Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١
(٤) كتاب الصلاة
واستدل صاحب (الهداية) على مذهب أبي حنيفة - رحمه الله - بقوله اله: (إن الله
زاد لكم صلاة ألا وهي الوتر، فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر)، قال: هذا
أمر، والأمر للوجوب، ولهذا يجب القضاء بالإجماع(١)، وإنما لم يكفر جاحده لأن
وجوبه ثبت بالسنة، يعني السنة الغير المتواترة التي تكون قطعي الدلالة عليه، وهو
المعني بما روي عنه أنه سنة، وهو يؤدى في وقت العشاء فاكتفي بأذانه وإقامته، كذا
قال في (الهداية)(٢) .
وقال الشيخ ابن الهمام(٣): إن هذا الحديث قد روي عن عدة من الصحابة:
عبدالله بن عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر، وابن عباس، وابن عمر، وأبي سعيد
الخدري ، وذكر له طرقاً كثيرة، ونقل عن بعض المحدثين تضعيفها، ثم أثبت
صحته، وقال: فتم أمر هذا الحديث على أتم وجه في الصحة، ولو لم يكن هذا كان
في كثرة طرقه المضعَّفة ارتفاعٌ له إلى الحسن، بل بعضها حسنٌ حجةٌ.
ثم قال: بقي الكلام في وجه الاستدلال به فقيل: من لفظ (زادكم)، فإن الزيادة
لا تتحقق إلا عند حصر المزيد عليه، والمحصور الفرائضُ لا النوافل، ويشكل عليه
ما ثبت بسند صحيح أخرجه الحاكم والبيهقي عنه ◌َّر: (إن الله زادكم صلاة إلى صلاتكم
هي خير لكم من حمر النعم ألا وهي ركعتان قبل صلاة الفجر)، فإن اقتضى لفظ (زادكم)
(١) وإنما يجب القضاء عند القائل بكونها سنة احتياطاً لموضع الخلاف، وإنما لم يعتبر الاحتياط
في القول بوجوب الأداء لئلا يزداد الوجوب على الخمس أو ترك القياس بالأثر، وهو أنه وليه
قضى الوتر ليلة التعريس، وبقوله وتي: ((من نام عن الوتر أو نسيه فليصل إذا ذكر واستيقظ»،
(منه).
(٢) ((الهداية)) (١ / ٦٦).
(٣) ((شرح فتح القدير)) (١ / ٤٢٤).
٣٦٢
(٣٥) باب الوتر
الحصر، فإنه يكفي في هذا كونُ المحصورة [المزيدة عليها] السننَ الرواتبَ، وحينئذ
فالمحصورة أعم من الفرائض والسنن الرواتب، فلا يستلزم لفظ (زادكم) كون المزيد
فرضاً، وكأنّ هذا هو الصارف لصاحب (الهداية) عن التمسك بهذه الطريقة - مع شهرتها
بينهم - إلى الاقتصار على التمسك بلفظ الأمر، لكن لفظ الأمر إنما هو في بعض طرق
هذا الحديث وقد ضعف، فالأولى التمسك فيه بما في (سنن أبي داود) (١) عن أبي
المنيب عبدالله العتكي عن عبدالله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله وَليه: (الوتر
حق فمن لم يوتر فليس مني، الوتر حق فمن لم يوتر فليس مني)، الوتر حق فمن لم
يوتر فليس مني ثلاث مرات، ورواه الحاكم وصححه وقال: أبو المنيب ثقة، ووثقه
ابن معين أيضاً، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: صالح الحديث، وأنكر
على البخاري إدخاله في الضعفاء، وتكلم فيه النسائي وابن حبان. وقال ابن عدي:
لا بأس به، فالحدیث حسن.
وأخرج البزار عن عبدالله عن النبي ◌ّر: (الوتر واجب على كل مسلم)، فإن
قيل: الأمر قد يكون للندب، والحق هو الثابت، وكذا الواجب لغة، ويجب الحمل
عليه دفعاً للمعارضة لما أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر عليها: أنه ويتميز كان يوتر على
البعير، وما أخرجاه أيضاً: أنه ◌َ بعث معاذاً إلى اليمن، وقال له فيما قال: (فأعلِمْهم
أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة)، قال ابن حبان: وكان بعثه
قبل وفاته سي﴿ بأيام يسيرة، وفي (موطأ مالك) أنه يَّ توفي قبل أن يقدم معاذ،
وما أخرجه ابن حبان(٢) أنه يَّر قام بهم في رمضان، فصلى ثمان ركعات وأوتر، ثم
(١) ((سنن أبي داود)) (١٤١٩).
(٢) ((صحيح ابن حبان)) (٢٤١٥).
٣٦٣
(٤) كتاب الصلاة
انتظرُه من القابلة، فلم يخرج إليهم فسألوه فقال: خشيت أن يكتب عليكم الوتر.
والجواب عن الأول: أنه واقعة حال لا عموم له، فيجوز كون ذلك لعذر،
والاتفاق على أن الفرض يصلَّى على الدابة لعذر الطين والمطر ونحوه، أو كان قبل
وجوبه؛ لأن وجوبه لم يقارن وجوب الخمس بل متأخر، وقد روي أنه {ے کان ينزل
للوتر، وروى الطحاوي عن ابن عمر أنه كان يصلي على راحلته ويوتر بالأرض،
ويزعم أن النبي ◌َّ فعل ذلك، فدل على أن وتره ذلك إما حالة عدم وجوبه أو للعذر.
وعن الثاني: أنه يجوز أن يكون الوجوب كان بعد سفر معاذ، وعن الثالث
كذلك، أو المراد المجموع من صلاة الليل المختتَمة بوتر. وقد يطلق الوتر على صلاة
الليل، كما سبق هناك، وهي غير واجبة، ويدل على ذلك ما صرح به في رواية البجلي
لهذا الحديث من قوله: (خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل)، وكيف يحمل الوجوب
على المعنى اللغوي، وهو محفوفٌ بما يؤكد مقتضاه من الوجوب، وهو قوله ێآ :
(فمن لم يوتر فليس مني) مؤكّداً مع التكرار ثلاثاً على ما تقدم، هذا كلام الشيخ ابن
الهمام مع حذف واقتصار.
وقال العبد الضعيف صانه الله عما شانه: لا يضر احتمال الحمل على غير الوجوب
بالاستدلال عليه؛ لأن الواجب ههنا ما ثبت بدليل فيه شبهة، ودلائل إيجاب الوتر كلها
فيها شبهة، ومع ذلك يثبت غلبة الظن بوجوبه، ويكفي ذلك في المطلوب، والصواب
أن دلائل الوجوب والسنة متعارضة ولكلٍّ وجهةٌ هو موليها، كذا قال التُّورِبِشْتِي(١)،
والله أعلم.
الاختلاف الثاني في أنها رکعة أو ثلاث ركعات، فعند أکثر الأئمة رکعة، وعندنا
(١) ((كتاب الميسر)) (١/ ٢٢٠).
٣٦٤
(٣٥) باب الوتر
ثلاث، وقد وردت الأحاديث في كل من الأمرين، بل ورد الإيتار بخمس أو سبع
أيضاً، والذي تقرر عليه أمر الوتر ثلاث أو واحدة إلا قول سفيان الثوري، فإنه يخير
في خمس أو ثلاث أو واحدة، والذين يقولون بأنها واحدة يصلون قبلها ركعتان يسلم
فيهما، ثم يصلي ركعة، وهل يكره إن لم يكن قبلها شفع - وتسمى البتيراء - أو لا يكره؟
لأنه روي عن عشرة من الصحابة ﴾، منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، [وعلي]،
وعائشة: الوتر ركعة واحدة، وحديث البتيراء ضعيف، ولو صح كان المراد به
ما لا يشفع قبلها، كذا في (شرح كتاب الخرقي)(١) في مذهب الإمام أحمد رحمه الله .
وورد في الآثار عن أحمد أنه سئل: ما تقول في الوتر؟ قال: أكثر الأحاديث
وأقواها ركعة فأنا أذهب إليها، وسئل مرة أخرى، قال: يسلّم في الركعتين، وإن لم
يسلم رجوت أن لا يضره، والتسليم أثبت، انتهى، والإيتار بواحدة هو قول الأئمة
الثلاثة، ولقد بالغ بعض الشافعية في تزييف القول بالثلاث، وتضعيف الأحاديث
الواردة فيها، والحق خلافه لكثرة الأحاديث والآثار الصحيحة فيها.
وروى الترمذي من حديث علي بن أبي طالب ظه: (كان النبي وَل يوتر بثلاث)
الحديث، وقال: وفي الباب عن عمران بن حصين، وعائشة، وابن عباس، وأبي
أيوب ﴾، وقد ذهب قوم من أهل العلم من أصحاب النبي ◌َّر وغيرهم إلى هذا، ورأوا
أن يوتر الرجل بثلاث، وقال سفيان: إن شئت أوتر بخمس، وإن شئت أوتر بثلاث،
وإن شئت أوتر بركعة، وقال سفيان: والذي يستحب أن يوتر بثلاث ركعات، وهو
قول ابن المبارك وأهل الكوفة .
(١) ((الزركشي على مختصر الخرقي)) (١ / ٢٩٣).
٣٦٥
(٤) كتاب الصلاة
وقال في (الهداية)(١): روت عائشة ◌َ﴾ أن النبي ◌َّو كان يوتر بثلاث ركعات
بتسليمة واحدة، وقال ابن الهمام(٢): رواه الحاكم وقال: على شرطهما، وروى النسائي
عنها قالت: كان النبي ◌ُّر لا يسلم في ركعتي الوتر، وقال الحاكم: قيل للحسن: إن
ابن عمر څ کان یسلم في الركعتين من الوتر، فقال: عمر کان أفقه منه، وکان ینهض
في الثانية بالتكبير، وفي (مصنف ابن أبي شيبة) عن الحسن ظه أنه قال: اجتمع
المسلمون على أن الوتر ثلاث لا يسلم إلا في آخرهن.
وقال الطحاوي: حدثنا أبو العوام محمد بن عبدالله المرادي قال: حدثنا خالد بن
نزارٍ الأيلي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزِّناد عن أبيه قال: أَوْعيت عن الفقهاء
السبعة أن الوتر ثلاث لا يسلم إلا في آخرهن. ورَوَى عن أبي العالية أنه قال: علمنا
أصحاب رسول الله وَ ﴿ أن الوتر مثل صلاة المغرب، وقال: أما قوله ◌َّ ى: (صلاة الليل
مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة تُوتر له ما قد صلى)، فليس فيه
دلالة على أن الوتر واحدة بتحريمة مستأنفة لنحتاج إلى الاشتغال بجوابه، إذ يحتمل
كلّ من ذلك، ومن كونه إذا خشي الصبح صلى واحدة متصلة، فأنّ تقاوِمِ الصرائحَ
التي ذكرناها، وغيرُها كثير تركناه للتطويل مع أن أكثر الصحابة عليه، كذا ذكر ابن
الهمام عن الطحاوي.
ونقل الشُّمُنِّي عنه أنه قال: ومذهبنا قوي من جهة النظر؛ لأن الوتر لا يخلو إما
أن يكون فرضاً، أو سنة، فإن كان فرضاً فالفرض ليس إلا ركعتين أو ثلاثاً أو أربعاً،
(١) ((الهداية)) (١ / ٦٦).
(٢) ((شرح فتح القدير)) (١ / ٤٢٦).
٣٦٦
(٣٥) باب الوتر
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
١٢٥٤ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((صَلَةُ اللَّيْلِ ...
وكلهم أجمعوا على أن الوتر لا يكون اثنتين ولا أربعاً، فثبت أنه ثلاث، وإن كان سنة،
فلم نجد سنة إلا ولها مثل في الفرض منه أخذت، والفرض لم نجد منه وتراً إلا المغرب،
وهو ثلاث.
قال العبد الضعيف - أصلح الله شأنه -: هذا الدليل من الطحاوي في الحقيقة
تأييد وتقوية وترجيح للأحاديث التي وردت في أن الوتر ثلاث ركعات على الأحاديث
الواردة بخلافها؛ لكونها موافقة للقياس، وقد تقرر في أصول الفقه أن الأحاديث إذا
تعارضت فما وافق منها للقياس كان أرجح وأقدم، والخصم يزعم أنه قياس في مقابلة
النص، وليس كذلك، وكذا حال سائر الدلائل العقلية التي يوردها بعض الحنفية على
إثبات مسائلهم أحيانا كما هو طريق الهداية ومن يحذو حذوها، وأما الكتب التي في
ديار العرب في مذهبنا فيلزمون إيراد الأحاديث الصحيحة والحسنة، وكفى في ذلك
شهيداً شرح الشيخ ابن الهمام(١) - رحمة الله عليه -، ولقد فصلنا الكلام في تثليت الوتر
أكثر من هذا في (شرح سفر السعادة)(٢) فليطلب ثمة.
الفصل الأول
١٢٥٤ - [١] (ابن عمر) قوله: (صلاة الليل) وفي رواية: (صلاة الليل
والنهار)، وبه قال الشافعي رحمه الله، وقال أبو حنيفة رحمه الله: الأفضل فيهما رباع،
وعندهما في الليل مثنى، وفي النهار رباع، وقد مر ذكره.
(١) انظر: ((شرح فتح القدير)) (١/ ٤٢٦ -٤٢٨).
(٢) ((شرح سفر السعادة)) (ص: ١٣٥).
٣٦٧
(٤) كتاب الصلاة
مَثْنَی مَثْنَی،
وقوله: (مثنى مثنى) ذكر مثنى هنا بمعنى اثنين، وهو كما ذكره أهل اللغة بمعنى
اثنين اثنين مكرراً، فإن ثبت هذا يكون التكرير للتأكيد، ثم اعلم أنهم قالوا: بأن (مثنی)
معدول عن اثنين اثنين غير منصرف، واختلفوا في سبب منع صرف مثل هذا المعدول
مع صرف المعدول عنه، فقيل: منع صرفه لتكرر العدل فيه؛ لأنه كما عدل من صيغته
إلى صيغة أخرى، كذلك عدل من الاسمية إلى الوصفية، فكان فيه عدلين: أحدهما
لفظي، وثانيهما معنوي، وهذا القول ضعيف؛ لأن المعدول عنه أيضاً وصفٌ لأنه
عدد مكرر، وهو لا يستعمل إلا وصفاً، كما سيظهر، إلا أن يقال: تكرر العدل من
جهة الخروج من صيغة إلى صيغة أخرى، ومن مكرر إلى غير مكرر، وهذا أيضاً تكلف،
وقيل: منع صرفه للعدل والتعريف بناء على عدم جواز دخول لام التعريف عليه.
وصحةُ وقوعه حالاً في قولنا: جاءني القوم مثنى، ينافي هذا القول.
والجمهور على أن منع صرفه للعدل والوصفية، ويناقش فيه بأن شرط تأثير
الوصف أن یکون ثابتاً في أصل الوضع، والوصف في (مثنی) وأخواته عارض لكونه من
أسماء الأعداد، والوصفية فيها عارضة؛ لأن وضعها لنفس الوحدات لا ذات موصوفة
بها، نعم قد تَعْرِضها الوصفية، وتستعمل بمعناها كما في قولهم: مررت بنسوة أربع،
وذلك لا يؤثر، وأجيب بأن الوصفية لازمة لـ (مثنى) وأخواته فإنها لا تستعمل إلا
وصفاً، ولما كانت لازمة كانت في حكم الأصلية، وفيه أن الوصفية لازمة للمكرر الذي
هو المعدول عنه أيضاً؛ فإن نحو ثلاثة ثلاثة أيضاً لا تستعمل إلا بمعنى الوصفية، فلو
صارت بهذا الاعتبار في حكم الأصلية لكان أربع أربع في حالة التكرار غير منصرف
للوصفية ووزن الفعل، وليس كذلك. فالوجه أن يقال: إن الوصفية لما صارت لازمة
بعد العدل صارت كأنها أصلية؛ لأن العدل كأنه وضع ثان، فالمعنى الذي كان في
٣٦٨
(٣٥) باب الوتر
فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ، صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى)). مُتَّفَقٌّ
عَلَيْهِ. [خ: ٩٩٠، م: ٧٤٩].
المعدول عنه مجازيًّا صار بعد العدل كأنه حقيقي، والمكرر وإن كان لا يستعمل إلا
بمعنى الوصفية لكن اللزوم لأجل التكرار دون اللزوم لأجل العدل، وادعاء الوضع
الجديد في العدل أقرب من ادعائه في التكرار، كما لا يخفى على المنصف.
وفي (ضوء المصباح): أن الوصفية قد لزمت عند التكرار فلا يلزم في كل واحد
منهما وحده، فبالحري أن يصرف، وأما المجموع فلا يمكن أن يمنع الصرف؛ لأن
محل الصرف ومنعِه هو الاسم المفرد أو ما في حكمه، لا الاسمان، وأما ثلاثة فإنه
اسم مفرد فقد لزمت له الوصفية فمنع الصرفَ لهذا، انتهى.
بقي الكلام في الفرق بين ظهور الإعراب في كل من الاسمين في نحو: جاءني
القوم ثلاثةً ثلاثةً، مع أن مقتضى الإعراب إنما هو في المجموع، وبين عدم ظهور منع
الصرف في كل منهما، وقد بيناه في شرح فارسي لنا على (الكافية)، عملناه في صغر
السن لأجل بعض الأحباب، ولم يتم، وقد أفردنا منه رسالة وعرّبناها في تحقيق تعريف
العدل فليطلب ثمة .
وقوله: (فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى)
يعني: يقطع صلاته بالليل بأداء الوتر، إذ لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا صلاته، وفي
شرح الشيخ: أي ركعة واحدة مفردة عما قبلها، وهذا على مذهبهم في الإيتار بركعة
واحدة مفردة بتحريمة مستقلة، وقد عرفت الكلام فيه آنفاً، والإسناد في (توتر)
مجازي، الظاهر: يوتر، أي: المصلي بتلك الركعة، والمراد بـ (ما قد صلى): ما أدى
من صلاة التهجد، بل كل ما صلى من فرض ونفل؛ لأن الوتر يجعل صلاة الليل كله
٣٦٩
(٤) كتاب الصلاة
١٢٥٥ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ
اللَّيْلِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٥٢].
١٢٥٦ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ
ثَلاَثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ لاَ يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ فِي آخِرِهَا.
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٧٠، م: ٧٣٧].
١٢٥٧ - [٤] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى عَائِشَةَ ...
وتراً، كما أن صلاة المغرب تجعل صلاة النهار وتراً، وندب إلى ذلك لأن الله تعالى
وتر يحب الوتر، كما جاء في الحديث.
١٢٥٥ - [٢] (وعنه) قوله: (الوتر ركعة من آخر الليل) المراد أن الوتر ركعة
واحدة، والتقييد بآخر الليل لكون الوتر فيه أفضل، وأيضاً فيه إشارة إلى كون الوتر
آخر صلاة الليل، وفيه كلام سيجيء.
١٢٥٦ - [٣] (عائشة) قوله: (يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك
بخمس) قد ثبت أن صلاته سير بالليل كانت على أنواع متعددة، منها أن يصلي ثمان
ركعات بأربع تسليمات، ثم يصلي خمس ركعات بنية الوتر بتسليمة لا يجلس إلا في
آخرها، فيكون بتشهد واحد وسلام واحد، وهذا صريح في جواز وصل الخمس من
غير جلوس فيها، وهو مختلف فيه بين الفقهاء، وأوَّلوا عدم الجلوس بعدم السلام،
أي: لا يجلس بالسلام؛ لما جاء في بعض الروايات: لم يسلّم إلا في آخرهن.
هذا وأما وصل أكثر من أربع ركعات بتسليمة واحدة فجائز بالاتفاق، ويجوز
عندنا إلى ثمان ركعات.
١٢٥٧ - [٤] (سعد بن هشام) قوله: (فإن خلق نبي الله وَ ﴿ كان القرآن) وفي
٣٧٠
(٣٥) باب الوتر
فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! أَنْبِئِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهَِلْ قَالَتْ: أَسْتَ تَقْرَأُ
الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللهِنَِّ كَانَ الْقُرْآنَ. قُلْتُ:
يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْبِئِي عَنْ وِتْرٍ رَسُولِ اللهِوَّهِ، فَقَالَتْ: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ
وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ اللهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي
تِسْعَ رَكَعَاتٍ، لاَ يَجْلِسُ فِيهَا إِلَّ فِي الثَّامِنَةِ، فَيَذْكُرُ اللهَ، وَيَحْمَدُهُ، وَيَدْعُوهُ،
ثُمَّ ◌َنْهَضُ وَلاَ يُسَلِّمُ فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللهَ، وَيَحْمَدُهُ، وَيَدْعُوهُ،
ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيماً يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَتِلْكَ
إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ،.
رواية: (كان خلقه القرآن)، والظاهر أن المراد: إن كل ما بيِّن في القرآن من الأخلاق
العظيمة والصفات الحميدة، كان رسول الله وسلم متخلقاً متصفاً بها، وقيل: المراد أن
خلقه مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وللقوم هنا
كلمات مذكورة في كتبهم.
وقوله: (فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه) أي: يوقظه من نومه في ساعة شاء الله
إيقاظه فيها .
وقوله: (لا يجلس فيها إلا في الثامنة) معناه على ما عرف في الحديث السابق،
والظاهر ههنا بقرينة قوله: (ثم ينهض ولا يسلم) هو حمل عدم الجلوس على حقيقته
لا على عدم التسليم، فافهم.
وقوله: (فيذكر الله ويحمده ويدعوه) أي: يقرأ التشهد، وهذا نوع آخر من أنواع
صلاته ◌َّه بالليل، وقد ذكرنا أنها كانت على أنواع مختلفة.
وقوله: (ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد) وهذا لبيان جواز الصلاة بعد
٣٧١
(٤) كتاب الصلاة
الوتر، وقد جاء ذلك في الصحيحين(١) من حديث عائشة الصديقة : كان يصلي
ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات، ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين، وهو جالس،
الحديث. وفي (مسند الإمام أحمد)(٢) عن أم سلمة ◌َ﴾ قالت: كان رسول الله وَّل
يصلي بعد الوتر ركعتين خفيفتين وهو جالس. وعن أبي أمامة الباهلي حظ﴾(٣): كان
رسول الله ﴿ يصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس، يقرأ فيهما بـ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾،
و﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾، وروي ذلك عن جماعة من الصحابة غير من ذكر، ولكن
هذا مع ظاهر حديث: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا)، معارض، واستَشكل ذلك
على كثير من العلماء، فأنكر الإمام مالك رحمه الله حديث الركعتين بعد الوتر، وقال:
لم يصح.
وقال الإمام أحمد - رحمة الله عليه -: لا أصلِيهما ولا أمنع منهما أحداً، وجماهير
العلماء قائلون بذلك لوروده في الصحاح، وقالوا: إنما صلاهما بياناً لجواز التنفل
بعد الوتر، وعلى هذا يكون قوله: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)، محمولاً على
الاستحباب لا الوجوب، وذلك أحب وأفضل.
وهل كانت هاتان الركعتان بعد الوتر أول الليل وآخره؟ فحديث أبي أمامة مطلق،
وحديث ثوبان على ما رواه صاحب (المشكاة) عن الدارمى يدل على تقدير الإيتار
في أول الليل، وأحاديث البخاري ومسلم والموطأ تدل على أنهما بعد قيام الليل
(١) (صحيح البخاري)) (١١٥٩)، و((صحيح مسلم)) (٧٣٨).
(٢) ((مسند أحمد)) (٦ / ٢٩٨).
(٣) ((مسند أحمد)) (٥/ ٢٦٠).
٣٧٢
(٣٥) باب الوتر
فَلَمَّا أَسَنَّ ◌َ﴿ وَأَخَذَ اللَّحْمَ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ، وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ فِي
الأُولَى، فَتِلْكَ تِسْعٌ يَا بُنََّّ،
وهو الصحيح.
ثم نية التشفيع على تقدير الإيتار أول الليل - كما يفعله بعض الناس بجعل
الركعتين قاعداً في حكم ركعة واحدة ــ لا معنى له، وهو ناقض ومبطل للوتر من غير
ضرورة بعد ما عرف كون الصلاة بعد الوتر جائزة، وعلى هذا إذا صلى الوتر أول الليل،
ثم قام وتهجد لا حاجة إلى إعادة الوتر، وهو المختار صرح به الشيخ ابن الهمام، وقد
ورد: (لا وتران في ليلة)، وقال بعض العلماء: هاتان الركعتان ملحقتان بالوتر جاريتان
مجرى سنة، لا سيما على مذهب من يقول بوجوب الوتر، ولما كان وتر النهار الذي هو
صلاة المغرب مشفوعاً بالركعتين جعل وتر الليل أيضاً مشفوعاً بركعتي السنة، والله
أعلم.
وقوله: (فلما أسن) أي: كان في آخر حياته، وفي شرح الشيخ: قبل موته بسنة.
وقوله: (وأخذ اللحم) قالوا: وذلك بإعطاء الله إياه جميع مطالبه ومراداته،
وفراغه واستراحته من عناء الدعوة، ودخول الناس في دين الله أفواجاً، وتهيُُّه لدخول
جناب رب العالمين ﴿فِى مَقْعَدٍ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْنَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، وهذا يدل على أن
المراد بما ورد في حديث آخر من قوله: (فلما بدَّن رسول الله وَ﴿) هو أخذ اللحم،
كما يكون في آخر العمر، والأكثرون على أن المراد به ضعف الشيبة وكبر السن، وقد
يؤول ههنا أخذ اللحم بالضعف المذكور، وقد مر الكلام فيه.
وقوله: (وصنع في الركعتين) أي: بعد الوتر.
وقوله: (مثل صنيعه في الأولى) أي: في صورة الأولى وهي الإيتار بالتسع.
٣٧٣
(٤) كتاب الصلاة
وَكَانَ نَبِيُّ اللهِنَ ◌ّهِ إِذَا صَلَّى صَلَةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا، وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ
نَوْمٌ أَوْ وَجَعٌ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَلاَ أَعْلَمُ
نَبِيَّ اللهِ:﴿ قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلاَ صَلَّى لَيْلَةٌ إِلَى الصُّنْحِ، وَلاَ صَامَ
شَهْراً كَامِلاً غَيْرَ رَمَضَانَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٤٦].
١٢٥٨ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِّ ◌َ﴿ قَالَ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَئِكُمْ
بِاللَّيْلِ وِتْراً). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٥١].
وقوله: (صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة) يدل على صلاته إياها مطلقاً، ولم
تفصِّل في ذلك بأن تصلَّى ثلاثة عشر أو إحدى عشرة أو تسعاً أو سبعاً، كما كان يفعل
في الليل.
وقوله: (ولا أعلم نبي الله ... إلخ)، نفت الصديقة ◌َّ علمها بذلك احتياطاً،
إذ يجوز أن يكون ﴿ فعل ذلك في بيت غيرها من الأزواج المطهرة أو من الصحابة
أو في المسجد أو في سفر، كما قالوا مثل ذلك في صلاة الضحى وغيرها مما وقع
فيها نفي العلم لا نفي الفعل قطعاً، وأما جَعْلُ الطيبي - رحمه الله - هذه العبارة من
باب نفي الشيء بنفي لازمه مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتْنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ
وَلَ فِ اٌلْأَرْضِّ﴾ [يونس: ١٨]، أي: بما لا يوجد؛ لأنه لو وجد لتعلق علم الله به(١)،
فبعيد، كيف ولا يُسلك هذا الأسلوب إلا في حق من أحاط علمه بالمعلوم، كما في
حق الباري تعالى أو غيره أيضاً إن أمكن في بعض المعلومات، وإحاطة عائشة
بجمیع أفعاله ٹے غیر واقع، كما ذكرنا.
١٢٥٨ - [٥] (ابن عمر) قوله: (رواه مسلم) وقيل البخاري أيضاً في (باب الوتر).
(١) انظر: ((شرح الطيبي)) (٣/ ١٤٧).
٣٧٤
(٣٥) باب الوتر
١٢٥٩ - [٦] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّنَّ﴿ قَالَ: ((بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوِتْرِ)). رَوَاه
مُسْلِمٌ. [م: ٧٥٠].
١٢٦٠ - [٧] وَعَنْ جَابِرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِ: ((مَنْ خَافَ أَنْ
لاَ يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ
للَّيْلِ،
١٢٥٩ - [٦] (وعنه) قوله: (بادروا الصبح بالوتر) بادره: عاجله وسابقه، وبدره،
وإليه بالأمر: عجل إليه واستبق، وفي (المشارق)(١): بادرني عبدي بنفسه، وبَدَرْتني
بالكلام، كلها من المسابقة، فالمراد أي: سارعوا به قبل أن يطلع الصبح، وقد ورد في
حديث الترمذي(٢): (أوتروا قبل أن تصبحوا)، وفي رواية: (إذا طلع الفجر فقد ذهب
كل صلاة الليل فأوتروا قبل طلوع الفجر)، ودل الحديث على أنه لا يوتر بعد الصبح،
وقال الترمذي: وهو قول غير واحد من أهل العلم، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق
رحمهم الله: لا يرون الوتر بعد صلاة الصبح، وروي عن النبي ◌َّ أنه قال: لا وتر بعد
صلاة الصبح، انتهى. وهذا في الأداء، وأما قضاؤه فيجوز في كل وقت لقوله ◌َله:
(من نام عن الوتر أو نسيه فليصل إذا ذكره وإذا استيقظ)، أي: ولو في وقت الصبح؛
الحديث رواه أيضاً الترمذي: (من نام عن وتره فليصل إذا أصبح)، بل يجب رعاية
الترتيب بين الفوائت، فافهم.
١٢٦٠ - [٧] (جابر) قوله: (فليوتر أوله) وزاد في رواية: (ثم ليرقد).
وقوله: (ومن طمع أن يقوم آخره) أي: يثق بالانتباه عن النوم.
(١) ((مشارق الأنوار)) (١ / ١٢٥).
(٢) ((سنن الترمذي)) (٤٦٨، ٤٦٩).
٣٧٥
(٤) كتاب الصلاة
فَإِنَّ صَلاَةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٥٥].
١٢٦١ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ لَّه
مِنْ أَّلِ اللَّيْلِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ، وَانْتُهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ. مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ:
٩٩٦، م: ٧٤٥].
وقوله: (فإن صلاة آخر الليل مشهودة) وزاد في رواية: (محضورة) أي: يشهدها
ويحضرها ملائكة الليل والنهار، هذه نازلة، وهذه صاعدة، فهي أقرب إلى الرحمة
والقبول، أي: يحضرها أهل الطاعة من سكان السماوات والأرض، و(محضورة) تأكيد
لـ (مشهودة)، وورد مثل هذا في صلاة الصبح أيضاً، وهو فيه أظهر، فافهم.
وقوله: (وذلك أفضل) أي: إيتار آخر الليل، وقد أشار إلى سببه بقوله:
(مشهودة)، فهي من هذه الجهة أفضل بالذات، وقد يَعْرِض للإيتار أول الليل ما يجعله
أولى بالنسبة إلى شخص وأليق بحاله وأحوط، وقد جاء في حديث أبي داود(١) عن
أبي قتادة أن رسول الله وَ ﴿ قال لأبي بكر ظله: (متى توتر؟) قال: أوتر من أول الليل،
وقال لعمر ره: (متى توتر؟) قال: آخر الليل، فقال لأبي بكر: (أخذ هذا بالحذر)،
وقال لعمر: (أخذ هذا بالقوة)، وأخرج الموطأ(٢) عن ابن المسيب: كان أبو بكر
الصديق رظه إذا أراد أن يأتي فراشه أوتر، وكان عمر يوتر آخر الليل.
١٢٦١ - [٨] (عائشة) قوله: (وانتهى وتره) أي: تقرر وثبت في آخر عمره إلى
أن ارتحل .
(١) ((سنن أبي داود)) (١٤٣٤).
(٢) («موطأ مالك)) (٢٧٠).
٣٧٦
(٣٥) باب الوتر
١٢٦٢ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلاَثٍ: صِيَامِ
ثَلَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكَعْتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَمَ. مَنَّفَقٌّ عَلَيْهِ.
[خ: ١٩٨١، م: ٧٢١].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
١٢٦٣ - [١٠] عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَرَأَيْتِ
رَسُولَ اللهِ ﴿ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ أَمْ فِي آخِرِهِ؟ قَالَتْ:
رُبَّمَا اغْتَسَلَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَرُبَّمَا اغْتَسَلَ فِي آخِرِهِ، .
١٢٦٢ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (بثلاث) أي: ثلاث خصال.
وقوله: (ركعتي الضحى) وسيأتي أنهما أقل صلاة الضحى، ولعله اكتفى لأبي
هريرة ◌ُ بالأقل؛ لأنه كان يحفظ أحاديث رسول الله {قلهو، ويستحضر محفوظاته،
فكان يَمضي جزءٌ كثير من الليل، وذلك أفضل لأن الاشتغال بالعلم أفضل من العبادة،
وهو السبب بالوصية له بأن يوتر قبل أن ينام، وكنت سمعت قديماً من بعض أساتذتنا
من الفقهاء أقامه الله في دار السلام أنه كان يقول: جاء في الروايات أنه يستحب الركعتان
بعد الوتر إذا صلى أول الليل لطالبي العلم، ولم يظهر في ذلك الوقت جهة التخصيص
لطالب العلم، فلما اطلعت على هذا الحديث ظهر وجهه، فإن الركعتين يقومان مقام
صلاة الليل، كما يجيء في آخر الفصل الثالث.
الفصل الثاني
١٢٦٣ - [١٠] (غضيف بن الحارث) قوله: (غضيف) بغين معجمة مضمومة،
فضاد معجمة مفتوحة، فياء تحتانية ساكنة ففاء، وقيل: غطيف بالطاء المهملة.
٣٧٧
(٤) كتاب الصلاة
قُلْتُ: اللهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ سَعَةً، قُلْتُ: كَانَ يُوتِرُ أَوَّلَ
الَّيْلِ أَمْ فِي آخِرِهِ؟ قَالَتْ: رُكَّمَا أَوْتَرَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَرُبَّمَا أَوْتَرَ فِي آخِرِهِ،
قُلْتُ: اللهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ سَعَةً، قُلْتُ: كَانَ يَجْهَرُ
بِالْقِرَاءَةِ أَمْ يَخْفِتُ؟ قَالَتْ: رُبَّمَا جَهَرَ بِهِ وَرُبَّمَا خَفَتَ، قُلْتُ: اللهُ أَكْبَرُ،
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ سَعَةً. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ
الْفَصْلَ الأَخِيرَ. [د: ٢٢٦، جه: ١٣٥٤].
١٢٦٤ - [١١] وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: بِكَمْ
كَانَ رَسُولُ اللهِوَّهِ يُوتِرُ؟ قَالَتْ: كَانَ يُوتِرُ بِأَرْبَعٍ وَثَلاَثٍ، وَسِتٌّ وَثَلاَثٍ،
وَثَمَانٍ وَثَلاَثٍ، وَعَشْرٍ وَثَلاَثٍ،
وقوله: (الله أكبر الحمد لله) نبه على أن سعة الأمر في التكاليف أمر عظيم ورحمة
واسعة، ومنه قوله وَله: (اختلاف أمتي رحمة)، والاختلاف في الأكثر جاء من تعدد
أفعال النبي وَله وتطوره وشفقته على أمته، وتوسيع الأمر عليهم، ومن اختلاف
المجتهدين في استنباط الأحكام، وكلاهما خير محض، ونعمة عظيمة، وزيادة وكمال
في الدين، وسبب لمزيد الأنوار، وتخفيف عن الأحمال والآصار، والحمد لله.
١٢٦٤ - [١١] (عبدالله بن أبي قيس) قوله: (كان يوتر بأربع وثلاث) يعني :
يصلي أربعاً بتسليمتين أو بتسليمة، وثلاثاً بتسليمة، والحديث ظاهر في كون الوتر ثلاث
ركعات، وكذا ما جاء في الصحيحين(١) عن عائشة قالت: ما كان رسول الله وَلـ
يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً، فلا تسأل عن
(١) ((صحيح البخاري)) (١١٤٧)، و((صحيح مسلم)) (٧٣٨).
٣٧٨
(٣٥) باب الوتر
وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِأَنْقَصَ مِنْ سَبْعٍ، وَلاَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثَ عَشْرَةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
[د : ١٣٦٢].
١٢٦٥ - [١٢] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((الْوِتْرُ حَقٌّ
عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ
بِثَلاَثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ
وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٤٢٢، ن: ١٧١٢، جه: ١١٩٠].
١٢٦٦ - [١٣] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِنَّ اللهَ وِتْرٌ
◌ُحِبُّ الْوِتْرَ،
حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً. ولو كان ◌َله يفصل في الوتر بين الثلاثة بسلام
لقالت: ثم يصلي بثنتين وواحدة، كذا قال الشُّمُنِّي، وقد سبق تحقيق كون الوتر ثلاث
ركعات بما لا مزید علیه.
وقوله: (لم يكن يوتر بأنقص من سبع) المراد بالوتر ههنا صلاة الليل كله، وقد
يطلق على ذلك، كما سبق.
١٢٦٥ - [١٢] (أبو أيوب) قوله: (الوتر حق) أي: واجب وثابت.
وقوله: (فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل) وقد ذهب إلى الخمس سفيان
وغيره، کما ذكرنا.
١٢٦٦ - [١٣] (علي) قوله: (إن الله وتر يحب الوتر) بكسر الواو وفتحها: الفرد
من العدد، ويطلق على الله تعالى بمعنى الواحد الفرد في حد ذاته لا يقبل الانقسام، وفي
صفاته بمعنى لا شبه له ولا مثل، وفي أفعاله بمعنى لا شريك له ولا معين، ففيه تعالى
معنى الوترية بمعنى الفردانية، وبهذه المناسبة يحب الوتر، أي: يقبله، ويثبّت عليه
٣٧٩
(٤) كتاب الصلاة
فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٤٥٣، د:
١٤١٦، ن: ١٦٧٥].
١٢٦١ - [١٤] وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَه
وَقَالَ: ((إِنَّ اللهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاَةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ: الْوِتْرُ جَعَلَهُ اللهُ
لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.
[ت: ٤٥٢، ٥: ١٤١٨].
إن كان من قبيل الأفعال، وله أمثلة كثيرة في الشرع؛ كالإيتار في الاستجمار، وكأكله وليه
التمرات يوم الفطر قبل الخروج إلى المصلَّى ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً ونحو ذلك.
والفاء في (فأوتروا) للسببية، أي: إذا علمتم أن الله يحب الوتر فأوتروا، أي:
صلوا الوتر واجعلوا صلاتكم بالليل وتراً بضم ركعة أو ثلاث ركعات إليها.
وقوله: (يا أهل القرآن) أي: المؤمنون المصدقون به، أو المتولون لحفظه
وتلاوته، تنبيه على ملازمتهم قيام الليل وتلاوة القرآن في صلواتهم، كما أمر الله تعالى
نبيه وَّه بقوله: ﴿وَرَتّلِ الْقُرْءَانَ تَّرْتِيلًا﴾.
١٢٦٧ - [١٤] (خارجة بن حذافة) قوله: (إن الله أمدّكم) أي: زاد على صلاتكم،
وقد روي: (إن الله زاد لكم)، ويروى: (إن الله أمركم بصلاة)، وقد مر تقرير الاستدلال
به على وجوب الوتر .
وقوله: (من حمر النعم) الحمر بضم الحاء وسكون الميم: جمع أحمر، والمراد
بالنعم الإبل، وهي أعز الأموال عند العرب، أي: خير مما تحبون من عرض الدنيا
وزينتها، و(الوتر) مجرور بدل من (صلاة)، أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن
يكون منصوباً على تقدير أعني.
٣٨٠
(٣٥) باب الوتر
١٢٦٨ - [١٥] وَعَنْ زَيْدِ بْن أَسْلَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((مَنْ نَمَ
عَنْ وِتْرِهِ فَلَيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلاً. [ت: ٤٦٥].
١٢٦٩ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَائِشَةَ: بِأَيِّ شَيْءٍ
كَانَ يُوتِرُ رَسُولُ اللهِ وَهَ؟ قَالَتْ: كَانَ يَقْرَأُ فِي الأُولَى بـ ﴿َسَيِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَ﴾
وَفِي الثَّانِيَةِ بِ ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾ وَفِي الثَّالِثَةِ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾
والمُعَوِّذَتَيْنِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٤٦٣، د: ١٤٢٤].
١٢٧٠ - [١٧] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى. [ن: ١٦٩٩].
١٢٧ - [١٨] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. [حم: ١٢٣/٥].
١٢٦٨ - [١٥] (زيد بن أسلم) قوله: (فليصل إذا أصبح(١)) قد عرفت معناه
في حديث ابن عمر: بادروا الصبح بالوتر.
١٢٦٩، ١٢٧٠، ١٢٧١، ١٢٧٢ - [١٦، ١٧، ١٨، ١٩] (عبد العزيز بن
جريج، وعبد الرحمن بن أبزى، وأبي بن كعب، وابن عباس) قوله: (عبد العزيز بن
جريج) بالجيمين على صيغة التصغير، وليس في رواية أحد بالجيم والحاء لا مصغراً
ولا مكبراً، و(عبد الرحمن بن أبزى) بفتح الهمزة وسكون الموحدة بعده زاي
مقصوراً.
(١) يَعْنِي قَبْلَ فَرْضِ الصُّبْحِ إِذَا كَانَ صَاحِبَ تَرْتِيبٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّ فَبَعْدَهُ وَلَوْ آخِرَ
الْعُمُرِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُؤَيِّدُ مَذْهَبَهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: فَلْيَقْضِ الْوَثْرَ بَعْدَ الصُّبْحِ مَتَّى
اتَّفَقَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِيُّ فِي أَظْهَرٍ قَوْلَيْهِ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ: لاَ يَقْضِي الْوَثْرَ بَعْدَ الصُّبْحِ .
(«مرقاة المفاتيح)) (٣ / ٩٤٨).