Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ (٤) كتاب الصلاة قرأت على النبي وَّ﴿ النجم فلم يسجد، ولو كان واجباً لسجد هو وَّ﴾ وأمر زيداً بالسجود، وهذا ضعيف لأنه لا يدل على نفي الوجوب؛ لأن الوجوب ههنا ليس على الفور، فلعله فعله في مجلس آخر، ويحتمل أن قراءة زيد كان في وقت الكراهة، أو على غير طهارة، أو كان ذلك لبيان أنه غير واجب على الفور، أو كان مخصوصاً بسجدة النجم، وفيه اختلاف، وعلى كل تقدير فلا يتم حجة على عدم وجوب مطلق السجدة، وأما ما جاء من حديث عمر ◌ُه في (الموطأ) و(صحيح البخاري) أنه قرأ السجدة، وهو على المنبر يوم الجمعة، فنزل فسجد وسجد الناس معه، ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود فقال: (على رسلكم إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء)، وفي رواية: (إنا نمر على آية السجدة فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه)، فصريح في عدم الوجوب، اللهم إلا أن يراد نفي الوجوب على الفور كما قال الشيخ ابن الهمام، لكن هذا التأويل بعيد ههنا من لفظ الحديث، ويمكن أن يقال: لعله كان ذلك مذهب عمر ظه، ولم يعلم اتفاق من عداه من الصحابة سوى من كان معه في المجلس، والله أعلم. والصواب أن يقال: لما كانت الأحاديث متعارضة كان الاحتياط في القول بالوجوب، والشبهة في الدليل لا تنافي الوجوب، ثم الطهارة شرط لسجدة التلاوة بالاتفاق، وروى البخاري تعليقاً: أن ابن عمر ﴾ كان يسجد على غير وضوء، كذا في رواية الأكثر، ووقع في رواية الأصيلي بحذف (غير)، والصواب إثبات (غير) لأن المعروف عن ابن عمر ◌َ ﴾ أنه كان يسجد على غير وضوء، فقد جاء عن سعيد بن جبير: كان ابن عمر ينزل عن راحلته فيهريق الماء، ثم يركب فيقرأ السجدة فيسجد وما يتوضأ، كذا قال ١٦٢ (٢١) باب سجود القرآن الكرماني(١)، ووافقه الشيخ في (فتح الباري)(٢) وقال أيضاً: وأما رواية البيهقي بإسناد صحيح عن الليث عن نافع عن ابن عمر نا قال: لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر، فيجمع بينهما بأنه أراد بقوله: (طاهر) الطهارةَ الكبرى، أو الثاني على حالة الاختيار، والأول على الضرورة. وقال الشيخ: ولم يوافق ابن عمر أحدٌ على جواز السجود بلا وضوء إلا الشعبي أخرجه ابن أبي شيبة عنه بسند صحيح، وأخرجه أيضاً بسند حسن عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يقرأ السجدة ثم يسلم، وهو على غير وضوء إلى غير القبلة، وهو يمشي یومئ إيماء. وذهب بعض السلف إلى أن سجدة التلاوة إنما تجب على المستمع دون السامع إذا اتفق سماعه من غير قصد. وقال سلمان الفارسي به: ما لهذا غدونا، وقال عثمان: إنما السجدة على من استمعها، وقال بعضهم: إنما تجب على السامع إذا سجد القارئ، فالقارئ كالإمام للسامع، وروي هذا عن مالك رحمه الله فإنه قال: إنما السجود على المستمع إذا سجد القارئ، وقيل: إنما تجب إذا قصد القارئ قراءة القرآن، فكان السائب بن يزيد لا يسجد لسجود القاصِّ، وهو الذي يقصُّ على الناس الأخبار والمواعظ، قال الكرماني(٣): لأنه ليس قاصداً لقراءة القرآن، والجمهور على أنها تجب على القارئ والسامع مطلقاً من غير تقييد بما ذكر. (١) ((شرح الكرماني)) (٦ / ١٥٢). (٢) ((فتح الباري)) (٢ / ٥٥٤). (٣) ((شرح الكرماني)) (٦ / ١٥٦). ١٦٣ (٤) كتاب الصلاة · الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ١٠٢٣ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: سَجَدَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٠٧١]. الفصل الأول ١٠٢٣ - [١] (ابن عباس) قوله: (سجد النبي ◌َّلقر بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس)(١) إنما سجد النبي ◌َّلل امتثالاً لأمر الله سبحانه بالسجود وشكراً للنعم العظيمة المعدودة في أول السورة، وسجد المؤمنون متابعة له وَّ في امتثال الأمر وإتيان الشكر، وسجد المشركون لسماع أسماء آلهتهم من اللات والعزى ومناة أو لما ظهر من السطوة سلطان العز والجبروت وسطوع أنوار العظمة والكبرياء من توحيد الله ثّ، وصدق رسوله ◌َّ﴿ حتى لم يبق لهم مسكة ولا اختيار ولا أثر جحود واستكبار إلا من كان أشقى القوم وأطغاهم وأعتاهم، وهو الذي أخذ كفَّا من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا، وأما ما يروى من أنهم سجدوا لما مدح النبي ◌َيّر أصنامهم بقوله: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترجى، فقد أبطلوه بوجوه لا يحتاج إلى أن يبين، فإن تعمد ذلك كفر صريح مما لا يمكن أن يتصور، ولذا لا يجوز جريانه على لسانه وَ ل* سهواً. وقالوا: إن هذه القضية بهذا الوجه من وضع الزنادقة ومفترياتهم، ولم ینقله أحد من أصحاب الحديث لا في الصحاح ولا في التصنيفات الحديثية إلا بعض أهل السير والمؤرخون المولعون بنقل الغرائب والحكايات، وغاية ما يمكن أن يكون ما يروى في (١) قوله: (والجن والإنس) تأكيد وتعميم، أو إعادة الإنس موافقة لذكر الجن، ويحتمل أن يكون كل من في الأرض ساجدين، وعلم ذلك بإخبار الرسول الله وَّر، والله أعلم (منه). ١٦٤ (٢١) باب سجود القرآن ١٠٢٤ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَجَدْنَا مَعَ النَّبِيِّ وَّ فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾ و﴿ اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٧٨]. بعض كتب الحديث أن رسول الله وسلم قرأ في المسجد الحرام سورة والنجم في مجمع قريش، وكان يتوقف في الآيات ليتلقى الناس ويحفظوها، ولما بلغ هذه الآية: ﴿ أَفَرَّهَيْثُ اللَّتَ وَالْعُزَّى ) وَمَنَوَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] دخل الشيطان وبلغ مسامع المشركين هذه الكلمات بأعلى صوته بحيث ظن السامعون أنه من قراءة النبي ◌َّ ففرح المشركون، ولما أتم رسول الله ﴿ السورة وسجد مع المسلمين وافقهم المشركون ولم يبق في المسجد الحرام كافر إلا سجد إلا أمية بن خلف الجمحي. وفي رواية: عتبة بن ربيعة، وفي رواية أخرى: وليد بن المغيرة، ولما قام المشركون من المجلس قالوا: ذكر محمد آلهتنا بخير، ونحن نعلم أن الله تعالى هو المحيي والمميت والخالق والرازق، ولكنا نقول: هم شفعاؤنا عند الله، فقد أثبت محمد شفاعة لهم، ولما وافقنا في ذلك صالحناه، وكففنا أيدينا عن إيذائه، فأتى جبريل النبي وَلّ وأخبره بإلقاء الشيطان فاغتم بذلك رسول الله ◌َ﴾، فنزلت تسلية له هذه الآية: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِ أُمَّنِّيَّتِهِ، فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ مَايَتِهِ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢]، ولهذه الآية تفسير آخر ليس فيه ذكر هذه القصة، والله أعلم. ١٠٢٤ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (سجدنا مع النبي ◌َّهُ فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنشَقَّتْ﴾ و﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾) وقد جاء في سجدة ﴿إِذَا السَّمَاءُ أَنْشَقَّتْ﴾ أحاديث من البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي، وروى أبو داود عن ابن عباس عليه: لم يسجد رسول الله وكله في المفصل منذ تحول إلى المدينة، يعني: وإن سجد في النجم قبل تحوله إلى المدينة، وكذا روى أبو داود والترمذي: سجدنا مع النبي ◌َّر في أحد عشر موضعاً لم يكن شيء ١٦٥ (٤) كتاب الصلاة ١٠٢٥ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يَقْرَأُ ﴿السَّجْدَةَ﴾، وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ، فَنَزْدَحِمُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَ لِجَبْهَتِهِ مَوْضِعاً يَسْجُدُ عَلَيْهِ. مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٧٦، م: ٥٧٥]. ١٠٢٦ - [٤] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ نَّهُ ﴿وَاَلنَّجْمِ﴾ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٧٢، م: ٥٥٧]. من ذلك من المفصل، وهو مذهب مالك رحمه الله، والقول القديم للشافعي رحمة الله عليه، لكنهم رجحوا حديث أبي هريرة بأنه مُثْبِت، والمُثْبِت مقدم على النافي، على أنهم قالوا: إن في إسناد حديث أبي هريرة ﴿ ضعفاً، فإن ابن عبد البر قال: إنه حديث منكر، وكذا عبد الحق وهو من عظماء أهل الحديث قال: إسناده ليس بقوي، كذا قال الشُّمُنِّي، وقد قال أبو هريرة: سجدنا مع النبي ◌َّر، وهو متأخر الإسلام، فتدبر. ١٠٢٥ - [٣] (ابن عمر) قوله: (فنزدحم حتى ما يجد أحدنا ... إلخ) وفيه من الدلالة على وجوب سجدة التلاوة ما لا يخفى كما ذكرنا. ١٠٢٦ - [٤] (زيد بن ثابت) قوله: (فلم يسجد فيها (١)) ليس فيه دلالة على عدم وجوب السجدة كما تمسك به الشافعي رحمه الله كما عرفت، وكذا في سجوده وَّر فيها كما مر لعدم دلالته على الوجوب، ففعله * وكذا تركه لا يدل على أحد من الجانبين، بل دلائل الوجوب ما ذكرنا في أول المبحث. (١) قَالَ القاري: قَالَ الشَّافِعِيُّ: لِبَانِ الْجَوَازِ، وَقَالَ مَالِكٌ: لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ سُجُودٌ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لِأَنَّ زَيْدَاً لَمْ يَسْجُدْ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى طُهْرٍ، أَوْ مَنَعَهُ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ، أَوْ سَجَدَ فِي وَقْتٍ وَتُرِكَتْ فِي آخَرَ دَفْعاً لِتَوَهُّمِ الْفَرْضِ، وَأَيْضاً فَالْوُجُوبُ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ. ((مرقاة المفاتيح)» (٢ / ٨١١). ١٦٦ (٢١) باب سجود القرآن ١٠٢٧ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: سَجْدَةُ ﴿ص﴾ لَيْسَ مِنْ عَزَائِم السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَِّ يَسْجُدُ فِيهَا. ١٠٢٨ - [٦] وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ مُجَاهِدٌ: قُلْتُ لإِبْنِ عَبَّاسٍ: أَأَسْجُدُ فِي (ص)؟ فَقَرَأَ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ﴾ حَتَّى أَتَى ﴿فَبِهُدَ هُمْ أَقْتَدِةُ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٩٠]. ١٠٢٧، ١٠٢٨ - [٥، ٦] (ابن عباس، ومجاهد) قوله: (سجدة ص ليس من عزائم السجود)(١) في (القاموس)(٢): عَزَمَ على الأمر يعزِم عَزْماً ويضم: أراد فعله، وقطع عليه، أو جدّ في الأمر، وعزمة من عزمات الله حق من حقوقه، أي: واجب مما أوجبه الله، وعزائم الله فرائضه التي أوجبها، انتهى. وفي (مجمع البحار)(٣): خير الأمور عوازمها، أي: فرائضها التي عزم الله عليك بفعلها، وقيل: هي ما وكدت رأيك وعزمك عليه ووفيت بعهد الله فيه، ومنه: لم يعزم عليها، أي: لم يوجب، والعزم: الجد والصبر، ومنه: ليعزم المسألة، أي: يجد فيها ويقطعها ولا يتردد، ويقرب من المعاني المذكورة العزيمة في الاصطلاح مقابل الرخصة، والمقصود ههنا أن سجدة ﴿ص﴾ ليست من السجدات الواجبة بل كان يسجد موافقة لأخيه داود وشكراً لقبول توبته، وقد روى النسائي عن عكرمة عن ابن عباس ﴾: أن رسول الله وَّر سجد في (١) قال القاري: مَعْنَاهُ: لَيْسَتْ مِنَ الْفَرَائِضِ عَلَى مَذْهَبٍ أَبِي حَنِيفَةَ، بَلْ مِنَ الْوَاحِبَاتِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: سُجُودُ التِّلاَوَةِ سُنَّةٌ، فَمَعْنَاهُ عَلَى مَذْهَبِهِ: لَيْسَتْ مِنْ سَجَدَاتِ التِّلاَوَةِ، بَلْ سَجْدَةُ شُكْرٍ. ((مرقاة المفاتيح)) (٢/ ٨١٢). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٤٨). (٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٥٩٣). ١٦٧ (٤) كتاب الصلاة فَقَالَ: نَبِيُّكُمْ وَّهِ مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٠٦٩، ٤٦٣٢]. ﴿ص﴾، وقال: سجدها نبي الله داود توبة وسجدناها شكراً لقبول توبته، وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري خطبنا رسول الله وسلم يوماً فقرأ ﴿ص﴾، فلما مر بالسجود نزل وسجد وسجدنا، وقرأها مرة أخرى فلما بلغ السجدة تشرنا(١) للسجود فلما رآنا قال: إنما هذا توبة نبي ولكني رأيتكم تشرتم أراكم استعدتم للسجود. وقوله: (أمر أن يقتدي بهم) يعني: فأنت أولى وأحق بأن يقتدي، هذه الأحاديث متمسك الشافعية في عدم إيجاب السجدة في ﴿ص﴾، وهي عندنا، وعند مالك وعند أحمد رحمهم الله في رواية: واجبة لثبوت فعله وَّ فيها مثل ما ثبت في السجدات الأخر مع دلائل أخر دلت على الوجوب مطلقاً. وقال الشيخ ابن الهمام(٢): ليس فيها ما يدل على عدم الوجوب، غاية ما فيه أنه بين السبب في حق داود والسبب في حقنا، وكونه للشكر لا ينافي الوجوب، فكل الفرائض والواجبات إنما وجبت شكراً لتوالي النعم، وفي (مسند أبي حنيفة) عن سماك ابن حرب عن عياض الأشعري عن أبي موسى: أن النبي ◌َّ سجد في ﴿ص﴾، وأخرج الإمام أحمد عن بكر بن عبدالله المزني قال: رأيت رؤياً وأنا أكتب سورة ﴿ص﴾، فلما بلغت السجدة رأيت الدواة والقلم وكل شيء يحضرني انقلب ساجداً، قال: فقصصتها على رسول الله ◌َي﴿ فلم يزل يسجد لها، فأفاد أن الأمر صار إلى المواظبة عليها كغيرها (١) تشرنا بتاء مثناة من فوق، ثم شين معجمة، ثم راء، ثم نون: معناه: تهيأنا، ((شرح ابن الهمام)). ليس هذا اللفظ في ((القاموس)) ولا في غيره من الكتب فيما رأينا، (منه). (٢) ((فتح القدير)) (٢/ ١١ - ١٢). ١٦٨ (٢١) باب سجود القرآن * الْفَصْلُ الثَّانِي: ١٠٢٩ - [٧] عَنْ عَمْروِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللهِ وَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي الْقُرْآنِ، مِنْهَا ثَلاَثٌ فِي الْمُفَصَّلِ. وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٤٠١، جه: ١٠٥٧]. من غير ترك، واستقر عليه بعد أن كان قد لا يعزم عليها، فظهر أن ما رواه (١) إن تمت دلالته كان قبل هذه القصة. الفصل الثاني ١٠٢٩ - [٧] (عمرو بن العاص) قوله: (أقرأه) وفي بعض النسخ أقرأني، أي: أعلمني، كذا في بعض الشروح، وفي شرح الشيخ: أي: أمرني أن أقرأ عليه، كما يقول الشيخ المحدث المجيز: أقرأني فلان، أي: حملني على أن أقرأ عليه. وقوله: (وفي سورة الحج سجدتين) أي: أقرأني سجدتين، وفي رواية: وفي الحج سجدتان، اتفق الأئمة الثلاثة غير مالك في رواية أن السجدات أربعة عشر، فأبو حنيفة يقول بسجدة ص ولا يقول بثانية الحج، والشافعي وأحمد رحمهما الله على الأشهر على العكس، وعند مالك رحمه الله إحدى عشرة، وليس في المفصل عنده سجدة، وقد يروى عن أحمد رحمه الله أنها خمسة عشر، وقد ضعف بعضهم حديث عمرو بن العاص، والله أعلم. وقال عبد الحق: ابن منين بنونين مصغراً راوي هذا الحديث عن عبدالله بن عمرو لا يصلح للاحتجاج، وقال ابن قطان: وهو مجهول ولا يعرف حاله، (١) فقول ابن عباس: سجدة (ص) ليست من عزائم السجود، معناه أنها ليست مما أمر بها ابتداء تعبداً بل وجوبها للسبب المذكور، وعلى ما ذكر الشيخ ابن الهمام يقول: قول ابن عباس قبل قصة منام بكر بن عبدالله المزني، والله أعلم، (منه). ١٦٩ (٤) كتاب الصلاة ١٠٣٠ - [٨] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! فُضَّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّبِأَنَّ فِيهَا سَجْدَتَيَّنِ؟ قَالَ: (نَعَمْ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلاَ يَقْرَأْهُمَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ. كذا قال الشيخ ابن الهمام(١)، وعند الحنفية المراد بالسجدة الثانية في الحج سجدة الصلاة لاقترانه بالأمر بالركوع، والمعهود في مثله من القرآن کونه من أوامر ما هو ركن الصلاة نحو: ﴿وَأَسْجُدِى وَأَرَّكَعِى مَعَ الزَّكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]. ١٠٣٠ - [٨] (عقبة بن عامر) قوله: (فضلت سورة الحج (٢)) بحذف همزة الاستفهام، ولا حجة في ذلك للخصم لاحتمال أن يكون التفضيل لاشتماله على ذكر سجدة التلاوة وسجدة الصلاة، فإن في ذلك أيضاً فضلاً ولكن جوابه وي لي يدل على أن المراد سجدتا التلاوة . وقوله: (فلا يقرأهما) أي: لم يقرأ آيتهما قراءة كاملة موافقة للسنة المؤكدة من سنن القراءة. وقوله: (ليس إسناده بالقوي) لأن فيه ابن لهيعة وقد ضعِّف، ونقل عن الحاكم أنه قال: عبدالله بن أبي لهيعة أحد الأئمة، وإنما حصل له اختلاط في آخر عمره، وقال الشيخ ابن الهمام(٣): وروى أبو داود في (المراسيل) عنه وَي: فضلت سورة الحج بسجدتین، قال: وقد أسند ولا يصح. (١) ((شرح فتح القدير)) (٢ / ١٢). (٢) وَقَالَ الطّحَاوِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي سُجُودِ الْحَجِّ: الأُولَى عَزِيمَةٌ، وَالأُخْرَى تَعْلِيمٌ، فَبِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا نَأْخُذُ. (مرقاة المفاتيح)) (٢ / ٨١٤)، و((شرح معاني الآثار)) (١ / ٣٦٢). (٣) (شرح فتح القدير)) (٢ / ١٢). ١٧٠ (٢١) باب سجود القرآن وَفِي ((الْمَصَابِيحِ)): ((فَلاَ يَقْرَأْهَا)) كَمَا فِي ((شَرْحِ السُّنّة)). [د: ١٤٠٢ ت: ٥٧٨]. ١٠٣١ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهُ سَجَدَ فِي صَلاَةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ فَرَأَوْا أَنَّهُ قَرَّأَ ﴿تَنْزِيلَ﴾ السَّجْدَةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [٥: ٨٠٧]. ١٠٣٢ - [١٠] وَعَنْهُ: أَنَه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ. وقوله: (وفي ((المصابيح)): فلا يقرأها) أي: السورة، وفيه من المبالغة ما لا يخفى، كأن بترك السجدتين تفوت فضيلة قراءة السورة كلها، وقد صوب بعضهم رواية: فلم يقرأهما، بضمير التثنية، وهو الظاهر، ثم لا يخفى أن الظاهر (فلم) مكان (فلا) كما في (المصابيح)، والله أعلم. ١٠٣١ - [٩] (ابن عمر) قوله: (ثم قام فركع) أي: لما قام من سجدة التلاوة ركع ولم يقرأ بعد القيام شيئاً، يعني: لم يقرأ باقي السورة، وفيه: إن من شاء أن يقرأ باقي السورة بعد السجدة جاز، ومن شاء أن لا يقرأ باقيها جاز أيضاً لكنه يلزم قراءة بعض السورة، وهو جائز في الجملة، ولا يلزم من هذا الحديث عدم اكتفاء الركوع عن سجدة التلاوة كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنه ليس بواجب بل جاز أن يكتفي، والأفضل أن يسجد کما لا يخفى، فتدبر . وقوله: (فرأوا أنه قرأ ﴿تنزيل﴾ السجدة) أي: عملوا ذلك بأن سمعوا بعض آية، وقد سبق بيانه في (باب القراءة). ١٠٣٢ - [١٠] (وعنه) قوله: (كان يقرأ رسول الله ◌َّ﴿ علينا القرآن) مطلقاً في الصلاة وغيرها، فعلم منه أن سجدة التلاوة ثابت على القارئ والسامع جميعاً. ١٧١ (٤) كتاب الصلاة وَسَجَدْنَا مَعَهُ (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٤١٣]. ١٠٣٣ - [١١] وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِوَِّ قَرَأَ عَامَ الْفَتْحِ سَجْدَةً، فَسَجَدَ النَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْهُمُ الرَّاكِبُ وَالسَّاجِدُ عَلَى الأَرْضِ، حَتَّى إِنَّ الرَّاكِبَ لَيَسْجُدُ عَلَى يَدِهِ (٢). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٤١١]. ١٠٣٤ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهِلَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٤٠٣]. ١٠٣٣ - [١١] (وعنه) قوله: (قرأ عام الفتح سجدة) أي: آية سجدة، والظاهر أن المراد غير قضية قراءة ﴿وَالنَّجْمِ﴾ وسجود المسلمين والمشركين كلهم كما مر؛ لأن المشركين الذين كان فيهم من أخذ كفًّا من حصی ورفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني، لم یکونوا عام الفتح بل کان ذلك بمكة قبل الفتح، فتدبر. ١٠٣٤ - [١٢] (ابن عباس) قوله: (لم يسجد في شيء من المفصل) هذا مخالف لحديث أبي هريرة ظه، وحديثه هو الراجح، وأيضاً كثير من الصحابة رووا السجدة (١) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُكَبِّرُ إِلَّ لِلسُّجُودِ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِفَةَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيُكَبِّرُ لِلإِخْرَامِ ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلسُّجُودِ، اهـ. ((مرقاة المفاتيح)) (٨١٥/٢). (٢) أَىِ: الْمَوْضُوعَةِ عَلَى السَّرْجِ أَوْ غَيْرِهِ لِيَجِدَ الْحَجْمَ حَالَةَ السَّجْدَةِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ يَسْجُدُ عَلَى يَدِهِ يَصِحُّ إِذَا انْحَنَى عُنُقُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِفَةَ لاَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، اهـ. وَهُوَ غَيْرُ مَشْهُورٍ فِي الْمَذْهَبِ، فَفِي ((شَرْحِ الْمُنْة): لَوْ سَجَدَ بِسَبَبِ الزِّحَامِ عَلَى فَخِذِهِ جَازَ، وَكَذَا لَوْ كَانَ بِهِ عُذْرٌ مَنْعَهُ عَنِ السُّجُودِ عَلَى غَيْرِ الْفَخِذِ فِي الْمُخْتَارِ، وَلاَ يَجُوزُ بِلاَ عُذْرٍ عَلَى الْمُخْتَارِ، كَذَا فِي (الْخُلاَصَةِ))، وَلَوْ وَضَعَ كَفَّهُ بِالأَرْضِ وَسَجَدَ عَلَيْهَا يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ وَلَوْ بِلاَ عُذْرٍ إِلاَّ أَنَّهُ يُكْرَهُ، اهـ. قَالَ ابْنُ الْهمامِ: إِذَا تَلاَ رَاكِباً أَوْ مَرِيضاً لاَ يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ أَجْزَأَهُ الإِيمَاءُ. ((مرقاة المفاتيح)) (٢/ ٨١٦). ١٧٢ (٢١) باب سجود القرآن ١٠٣٥ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِوَلِ يَقُولُ فِي سُجُودٍ الْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ: ((سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [د: ١٤١٤، ت: ٥٨٠، ن: ١١٢٩]. لُِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ يَّ ١٠٣٦ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ رَأَيْتُنِي اللَّيْلَةَ وَأَنَا نَائِمٌ، كَأَنِّي أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ، فَسَجَدْتُ فَسَجَدَتِ الشَّجَرَةُ لِسُجُودِي، فَسَمِعْتُهَا تَقُولُ: اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْراً، وَخُطَّ(١) عَنِّي بِهَا وِزْراً، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْراً، .. فيها، والإثبات مقدم على النفي كما مرّ. ١٠٣٥ - [١٣] (عائشة) قوله: (بالليل) ليس هذا للتخصيص بل بيان لوقت السماع فإنه سي كان يسر بالنهار، وقد عرف قوله ◌َلي هذا القول في مطلق سجود التلاوة، كذا قيل، والله أعلم. وقيل: يقرأ هذا الدعاء: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، وقيل: ﴿سُبْحَنَ رَبِنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَيِّنَا لَمَفْعُولًا ﴾ [الإسراء: ١٠٨]، لأنه حكي في القرآن من الساجدين أنهم يقولون ذلك، كذا قال الشُّمُنِّي، والظاهر من مذهب الحنفية رحمهم الله أن التسبيح المسنون في سجدة الصلاة يكفي في سجدة التلاوة، لأن السجدة الصلاتية أفضل من سجدة التلاوة؛ فإذا كفى هناك كفى ههنا بطريق الأولى، ومع ذلك فلا شبهة أنه إن صح رواية شيء من الأدعية في سجدة التلاوة كان قراءته فيها أولى، والله أعلم. ١٠٣٦ - [١٤] (ابن عباس (4) قوله: (إلا أنه لم يذكر وتقبلها مني ... إلخ) (١) في نسخة: ((ضَعْ)). ١٧٣ (٤) كتاب الصلاة وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدّ(١). قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: فَقَرَأَ النَّبِيُّ ◌َهُ ے سَجْدَةً(٢)، ثُمَّ سَجَدَ فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ مِثْلَ مَا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ عَنْ قَوْلٍ الشَّجَرَةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرُ: وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٥٧٩، جه: ١٠٥٣]. الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ١٠٣٧ - [١٥] عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَرَأَ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فَسَجَدَ فِيهَا، وَسَجَدَ مَنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرَ أَنَّ شَيْخاً مِنْ قُرَيْشٍ أَخَذَ كَفَّا مِنْ حَصِّى أَوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ وَقَالَ: يَكْفِيِنِي هَذَا. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِراً. مُتَّفَقٌّ عَلَيْهِ. وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ: وَهُوَ أُمَّةُ بْنُ خَلَفٍ. [خ: ١٠٧٠، ٤٨٦٣، م: ٥٧٦]. يحتمل أن الرجل قرأ سجدة ﴿ص﴾، ويحتمل أنه قرأ غيرها(٣)، ومع ذلك يصح هذا القول باعتبار قبول التوبة في السجدة، والله أعلم. الفصل الثالث ١٠٣٧ - [١٥] (ابن مسعود) قوله: (وهو أمية بن خلف) بفتح اللام قتل يوم (١) قال القاري: وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ سَجْدَةَ ﴿ص﴾ لِلتِّلاَوَةِ. ((مرقاة المفاتيح)) (٢/ ٨١٧). (٢) أَيْ: آيَةَ سَجْدَةٍ مَعَ مَا قَبْلَهَا أَوْ مَا بَعْدَهَا، وَالأَظْهَرُ أَنَّهَا آيَةُ ﴿ص﴾، أَوْ سُورَةُ سَجْدَةٍ. ((مرقاة المفاتيح)) (٢/ ٨١٨). (٣) قال القاري: وَالأَظْهَرُ أَنَّهَا سَجْدَةُ تِلاَوَةٍ، وَأَنَّ الْآيَةَ آيَّةُ ﴿ص﴾. ((مرقاة المفاتيح)) (٢/ ٨١٧). ١٧٤ (٢٢) باب أوقات النهي ١٠٣٨ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ نَّهِ سَجَدَ فِي ﴿ص﴾ وَقَالَ: سَجَدَهَا دَاوُدُ تَوْبَةً، وَنَسْجُدُهَا شُكْراً. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٩٥٧]. ٢٢ - باب أوقات النهي بدر، وهو أخو أبي بن خلف الذي قتله النبي ◌ُّ بيده يوم أحد، وهذا هو المعتمد، وقيل: إنه الوليد بن المغيرة، وقيل: عتبة بن ربيعة كما مرّ، وقيل: سعيد بن العاص كذا في شرح الشيخ. ١٠٣٨ - [١٦] (ابن عباس﴾) قوله: (ونسجدها شكراً) أي: على قبول توبته، مرّ الكلام فيه في الفصل الأول. ٢٢ - باب أوقات النهي يشمل الأوقات الثلاثة التي تحرم فيها الصلاة، وهي وقت الطلوع والغروب والاستواء والتي تكره فيها وهي ما بعد الفجر والعصر، ثم عندنا يشمل النهي الفرض والنفل، ففي الثلاثة الأول لا تجوز الصلاة أداء ولا قضاء إلا عصر يومه، ولا صلاة الجنازة ولا سجدة التلاوة، وقد جاء في صلاة الجنازة إذا حضرت في هذه الأوقات، وفي سجدة التلاوة إذا تليت فيها قول، ويجوز في الآخرين وإذا شرع في النفل جاز، وقطع وقضى في وقت غير مكروه (١)، وإن أتمه خرج عن العهدة، والقطع أفضل، كذا في شرح ابن الهمام(٢) عن المبسوط، وعند الشافعي وأحمد رحمهما الله، يجوز القضاء؛ (١) في ((فتح القدير)): ويجب قطعه وقضاؤه في وقت مكروه. (٢) انظر: ((شرح فتح القدير)) (١ / ٢٣١). ١٧٥ (٤) كتاب الصلاة لقوله وَّة: (فليصلها إذا ذكرها)، وكذا إعادة الجماعة إذا أقيمت وهو في المسجد، وكذا يجوز كل صلاة لها سبب كصلاة الجنازة إذا حضرت، وتحية المسجد إذا اتفق دخوله المسجد في هذه الأوقات لفرض غير التحية من انتظار صلاة ونحوها، وأما إذا دخل المسجد في هذه الأوقات ليصلي التحية فتكره كما لو أخر الفائتة ليقضيها فيها لكونه متحرياً لها بصلاته، وكذا صلاة الكسوف إذ ربما تفوت بالانجلاء، وركعتين بعد التطهير، وركعتي الإحرام والطواف وسجود التلاوة إذا تليت فيها، وفي معناه سجود الشكر فإن سببه السرور الحادث، ومذهب الحنفية رحمهم الله أحفظ لأنه اجتمع المبيح والمحرم، فالترجيح للمحرم. ثم الكراهة تشتمل عندنا الأزمنة والأمكنة كلها، وعند الشافعي رحمه الله ومن وافقه: لا كراهة يوم الجمعة وقت الاستواء؛ لأن الناس ندبوا إلى التبكير يوم الجمعة ورغبوا في الصلاة إلى خروج الإمام، كما سيأتي في (باب الجمعة) وجعل الغاية خروج الإمام، وهو لا يخرج إلا بعد الزوال فدل على عدم الكراهة، وقد جاء في استثناء يوم الجمعة حديث أيضاً، ولكنه ضعيف، وله شواهد ضعيفة، وأيضاً لا كراهة عند الشافعي رحمه الله بمكة في الأوقات كلها، وافقه أحمد رحمه الله في ركعتي الطواف فيما بعد الفجر والعصر. أما عند الطلوع والغروب والاستواء ففیه عنه روايتان، وقال مالك رحمه الله: ما أدركت أهل الفضل إلا وهم يجتهدون ويصلون نصف النهار، وقال ابن عبد البر: وقد روى مالك حديث الصنابحي(١) فإما أنه لم يصح عنده، وإما أنه رده بالعمل الذي (١) وهو الحديث الذي يأتي في أول الفصل الثالث الدال على النهي، (منه). ١٧٦ (٢٢) باب أوقات النهي الْفَصْلُ الأوَّلُ: ١٠٣٩ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((لاَ يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّيَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَ عِنْدَ غُرُوبِهَا)). وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: ((إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلاَةَ حَتَّى تَبْرُزَ، فَإِذا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلاَةَ حَتَّى تَغِيبَ، .. ذكره، وهو حديث مرسل مع قوة رجاله، كذا في (فتح الباري)(١). الفصل الأول ١٠٣٩ - [١] (ابن عمر 48) قوله: (لا يتحرى أحدكم) تحرى يجيء بمعنى قصد، وبمعنى قصد الأحرى والأولى، والمعنى الأول هنا أظهر، وتوجيه الثاني أنه لما قصد الصلاة فيه فكأنه ظن أنه الأحرى لها، وقد فهم مما ذكرنا في بيان مذهب الشافعي له معنى، فافهم. وقوله: (فيصلي) جواباً للنفي لكونه بمعنى النهي، وقال الكرماني(٢): ويجوز فيه الرفع، أي: فهو يصلي. وقوله: (حاجب الشمس) في (القاموس)(٣): الحاجب من الشمس: ناحية منها . وقوله: (فدعوا الصلاة) عام يشمل الصلوات، وقيد الشافعية بالتي لا سبب لها. وقوله: (حتى تبرز) أي: كلها. (١) ((فتح الباري)) (٢ / ٦٣). (٢) ((شرح الكرماني)) (٤ / ٢٢٣). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨١). ١٧٧ (٤) كتاب الصلاة وَلاَ تَحَيَُّوا بِصَلاَتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلاَ غُرُوبَهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيٍ الشَّيْطَانِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٥، م: ٨٢٨]. ١٠٤٠ - [٢] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: ثَلاَثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللهَِّهِ يَنْهَانَ أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَو نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَنَ: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً. وقوله: (ولا تحينوا) أصله ولا تتحينوا، أي: لا تجعلوا وقت الصلاة طلوعها، من تحين الشيء وحَيَّنَه: جعل له حيناً، والباء على هذا زائدة، أو لا تتقربوا بصلاتكم وقت طلوع الشمس، من حان: إذا قرب، أو لا تنتظروا بصلاتكم طلوعها، من تحيَّن: إذا انتظر، وفي حديث رمي الجمار: كنا نتحين زوال الشمس، أي: إذا زالت رمينا، ويقال: حيّن الناقة وتحينها: إذا حلبها وجعل لها في كل يوم وليلة وقتاً يحلبها، وفي الحديث: كانوا يتحينون للصلاة، ويتحينون ليلة القدر، كله من التحري لطلب حينها وارتقاب وقتها . وقوله: (بين قرني الشيطان) أي: ناحيتي رأسه، وقد مرّ شرحه في (باب المواقيت). ١٠٤٠ - [٢] (عقبة بن عامر) قوله: (أو نقبر) من باب نصر وضرب، يقال: قبرته، أي: دفنته، وأقبرته: إذا جعلت له قبراً، كذا قال البخاري في ترجمة باب، والمراد به صلاة الجنازة؛ لأن الدفن غير مكروه بالإجماع، كذا قالوا. وقوله: (حين تطلع الشمس بازغة) بزغت الشمس بزغا وبزوغاً: شرقت، أو البزوغ ابتداء الطلوع، كذا في (القاموس)(١)، وهذا المعنى أنسب ههنا، فإن النهي (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٧١٩). ١٧٨ (٢٢) باب أوقات النهي حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٣١]. إنما هو في ابتداء الطلوع وبدء حاجبها . وقوله: (حتى ترتفع) وهو مقدار رمح وهذا للاستحباب وإلا فالجواز يتعلق بتمام طلوعها . وقوله: (وحين يقوم قائم الظهيرة) الظهيرة: نصف النهار، والمراد بقائم الظهيرة الظل والشمس، والتذكير باعتبار الكوكب أو بتأويل الشخص أو جعله صيغة النسبة، ومعنى القيام الوقوف، من قولهم: قامت دابة، أي: وقفت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَاآَ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ ﴾ [البقرة: ٢٠]، والشمس إذا بلغت كبد السماء تتخيل في بادي الحس حركة بطيئة كأنها وقفت ولا وقوف لها في الحقيقة، قال الشاعر(١): والشمس حيرى لها بالجو تدويم وقد فسر البيضاوي بذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّلَهَا﴾ [يس: ٣٨]، فالمراد وقت الاستواء، وهو وإن كان وقتاً ضيقاً لا يسع الصلاة إلا أنه يسع التحريمة، فيحرم تعمدها فيه، كذا في شرح الشيخ، قلت: ولعل هذا مبني ما نقل مالك رحمة الله عليه كما مر أنهم كانوا يصلون نصف النهار، والله أعلم. وقوله: (وحين تضيف الشمس) أصله تتضيف كما في ﴿ نَزَّلُ الْمَلَبِكَةُ ﴾ [القدر: ٤]، أي: تميل الشمس، وأصل الضيف: الميل، يقال: ضفت إلى كذا، أي: ملت، ومنه يسمى الضيف. (١) هو ذُوْ الرُّمَّةِ غَيْلاَنُ بنُ عُقْبَةَ بنِ بُهَيْسٍ، مِنْ فُحُولِ الشُّعَرَاءِ، مَاتَ بِأَصْبَهَانَ، كَهْلاً، سَنَّةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِئَةٍ. ((سير أعلام النبلاء)) (٥ / ٢٦٧). ١٧٩ (٤) كتاب الصلاة ١٠٤١ - [٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: (لاَ صَلاَةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفَعَ الشَّمْسُ، وَلاَ صَلاَةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٥٦، م: ٨٢٧]. ١٠٤٢ - [٤] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ◌َّهِالْمَدِينَةَ فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: أَخْبِرِْ عَنِ الصَّلاَةِ، فَقَالَ: ((صَلِّ صَلَةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاَةِ حِيْنَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلَعُ بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ، وَحِيَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلاَةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ. ١٠٤١ - [٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (لا صلاة) أي: كاملة لأن الصلاة في هذين الوقتين مكروهة لا حرام. ١٠٤٢ - [٤] (عمرو بن عبسة) قوله: (عن الصلاة) أي: عن وقتها بدليل الجواب . وقوله: (ثم أقصر) بفتح الهمزة من الإقصار، وهو الكف عن الشيء مع القدرة عليه، فإن عجزت عنه تقول: قصرت عنه بلا ألف، كذا في (مجمع البحار)(١). وقوله: (بين قرني الشيطان) بالتنكير في بعض النسخ، وفي بعضها: بالتعريف. وقوله: (ثم صل) أي: ما شئت من النوافل والقضاء والمنذور مثلاً. وقوله: (مشهودة محضورة) أي: تشهدها الملائكة من شهده إذا حضره، فيكون (محضورة) كالتأكيد له، أو تشهد بها لمن صلاها، وفي رواية: (مشهودة مكتوبة)، (١) «مجمع البحار)) (٤ / ٢٨٥). ١٨٠ (٢٢) باب أوقات النهي حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظُّلُّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاَةِ فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ، فَإِنَّ الصَّلاَةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاَةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكَفَّارُ)). قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ! وهي في معنى الأول؛ فإن حضور الملائكة إنما هو لكتابتها . وقوله: (حتى يستقل الظل بالرمح) هكذا وجد في نسخ (المصابيح) وأكثر الأصول، وجاء في لفظ: (حتى يستقل الرمح بالظل)، وهو من القلة، أي: يبلغ ظل الرمح المغروز في الأرض غاية القلة والنقصان كما يكون في وقت الاستواء، والأول إما محمول على القلب أو على أن الاستقلال بمعنى الارتفاع كما في قولهم: استقلت السماء: ارتفعت، وفي (القاموس)(١): استقله: حمله ورفعه، والطائر في طيرانه: ارتفع، أي: يرفع معه ولا يقع منه شيء على الأرض، أو تكون الباء بمعنى (في)، وعلى الثاني تكون للتعدية، فتدبر. وقوله: (فإن حينئذ تُسجر جهنم) أي: توقد، في (القاموس) (٢): سجر النور: أحماه، والنهر: ملأه، ويروى بالتشديد فكأنه للمبالغة، قال الطيبي(٣): وفي اسم (إن) وجهان: أحدهما: (تسجر) على إضمار (أن)، والثاني: حذف ضمير الشأن من (إن) المكسورة، انتهى. وجاء في (النهاية)(٤) بلفظ: (فإن جهنم تُسْجَرُ وتُفْتَح أبوابها)، (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٦٨). (٢) (القاموس المحيط)) (ص: ٣٧٧). (٣) ((شرح الطيبي)) (٣/ ١٧). (٤) ((النهاية)) (٢ / ٣٤٣).