ومستحب عند أحمد ومن وافقه، والقيام لمن تبعها
حتى توضع بالأرض مستحب عند الجمهور، انظر: ((أوجز المسالك» (٤ / ٥٢٠ - ٥٢٨).
(٤) اختلفت الروايات في بيان التعاليل للقيام بالجنازة، فلا منافاة بين هذه التعاليل، إذ يجوز =

١٢٤
(٥) باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
فَإِذَا رَأَيْتُمْ الْجَنَازَةِ فَقُومُوا)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣١١، م: ٩٦٠].
١٦٥٠ - [٥] وَعَنْ عَلَيٍّ قَالَ: رَأَيْنَا رَسُولَ اللهِنَّهِ قَامَ فَقُمْنَا وَقَعَدَ
فَقَعَدْنَاَ، يَعْنِي فِي الْجَنَازَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَأَسِي دَاوُدَ: قَامَ
فِي الْجَنَازَةِ ثُمَّ قَعَدَ بَعْدُ. [م: ٩٦٢، ط: ٣٣، د: ٣١٧٥].
١٦٥١ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَنِ اتَّبَعَ
جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا،
فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِرَاطَيْنِ،
١٦٥٠ _ [٥] (علي ر﴿به) قوله: (قام فقمنا) وفي رواية أبي ذر: (وقمنا) بالواو،
وأما قوله: (فقعدنا) فبالفاء، وللحديث معنيان: أحدهما: أنه قام لرؤية الجنازة، ثم
قعد بعد تجاوزه وبُعده عنه، وثانيهما: أنه كان أولاً يقوم، ثم قعد، فيكون الأول
منسوخاً، أو دل فعله الأخير على أن الأول كان مندوباً لا واجباً.
١٦٥١ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (من اتبع) بالتشديد، وللأصيلي: (تبع) على
وزن سمع .
وقوله: (حتى يصلي) بكسر اللام، ويروى بفتحها والفتح أكثر، ولكنها محمولة
على الكسر، فإن حصول القيراطين موقوف على وجود الصلاة من الذي يتّبع، كذا في
بعض الشروح نقلاً عن الشيخ(١).
وقوله: (يفرغ) بصيغة المعلوم، وفي رواية بالمجهول، والقيراط جزء من أربعة
= تعدد الأغراض والعلل، انظر: ((فتح الباري)) (٣/ ١٨٠)، و((أوجز المسالك)) (٥١٨/٤)،
و ((مرعاة المفاتيح)) (٥ / ٣٦٦).
(١) انظر: ((فتح الباري)) (٣ / ١٩٦ - ١٩٧).

١٢٥
(٥) كتاب الجنائز
كُلُّ قِرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ
بِقِيرَاطٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٢٥، ٩٤٥].
١٦٥٢ - [٧] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ الْيَوْمَ الَّذِي
مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِرَات. مُتََّقٌ
عَلَيْهِ. [خ: ١٣١٨، م: ٩٥١].
وعشرين، وهو ثلث الثمن، كذا نقل عن (نزهة الحسَّاب)(١)، وقال الجوهري(٢):
القيراط: نصف الدانق، فهو جزء من اثني عشر؛ لأن الدانق جزء من ستة. وقال في
(القاموس)(٣): القيراط يختلف وزنه بحسب البلاد، فبمكة: ربع سدس دينار، وبالعراق:
نصف عُشره، والقيراط: أصله قِرّاط برائين، فأبدل من إحدى حرفي التضعيف ياء بدليل
جمعه على قراريط؛ كدينار ودِنّر لجمعه على دنانير، والمراد في الحديث: القسط
والنصيب(٤).
١٦٥٢ - [٧] (وعنه) قوله: (نعى للناس) أخبرهم بموته، نعاه له نعياً ونعواً
(١) هو للشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد الهائم، المتوفى سنة ٨١٥هـ، لخصه من ((المرشدة في
علم الغبار))، ورتبه على مقدمة وبابين وخاتمة. ((كشف الظنون)) (٢/ ١٩٤٢).
(٢) ((الصحاح)) (٣/ ١١٥١).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٦٢٨).
(٤) قال الحافظ (٣/ ١٩٤ - ١٩٥): ذهب الأكثر إلى أن المراد بالقيراط جزء من أجزاء معلومة
عند الله، وقد قرّبها النبي ◌َّ للفهم بتمثيله القيراط بأحد، انتهى.
قال النووي: اعلم أن الصلاة يحصل بها قيراط إذا انفردت، فإن انضم إليها الاتباع حتى الفراغ
حصل له قيراط ثان، ولمن اقتصر على الصلاة قيراط واحد، انتهى نقلاً عن ((عمدة القاري))
(١ / ٤٠١) .

١٢٦
(٥) باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
ونعياناً: أخبره بموته(١)، والنجاشي(٢) اسمه أصحمة بفتح الهمزة وسكون صاد وفتح
حاء مهملتين على الصواب، ولبعضهم صحمة، ولآخرين صمحة، كذا في (شرح
صحيح مسلم)(٣)، والنجاشي لقب ملك الحبشة، وهو بفتح النون - وقيل: بكسرها -
وخفة جيم وبمعجمة وخفة ياء وهو الأكثر، وعن صاحب (التكملة): تشديدها، وقيل:
بهما، وتشديد جيمه خطأ .
والحديث متمسَّك الشافعي في الصلاة عن الغائب، ونحن نقول: رُفع سريره
له ◌َ﴾ حتى رآه بحضرته، أو كشف له، فيكون صلاة من خلفه كالصلاة على ميت يراه
الإمام ويحضره دون المأمومين، وهذا غير مانع من الاقتداء، وقيل: ذلك مخصوص
بالنجاشي فلا يلحق به غيره وإن كان أفضل منه، كشهادة خزيمة من شهادة الصديق.
وفي صلاته وَّر على غير النجاشي كمعاوية المزني الذي مات بالمدينة والنبيُّ ◌َّل
بتبوك، وعلى زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب استُشهدا بمؤتةٍ كلام من حيث إسناد
الأحاديث التي رويت فيها، وعلى تقدير التسليم إنما قلنا بتخصيصه بالنجاشي على
تقديرٍ أن لم يرفع ولم يكشف سريره للنبي ◌ّ، وأما على تقدير الرفع والكشف فلا
(١) فيه جواز النعي، قال الحافظ: (٣/ ١١٧): إن النعي ليس ممنوعاً كله، وإنما نهي عما كان أهل
الجاهلية يصنعونه، قال ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)) (٢/ ٢٠٦): تؤخذ من مجموع
الأحاديث ثلاث حالات: الأولى: إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح، فهذا سنة، والثانية:
دعوة الحفل للمفاخرة، فهذه تكره، الثالثة: الإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك، فهذا يحرم،
انتهى. انظر: ((أوجز المسالك)) (٤ / ٤٣٩).
(٢) اختلف العلماء في أن النجاشي هذا هو الذي أرسل إليه رسول الله ﴿ كتابه أو غيره؟ فلينظر لزاماً:
((أوجز المسالك)) (٤ / ٤٤٠)، و((زاد المعاد)) (١١٦/١)، و((تاريخ الخميس)) (٣٠/٢).
(٣) ((شرح صحيح مسلم)) (٤ / ٢٧).

١٢٧
(٥) كتاب الجنائز
١٦٥٣ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ
يُكَبُِّ عَلَى جَنَائِنَا أَرْبَعاً، وَأَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْساً فَسَأَلْنَهُ، فَقَالَ: ((كَانَ
رَسُولُ اللهِ يُكَبِّرُهَا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٥٧].
صلاة على الغائب، وفي قصة زيد وجعفر كان كذلك(١).
١٦٥٣ - [٨] (عبد الرحمن بن أبي ليلى) قوله: (كبر على جنازة خمساً) قد اتفق
الأئمة الأربعة على أن التكبيرات في صلاة الجنازة أربع(٢)، وردت فيها الأحاديث
الصحيحة من الكتب الستة، وجاء في بعض الروايات الخمسُ وأكثر منها، والذي ثبت
من فعله ﴿ آخراً هي الأربع.
وقال في (فتح الباري)(٣): قد اختلف السلف في ذلك، فروى مسلم عن زيد بن
أرقم أنه کبر خمساً، ورفع ذلك إلى النبي أپ﴾، وروى ابن المنذر عن ابن مسعود څته:
(أنه صلى على جنازة رجل من بني أسد فكبَّر خمساً)، وروى ابن المنذر وغيره [عن
عليٍّ]: (أنه كان يكبر على أهل بدر ستًّا، وعلى باقي الصحابة خمساً، وعلى سائر
الناس أربعاً) وذهب بكر بن عبدالله المزني: أنه لا يُنقص من ثلاث ولا يزاد على سبع،
وقال أحمد مثله، لكن قال: لا يُنقص من أربع، وروي عن أنس الاقتصار على ثلاث،
وروي أيضاً أنه كبر على جنازة ثلاثاً، ثم انصرف ناسياً، فقيل: يا أبا حمزة إنك كبَّرت
ثلاثاً، قال: فصُفُّوا، فصَفَّوا فكبَّر الرابعة. وقال: والذي نختاره ما ثبت عن عمر، فإنه
جمع الناس على أربع، وروى البيهقي بإسناد [حسن إلى] أبي وائل قال: كانوا يكبرون
(١) انظر: ((أوجز المسالك)) (٤/ ٤٤٢ - ٤٤٨).
(٢) انظر: ((المغني)) (٣/ ٤١٠)، و((المجموع)) (١٣٤/٥)، و((فتح القدير)) (٢/ ١٢٣).
(٣) ((فتح الباري)) (٣/ ٢٠٢).

١٢٨
(٥) باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
١٦٥٤ - [٩] وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِاللهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ
ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، فَقَالَ: لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ. رَوَاهُ
البُخَارِيُّ. [خ: ١١٣٥].
على عهد رسول الله وَ﴿ سبعاً وخمساً وستاً وأربعاً، فجمع عمر الناس على أربع، وقال
ابن عبد البر: لا أعلم أحداً من فقهاء الأمصار يزيد التكبير على أربع إلا ابن أبي ليلى،
انتھی .
وقال الشُّمُنِّي: قال محمد في (الآثار)(١): عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم
النخعي: أن الناس كانوا يكبرون على الجنائز خمساً وستًا وأربعاً حتى قبض النبي ◌َّ،
ثم كبروا كذلك في ولاية أبي بكر، ثم ولي عمر ففعلوا ذلك، فقال لهم عمر: إنكم
أصحاب محمد متى تختلفون يختلف الناس بعدكم، والناس حديث عهد بالجاهلية،
فأجمعوا على شيء يجتمع عليه مَنْ بعدكم، فاجتمع رأي أصحاب رسول الله وَّل أن
ينظروا آخر جنازة كبر عليها [النبي ◌َّ حين قبض] فيأخذوا به ويرفضوا ما سواه، [فنظروا]
فوجدوا آخر جنازة كبر عليها أربعاً، فأجمعوا عليه.
ثم إنه لا دعاء بعد التكبيرة الرابعة، بل يسلم من غير ذكر بعدها في ظاهر الرواية،
واستحسن بعض المشايخ: ﴿رَبََّآ ءَانِنَا فِىِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]، و﴿رَبَّنَا لَا تُرْغُ
قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] الآيتين، كذا في (شرح ابن الهمام)(٢) .
١٦٥٤ - [٩] (طلحة بن عبدالله بن عوف) قوله: (فقرأ فاتحة الكتاب) قال
علماؤنا: لا يقرأ الفاتحة إلا أن يقرأها بنية الثناء، ولم يثبت القراءة عن رسول الله مَلآ،
(١) انظر: ((كتاب الآثار)) (ص: ٤٩)، مع اختلاف يسير في ألفاظ الحديث.
(٢) ((شرح فتح القدير)) (٢/ ١٢٣).

١٢٩
(٥) كتاب الجنائز
١٦٥٥ - [١٠] وَعَنْ عَوْفٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِوَ﴿ عَلَى
جَنَازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَعَانِهِ،
وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزْلَهُ، وَوَسِّعْ مَدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالَلْجِ وَالْبَرَدِ، وَقِّهِ
مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَنْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَاراً خَيْراً مِنْ دَارِهِ،
وَأَهْلاً خَيْراً مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجاً خَيْراً مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجِنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ
عَذَابِ الْقَبْرِ .
وفي (موطأ مالك): عن نافع: أن ابن عمر كان لا يقرأ في صلاة الجنازة، ويصلي
بعد التكبيرة الثانية كما يصلي في التشهد وهو الأولى، كذا قال الشيخ ابن الهمام(١)،
وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك والثوري، وكان عمل الصحابة في ذلك مختلفاً.
وقال الطحاوي(٢): لعل قراءة بعض الصحابة الفاتحة في صلاة الجنازة كان بطريق
الثناء والدعاء لا على وجه القراءة، وعند مالك والشافعي: يقرأ الفاتحة، ويظهر من
كلام (فتح الباري)(٣) أن مرادهم بذلك مشروعية القراءة لا وجوبها، وقال الكرماني(٤):
يجب، والمراد بالسنة التي وقع في كلام ابن عباس: الطريقة المسلوكة في الدين، وبه
قال الطيبي(٥) .
١٦٥٥ - [١٠] (عوف بن مالك) قوله: (وأكرم نزله) بضم النون والزاي وتسكن:
ما يقدم إلى الضيف من الطعام.
(١) ((شرح فتح القدير)) (٢ / ١٢١ - ١٢٢).
(٢) انظر: ((شرح ابن بطال)) (٣١٧/٣)، و((الجوهر النقي)) لابن التركماني (٤ /٣٩).
(٣) ((شرح الكرماني)) (٧ / ١١٦).
(٤) «فتح الباري)) (٣/ ٢٠٤).
(٥) ((شرح الطيبي)) (٣ / ٣٦٤).

١٣٠
(٥) باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ». وَفِي رِوَايَةٍ: ((وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ) قَالَ: حَتَّى
تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْمَيِّتَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٦٣].
١٦٥٦ - [١١] وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ عَائِشَة لما تُؤُفِّيَ
سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَتِ: ادْخُلُوا بِهِ الْمَسْجِدَ حَتَّى أُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَأُنْكِرَ
ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: وَاللهِ لَقَدْ صَلَّى رَسُولِ اللهِ وَّهِ عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ ....
وقوله: (ومن عذاب النار) (أو) للشك أو بمعنى الواو، وقد جاء في رواية
بالواو .
وقوله: (قال) أي: عوف بن مالك، والميت كان أبا سلمة.
١٦٥٦ - [١١] (أبو سلمة بن عبد الرحمن) قوله: (لما توفي سعد بن أبي وقاص)
توفي ◌ُه في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وحمل إليها على أعناق
الرجال ليدفن بالبقيع، وذلك في إمرة معاوية، وعلى المدينة مروان.
وقوله: (قالت: ادخلوا به المسجد) فأصلي عليه، وفي رواية لمسلم(١): (أرسلت
أزواج النبي ◌َّر أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه).
وقوله: (فأنكر ذلك عليها) على صيغة الماضي المجهول، أنكره الصحابة .
وقوله: (على ابني بيضاء) امرأة اسمها دعد بنت الجحدم، وسهل وسهيل ابناها
من الصحابة، ينسبان إلى الأم، واسم أبيهما وهب بن ربيعة، ويظهر مما ذكر في (جامع
الأصول)(٢): أن سهلاً وسهيلا كلاهما مات في حياة النبي وَّ بالمدينة، وأما صلاته وَله
(١) ((صحيح مسلم)) (خ: ٩٧٣).
(٢) ((جامع الأصول)) (٦ / ٢٣٣)، و(١٢ / ٤٥١، ٤٥٣).

١٣١
(٥) كتاب الجنائز
فِي الْمَسْجِدِ: سُهَيْلٍ وَأَخِيهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٧٣].
فلم يذكرها إلا على سهل بلا ياء، ويفهم من هذا الحديث عن عائشة عند مسلم أنه صلى
عليهما، وقد جاء في رواية لمسلم تخصيصها بسهيل بالياء، وذكر التُّورِبِشْتِي(١): أنهم لم
يختلفوا في سهيل أنه مات بالمدينة سنة تسع، وصلى عليه رسول الله و ◌ّ في المسجد،
وأما سهل فقيل: إنه مات في زمان رسول الله وَّر وهو الأكثر، وذكر عن الواقدي: أنه
مات بعد رسول الله وَليه، وروى مالك بن أنس هذا الحديث عن أبي النضر عن أبي سلمة،
ولم يذكر فيه سهلاً، وأرسل الحديث، وقد روي هذا الحديث عن عائشة مبيّناً، وذكر
فيه سهلاً وسهيلاً، انتهى كلام التُّورِبِشْتِي، والله أعلم .
إذا عرفت هذا فاعلم أنهم اختلفوا في صلاة الجنازة في المسجد، فعندنا مكروه،
سواء كان الميت والقوم في المسجد، أو كان الميت خارج المسجد والقوم في المسجد،
أو كان الإمام مع بعض القوم خارج المسجد والميت والباقون في المسجد، أو الميت
في المسجد والإمام والقوم خارج المسجد، قال في (الخلاصة): هكذا في (الفتاوى
الصغرى)، وقال: هو المختار، خلافاً لما أورده النسفي، كذا نقل الشيخ ابن الهمام(٢)،
وقال: وهذا الإطلاق في الكراهة بناء على أن المسجد إنما بني للصلاة المكتوبة وتوابعها
من النوافل والذكر وتدريس العلم.
وقيل: لا يكره إذا كان الميت خارج المسجد، وهو بناء على أن الكراهة لاحتمال
تلويث المسجد، والأول هو الأوفق لإطلاق الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجه(٣)
(١) ((الكتاب الميسر)) (٢/ ٣٩١ -٣٩٢).
(٢) ((شرح فتح القدير)) (٢ / ١٢٨).
(٣) ((سنن أبي داود)) (٣١٩١)، و((سنن ابن ماجه)) (١٥١٧).

١٣٢
(٥) باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
عن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلين :
(من صلى على ميت في المسجد فلا أجر له)، وروي: (فلا شيء له).
ثم هي كراهة تحريم أو تنزيه؟ روايتان، ويظهر لي أنّ الأَولى كونها تنزيهية، إذ
الحديث ليس هو نصاً غير مصروف، ولا قرن الفِعْل بوعيد بل سلبُ الأجر، وسلب
الأجر لا يستلزم ثبوت استحقاق العقاب؛ لجواز الإباحة، ويجوز أن يكون المراد نفي
الأجر الكامل، وقد يقال: إن الصلاة نفسها سببٌ موضوعٌ للثواب، فسلبُ الثواب مع
فعلها لا يكون إلا باعتبار ما يقرن بها من إثم يقاوم ذلك، وفيه نظر لا يخفى، كذا قال
الشيخ ابن الهمام(١). وهذا هو مذهب مالك، والظاهر من قوله رحمه الله: (لا أحبه)
كراهة التنزيه، وعند الشافعي جائزة، وما وجدنا فيه نصاً من الإمام أحمد رحمه الله في
كتابه(٢)، ولكنه قد يفهم من تخصيص الشارحين الخلاف بأبي حنيفة ومالك أن أحمد
مع الشافعي في ذلك، والله أعلم .
دليل الشافعي الحديث المذكور في الكتاب، وهو حديث صحيح رواه مسلم وأبو
داود والترمذي والنسائي، وقد أقسمت عائشة فيه على صلاة رسول الله وَّر على ابني
بيضاء في المسجد، وفي رواية: أنها قالت لما أنكر عليها: (ما أسرع مَا نَسِيَ الناسُ!
ما صلى رسول الله ◌َّ﴿ على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد)(٣)، وفي رواية: (فبلغهن
أن الناس عابوا ذلك، وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد، فقالت عائشة:
(١) ((شرح فتح القدير)) (٢ / ١٢٨).
(٢) وفي ((المغني)) لابن قدامة (٣/ ٤٢١): ولا بأس بالصلاة على الميت في المسجد إذا لم يخف
تلویشه .
(٣) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٩٧٣).

١٣٣
(٥) كتاب الجنائز
ما أسرع الناس أن يعيبوا ما لا علم لهم به! عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد،
وما صلى رسول الله بَّ على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد)(١).
وتمسك أبو حنيفة ومالك بالحديث المذكور عن أبي هريرة قال: قال رسول الله له:
(من صلى على ميت في المسجد فلا أجر له)، وروي: (فلا شيء له)(٢). وأما حديث
عائشة فروايةُ واقعةٍ لا عموم لها، وما يثبت به إلا أنه وَ ﴿ فعل ذلك ولو مرة أو مرتين،
ويجوز أن يكون ذلك لضرورة دعت إليه، وقد يروى: أن رسول الله ﴿ ﴿ كان معتكفاً،
لهذا صلى في المسجد، ويروى أيضاً: أن الجنازة كانت خارج المسجد، وفي هذه
الصورة اختلاف بين الحنفية، وأيضاً قالوا: إن مصلى المسجد كان مكاناً متصلاً بالمسجد،
فيحتمل أن رواية الصلاة في المسجد باعتبار كونه قريباً من المسجد متصلاً به، وما جاء
في رواية مسلم: (فوضعت عند حُجَرِهن) أيضاً مبني على ذلك، ويظهر أيضاً أن ذلك
مبنَى ما يروى عن أبي يوسف أنه قال: إن كان مسجد معدًّا لذلك جازت فيه بلا كراهة،
والله أعلم. على أن إنكار الصحابة والتابعين مع كثرتهم دليل على أن الأمر استقر بعد
ذلك على تركه ونسخه، ونسبة عائشة ◌ً عدم العلم والنسيان إليهم محل كلام، ويحتمل
أن تكون عائشة هي غير عالمة بالنسخ، وهو الظاهر لكثرتهم وإيقانهم، على أن في خروج
النبي ◌َّه إلى المصلى للصلاة على النجاشي دليلاً ظاهراً على كراهته في المسجد، ولو
كانت جائزة في المسجد لم يخرج كما هو الظاهر.
وقال بعض الشافعية: إن حديث أبي هريرة ضعيف؛ لأنه من أفراد صالح مولى
(١) هو الحديث السابق.
(٢) مر تخريجه.

١٣٤
(٥) باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
التوأمة، وهو يضعَّف، وعلى تقدير التسليم [فإن] الرواية: (فلا شيء عليه) - كما رواه
الخطيب البغدادي - والمعنى: فلا حرج ولا إثم عليه .
وقال الشيخ ابن الهمام(١): مولى التوأمة ثقة، لكنه اختلط في آخر عمره، وأسند
النسائي إلى ابن معين أنه قال: هو ثقة، لكنه اختلط قبل موته، فمن سمع منه قبل ذلك
فهو ثبت حجة، وکلهم على أن ابن أبي ذئب راوي هذا الحديث عنه سمع منه قبل
الاختلاط، فوجب قبوله بخلاف سفیان أو غيره، ورواية: (فلا شيء له) مشهور،
ولا يعارضه رواية: (فلا شيء عليه)، انتهى كلام الشيخ .
وقال العبد الضعيف: رواه في (الهداية)(٢): (فلا أجر له)، ورواه صاحب (جامع
الأصول)(٣): (فلا شيء له)، وقال: في نسخة: (فلا شيء عليه)، ويظهر من ذلك أن
الأصل والأكثر (فلا شيء له)، وروى السيوطي في (جمع الجوامع) (٤): (فليس له
شيء)، وإذا ثبت أن الأكثر المشهور (فلا شيء له) ينبغي أن يحمل عليه رواية (فلا شيء
عليه) إن ثبت، على معنى: فلا أجر له على هذا العمل، تطبيقاً وحملاً للظاهر على
النص، والله أعلم.
وما روي: أن أبا بكر وعمر ﴾ قد صلي عليهما في المسجد، كما روى ابن
أبي شيبة (٥): أنه صلى عمر على أبي بكر، وصهيب على عمر في المسجد، وقد حضرها
(١) ((شرح فتح القدير)) (٢/ ١٢٨ -١٢٩).
(٢) ((الهداية)) (١ / ٩١).
(٣) ((جامع الأصول)) (٦/ ٢٣٥، ح: ٤٣٣٥).
(٤) ((الجامع الكبير)) للسيوطي (٧ / ٥٥، ح: ٢٠٨٢٤).
(٥) ((المصنف)) (٣/ ٤٤، ح: ١١٩٦٧ - ١١٩٦٩).

١٣٥
(٥) كتاب الجنائز
١٦٥٧ - [١٢] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبِ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ رَسُولِ اللهِ لَه
عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ وَسَطَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٣٢، م: ٩٦٤].
المهاجرون والأنصار، فلم ينكر ذلك أحد، فعلى تقدير ثبوته يحمل على أن الجنازة
کانت خارج المسجد.
هذا والحق أن قولهم إن كان أن السنة والأفضل أن يصلَّى في المسجد، فهو باطل
قطعاً(١)، وإلا لكان هو المعمول في زمن النبي ◌ّ﴾ ولتوارث بعده، ولم ينكره أحد،
بل لم يتركه أحد إلا لضرورة، وليس فليس، وإن كان المقصود أصل الجواز والإباحة
فلا مناقشة على أن المختار عندنا الكراهة التنزيهية، ومآله أن الأولى والأفضل خصوصاً
إذا كانت الجنازة خارج المسجد، فلا خلاف في الحقيقة، هذا وقد اعتاد في زماننا الصلاة
في الحرم الشريف استحساناً من المتأخرين، والله أعلم.
١٦٥٧ - [١٢] (سمرة بن جندب) قوله: (ماتت في نفاسها) القيد اتفاقي، وبيان
الواقعة رأى فيها، والله أعلم.
وقوله: (فقام وسطها) الرواية المشهورة بالتحريك، وقد يسكن، والفرق بينهما
أن المتحرك ما بين الطرفين والساكن أعم، قالوا: المتحرك ساكن والساكن متحرك،
واستدل به الشافعي على أن المستحب أن يقف الإمام عند عجيزة المرأة، والمذهب
عندنا أن يقوم الإمام حذاء صدر الميت رجلاً كان أو امرأة، ويناسبه رواية وسط.
قال الشيخ ابن الهمام(٢): هذا لا ينافي كونه الصدرَ، بل الصدر وسطٌ باعتبار
(١) وقال الشيخ ابن القيم بعد الكلام الطويل: فالصواب ما ذكرنا أولاً أن سنته وهديه الصلاة على
الجنازة خارج المسجد إلا لعذر، وكلا الأمرين جائز، والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد،
نقلاً عن ((أوجز المسالك)) (٤ / ٤٧٧).
(٢) ((شرح فتح القدير)) (٢/ ١٢٦).

١٣٦
(٥) باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
١٦٥٨ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس: أَنَّ رَسُولَ اللهِلَّهِ مَنَّ بِقَبْرِ دُفِنَ لَيْلاً،
فَقَالَ: ((مَتَى دُفِنَ هَذَا؟)) قَالُوا: الْبَارِحَةَ. قَالَ: ((أَفَلاَ آذَنْتُمُونِى؟)) قَالُوا: دَفَنَّاهُ
فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ، فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. [خ: ١٢٤٧، م: ٩٥٤].
توسط الأعضاء، إذ فوقه يداه ورأسه وتحته بطنه وفخذاه، ويحتمل أنه وقف كما قلنا
إلا أنه مال إلى العجيزة في حقها، فظن الراوي ذلك لتقارب المحلين، واستدلوا بما
روى أبو داود والترمذي من فعل أنس: أنه قام على جنازة رجل، فقام عند رأسه، ثم
جيء بجنازة امرأة فصلى عليها وقام حذاء عجيزتها، ثم سئل أنس: يا أبا حمزة! هكذا
كان رسول الله وسلم يصلي على الجنازة كصلاتك: يكبر عليها أربعاً ويقوم عند رأس
الرجل وعجيزة المرأة؟ قال: نعم(١).
وأجاب الحنفية عنه بأنه إنما قام عند عجيزة المرأة لأنه لم يكن النعوش حينئذ،
فكان يقوم حيال عجيزتها يسترها من القوم، وسيأتي ذلك في آخر الفصل الثاني من
حديث أبي غالب(٢)، وقد قال الشُّمُنِّي: إنه روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنه يقوم
من المرأة حذاء العجيزة كما هو مذهب الجماعة .
١٦٥٨ - [١٣] (ابن عباس) قوله: (البارحة) الليلة الماضية، إن ذكرت قبل
الزوال يقال لها: الليلة، وإن ذكرت بعده يقال: البارحة.
وقوله: (فصلى عليه) أي: على القبر بعد ما كان الناس قد صلوا عليه، كذا يفهم
من بعض الأحاديث، وهو الظاهر لأن دفنهم الميت بدون الصلاة بعيد.
(١) واختاره الطحاوي وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة كما في ((الهداية))، كذا في ((التقرير)).
(٢) انظر: (١٦٧٩).

١٣٧
(٥) كتاب الجنائز
١٦٥٩ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ امْرَأَةَ سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ
- أَوْ شَابٌّ - فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللهَِّهِ فَسَأَلَ عَنْهَا - أَوْ عَنْهُ - فَقَالُوا: مَاتَ.
قَالَ: ((أَفَلاَ كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟)). قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا - أَوْ أَمْرَهُ - فَقَالَ:
(ُونِي عَلَى قَبْرِهِ) فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا،
١٦٥٩ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (كانت تقم) بضم القاف، قَمَّ البيت: كَنَسَه.
وقوله: (أو شاب) شك من الراوي بأن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، أو شاب
أسود کان یقمه.
وقوله: (فقدها) أي: لم يرها حاضرة في المسجد، هذا من قبيل اكتفاء ذكر حال
المرأة، واكتفى به عن ذكر حال الرجل كما جاء في رواية: (أو شاب)، وقد يوجد في
بعض النسخ: (أو فقده) على سبيل الشك، ويلائمه قوله: (فسأل عنها أو عنه) و(أمرها
أو أمره).
وقوله: (قال: فكأنهم) قول الراوي من أبي هريرة، وفاعل (قال): أبو هريرة،
كأن الصحابة تخيلوا أن ذلك الميت حقير لا يليق أن يكلف لأجله رسول الله وَليقول، وذلك
لغاية تعظيمهم أمره ێے.
وقوله: (دُلُّوني على قبره) وهو الموجود في أكثر النسخ، وفي بعضها: (قبرها)،
وعلى كل تقدير هو من باب الاكتفاء، ويمكن أن يكون الضمير للميت أو للشخص.
واعلم أن الصلاة على القبر مختلف فيه بين العلماء، فذهب الجمهور إلى
مشروعيتها سواء صلِّي أولاً أو لا، والنخعي وأبو حنيفة ومالك على أنه يصلى إن لم
يصلَّ أولاً وإلا فلا، وفي رواية عن أحمد كذلك، وعن مالك أن من صلى أولاً مرة على
الجنازة لم يصل على القبر. وأيضاً إنما يصلى عند أبي حنيفة إن لم يتفسَّخ في القبر،

١٣٨
(٥) باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ
بِصَلاَئِي عَلَيْهِمْ)). مُتَّفق عَلَيْهِ. وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ. [خ: ١٣٣٧، م: ٩٥٦].
١٦٦٠ - [١٥] وَعَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ:
أَنَّهُ مَاتَ لَهُ ابْنٌ بِقُدَيْدِ - أَوْ بِعُسْفَانَ - فَقَالَ: يَا كُرَيْبُ! انْظُرْ مَا اجْتَمَعَ لَهُ مِنَ
النَّاسِ. قَالَ: فَخَرَجْتُ فَإِذَا نَسٌ قَدِ اجْتَمَعُوا لَهُ فَأَخْبَرْتُهُ،
وقدَّره بعضهم بثلاثة أيام، وفي رواية عن محمد: يصلَّى ما لم يتمزق، وهو مقدر إلى
شهر، وقد جاء مثل ذلك في بعض الأحاديث، كذا في حواشي (الهداية)(١).
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ما جاء من ذلك لم يكن على وجه الصلاة، وإنما
كان دعاء واستغفاراً فحسب، ولذا لم تذكر التكبيرات في بعض تلك الروايات،
وما ذكرت فيه التكبيرات من الروايات لم تصح، كما يروى من صلاته بَّ على
شهداء أحد بعد ثمان سنين، وكان ذلك بطريق التوديع لا الصلاة، أو كان ذلك من
خصائصه ◌َّر، حتى ذهب بعض العلماء أن الصلاة على القبر مطلقاً من خصائص النبوة
كما يفهم من قوله: (إن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم)(٢).
١٦٦٠ - [١٥] (كريب مولى ابن عباس) قوله: (مات له ابن) الظاهر أن (له)
صفة لابن قدمت عليه للاهتمام، ويجوز أن يكون متعلقاً بـ (مات)، لأن في موت الولد
نفعاً للوالد، و(قديد) و(عسفان) بضم أوّلهما: موضعان بين مكة والمدينة، وعسفان
أقرب إلى مكة من قدید .
وقوله: (انظر ما اجتمع له) (ما) عامة للعقلاء وغيرهم، إذ المراد الصفة، كما
(١) انظر: ((العناية)) (٢/ ١٢١)، و((البناية)) (١ / ٥٥٨).
(٢) انظر: ((أوجز المسالك)) (٤ / ٤٥٣ - ٤٥٦).

١٣٩
(٥) كتاب الجنائز
فَقَالَ: تَقُولُ: هُمْ أَرْبَعُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَخْرِ جُوهُ فَإِنِّي سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ: ((مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ
رَجُلاًّ لاَ يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئاً إِلَّ شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٤٨].
١٦٦١ - [١٦] وَعَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّبَلِ قَالَ: ((مَا مِنْ مَيِّتٍ تُصَلَّى
عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِنَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ، إِلاَّ شُفِّعُوا فِيهِ». رَوَاهُ
مُسْلِمٌ. [م: ٩٤٧].
فعله البيضاوي في قوله تعالى: ﴿وَاُلْأَرْضِ وَمَا لَهَا ، وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا﴾ [الشمس: ٦ - ٧].
وقوله: (فقال: يقول) كذا في نسخة الأصل (يقول) بالتحتانية، أي: قال كريب:
يقول ابن عباس، وقوله: (هم أربعون) بحذف حرف الاستفهام، وفي نسخة صحيحة:
(فقال: تقول) بالفوقانية، أي: قال ابن عباس خطاباً لي تقول: هم أربعون؟
وقوله: (قال: نعم) أي: قال كريب: قلت: نعم.
وقوله: (ما من رجل) ظاهره يدل على أن الابن كان بلغ مبلغ الرجال، أو قاس
غير الرجال عليه .
وقوله: (فيقوم) أي: يصلون، وفيه إيماء إلى أن مجرد قيام المؤمنين الموحدين
على الجنازة ودعائهم له مؤثر .
١٦٦١ - [١٦] (عائشة (*) قوله: (يبلغون مئة) لا منافاة بينه وبين حديث
ابن عباس؛ لأن الظاهر أن الأربعين أقل من يرجى شفاعتهم والمئة أكثرهم، وقال
التُّورِبِشْتِي(١): السبيل في أمثال هذا الحديث أن يكون الأقل من العددين متأخراً فضلاً
(١) ((الميسر في شرح مصابيح السنة)) (٢/ ٣٩٣).

١٤٠
(٥) باب المشي بالجنازة والصلاة عليها
١٦٦٢ - [١٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْراً، فَقَالَ
النَّبِيُّ ◌َِّ: ((وَجَبَتْ))، ثُمَّ مَرُوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: ((وَجَبَتْ))
فَقَالَ عُمَرُ: مَا وَجَبَتْ؟ فَقَالَ: ((هَذَا أَثْنَيُمْ عَلَيْهِ خَيْراً فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا
أَثْنَُّمْ عَلَيْهِ شَرَّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاء الله فِي الأَرْض)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: ((الْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ)). [خ: ١٣٦٧، م: ٩٤٩].
١٦٦٣ - [١٨] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((أَيُّمَا مُسْلِمٍ
شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ». قُلْنَا: وَثَلاَثَةٌ؟ قَالَ: ((وَثَلاَثَةٌ)). قُلْنَا:
وَاثْنَانٍ؟ قَالَ: ((وَاثْنَانٍ))، ثُمَّ لم نَسْأَلَهُ عَنِ الْوَاحِدِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ:
١٣٦٨].
من الله وتكرماً على عباده.
١٦٦٢ - [١٧] (أنس) قوله: (فأثنوا عليها) من إطلاق الثناء في الشر للمشاكلة.
وقوله: (هذا أثنيتم عليه خيراً فوجبت له الجنة) معناه: أن الذين أثنوا عليه رأوا
منه الخير والصلاح، وذلك علامة كون الرجل من أهل الجنة، وفي الثناء بالشر على
عكس ذلك، وقطعه وَّه باطِّلاعه عليه، كذا قالوا، ولا يذهب عليك أن قوله ملين: (أنتم
شهداء) يدل بظاهره أن من شهد له أو عليه المؤمنون يثبت به قطعاً ما شهدوا به، فعلی
هذا يكون المراد المؤمنون أهل الصدق والتقوى من غير مدخلية غرض نفساني،
لا سيما إذا كانوا من أهل الإجماع لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا لِّنَكُونُواْ
شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، فافهم.
١٦٦٣ - [١٨] (عمر) قوله: (ثم لم نسأله عن الواحد) ولعله لو سئل عنه لأجاب
بقوله: وواحد، والله أعلم، وهذا إخبار وإشارة منه رَ له بكمال سعة رحمة الله ورجاء