Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ (٥) كتاب الجنائز لَمَّا كَثُرَ لَغَطُهُمْ وَاخْتِلاَفُهُمْ: (قُومُوا عَنِّي). رَوَاهُ رَزِينٌ. ١٥٩٠ - [٦٨] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((الْعِيَادَةُ فُوَاقَ نَاقَةٍ». ١٥٩١ - [٦٩] وَفِي رِوَايَةٍ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلاً: ((أَفْضَلُ الْعِيَادَةِ سُرْعَةُ الْقِيَام)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شَعَبِ الإِيمَان)). [شعب: ٦/ ٥٤٢، ح: ء ٩٢١٦]. ١٥٩٢ - [٧٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: أَنَّ النَّبِيَّ نَلِ عَادَ رَجُلاً فَقَالَ لَهُ: (مَا تَشْتَهِيْ؟)) قَالَ: أَشْتَهِي خُبْزَ بُرِّ. قَالَ النَّبِيُّ ◌َهِ: ((مَنْ كَانَ عِنْدَهُ خُبُ بُرِّ فَلْيَبْعَثْ إِلَى أَخِيهِ). ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((إِذَا اشْتَهَى مَرِيضُ أَحَدِكُمْ شَيْئاً فَلْيُطْعِمْهُ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٤٤٠]. وقوله: (لما كثر لغطهم) اللَّغْطُ ويُحرَّكُ: الصوت، أو أصوات مبهمة لا تُفْهَمُ، وسيجيء تفصيل هذا الحديث وتحقيقه في (باب وفاة النبي ◌ِّير). ١٥٩٠، ١٥٩١ - [٦٨، ٦٩] (أنس، وسعيد بن المسيب) قوله: (فواق ناقة) الفواق بضم الفاء: ما بين الحَلْبَتَيْن من الوقت، ويفتح(١). ١٥٩٢ - [٧٠] (ابن عباس) قوله: (إذا اشتهى مريض أحدكم) أي: اشتهاءً صادقاً فإنه علامة الصحة، وقد لا يضر ببعض المرضى الأكلُ مما يشتهي إذا كان قليلاً، ويقوي الطبيعة ويفضي إلى الصحة، ولكن فيما لا يكون ضرره غالباً، وبالجملة ليس هذا حكماً (١) في ((تقرير الشيخ)): ومن العادة أن يحلب الإبل مرتين أو ثلاثاً، ويفصل بينهن بأوقات يسيرة، كما في «المظاهر)) (٢/ ٢٢). ٦٢ (١) باب عيادة المريض وثواب المرض ١٥٩٣ - [٧١] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ بِالْمَدِينَةِ مِمَنْ وُلِدَ بِهَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِّ ◌َ﴿ فَقَالَ: ((يَا لَيْتَهُ مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِهِ». قَالُوا: وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ قِيسَ لَهُ مِنْ مَوْلِدِهِ إِلَى مُنْقَطَعِ أَثَرِهِ فِي الْجَنَّةِ». كليًّا بل جزئيًّا. وقال الطيبي(١): مبني على التوكل، أو على اليأس من حياته، وقد جاء في الحديث: (لا تُكْرِهوا مرضاكم على الطعام والشراب؛ فإن الله يطعمهم ويسقيهم)(٢)، والحكمة فيه ظاهرة؛ لأن طبيعة المريض مشغول بإنضاج مادته وإخراجه، ولو أُكْرِهَ على الطعام والشراب تكل الطبيعة عن فعلها، ويشغل بهضمها، وتبقى المادة فجًّا ولا تنضج، ويتقوى المرض، فلا يتقوت المريض إلا بشيء لطيف من الأشربة والأغذية تتقوى به الطبيعة، ولا يستعمل بهضمها كالأشربة اللطيفة وأمراق الفراريج، يعني إن لم يكن مضرة ومنافية لمرضه وبإنعاش القوة بالروائح العطرة المفرحة . ١٥٩٣ - [٧١] (عبدالله بن عمرو) قوله: (قيس له) أي: قدر له إلى منقطع أثره، أي موضع انقطع فيه سفره وانتهى إليه، فمات فيه، فالمراد أثر الأقدام، وقال الطيبي(٣): المراد بالأثر الأجل، سمي أثراً لأنه يتبع العمر، وأصله أيضاً من أثر الأقدام، فإن مات لا یبقی لأقدامه أثر، فافهم. وقوله: (في الجنة) متعلق (بقيس) وظاهر العبارة أنه يعطى له في الجنة مكان هذا (١) ((شرح الطيبي)) (٣/ ٣٢١). (٢) أخرجه الترمذي (ح: ٢٠٤٠). (٣) ((شرح الطيبي)) (٣/ ٣٢١). ٦٣ (٥) كتاب الجنائز رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ن: ١٨٣٢، جه: ١٦١٤]. ١٥٩٤ - [٧٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَوْتُ غُرْبَةٍ شَهَادَةٌ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٦١٣]. ١٥٩٥ - [٧٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ مَاتَ مَرِيضاً مَاتَ شَهِيداً، . المقدار، وهذا ليس بمراد، فإن هذا المقدار من المكان لا اعتبار به في جنب سعة الجنة، إلا أن يقال: المراد ثواب عمل عمله في مثل هذه المسافة، لا يختص بعمله في مولده، وقال الطيبي(١): المراد أنه يفسح له في قبره مقدار ما بين قبره وبين مولده، ويفتح له باب إلى الجنة، فتأمل. ١٥٩٤ - [٧٢] (ابن عباس) قوله: (موت غربة شهادة) وقال أهل التحقيق: الغربة غربتان: غربة بالجسم وغربة بالقلب، وهو المشار إليه بقوله ويقول: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك من أصحاب القبور)(٢)، وهو يحصل بتحصيل الموت الإرادي وترك التعلق بما سوى الله، وتفصيله في رسالة سيدي الشيخ عبد الوهاب المتقي في رسالة عملها في فضل الغربة والغرباء، فلينظر ثمة. ١٥٩٥ - [٧٣] (أبو هريرة) قوله: (من مات مريضاً) هكذا وقع في النسخ، وغيره بعضهم إلى (غريباً)، وقيل: الصواب (مرابطاً)، كذا في (سنن ابن ماجه) في (باب ما جاء فيمن مات مرابطاً)(٣). (١) ((شرح الطيبي)) (٤ / ١٣٦٠). (٢) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٦٤١٦)، والترمذي في ((سننه)) (٢٣٣٣). (٣) قال القاري في ((المرقاة)) (٦٢/٤): فإن الحديث غلط فيه الراوي باتفاق الحفاظ، وإنما هو : = ٦٤ (١) باب عيادة المريض وثواب المرض أَوْ وُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ، وَغُدِيَ وَرِيحَ عَلَيْهِ بِرِزْقِهِ مِنَ الْجَنَّةِ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ٧/ ١٧٣، ح: ٩٨٩٥]. ١٥٩٦ - [٧٤] وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَّهِ قَالَ: (يَخْتَصِمُ الشُّهَدَاءُ وَالْمُتَوَقَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ إِلَى رَبِّنَا مَنْ فِي الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنَ الطَّاعُونِ، فَيَقُولُ الشُّهَدَاءُ: إِخْوَانُنَا قُتِلُوا كَمَا قُتِلْنَا، وَيَقُول الْمُتَوَفَّوْنَ: إِخْوَانُنَا مَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ كَمَا مِنْنَا، فَيَقُولُ رَبِّنَا: انْظُرُوا إِلَى جَرَاحَتِهِمْ فَإِن أشبهت جِرَاحُهُمْ جِرَاحَ الْمَقْنُولِينَ فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ وَمَعَهُمْ، فَإِذَا جِرَاحُهُمْ قَدْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَهُمْ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ١٢٨/٤ -١٢٩، ن: ٣١٦٤] . وقوله: (أو وقي فتنة القبر) هكذا بـ (أو) في جميع النسخ، فهي إما بمعنى الواو أو للشك أو للتنويع . وقوله: (وغدي وريح) كلاهما بلفظ المجهول من الغدو والرواح، أي: أعطي الرزق في الجنة في الصباح والمساء، والتعدية بـ (على) بتضمين معنى الدور والإفاضة والإنزال ونحوها، والمراد الدوام، أو كناية عن التنعم كقوله تعالى: ﴿وَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]. ١٥٩٦ - [٧٤] (العرباض بن سارية) قوله: (وعن العرباض) بكسر العين. وقوله: (فإذا جراحهم قد أشبهت جراحهم) هذا يؤيد ما ورد أن الطاعون من = ((من مات مرابطاً) لا من مات مريضاً، وقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات لأجل ذلك، انتھی . ٦٥ (٥) كتاب الجنائز ١٥٩٧ - [٧٥] وَعَنْ جَابِرِ أَنَّ رَسُولَ اللهِهِقَالَ: ((الْفَارُّ مِنَ الطَّاعُونِ كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ، وَالصَّابِرُ فِيهِ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٣/ ٣٥٢، ٣٦٠] . ٢- باستمني الموت وذكره طعن الجن، وقال بعض الناس: قد يجد المطعون كضرب الطعن وجراحته، ولذلك سمي طاعوناً. ١٥٩٧ - [٧٥] (جابر) قوله: (كالفار من الزحف) وهو الجيش يرجعون إلى العدو، أي: يمشون، وأصله من زحف الصبي: إذا مشى على استه. ٢ - باب تمنيّ الموت وذكره الْمَنَى والثَّمْنِيةُ في الأصل بمعنى التقدير، ومنه الأمنية بضم الهمزة وسكون الميم بمعنى شهوة النفس وهواه في إرادة شيء وحصوله، وإن كان محالاً، وفي الحقيقة: هو إظهار محبته من غير طمع وتوقع في الحصول، والتمني تفعل منه. وتمني الموت مکروه إن کان من إصابة ضرر دنيوي كمرض وفقر ونحوهما؛ لأنه فى معنى التبرم عن قضاء الله وسخطه، وإن كان لمحبة الله والشوق إلى لقائه، والخلاص من مضيق هذه الدار الفانية ومحنتها إلى تلك الآخرة ونعيمها فهو من علامة الإيمان وكماله، ومنه قول النبي ◌َّقي: (اخترت الرفيق الأعلى)، وقول عمار بصفين: غداً ألقى الأحبةَ: محمداً وحزبه(١)، وقال حذيفة حين احتضر: (جاء حبيب على ناقة لا أفلح (١) أخرجه البزار في ((مسنده)) (١٤١٠) وفيه ((اليوم ألقى ... إلخ))، وأما ((غداً ألقى ... إلخ)) = ٦٦ (٢) باب تمني الموت وذكره من ندم)(١)، وقال بلال: حين قالت زوجته عند موته: واكرباه: لا بل واطرباه، وقال أبو الدرداء ظه: أحب الموت اشتياقاً إلى ربي(٢)، وقال الله سبحانه لأهل الكتاب حين قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَرَى﴾ [البقرة: ١١١]، وقالوا: ﴿فَحْنُ أَبْنَواْ اللّهِ وَأَحِبَُّهُ﴾ [المائدة: ١٨]: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الذَّارُ الْآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةٌ مِّنْ دُونٍ النَّاسِ فَتَمَنَّوأُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤]، وقال: ﴿قُلْ يَّأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُواْ إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا أَوْتَ﴾ [الجمعة: ٦]؛ لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاقها وأحبَّ التخلص إليها من هذه الدار ذات الشوائب، وكذا من زعم أنه من أهل ولاية الله اشتاق إلى جوار الله وقربه والانتقال من دار البلية إلى محل الكرامة، وكل محب يشتاق لقاء محبوبه، وكذا لا يكره تمني الموت لخوف إصابة ضرر في الدين لقوله ◌َّحجر: (وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك)(٣)، وذكر الموت كناية عن الخوف والخشية من الله، والعمل بمقتضاه، والتوبة والاستغفار، وتقديم ما ينفع في الدار الآخرة، وإلا فذكره بدون العمل ليس بشيء، بل ربما يورث القسوة كذكر الله بالغفلة كما قال بعض العارفين في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]. = فهو قول بلال ه حين نادت امرأته: واحزناه، فقال: ((واطرباه، غداً ألقى ... إلخ)). انظر: ((الشفا)) (٢ / ٥٣)، و((المواهب اللدنية)) (١ / ١٤٤). (١) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (٤ / ٥٤٧). (٢) أخره أبو داود في ((الزهد)) (٢٣٧)، والبيهقي في ((الشعب)) (٩٦١١). (٣) أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) (١ / ٧٠٨). ٦٧ (٥) كتاب الجنائز * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ١٥٩٨ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لاَ يَتَمَّنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، إِمَّا مُحْسِناً فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْراً، . الفصل الأول ١٥٩٨ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لا يتمنى أحدكم الموت) بالياء كذا ثبت في أكثر الروايات، فقيل: خبر في معنى النهي، كما يعبر عن الأمر بصيغة الخبر للمبالغة في الامتثال كما يقرر في علم المعاني، وقيل: بمعنى لا ينبغي أن يتمنى، وقيل: نهي أشبعت ألفه، ويجوز أن يكون من باب رفع المضارع في مقام الجزم كما في: لم يخشى، وفي بعض روايات البخاري: (لا يتمنينَّ) بلفظ النهي بزيادة نون التأكید. وقوله: (إما محسناً) تقديره: إما يكون محسناً وإما يكون مسيئاً، فحذف (يكون) مع اسمها وأبقي الخبر، وأكثر ما يكون ذلك بعد أن ولو، كذا ذكر الطيبي(١) عن المالكي، وقال النُّورِبِشْتِي(٢): وردت الرواية فيه بالرفع والنصب، وهي الرواية المعتد بها، تقديره: إما أن يكون محسناً، أو إما في تمنيه محسن، ويفتح الألف على هذا التقدير، ولفظ الحديث محتمل للكلمتين [أعني] إما وأما، والذي أعتمد عليه (إما) بكسر الألف الذي هو في معنى المجازاة، انتهى . اعلم أن الظاهر مما ذكروا أنه على تقدير النصب (كان) مقدرة، وأما على الكسر حرف ترديد، وقول الطيبي: (وأكثر ما يكون ذلك بعد أن ولو) إشارة إلى غير ما في الحديث نحو: إن خيراً فخير، ويحتمل أن يكون أصله (إن ما كان) و(ما) مزيدة للتأكید، (١) ((شرح الطيبي)) (٣/ ٣٢٣). (٢) كتاب الميسر (٢/ ٣٨١). ٦٨ (٢) باب تمني الموت وذكره وَإِمَّا مُسِيْئاً فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٦٧٣]. ١٥٩٩ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لاَ يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ ... فحذف (كان) وأدغم النون في الميم، كما يشير إليه عبارة التُّورِبِشْتِي: (إما) بكسر الألف الذي هو في معنى المجازاة فتدبر، وعلى تقدير فتح الهمزة لأن ما يكون محسناً كما جوّزوا الوجهين في قولهم: إما منطلقاً انطلقت، و(لعل) في معنى عسى، ولهذا زيد في خبره (أن). وقوله: (يستعتب) بلفظ المعلوم، أي: يطلب رضى الله تعالى بالتوبة وردِّ المظالم وتدارك الفائت، هذا حاصل المعنى، وأما تحقيق معنى هذا اللفظ فبيانه: أن العتب والعتاب والمعتبة: الملامة، والإعتاب: إزالة العتاب، والهمزة للسلب، فيكون معناه الرضا، والعُتْبَى بالضم بمعنى الرضا، والاستعتاب قد يفسر بمعنى طلب العتبى، وقد يُجْعَل بمعنى طلب الإعتاب، فعاتبه بمعنى لامه، وأعتبه أزال عتابه وأرضاه، يقال: استعتبته فأعتبني، أي: أسترضيه فأرضاني، وقال الكرماني(١): هذا على غير القياس؛ لأن الاستفعال إنما يبني من الثلاثي لا من المزيد، فيكون معنى يستعتب: يطلب رضى الله أو يطلب زوال غضبه، فمعنى قوله تعالى: ﴿وَإِنِيَسْتَعْتِبُواْ فَمَاهُم مِّنَ الْمُعْتَّبِينَ ﴾ [فصلت: ٢٤]، وإن يطلبوا رضا الله عنهم وإجابته إياهم فيما يدعون لا يرضون ولا يحابون فيه، وأما قوله تعالى: ﴿فَلْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَاهُمْ يُسْتَعْنَبُونَ ﴾ [الجاثية: ٣٥] فيجعل بمعنى لا يسترضون، أي: لا يقال لهم ولا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم ويرضوه لفوات أوانه، ويجيء في بادي النظر أن يكون بمعنى لا يرضون، فتدبر والله أعلم. ١٥٩٩ - [٢] (وعنه) قوله: (لا يتمنى أحدكم) أيضاً بإثبات الياء، وفي بعض (١) ((شرح الكرماني)) (٢٠/ ٢٠٠). ٦٩ (٥) كتاب الجنائز الْمَوْتَ، وَلاَ يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِنّهُ إِذَا مَاتَ انْقَطَعَ أَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لاَ يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلَّ خَيْراً). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٨٢]. ١٦٠٠ - [٣] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرِّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لاَبْدَّ فَاعِلاً فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْراً لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْراً لِي)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٧١، م: ٢٦٨٠]. ١٦٠١ - [٤] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللّهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ»، نسخ (المصابيح) ههنا: (لا يتمن) كما هو الظاهر، ويؤيده ويناسبه قوله: (ولا يدع) بحذف الواو، وأما وجود الواو كما في رواية على تقدير إثبات الياء فهما بمعنى النهي. وقوله: (انقطع أمله) وفي بعض الروايات: (عمله) وهذا أظهر، ولكن مآل المعنى على الروايتين واحد، أو المراد بالأمل ما يطمع فيه ثواب العمل، ومحل ذم الأمل ما يحمل على بطر وفتور في العمل الصالح. ١٦٠٠ - [٣] (أنس) قوله: (من ضر) بضم الضاد، أي: دنياوي. ١٦٠١ - [٤] (عبادة بن الصامت) قوله: (من أحب لقاء (١) الله) المراد بلقاء الله : المصير إلى الدار الآخرة، وطلب ما عند الله، وعدم الركون إلى الدنيا والرضا بحياتها (١) قال الخطابي: اللقاء على وجوه: منها: الرؤية، ومنها: البعث كقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْبِلِقََّاللَّهِ ﴾ [الأنعام: ٣١] أي: بالبعث، ومنها: الموت كقوله: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو ◌ْلِقَآءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]. ((عمدة القاري)) (٢٣ / ٩٣). ٧٠ (٢) باب تمني الموت وذكره فَقَالَتْ عَائِشَةُ - أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ -: إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ، والاطمئنان بها، لا الموت، وإن كان قول عائشة ◌ًَّ: (إنا لنكره الموت) يوهم به، بدليل قوله: (والموت قبل لقاء الله) أي: وسيلته ومقدمته؛ وإنما ذكرت عائشة في الموت لكونه معترضاً وحائلاً دون الغرض المطلوب ووسيلة إلى اللقاء فيجب أن يصبر عليه، ويحمل مشاقه، كذا ذكر صاحب (النهاية)(١)، وقد أصاب. وأما قوله: ليس الغرض به الموت لأن كلاً يكرهه، ففيه أن ذلك كراهة جبلة، والمراد الحب الذي يقتضيه الإيمان بالله والثقة بوعده دون ما يقتضيه حكم الجبلة، كما يدل عليه جوابه ول* لعائشة ◌ّة، ولو حمل لقاء الله على ما يعم ما يشاهد عند الموت وما بعده إلى الآخرة لكان وجهاً أيضاً، فافهم. ومما ينبغي أن يعلم أن المراد بـ (لقاء الله) هو التلاقي والرجوع إلى حضرة عظمته ومشاهدة ما عنده الذي يعبر عنه بالملاقاة، وبالفارسية: پيش آمدن بيك دیکر، وليس معنى اللقاء الرؤية ولا مستلزماً لها، ولهذا عدل بعض المحدثين في تعريف الصحابة لمن رأى النبي وَلّه إلى من لقيه؛ ليشمل العميان من الصحابة، وبهذا يفسر اللقاء في القرآن، وأيضاً لم يثبتوا جواز رؤيته سبحانه بهذه الآيات بل بالخبر المشهور، وبقوله تعالى: ﴿وُجُوهُ يَوْمَيِذٍ نَاضِرَةُ (٦) إِلَى رَتِهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ -٢٣]، وأمثال ذلك، ولو كان معنى اللقاء الرؤية لضاق على المعتزلة المعورة إنكارها؛ لكون الآيات الناطقة بذلك نصوصاً لا تقبل التأويل وإن لم يكن ذلك من مكابراتهم وضلالاتهم بعيداً. هذا، وقد قال في (الصراح)(٢): لقاء بالكسر ديدار كردن، وقد فسر بعض الشارحين ما وقع في الدعاء المأثور من قوله: (ولقاؤك حق) بعد تفسيره بالمصير إلى (١) ((النهاية)) (٤ / ٢٦٦). (٢) ((الصراح)) (ص: ٥٨٧). ٧١ (٥) كتاب الجنائز قَالَ: ((لَيْسَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللهِ وَكَرَامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ وَأَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حَضَرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللهِ وَعُقُوبَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهُ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَكَرِهَ لِقَاءَ اللهِ وَكَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٠٧، م: ٢٦٨٣]. ١٦٠٢ - [٥] وَفِي رِوَايَةٍ عَائِشَةَ: ((وَالْمَوْتَ قَبْلَ لِقَاءِ اللهِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [م: ٢٦٨٤]. ١٦٠٣ - [٦] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِِّ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ فَقَالَ: ((مُسْتَرِيحٌ أَوْ مُسْتَرَاحٌ مِنْهُ)). فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الهِ! مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ فَقَالَ: ((الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيًا. الآخرة بالرؤية في الآخرة، والله أعلم. وقوله: (ليس ذلك) أي: ليس الأمر كما فهمته من أن المراد باللقاء الموت، بل المراد محبة ما يترتب على الموت ويشاهد عنده، أو ليس المراد بذلك تمني الموت ومحبته في الحال، بل عند مشاهدة ما يبشّر عنده، أو ليس المراد محبة الموت بحكم الجبلة بل بحكم الإيمان بما يبشّر به من رضوان الله وكرامته. ١٦٠٢ - [٥] (عائشة) قوله: (وفي رواية عائشة: والموت قبل لقاء الله) وهو مذكور في روايتها كما في (المصابيح) بعد قوله: (من كره لقاء الله كره الله لقاءه). ١٦٠٣ - [٦] (أبو قتادة) قوله: (مر عليه) بلفظ الماضي المجهول من المرور لتعديته بالباء في قوله: (بجنازة). وقوله: (مستريح أو مستراح منه) (أو) للتنويع، ويقال: استراح واستروح: وجد الراحة وهو لازم، وإنما يُنِيَ للمفعول لتعديته بحرف الجر. ٧٢ (٢) باب تمني الموت وذكره وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلاَدُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥١٢، م: ٩٥٠]. ١٦٠٤ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ بِمَنْكِبِي فَقَالَ: ((كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ)). وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَياتِكَ لِمَوْتِكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٤١٦]. ١٦٠٥ - [٨] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِنَّهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلاَثَةِ أَيَّامِ يَقُولُ: ((لاَ يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٧٧]. وقوله: (إلى رحمة الله) أي: ذاهباً إليها. وقوله: (والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب) لأن بوجود الفجور والظلم يحصل الفساد في العالم والإخلال في أركانه، وأن الفاجر يبغضه الله فيتأذى به الأرض ومن فيها؛ ولأنه تُحْبَس بشؤم ذنبه الأمطار، فبموته يمطرون وتحيى الأرض ومن عليها وما عليها . ١٦٠٤ - [٧] (عبدالله بن عمر) قوله: (أو عابر سبيل) قالوا: (أو) ههنا بمعنى بل، وفيه مبالغة، إذ الغريب قد يسكن في بلاد الغربة ويقيم بها، وزاد في رواية: (وعُدَّ نفسك من أصحاب القبور). وقوله: (وخذ من صحتك لمرضك) أي: خذ زاداً من وقت صحتك لوقت مرضك، أي: اغتنم صحتك واغتنم العمل فيها، وكذا معنى قوله: (من حياتك لموتك). ١٦٠٥ - [٨] (جابر) قوله: (لا یموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله) حثّ ٧٣ (٥) كتاب الجنائز * الْفَصْلُ الثَّانِي: ١٦٠٦ - [٩] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِن شِئْتُم أَنْبَتُكُمْ مَا أَوَّلُ مَا يَقُولُ اللهُ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ مَا يَقُولُونَ لَهُ؟)) قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((إِنَّ اللهَيَقُول للْمُؤْمِنِين: هَل أَحْيَبْتُمْ لِقَائِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ يَا رَبَّنَا، فَيَقُولُ: لِمَ؟. على تحسين الظن بالله في حالة الموت اعتماداً على فضله وكرمه، قالوا: من علامة السعادة أن يكون الغالب في مدة الحياة الخوف، فإذا حان الموت يغلب الرجاء، وقال الطيبي(١): المراد الأمر بتحسين العمل، أي: أحسنوا أعمالكم الآن حتى يحسن بالله ظنكم عند الموت، قال: من ساء عمله قبل الموت يسوء ظنه عنده، انتهى. وقالوا: حقيقة الرجاء أن يحسن العمل ويرجو من الله قبوله، وأما الرجاء الكاذب الذي يفتر صاحبه عن العمل ويجترئ به على الذنوب والمعاصي، فليس برجاء لكنه أمنية واغترار بالله تعالى، وقد ذمَّ الله سبحانه قوماً ظنوا مثل هذا وأصرُّوا على حبِّ الدنيا والرضاء بها، وتمنوا المغفرة على ذلك، فقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِنَبَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف: ١٦٩]، وقال الحسن ظُه: يقول أحدهم: أحسن الظن بربي، وهو يكذب، لو أحسن الظن به أحسن العمل، وكتب عمر بن منصور إلى بعض إخوانه: أما بعد! فإنك قد أصبحت تأمل بطول عمرك، وتتمنى على الله الأماني بسوء فعلك، وإنما تضرب حديداً بارداً. الْفَصْلِ الثَّانِي ١٦٠٦ - [٩] (معاذ بن جبل) قوله: (فيقول: لم؟) أصله لما، خففت ما الاستفهامية (١) ((شرح الطيبي)) (٣/ ٣٢٨). ٧٤ (٢) باب تمني الموت وذكره فَيَقُولُونَ: رَجَوْنَا عَفْوَكَ وَمَغْفِرَتَكَ. فَيَقُولُ: قَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ مَغْفِرَبِي)). رَوَاهُ فِي ((شَرْحِ السُّنَّةِ)) وَأَبَو نُعَيْمٍ فِي ((الْحِلْية)). [(شرح السنة) (٥/ ٢٦٩، ح: ١٤٥٢)، ((حلية)) (٨ / ١٧٩)]. ١٦٠٧ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٣٠٧، ن: ١٨٢٤، جه: ٤٢٥٨]. ١٦٠٨ - [١١] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ نَّهِ قَالَ ذَاتَ يَوْم لِأَصْحَابِهِ: ((اسْتَحْيُوا مِنَ اللهِ. بحذف الألف كقولهم بم وفيم، أي: لم أحببتم لقائي؟ وحكمة الاستفهام إعلام السامعين سبب محبتهم للقائه، ويوجد في بعض نسخ (المصابيح) بعد (لم): (أذنبتم)، وهو أوفق بسياق الحديث. ١٦٠٧ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (أكثروا ذكر هاذم اللذات) يفهم من كلام الطيبي أن هادم من الهدم بالدال المهملة بمعنى نقض البناء، ولكن ذكر الأسنوي في (المهمات): الهاذم بالمعجمة بمعنى القاطع كما قال الجوهري(١)، وهو المراد ههنا، وقد صرح السهيلي بأن الرواية بالمعجمة، كذا في بعض الشروح(٢). وقوله: (الموت) بالحركات الثلاث . ١٦٠٨ - [١١] (ابن مسعود) قوله: (ذات يوم) أي: في وقت اسمه يوم، فهو من (١) ((الصحاح)) (٥ / ٢٠٥٦). (٢) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٧٣/٤). ٧٥ (٥) كتاب الجنائز حَقَّ الْحَيَاءِ) قَالُوا: إِنَّا نَسْتَحْيِيٍ مِنَ اللهِ يَا نَبِيَّ اللهِ! وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: (لَيْسَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ مَنِ اسْتَحْبَى مِنَ اللّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَلْيَحْفَظِ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَخْتَى مِنَ اللهِ حَقَّ الْحَيَاء)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [حم: ١ / ٣٨٧، ت: ٢٤٥٨]. إضافة المسمى إلى الاسم، والمراد قال يوماً. و(الحياء) انكسار يقع في القلب ينقبض به من فِعْل ما لا ينبغي، وقد سبق تحقيق معناه في أول الكتاب في (كتاب الإيمان). وقوله: (قالوا: إنا نستحيي من الله) أي: نمتثل أوامره وننتهي عن نواهيه في الجملة، ونشكر الله على ذلك، فما حق الاستحياء الذي تأمرنا به وتطلبه منا . وقوله: (قال: ليس ذلك) أي: ليس حق الاستحياء هذا الذي تحسبونه وتفعلونه، بل مقامه أعلى وأرفع، وهو أن تحفظوا قلوبكم وجميع أعضائكم وجوارحكم عما لا يرضاه الله، وهو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿أَثَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] فبينه وَّ بكلام جامع مختصر، وهو أن يحفظ الرأس عن أن يخضع به لغير الله، ويرفعه تكبراً عليه وعلى خلقه، ويحفظ ما وعاه الرأس، أي: حفظه وجمعه من الحواس والآلات، كالسمع والبصر واللسان وغيرها، ويحفظ البطن عن أكل الحرام وما فيه شبهة، وما حواه البطن - وهو القلب - عن الجهل بما لا يجوز الجهل به من معرفة الحق وأحكام الدين، وقيل: ما جمعه البطن واتصل به من الفرج والرجلين واليدين. وقوله: (وليذكر الموت) ويعمل لما بعده ويذكر . وقوله: (والبلى) بكسر الباء: صيرورة عظامه بالية؛ فإن من ذكر هذا وعلم أن الدنيا فانية زهد فيها، وترك لذات الدنيا وشهواتها، كما قال: (ومن أراد الآخرة ترك ٧٦ (٢) باب تمني الموت وذكره ١٦٠٩ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍ و قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: («تُحْفَةُ الْمُؤْمِنِ الْمَوْتُ)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ٧/ ١٧١، ح: ٩٨٨٤]. زينة الدنيا)، فهذا هو الاستحياء من الله حق الحياء، فمن فعل ذلك فهو العبد الواصل المقرب . قال الشيخ الإمام العالم العامل العارف بالله علي المتقي رحمة الله عليه في رسالة المسماة بـ (تبيين الطرق إلى الله) بعد ما بين أن الطريق الموصل إلى الله هو العبادة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّاللَّهَ رَفِى وَرَبُّكُمْ فَأَعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ [آل عمران: ٥١]: معنى قربه تعالى: بعدُ السالك عن غيره تعالى، ومعنى الوصل: قطع السالك عن غيره تعالی، والغير منحصر في المحظور والمباح، والمراد بالمحظور جميع أقسام المنهيات من المحرمات والمكروهات، وبالمباح الاشتغال بالمخلوقات من السماء والأرض والجبال والشجر والحجر وأسباب المعيشة وغير ذلك، فبعد السالك عن المحظورات دون ذهوله عن المباحات قرب ناقص، ومع ذهوله عن المباحات قرب تام، فبأي مقدار بعد السالك عن الغير قرب إلى الله تعالى بقدره، وأي مقدار انقطع عن الغير وصل إليه، فافهم وبالله التوفيق . ١٦٠٩ - [١٢] (عبدالله بن عمرو) قوله: (تحفة المؤمن الموت) في (القاموس)(١): التحفة بالضم، وكهمزة: البر واللّطَفُ والطرفة، وفيه: الظُّرْفَةٌ بالضم: الاسم من الطريف، والمُطْرِفِ والطارفِ: المال المستحدث، والغريب من الثمر وغيره، وفي (الصراح)(٢): (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٣٢، ٧٦٧). (٢) ((الصراح)) (ص: ٣٥٦). ٧٧ (٥) كتاب الجنائز ١٦١٠ - [١٣] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: ((الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٩٨٢، ن: ١٨٢٨، جه: ١٤٥٢]. ١٦١١ - [١٤] وَعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَوْتُ الْفُجَاءَةِ أَخْذَةُ الأَسَفِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ» وَرَزِينٌ فِي كِتَابِهِ: ((أَخْذَةُ الأَسَفِ لِلْكَافِرِ. طرفة بالضم: نووشكفت، وفي بعض الشروح: التحفة الطرفة فاكهة وغيرها، وفي الحديث: (تحفة الصائم الدهن والمجمر) يعني يذهب عنه مشقة الصوم وشدته، كذا في (مجمع البحار)(١)، فالمراد أن الموت لطف من الله للمؤمن وبِرٍّ منه ونعمة هنيئة له بوصله إلى جنته وقربه، ويذهب عنه مشقة الدنيا وشدتها، قال بعض العارفين: ولو يعلم الناس ما في الموت لأهلكوا أنفسهم بأيديهم، والموت جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب . ١٦١٠ - [١٣] (بريدة) قوله: (المؤمن يموت بعرق الجبين) قيل: هذا كناية عن التشديد في الموت ليمحص ذنوبه أو يرفع درجته، وقيل: كناية عن كده في طلب الحلال والرياضة في العبادة إلى وقت الموت، وقيل: إن عرق الجبين علامة تتبين من المؤمن عند موته، نقل ذلك عن ابن سيرين، وقيل: المراد أنه ليس عليه شدة الإعراق. ١٦١١ - [١٤] (عبيدالله بن خالد) قوله: (موت الفجاءة) بضم الفاء مع المد والقصر وبفتحها مع القصر، وهي البغتة، يقال: فجأ الأمر: إذا جاء بغتة. وقوله: (أخذة الأسف) رُوي بفتح السين بمعنى الغضب، ويكسرها بمعنى (١) (مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٢٥٧). ٧٨ (٢) باب تمني الموت وذكره وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِ)). [د: ٣١١٠، شعب: ٧/ ٢٥٥، ح: ١٠٢١٩]. ١٦١٢ - [١٥] وَعَن أنس قَالَ: دخل النَّبِيُّ نَّهِ عَلَى شَابٌّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ، فَقَالَ: ((كَيْفَ تِجِدُكَ؟)) قَالَ: أَرْجُو اللهَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِيٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لاَ يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبٍ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلاَّ أَعْطَاهُ اللهُ مَا يَرْجُو، وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٩٨٣، جه: ٤٢٦١]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ١٦١٣ - [١٦] عَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَِّ: ((لاَ تَمَنَّوُا الْمَوْتَ فَإِنَّ هَوْلَ الْمُطَّلَعِ شَدِيدٌ، . الغضبان، أي: موت الفجاءة من آثار غضب الله؛ لأنه لم يتركه لأن يستعد للآخرة بالتوبة والعمل، وهذا للكافر ولمن ليس على طريقة محمودة بدليل الرواية الأخرى. ١٦١٢ - [١٥] (أنس) قوله: (تجدك) من الوجدان بمعنى العلم، فيكون من أفعال القلوب. وقوله: (لا يجتمعان) أي: الخوف والرجاء، وقد فهم غلبة الرجاء من تعليقه بالله وتعليق الخوف بالذنوب مع ما فيه من رعاية الأدب . الفصل الثالث ١٦١٣ - [١٦] (جابر) قوله: (فإن هول المطلع) بضم الميم وتشديد الطاء وفتح اللام: موضع الاطلاع من إشراف إلى انحدار، والمراد ما يطلع عليه العبد من أهوال الآخرة في مواقف القيامة، وأمور يطلع عقيب الموت من أحوال البرزخ، وبه فسروا قول ٧٩ (٥) كتاب الجنائز وَإِنَّ مِنَ السَّعَادَةِ أَنْ يَطُولَ عُمُرُ الْعَبْدِ وَيَرْزُقَهُ اللهُ وَكَّ الإِنَبَةَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٣ / ٣٣٢]. ١٦١٤ - [١٧] وَعَنْ أَبِى أُمَامَةَ قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ وَّهِ، فَذَكَّرَنَاَ وَرَقَّقَنَا، فَبَكَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَأَكْثَرَ الْبُكَاءَ، فَقَالَ: يَا لَيْتَنِي مِتُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَِّ: ((يَا سَعْدُ! أَعِنْدِي تَتَمَنَّى الْمَوْتَ؟)) فَرَدَّدَ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ٠ أمير المؤمنين عمر : لو أن لي ما في الأرض لافتديت به من هول المطلع، وقال الطيبي(١): يريد ما يشرف عليه العبد من سكرات الموت وشدائده؛ فإنه إنما يتمناه من قلة صبر وضجر، فإذا جاء متمناه يزداد ضجراً على ضجر، فيستحق مزيد سخط على سخط، يعني: أي فائدة في تمني الموت إلا تمني الشدائد والآلام، ومن شأن العاقل أن لا يتمنى ما يقع بسببه في الشدة والبلاء، وهو واقع لا محالة. وقوله: (الإنابة) أي: الرجوع والإقبال إليه. ١٦١٤ - [١٧] (أبو أمامة) قوله: (فذكرنا ورققنا) من التذكير والترقيق، ونصب ضميري المتكلم. وقوله: (يا ليتني مت) يقال: مات يموت ويمات ويميت، فعلى الأول مت بضم الميم وعلى الآخرين بكسرها . وقوله: (أعندي تتمنى الموت؟) أي: وتمنيه منهي عنه، أو المراد: في حضرتي وحياتي تتمنى الموت، وحضورك عندي ومشاهدتك لجمالي وكمالي خير لك من الموت، وإن حصل لك بعد الموت نعيم ودرجات فكل ذلك لا يوازي النظر إلى وجهي (١) ((شرح الطيبي)) (٣/ ٣٣٤). ٨٠ (٢) باب تمني الموت وذكره ثُمَّ قَالَ: ((يَا سَعْدُ! إِنْ كُنْتَ خُلِقْتَ لِلْجَنَّةِ فَمَا طَالَ عُمُرُكَ وَحَسُنَ مِنْ عَمَلِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٦٧]. ١٦١٥ - [١٨] عَنِ حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى خَبَّابِ وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعاً، فَقَالَ: لَوْلاَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُول: ((لاَ يَتَمَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ)) لَتَمَنَُّهُ. والتشرف بصحبتي، وهو في الدنيا جنة مثل جنة الآخرة بل أعلى وألذ منها، ولنعم ما قال بعض الفقراء حين سئل: الحياة خير للمؤمنين أو الممات؟ فأجاب: بأن في زمان النبوة الحياة خير وبعده الممات. وقوله: (إن كنت خلقت للجنة) فإن قلت: هو من العشرة المبشرة فكيف أتى بكلمة الشك، قلت: لعل البشارة حصل بعد هذا القول بوحي من الله وقت، أو هذا إشارة إلى عظيم هذا الأمر، ومن شأنه أن لا يحرم بذلك، وقال الطيبي(١): (إن) ههنا للتعليل كما قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فتدبر. وقوله: (حسن من عملك) (من) زائدة، وزيادة (مِنْ) في المثبت جائزة على قول الأخفش، ويحتمل أن تكون تبعيضية، فافهم. ١٦١٥ - [١٨] (حارثة بن مضرب) قوله: (حارثة بن مضرب) بضم الميم وتشديد الراء المكسورة قبلها معجمة، الكوفي ثقة من الثانية. و(خباب) بتشديد الموحدة، ابن الأرت. وقوله: (قد اكتوى) من الكي، وهو إحراق جسده بحديدة أو نحوها. و(سبعاً) أي: في سبع مواضع من بدنه، وقد اختلفت الأحاديث والآثار في جوازه والنهي عنه، (١) ((شرح الطيبي)) (٣٣٥/٣).