Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
(٤) كتاب الصلاة
إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
[خ: ٨٨٣].
١٣٨٢ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِنَّهِ قَالَ: ((مَنِ اغْتَسَلَ
ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْيَتِهِ، ثُمَّ
يُصَلِّيَ مَعَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى وَفَضْلُ ثَلاَثَةِ أَّامٍ)). رَوَاهُ
مُسْلِمٌ. [م: ٨٥٧].
١٣٨٣ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ
الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ.
بالفتح أيضاً، من نصت بمعنی سکت.
وقوله: (إذا تكلم الإمام) أي: الخطيب، وفيه أن الأفضل أن يكون الإمام هو
الخطيب .
وقوله: (وبين الجمعة الأخرى) أي: الماضية التي قبلها كما يجيء في حديث
سلمان، وتدل عليه الأحاديث الأخر، فـ (أخرى) ههنا بمعنى (غير) من غير اعتبار
معنی التأخر .
١٣٨٢ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (وفضل ثلاثة أيام) لتكون الحسنة بعشر أمثالها،
و(فضل) منصوب على أنه مفعول معه، وفي (شرح صحيح مسلم): نصب (فضل)
و(زيادة) على الظرفية، وقد يرفع عطفاً على (ما) في (ما بينه)، أو يقدر: وزيد له فضل
ثلاثة أيام، ويجوز أن يكون مجروراً على أنه عطف على (الجمعة)، كذا قيل.
١٣٨٣ - [٣] (وعنه) قوله: (من توضأ فأحسن الوضوء) إيراد هذا الحديث
للإشارة إلى أن التنظيف أعمّ من الغسل، وليس الغسل بواجب.

٥٠٢
(٤٤) باب التنظيف والتبكير
فَاسْتَمَعَ وَأَنّصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ
الْحَصَى فَقَدْ لَغَا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٥٧].
١٣٨٤ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ
وَقَفَتِ الْمَلاَئِكَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ ..
وقوله: (فاستمع وأنصت) عطف تفسيري .
وقوله: (ومن مسّ الحصى) أي: لعب به عبثاً، وقيل: المراد تسويته ليسجد
عليه، وقيل: المراد تقليب الحصى والعد بها للتسبيح، وهذا أنسب بالنهي عن التكلم
عند الخطبة .
وقوله: (فقد لغا) اللغو: التكلم بما لا يعني، والباطل، والكلام الساقط، وفي
(القاموس)(١): كلمة لاغية، أي: فاحشة، جعل المس كاللغو؛ لأنه يشغله عن سماع
الخطبة كما يشغله الكلام.
١٣٨٤ - [٤] (وعنه) قوله: (الأول فالأول) الفاء في أمثاله تجيء للترتيب،
كقولهم: الأمثل فالأمثل، والأبعد فالأبعد، ويحتمل الرتبة من الأعلى إلى الأدنى
والعكس، وأما ههنا فمتعين أن يكون من القسم الأول.
وقوله: (ومثل المهجِّر) بلفظ اسم الفاعل من التهجير، وهو في الأصل السير
في الهاجرة، بمعنى نصف النهار عند زوال الشمس؛ لأن الناس يستکنّون في بيوتهم،
فكأنهم تهاجروا شدة الحر، والمراد به ههنا وفي الحديث: لو يعلمون ما في التهجير
لاستبقوا إليه، بمعنى التبكير، أي: المجيء في أول أوقاتها والمبادرة إليها، وهي لغة
حجازية، وقيل: التهجير ههنا بمعنى الهجير بكسر الهاء وتشديد الجيم، بمعنى ملازمة
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٢٢).

٥٠٣
(٤) كتاب الصلاة
كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَبْشاً، ثُمَّ دَجَاجَةً، ثُمَّ
بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
[خ: ٩٢٩، م: ٨٥٠].
ذكر شيء، وهو يفيد معنى المبادرة والمسارعة، أو مشتق من الهجر بمعنى هجر المنزل
وتركه، يعني يهجر المنزل إلى وقت الجمعة ويتركه، كناية عن إتيان الجمعة من أول
النهار، وفيه بعد؛ لأن الظاهر حينئذ ذكر الهجر لا التهجير، وقيل: التهجير: السير في
وقت الحر، سواء كان في أول الزوال وآخره، وقد ادعى بعضهم التهجير في أول النهار،
وقال التُّورِبِشْتِي(١): جعل الوقت الذي يرتفع فيه النهار ويأخذ الحر في الازدياد من
الهاجر[ة] تغليباً، بخلاف ما بعد زوال الشمس، فإن الحر يأخذ فيه في الانحطاط.
وقوله: (الذي يهدي بدنة) بفتحات: اسم لما یهدی إلى مكة، وجمعه بدن علی
وزن كتب، وهو اسم للإبل خاصة عند جماعة منهم الشافعي رحمه الله بدلالة هذا
الحديث؛ لجعلها مقابلة للبقر، وعامة الإبل والبقر والغنم عند جمهور أهل اللغة وبعض
الفقهاء، ومنهم أبو حنيفة رحمه الله، والمراد في الحديث الإبل بقرينة المقابلة، قال
الجوهري (٢): البدنة: ناقة أو بقرة تنحر بمكة، سميت بذلك لأنهم يسمّنونها، وقال
الأزهري: البدنة لا تكون إلا من الإبل، وأما الهدي فمن الإبل والبقر والغنم.
وقوله: (دجاجة) بفتح الدال، وهو الأفصح، ويثلث، وعطفه على ما قبله من
قبيل الاتباع والمشاكلة، كقولهم: علفتها ماءً وتبناً، والتقدير: تصدق دجاجة.
وقوله: (فإذا خرج الإمام) وفي رواية لمسلم: (فإذا جلس الإمام)، والجمع
بينهما بأن ابتداء طي الصحف عند ابتداء خروج الإمام وانتهائه بجلوسه على المنبر.
(١) ((كتاب الميسر)) (١/ ٣٣٦).
(٢) «الصحاح)) (٥/ ٢٠٧٧).

٥٠٤
(٤٤) باب التنظيف والتبكير
ثم اعلم أنه قد استشكل هذا الحديث بأنه يلزم منه أن يكون إقامة الجمعة قبل الزوال،
ومن ثم استدل به من ذهب إلى أن الجمعة تصح قبل الزوال كما هو في رواية عن
أحمد رحمه الله أيضاً، وبيانه: أن النهار كله اثنتا عشرة ساعة، وقد علم منه خروج
الإمام للخطبة في آخر الساعة الخامسة، ولا شك أنها تكون قبل الزوال.
وأجيب بأنه ليس في الحديث ذكر الإتيان من أول النهار، فلعل الساعة الأولى
منه جعلت للتأهب بالاغتسال وغيره، ويكون مبدأ الجميع من أول الثانية، فيكون
آخر الخامسة أول الزوال، وإلى هذا أشار بعضهم حيث قال: أول التبكير يكون من
ارتفاع النهار، وقد يقال: يحتمل أن يكون الراوي لم يذكر الساعة السادسة.
وقد وقع في بعض الروايات زيادة مرتبة بين الدجاجة والبيضة، وهي العصفور،
وله متابعات وشواهد، وفي بعضها زيادة البط بين الكبش والدجاجة، وهذا إن أريد
بالساعات ما يتعارف بها عند أهل التنجيم، وإلا فلا إشكال، ولو أريد تفاوت درجات
الجائين للجمعة ومراتبهم في تقدم الأوقات وتأخرها فلا إشكال، سواء قدر لها خمس
درجات أو ست، أو أزيد أو أنقص.
وقدَّر الإمام الغزالي الساعة الأولى من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والثانية إلى
ارتفاعها، والثالثة إلى انبساطها، والرابعة إلى أن ترمض الأقدام، والخامسة إلى الزوال.
وقال الشيخ ابن حجر (١): تجاسر الغزالي فقسمها برأيه، واعترض ابن دقيق العيد
أيضاً بأن الرد إلى الساعة المعروفة أولى، وإلا لم يكن لتخصيص العدد بالذكر معنى؛
لأن المراتب متفاوتة جداً.
ثم اعلم أنه وقع في بعض الروايات: (ثم راح إلى الجمعة)، وحقيقة الرواح الذهاب
(١) (فتح الباري) (٢ / ٣٦٩).

٥٠٥
(٤) كتاب الصلاة
١٣٨٥ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ: أَنْصِتْ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٣٤، م:
٨٥١].
من الزوال إلى آخر النهار، كما أن الغدو من أوله إلى الزوال، وحينئذٍ يشكل اعتبار
الساعات الخمسة أو الستة، ولهذا قال بعض الشافعية والمالكية رحمهما الله: إن المراد
بالساعات لحظات لطيفة بعد زوال الشمس، وآخرها قعود الخطيب على المنبر، وإطلاق
الساعة على جزء من الزمان غير محدود متعارف، هذا وقد أنكر الأزهري على من زعم
أن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال، قال: العرب تقول: راح بمعنى ذهب في جميع
الأوقات، قال: وهي لغة أهل الحجاز، ونقل أبو عبيد في (الغريبين) مثله، فقد ثبت أن
المراد بالرواح الذهاب مطلقاً، وقيل: يمكن أن تكون النكتة في التعبير بالرواح الإشارة
إلى أن الفعل المقصود لا يكون إلا بعد الزوال، فسمي الذاهب إلى الجمعة رائحاً بهذا
الاعتبار وإن لم يجئ وقت الرواح، كما يسمى القاصد إلى الحج حاجًّا.
وقد نقل عن مالك رحمه الله حمل الرواح على حقيقته، والتجوز في الساعة
بحملها على جزء لطيف من الزمان، وقد اشتد إنكار أحمد وابن حبيب من المالكية على
هذا المنقول(١)، وقالا: هذا خلاف حديث رسول الله وَله، وقد احتج بعض المالكية
بحديث التهجير، وقد عرفت أن المراد به التبكير، فليتدبر.
١٣٨٥ - [٥] (وعنه) قوله: (فقد لغوت) أي: عملت اللغو، وهو الكلام عند
الخطبة مع ما فيه من التكلم مع الأمر بالإنصات لغيره، ففيه وجوب الإنصات ولو كان
التكلم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو يكفيه الإشارة.
(١) أي: ما نقل عن مالك من كراهية التبكير إلى الجمعة ((فتح الباري)) (٢ / ٣٦٩).

٥٠٦
(٤٤) باب التنظيف والتبكير
وتفصيل الكلام في الإنصات: أن الإنصات واجب عند أكثر العلماء، والإمام أبي
حنيفة رحمه الله منهم، وعند بعضهم مستحب، ومنهم الشافعي رحمه الله، وقال في
(المواهب اللدنية)(١): إن للشافعي رحمه الله قولين، وكذا عن أحمد، وقال: إن ابن
عبد البر نقل الإجماع على وجوب الإنصات إلا عن قليل من التابعين، وهذا القول
غریب، انتھی.
وقال الترمذي(٢): كره أهل العلم التكلم وقت الخطبة، واختلفوا في رد السلام
وتشميت العاطس، فبعضهم كرهوه، وبعضهم ترددوا فيه، انتهى. ومذهبُ أبي حنيفة
رحمه الله أن من وقت خروج الإمام للخطبة إلى أن يشرع في الصلاة الصلاةُ والكلامُ
كليهما حرام، وإن كان في الصلاة والإمامُ شرع في الخطبة قطع الصلاة على رأس
ركعتين، وعند صاحبيه لا بأس بالكلام بعد خروج الإمام قبل الشروع في الخطبة، وبعد
النزول عن المنبر قبل أن يكبر؛ لأن الكراهة إنما هي من جهة الإخلال بالاستماع،
ولا استماع في هذين الوقتين، وقد أورد الترمذي في التكلم بعد نزول الإمام حديثاً في
((جامعه))، بخلاف الصلاة فإن لها امتداداً، ولعله لا يتيسر قطعها إلى الشروع في الخطبة،
والدليل لأبي حنيفة على حرمتها حديث ورد فيها، والكلام أيضاً لا يتيسر قطعه بحكم
الطبيعة، وروى مالك في (الموطأ)(٣): إذا خرج الإمام فلا صلاة ولا كلام.
وقال الشيخ ابن الهمام(٤): في رفع هذا الحديث كلام، والمعروف أنه من كلام
الزهري، وقال: إن ابن أبي شيبة روى في (مصنفه) عن علي وابن عباس وابن عمر زهر:
(١) ((المواهب اللدنية)) (٤ / ١٧٠).
(٢) ((سنن الترمذي)) (٥١٢).
(٣) ((موطأ مالك)) (٢٣٣).
(٤) ((فتح القدير)) (٢ / ٦٨).

٥٠٧
(٤) كتاب الصلاة
١٣٨٦ - [٦] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لاَ يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ
أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ يُخَالِفُ إِلَى مَقْعَدِهِ فَقْعُدَ فِيهِ، وَلَكِنْ يَقُولُ: افْسَحُوا)).
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٧٨].
أنهم كانوا يكرهون الصلاة والكلام بعد خروج الإمام، وقول الصحابي حجة عندنا
ويجب تقليده، انتهى. وقالوا: المراد بالصلاة هي النافلة، ولم يكره قضاء الفائتة.
واختلفوا فيمن جلس بعيداً بحيث لا يسمع الخطبة، والمختار السكوت، وقيل:
الأحسن أن يشتغل بالذكر والتسبيح خصوصاً عند ذكر صفات الظلمة، وقال الشيخ ابن
الهمام: كره الكلام عند الخطبة وإن كان الأمر بالمعروف أو التسبيح أو التهليل، وحرم
الأكل والشرب والكتابة، وكره تشميت العاطس ورد السلام، وفي رواية عن أبي يوسف:
لا يكره لأنهما فرض، والجواب أنهما فرضان في كل وقت إلا عند سماع الخطبة؛ لعدم
الإذن فيهما، ويصلي في نفسه؛ لئلا يشغل عن سماع الخطبة، وهو الصواب، وكذا
الحمد عند العطسة، وفي ردِّ المُنكَر بالإشارة بالعين واليد لا يكره، وهو الصحيح،
وفي النظر إلى كتاب وإصلاحه بالقلم رواية عن أبي يوسف، انتهى. وسيجيء الكلام
في تحية المسجد في آخر (باب الخطبة) إن شاء الله تعالى.
١٣٨٦ - [٦] (جابر) قوله: (ثم يخالف إلى مقعده) أي: يقصد إلى مقعده
ويلازمه .
وقوله: (افسحوا) أي: وسعوا، وفي حديث الجماعة: (ثم أخالف إلى رجال
فأحرق عليهم بيوتهم) أي: آتيهم على تأويل، ويقال: خالفني إلى كذا، أي: قصده وهو
مولِّ عنه، وفي (القاموس)(١): هو يخالف فلانة: أي يأتيها إذا غاب زوجها، وخالفها
إلى موضع آخر: لازمها، انتهى. وفي الحديث: (ما من رجل يخالف إلى امرأة رجل
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧٤٦).

٥٠٨
(٤٤) باب التنظيف والتبكير
: الْفَصْلُ الثَّانِ:
١٣٨٧ - [٧] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالاَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِِّ:
(من اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ، وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ
عِنْدَهُ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَلَمْ يَتَّخَطَّ أَعْنَاقَ النَّاسِ، ثُمَّ صَلَّى مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ،
ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ إِمَامُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلاَتِهِ، كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ
جُمُعَتِهِ الَّتِي قَبْلَهَا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٤٣].
من المجاهدين)(١)، الحديث.
الفصل الثاني
١٣٨٧ - [٧] (أبو سعيد، وأبو هريرة) قوله: (من اغتسل يوم الجمعة) وزاد في
بعض الطرق: (غسل الجنابة)، والمراد به عند الأكثر غسل كامل مستجمع لجميع الأركان
والشرائط والسنن كغسل الجنابة، وقال بعضهم: هذا إشارة إلى استحباب الجماع في
هذا اليوم لتخلية الباطن، وتسكين النفس من الخواطر الردية، وسد باب النظر الحرام،
وتؤيده رواية (غسّل) بالتشديد في حديث أوس بن أوس.
وقوله: (ولبس من أحسن ثيابه) الظاهر أن المراد أجمل الثياب وأزينها وأحبها
إليه بعد أن لا يكون غير مشروع، وقيل: المراد بها الثياب البيض؛ لأنه كان أحب الثياب
إلى رسول الله وَ﴾، وقد ورد في بعض الروايات استحباب لبسها يوم الجمعة.
وقوله: (ومس من طيب إن كان عنده) يؤيد الاحتمال الأول من الاحتمالين
المذكورين في شرح قوله: «یمس من طیب بيته)) كما أشرنا إليه.
وقوله: (كانت) أي: هذه الأفعال بجملتها أو هذه الفعلة المشتملة على ما ذكر.
(١) أخرج نحوه النسائي (٣١٨٩).

٥٠٩
(٤) كتاب الصلاة
١٣٨٨ - [٨] وَعَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِِّ: ((مَنْ غَسَّلَ
يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الإِمَامِ
وَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَّةٍ: أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا)).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٤٩٦، د: ٣٤٥، ن: ١٣٨١،
جه: ١٠٨٧].
١٣٨٩ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلاَم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَا عَلَى
أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدَ أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سِوَى.
١٣٨٨ - [٨] (أوس بن أوس) قوله: (من غسّل يوم الجمعة) روي بالتشديد
والتخفيف، فالتشديد يحتمل المبالغة؛ لأن هذه الصيغة تجيء لها، ويحتمل حمل
المرأة على الغسل بأن يطأها، والتخفيف إما للتأكيد، أو المراد به غسل الرأس بخطمي
وغيره؛ لأن العرب لهم لِمَمِّ وشعور في غسلها كلفة، وبالاغتسال غسل تمام البدن،
وإفراد غسل الرأس لما ذكرنا.
وقوله: (وبكّر) أي: أتى الصلاة أول وقتها .
وقوله: (وابتكر) أي: أدرك أول الخطبة، أو هما بمعنی کرِّر للتأكيد، وقيل: بكّر:
تصدق قبل خروجه على ما في الحديث: ((باكروا الصدقة؛ فإن البلاء لا يتخطاها))(١).
وقوله: (بكل خطوة عمل سنة) وجاء في المشي إلى مطلق الصلاة رفع درجة في
كل خطوة، وكتابة حسنة، ومحو سيئة فيها، أما ثبوت أجر سنة قيام ليل وصيام نهار،
فهو من خصائص الجمعة .
١٣٨٩، ١٣٩٠ - [٩، ١٠]: (عبدالله بن سلام، ويحيى بن سعيد) قوله: (سوى
(١) أخرجه الطبراني في (الأوسط)) (٥٦٤٣)، والبيهقي في ((الشعب)) (٣٠٨٢)، وفي ((السنن الكبرى))
(٧٨٣١).

٥١٠
(٤٤) باب التنظيف والتبكير
ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٠٩٥].
١٣٩٠ - [١٠] وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيْدٍ. [ط: ٢٤٢].
١٣٩١ - [١١] وَعَن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ:
((احْضُرُوا الذِّكْرَ وَادْنُوا مِنَ الإِمَامِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لاَ يَزَالُ يَبَاعَدُ حَتَّى يُؤَخَّرَ فِي
الْجَنَّةِ وَإِن دَخَلَهَا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١١٠٨].
١٣٩٢ - [١٢] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسِ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ ◌ِ﴾
ثوبي مهنته) بكسر الميم وفتحها وسكون الهاء بمعنى الخدمة، يعني الثياب المتبذلة في
سائر الأيام، ونقل عن الأصمعي إنكار الكسر، كذا في الكتب، وفي (القاموس)(١):
المهنة بالكسر والفتح والتحريك، وككلمة: الحِذْق بالخدمة والعمل، مَهَنَهُ كمنعه
ونصره مَهْناً ومَهْنَةً، ویکسر: خدمَهُ، وجاء في بعض الروايات أنه كان له پ+ بردان
يلبسهما ليوم الجمعة، ويستنبط منه أنه لو كان ثوب زائد على الحاجة اتخذ لمصلحة
دینیة لم يُخِلّ بالزهد.
١٣٩١ - [١١] (سمرة بن جندب) قوله: (احضروا الذكر) أي: الخطبة، (وادنوا
من الإمام) أي: قوموا إلى الصف الأول، وفيه ترغيب إلى طلب أعالي الأمور وزجر
عن السكون إلى سفسافها .
١٣٩٢ - [١٢] (معاذ بن أنس الجهني) قوله: (وعن معاذ بن أنس الجهني) بضم
الجيم وفتح الهاء (عن أبيه) قيل: الصواب سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه كما في
(الترمذي)، ووجهه: أن معاذاً صحابي وأنس أبوه ليس بصحابي، فلا يصح معاذ عن
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٣٩).

٥١١
(٤) كتاب الصلاة
(مَنْ تَخَطَى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ اَنَّخَذَ جِسْراً إِلَى جَهَنَّمَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ،
وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٥١٣].
أبيه، وأما سهل بن معاذ فتابعي روى عن أبيه، وقال في (جامع الأصول)(١): سهل بن
معاذ لين الحديث، إلا أن أحاديثه حسان في الرغائب والفضائل، وفي (التهذيب)(٢):
ضعفه يحيى بن معين، وذكره ابن حبان في (كتاب الثقات).
وقوله: (اتخذ جسراً) روي (اتخذ) مبنيًّا للفاعل، وقال التُّورِبِشْتِي(٣): هي
الرواية المعتدّ بها، والمعنى أن صنيعه ذلك يؤدي إلى جهنم، كالجسر الذي يؤدي من
يعبر عليه إلى ما وراءه، وقال: ومنهم من يرويه على بناء ما لم يسم فاعله، وفيه وهنٌ
روايةً ومعنّى، انتهى. ولا يذهب أن أمر الرواية شيء آخر لا كلام فيه، وأما ثبوت
الوهن والضعف معنَى فمحل تردد، ومعناه ظاهر ؛ مجازاةً بمثل عمله.
وقوله: (وقال: هذا حديث غريب) قال الترمذي: حديث سهل بن معاذ بن أنس
الجهني حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد، والعمل عليه عند أهل
العلم، كرهوا أن يتخطى الرجل رقاب الناس يوم الجمعة، وشددوا في ذلك، وقد تكلم
بعض أهل العلم في رشدين بن سعد وضعفوه من قبل حفظه، وقال في (التقريب) (٤):
كان صالحاً في دينه، فأدركته غفلة الصالحين، وفي (الكاشف)(٥): كان صالحاً عابداً
محدثاً، سيئ الحفظ، توفي في سنة ثمان وثمانين ومئة.
(١) ((جامع الأصول)) (١٢ / ٨٥٣).
(٢) ((تهذيب التهذيب)) (٤ / ٢٢٧).
(٣) ((كتاب الميسر)) (٣٣٩/١).
(٤) ((تقريب التهذيب)) (٢٠٩).
(٥) («الكاشف)) (١/ ٢٩٧).

٥١٢
(٤٤) باب التنظيف والتبكير
١٣٩٣ - [١٣] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ﴿ِ نَهَى عَنِ الْحَبْوَةِ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٥١٤، ٥: ١١١٠].
١٣٩٤ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا نَعَسَ
أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَلْيَتَحَوَّلْ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ)). رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ. [ت: ٥٢٦].
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
١٣٩٥ - [١٥] عَنْ نَافِع قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ وَّل
أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَقْعَدِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ. قِيلَ لِنَافِعِ: فِي الْجُمُعَةِ،
قَالَ: فِي الْجُمُعَة وَغَيْرِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩١١، ٦٢٧، م: ٢١٧٧].
١٣٩٣ - [١٣] (معاذ بن أنس) قوله: (عن الحبوة) بفتح الحاء ويثلث، اسم من
الاحتباء، وهو أن يجمع ظهره وساقيه إلى بطنه بيديه أو نحو ثوب، وإنما نهي عنه لأنه
يجلب النوم فيلهي عن الخطبة، وقد ينقض الوضوء، وأما في غير حال الخطبة فليس
بمكروه، كيف وقد جلس رسول الله ﴿ محتبياً في فناء الكعبة، والعادة على هذا في
الحرمين الشريفين .
١٣٩٤ - [١٤] (ابن عمر) قوله: (إذا نعس) كمنع .
وقوله: (فليتحول من مجلسه) أي: يقوم ويجلس في موضع آخر ليذهب النوم.
الفصل الثالث
١٣٩٥ - [١٥] (نافع) قوله: (ويجلس) بالنصب عطفاً على (يقيم)، ويروى
بالرفع، والجملة حالية، والنهي عن الجمع، كذا في شرح الشيخ، والحمل على النهي
عن الجمع إنما هو بالنظر إلى هذا المقام اتفاقاً، وإلا فالإقامة من مقعده وحدها بغير
سبب منهي عنه موجب للإيذاء، والحديث عام في الجمعة وغيرها.

٥١٣
(٤) كتاب الصلاة
١٣٩٦ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍ و قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((يَحْضُرُ
الْجُمُعَةَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ: فَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِلَغْوٍ، فَذَلِكَ حَظُهُ مِنْهَا، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا
بِدُعَاءٍ، فَهُوَ رَجُلٌ دَعَا اللهَ إِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ، وَرَجُلٌ حَضَرهَا
بِإِنْصَاتٍ وَسُكُوتٍ وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُؤْذِ أَحَداً، فَهِيَ كَفَّارَةٌ إِلَى
الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيْهَا وَزِيَادَةٍ ثَلاَثَةٍ أَيَّامٍ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿مَنْ جَءَ بِاَلْمَسَنَّةِ
فَهُ, عَشْرٌ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١١١٣].
١٣٩٧ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((مَنْ تَكَلَّمَ
يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ فَهُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً، وَالَّذِي يَقُولُ
لَهُ : .
١٣٩٦ - [١٦] (عبدالله بن عمرو) قوله: (حضرها بِلَغْوٍ) أي: كلام باطل وعبث
بشيء في حال الخطبة وغيرها، وكذا الدعاء، وأمر الدعاء متردد بين الرد والقبول
خصوصاً في هذه الحالة؛ لكونه حراماً أو مكروهاً، فالمنع غالب، أو المراد الدعاء بالقلب
في الباطن، فالرجل الأول مسيء جزماً، والثاني وإن كان داعياً متوجهاً إلى الله فهو
مشغول بحظ نفسه، وأما الثالث فطالب رضا الله تعالى، صادق، منقطع عن الخلق
وعن نفسه .
وقوله: (فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها) قد مرّ في (الفصل الثاني): (كانت
كفارة لما بينها وبين الجمعة قبلها)، ولا ريب أن الجمعة التي قبلها تلي هذه الجمعة
وتتصل بها، فلا منافاة، فافهم.
١٣٩٧ - [١٧] (ابن عباس) قوله: (فهو كمثل الحمار) أي: مثله كمثل الحمار
يحمل أسفاراً، كناية عن العلم بلا عمل .

٥١٤
(٤٤) باب التنظيف والتبكير
أَنْصِتْ لَيْسَ لَهُ جُمُعَةٌ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ٢٣٠].
١٣٩٨ - [١٨] وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ مُرْسَلاً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ لَّهُ
فِي جُمُعَةٍ مِنَ الْجُمَعِ: ((يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ! إِنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللهُ عِيداً
فَاغْتَسِلُوا، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طِيبٌ فَلاَ يَضُرُّهُ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ».
رَوَاهُ مَالِكٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه عَنْهُ. [ط: ١٤٤، جه: ١٠٩٨].
١٣٩٩ - [١٩] وَهُوَ عَنِ ابْنِ عَبَّاس مُتَّصِلاً.
١٤٠٠ - [٢٠] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِّهِ: ((حَقًّا عَلَى
الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلْيَمَنَّ أَحَدُهُمْ مِنْ طِيبٍ أَهْلِهِ، فَإِنْ لَمْ
يَجِدْ فَالْمَاءُ لَهُ طِيبٌ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
[حم: ٤ / ٢٨٢ - ٢٨٣، ت: ٥٢٨].
وقوله: (ليس له جمعة) لكونه لاغياً، فليس له فضل وثواب.
١٣٩٨، ١٣٩٩ - [١٨، ١٩] (عبيد بن السباق، وابن عباس) قوله: (عبيد بن
السباق) بفتح السين وتشديد الموحدة، تابعي، يعد في الحجازيين، حديثه فيهم.
وقوله: (فلا يضره أن يمس منه) كان إيثار هذه العبارة لتوهم بعض الناس أن
التطيب من شيمة النساء، وفيه إسراف وحرج.
١٤٠٠ - [٢٠] (البراء) قوله: (حقًّا) مصدر مؤكد أقيم مقام فعله، أي: حق
حقًّا، قدِّم اهتماماً بشأنه.
وقوله: (فإن لم يجد) أي: عند أهله، فلا حاجة إلى السؤال من الناس، ويكفي
الماء .

٥١٥
(٤) كتاب الصلاة
٤٥- باب الخطية والصلاة
٤٥ - باب الخطبة والصلاة
الخطبة: بالضم مصدر خَطَبَ يَخْطُبُ خطابً وخُطْبَةً، ويطلق على الكلام الذي
يخطب به، وهو الكلام المنثور المسجع ونحوه، كذا في (القاموس)(١)، وفي عرف
الشرع: عبارة عن كلام يشتمل على الذكر والتشهد والصلاة والوعظ، والخطبة شرط
صلاة الجمعة فرض فيها، ويكفي في أدنى مقدار الفرض عند أبي حنيفة رحمه الله أدنى
ما يشتمل على ذكر الله تعالى من تسبيحة أو تحميدة؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾
[الجمعة: ٩] من غير فصل بين كونه ذكراً طويلاً يسمى خطبة، أو ذكراً قصيراً لا يسمى
خطبة، فكان الشرط الذكر الأعم، غير أن المأثور عنه وَ * اختيار أحد الفردين، أعني
الذكر المسمى بالخطبة، والمواظبة عليه، فكان ذلك واجباً أو سنة، لا أنه الشرط الذي
لا يجزئ غيره، إذ لا يكون بياناً لعدم الإجمال في لفظ الذكر، وقد علم وجوب تنزيل
المشروعات على حسب أدلتها .
وقالا: لا بد من ذكر طويل يسمى خطبة في العادة؛ لأن الخطبة هي الواجبة،
والتسبيحة والتحميدة لا تسمى خطبة، وقال الشافعي رحمه الله: لا يجوز حتى يخطب
خطبتين، وقد يحكى عن عثمان ﴿به أنه قال: الحمد لله، فأُرتج عليه، فنزل وصلى
بهم، ولم ينكر عليه أحد منهم، فكان إجماعاً، وقال الشيخ ابن الهمام(٢): قصة
عثمان ظُ لم تعرف في كتب الحديث، بل ولا في كتب الفقه، وهي أنه لما خطب في
أول جمعة في الخلافة صعد المنبر، فقال: الحمد لله، فأرتج عليه، فقال: إن أبا بكر
وعمر وُها كانا يُعِدَّان لهذا المقام مقالاً، وأنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٨).
(٢) ((فتح القدير)) (٢ / ٦٠).

٥١٦
(٤٥) باب الخطبة والصلاة
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٤٠١ - [١] عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ :﴿ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ
الشَّمْسُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٩٠٤].
١٤٠٢ - [٢] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلاَ نَتَغَدَّى.
قوال، وسيأتيكم الخطب بعد الخطب، وسيغفر الله لي ولكم، والله أعلم.
الفصل الأول
١٤٠١ _ [١] (أنس) قوله: (حين تميل الشمس) أي: تزول وتميل إلى المغرب،
وهذا في صورة عدم اشتداد الحر، والمراد الأصلي أنه لا يصلي قبل الزوال، فلا منافاة
بينه وبين الحديث الآتي، وقد روي عن أحمد أنه أجاز الجمعة قبل الزوال كالعيد، ولم
يوافقه أحد على هذا.
١٤٠٢ - [٢] (سهل بن سعد) قوله: (ما كنا نقيل) من القيلولة، والقائلة: نصف
النهار، وقال قيلاً وقائلةً وقيلولةً ومَقالاً ومقيلاً وتَقَيَّلَ: نام فيه، فهو قائل، كذا في
(القاموس)(١)، ونقل عن الأزهري أن القيلولة والمقيل عند العرب: الاستراحة نصف
النهار وإن لم يكن مع ذلك نوم، وقد يستدل على هذا بقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾
[الفرقان: ٢٤]، والجنة لا نوم فيها.
أقول: لعل ما ذكر في (القاموس) أصل اللغة، ثم اتسع في العرب في الاستراحة
من غير نوم، كما قد يشعر به قول الأزهري: (عند العرب)، وهذا هو المعتبر في إقامة
سنة القيلولة .
وقوله: (ولا نتغدى) أي: لا نأكل، من التغدي، وهو أكل الطعام قبل الزوال،
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٧٠).

٥١٧
(٤) كتاب الصلاة
إِلَّ بَعْدَ الْجُمُعَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٣٩، م: ٨٥٩].
١٤٠٣ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِّ ◌َهَإِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلاَةِ،
وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلاَةِ. يَعْنِي الْجُمُعَةَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٩٠٦].
١٤٠٤ - [٤] وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلُهُ
إِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الهِنَّهِ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَلَمَّا
كَانَ عُثْمَانُ وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
[خ: ٩١٢].
وهذا الحديث قد يؤيد مذهب أحمد، ولكن المراد التبكير والاهتمام للجمعة وعدم
الاشتغال بمهم آخر، لا أداؤها قبل الزوال، فافهم.
١٤٠٣ _ [٣] (أنس) قوله: (إذا اشتد البرد) فيه نوع من المشاكلة، والمراد عدم
اشتداد الحر.
وقوله: (بكَّر بالصلاة) أي: عجل بها وأداها في أول الوقت.
وقوله: (يعني الجمعة) لعل هذا الحديث ورد في الجمعة، وإلا فأصل الحكم
في الظهر والجمعة خلفه.
١٤٠٤ _ [٤] (السائب بن يزيد) قوله: (فلما كان عثمان): (كان) تامة.
وقوله: (زاد النداء الثالث) المراد به النداء الأول الذي قبل خروج الإمام ليحضر
الناس من بعيد ويدركوا أول الخطبة، وأما في زمن النبوة فكانوا حاضرين في المسجد
ملازمين لمجلسه الشريف وصيه، ولما رأى عثمان ته كثرة الناس وتفرقهم واشتغالهم
بأمورهم استحسن الإعلام قبل وقت الخطبة ليحضروا، والمعتبر في وجوب السعي
وحرمة البيع عند البعض هو الأذان عند الخطبة؛ لأنه الأصل في الشرع، والأصح أن

٥١٨
(٤٥) باب الخطبة والصلاة
المعتبر هو الأول المستحدث إن أوقع في وقتها، وهو بعد الزوال؛ لأن المقصود - وهو
الإعلام - إنما حصل به، كذا في (الهداية)(١) .
ثم هذا النداء الأول العثماني قد سمي في بعض الأحاديث ثانياً باعتبار الحدوث
وإن كان أولاً باعتبار الفعل، وقد استغرب بعض الفضلاء في العبارة فقال: الأول ثان
والثاني الأول، وسمي في بعضها ثالثاً باعتبار تسمية الإقامة أذاناً باعتبار أنه إعلام كما ورد:
(بين كل أذانين صلاة)، وكما ورد بهذا الاعتبار أنه كان في زمن رسول الله صلي أذانان.
وذكر في بعض الكتب أن الأذان الأول من محدثات بني أمية، والظاهر أن هذا
لما ذكر بعض المحققين أن هذا النداء العثماني الذي أمره بالزوراء نقله هشام بن
عبد الملك إلى المسجد، وجاء في بعض الروايات أن الأذان الأول حدث في زمن أمير
المؤمنين عمر بن الخطاب ظه، واستمر إلى زمن أمير المؤمنين عثمان اته.
وقال بعضهم: إن في زمن عمر # كان مجرد إعلام، فأمر عثمان ﴾ أن يفعل
بلفظ الأذان على مكان عال، وهو الزوراء: موضع مرتفع بالمدينة في سوقها خارج
المسجد، ويسمى أحجار الزيت؛ لما فيه أحجار سود، كأنها طليت بالزيت، وعلى كل
تقدير لا يقال: لما فعلته الخلفاء الراشدون بدعة، فقد جاء إطلاق السنة عليها، وقد
أطلق بعض العلماء بمعنى أنه أمر مستحدث لم يكن في زمنه ◌ّ، ولم يقصد تذميم
تلك الفعلة وتقبيحها، كذا قال العلماء.
ثم اعلم أن الحادث في زمان عثمان رؤيته هو الأذان الأول الذي سبق ذكره،
أما الأذان الآخر بعده في وقت السنة، فلم يكن في زمن النبوة، ولا في زمن الصحابة،
ولا بعدهم، ولا عمل عليه في أكثر ديار الإسلام، ولم يعلم متى حدث، ويقال: إنه
(١) ((الهداية)) (١ / ٨٤).

٥١٩
(٤) كتاب الصلاة
١٤٠٥ - [٥] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَتْ لِلنَّبِيِّ وَّهِ خُطْبَتَانِ
يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، يَقْرَأْ الْقُرْآنَ وَيُذَكِّرُ النَّاسَ،
أحدثه الحجاج، والله أعلم، فينبغي أن يؤدي السنة بالأذان الأول، ولو قيل لقصد
الإعلام: الصلاة الصلاة لكفى.
١٤٠٥ _ [٥] (جابر بن سمرة) قوله: (يجلس بينهما)(١) ومقدار هذا الجلوس
أن يستقر كل عضو في موضعه، ولم يصح دعاء فيه من النبي ◌َّر، وهو سنة وليس
بواجب(٢)، وروي في شرح (كتاب الخرقي)(٣) عن المغيرة بن شعبة رأيت علي بن أبي
طالب رظه خطب ولم يجلس، وعند بعض أصحاب أحمد رحمه الله واجب.
وقوله: (يقرأ القرآن) أي: في الخطبتين لا بينهما، (ويذكر الناس) من التذكير
أي: يعظهم.
(١) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ خُطْبَتَهُ كَانَتْ حَالَةَ الْقِيَامِ، وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وقال مالك: هو واجب
لو تركه أساء وصحت صلاته، وفي ((البدائع)) (١ / ٢٦٣): وَالْقِيَامُ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ، حَتَّى لَوْ
خَطَبَ قَاعِدَاً يَجُوزُ عِنْدَنَا لِظَاهِرِ النَّصِّ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ قَاعِداً حِينَ كَبِرَ
وَأَسَنَّ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، إلاَّ أَنَّهُ مَسْئُونٌ فِي حَالِ الإِخْتِيَارِ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ◌َّهُ كَانَ
يَخْطُبُ قَائِماً. انظر: ((أوجز المسالك)) (٢ / ٤٠٤)، و((مرقاة المفاتيح)) (٣/ ١٠٤٢).
(٢) ذهب الشَّافِعِي إِلَى أن الْجُلُوس بَيْن الْخَطْبَيْنِ واجب، وَذهب أَبُو حنيفَة وَمَالك إِلَى أَنَّه سنة
وَلَيْس بواجب، كجلسة الاسْتِرَاحَة فِي الصَّلاَة عِنْد من يَقُول باستحبابها، وَقَالَ ابْن عبد البر:
ذهب مَالك والعراقيون وَسَائِرِ فُقَهَاء الأَمْصَار إلّ الشَّافِعِي: إِلَى أَن الْجُلُوس بَيْن الْخَطْبَيْنِ سنة
لاَ شَيْءٍ على من تَركه، وَذهب بعض الشَّافِعِيَّ إِلَى أَنْ الْمَقْصُودِ الْفَصْلُ وَلَو ◌ِغَيْرِ الْجُلُوسِ،
حَكَاهُ صَاحب ((الْفُرُوعِ)). وَفِي ((التَّوْضِيِحِ)): وَصرح إِمَام الْحَرَمَيْنِ بِأَن الُّمَأْنِنَةَ بَنِهِمَا وَاحِبَةٍ،
وَهُوَ خَفِيفِ جدًّا قدر قِرَاءَة سُورَة الإِخْلاَص تَقْرِيباً. انظر: ((عمدة القاري)) (٦ / ٢٢٨).
(٣) ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (١/ ٣٤٦).

٥٢٠
(٤٥) باب الخطبة والصلاة
فَكَانَتْ صَلاَتُهُ قَصْداً، وَخُطْبَتُهُ قَصْدَاً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٦٢].
١٤٠٦ - [٦] وَعَنْ عَمَّارِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَهِ يَقُولُ: ((إِنَّ طُولَ
صَلاَةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَتِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِلُوا الصَّلاَةَ،
وقوله: (فكانت صلاته قصداً، وخطبته قصداً) أي: لم يكونا طويلتين، وهذا
لا ينافي أقصرية الخطبة بالنسبة إلى الصلاة كما يأتي في الحديث الآتي، فافهم.
١٤٠٦ - [٦] (عمار) قوله: (مَكِنَّة من فقهه) بفتح الميم وكسر الهمزة وتشديد
نون، أي: مظنة له ودليل عليه يعرف به فقهه، وكل شيء دل على شيء فهو مئنة له، وهي
مفعلة من (إنَّ) التي للتحقيق، فیکون موضع ثبوته وتحقیقه، وهم قد يأخذون من غیر
المصادر ألفاظاً تضميناً لمعناه؛ كمعساة من عسى، وقيل: الهمزة بدل من ظاء (مظنة)،
فالميم على هذا زائدة، وقيل: وزنه فعلة، وهو غلط، كذا في حاشية مسلم بخط مولانا
محمد طاهر الفتني رحمه الله، والكلام الفصل الجامع فيه ما ذكر في (المشارق)(١): (مئنة
من فقه الرجل)، كذا رويناه عن أكثرهم ومتقنيهم في الصحيح وفي غيره من كتب الحديث
والشروح بقصر الألف المكسورة ونون مشددة وآخره تاء منونة، وقد خلط فيه كثير من
الرواة بألفاظ كلها تصحيف ووهم، وكان في كتاب شيخنا القاضي أبي علي والفقيه أبي
محمد بن [أبي] جعفر (مائنة) بالمد، وبعضهم يقوله بهاء الكناية، كأنه يجعله (ما) بمعنى
الذي، و(إنه) للتأكيد، وكله خطأ ووهم، والحرف معلوم محفوظ على الصواب كما
قدمناه .
قال أبو عبيدة عن الأصمعي: معناه مَخْلَقةٌ ومَجْدَرةٌ وعلامةٌ به، كأنه دالٌّ على
فقه الرجل، وحقيق بفقه الرجل، وهذا الكلام جمع تفسيرين ولف معنيين؛ لأن الدلالة
على الشيء غير ما يستحقه ويليق به، قال غيره: المئنة للشيء: الدليل عليه، وقيل:
(١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ٦٠٤).