Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ (٤) كتاب الصلاة * الْفَصْلُ الأَوَّلُ: ١٠١٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِِّ: ((إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَبَسَ عَلَيْهِ حَتَّى لاَ يَدْرِي كَمْ صَلَّى؟ فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنٍ وَهُوَ جَالِسٌ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٣٢، م: ٣٨٩]. السهو منه * إدراك شرف الاتباع والاقتداء، ولا يحصل ذلك إلا به. واعلم أن جواز السهو والنسيان على رسول الله وَّه في الأقوال فيما يتعلق بالإخبار والإبلاغ غير جائز، واختلفوا في الأفعال من الصلاة وغيرها، والمختار عند أهل الحق جوازه، لأنه قد دلت علیه الأحاديث الصحيحة فلا بد من القول بها، ولا بأس فیه، ولا يلزم محذور، بل يتضمن الحكمة كما ذكر. الفصل الأول ١٠١٤ - [١] (أبو هريرة) قوله: (فلبس عليه) بالتخفيف، أي: خلط الشيطان عليه أمر صلاته وشوّش خاطره، وربما يشدّد للتكثير من اللَّبْس بالفتح بمعنى الخلط والتشكيك والتمويه، من باب ضرب يضرب، من لَبَسْتُ الأمر بالفتح أَلْبِسِه بالكسر: إذا خلطت بعضه ببعض، ومنه: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾، وأما اللَّبس بالضم بمعنی لُبس الثوب فهو من باب سمع يسمع . وقوله: (فليسجد سجدتين)(١) ويسنُّ فيهما من الذكر ما في سجدتي الصلاة، وقيل: يسن أن يقول فيهما: سبحان من لا يسهو ولا ينام. (١) مسنون عند الشافعي، واجب عند أحمد، وأبي حنيفة على المشهور، وقيل: مسنون. وعند مالك واجب في النقصان دون الزيادة. كذا في ((التقرير)). ١٤٢ (٢٠) باب السهو ١٠١٥ - [٢] وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَِّهِ: ((إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلاَناً أَوْ أَرْبَعاً، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْبَيْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْساً شَفَعْنَ لَهُ صَلاَتَهُ، واعلم أن هذه صورة الشك والتردد في الفرق بين الشك والسهو بأن في السهو والنسيان يجزم بجانب واحد، وفي الشك متردد لا يدري كم صلى، قالوا: ولم يقع رسول الله ﴿ في الشك أبداً، لأنه من تلبيس الشيطان كما نطق به الحديث، ووقع في السهو والنسيان لغلبة الاستغراق والتوجه، وهو وإن كان خلاف الواقع ولكنه كان لا يُقَرَّر عليه، ويُنْبَّه على ما في الواقع، فبيَّن للأمة حكم الشك كما في الحديث الآتي فقال: (إذا شك أحدكم في الصلاة) أي: تردّد شاملاً لصورة الرجحان والمساواة. ١٠١٥ - [٢] (عطاء بن يسار) قوله: (فليطرح الشك) أي: المشكوك، والمراد بـ (ما استيقن) الأقلُّ. وقوله: (ثم يسجد) بالجزم والرفع، والأول أظهر . وقوله: (قبل أن يسلم) وفي رواية الترمذي: قبل التسليم، وليس في رواية البخاري ومسلم هذا القيد، وسيجيء الكلام في الاختلاف في أن سجدتي السهو قبل السلام أو بعده. وقوله: (فإن كان صلى خمساً) أي: إن شك في أنه صلى ثلاثاً أو أربعاً فبنى على الثلاث، فضم ركعة، فإن كان الواقع أنه كان صلى أربعاً وضم إليه الركعة صارت خمساً. وقوله: (شفعن له صلاته) أي: جَعَلْن هذه الركعات الخمس للمصلي بهذين ١٤٣ (٤) كتاب الصلاة وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِنْمَاماً لِأَرْبَعِ كَانَتَا تَرْغِيماً لِلشَّيْطَانِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٧١]. وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَطَاءٍ مُرْسَلاً. وَفِي رِوَائِهِ: ((شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَِّ». [ط: ٦٢ ]. السجدتين صلاتَه شفعاً، أي: ستًّا، بجعل السجدتين في حكم ركعة أخرى، وإن كان ثلاثاً فصارت بضم الركعة أربعاً فيكون قد صلاها لإتمام الأربع، وعلى هذا لا تكون السجدتان محتاجاً إليهما، ولكن كانتا ترغيماً وتذليلاً للشيطان لمضادته في التلبيس والتخليط . وقوله: (شفعها) أي: جعل المصلي الركعات الخمس بهاتين السجدتين شفعاً. ثم اعلم أن ظاهر هذا الحديث يدل على أنه يبني على ما استيقن ولا يعمل بالتحري وهو مذهب الجمهور، وقال الترمذي(١): وعند بعض أهل العلم في صورة الشك يعيد الصلاة، وقال أبو حنيفة رحمه الله: يعيد إن شك أول مرة (٢) - أي: لم يكن الشك عادة له - وإلا تحرى بالظن الغالب، ويعمل به، وبعد التحري إن لم يحصل غلبة الظن في جانب واحد بنى على الأقل وسجد للسهو؛ لأن البناء على الظن الغالب أصل مقرَّر في الشرع كما في القبلة ونحوها، وقد جاء في الصحيحين(٣) عن ابن مسعود ظ ◌ُه قال: قال رسول الله وَي: (إذا شك أحدكم فليتحر الصواب وليتم عليه) كذا أورده الشُّمُنِّي، وفي (١) ((سنن الترمذي)) (٣٩٦). (٢) اختلفوا في تفسير أول مرة في هذا المقام فقيل: معناه أول سهو وقع في عمره، وقال شمس الأئمة رحمه الله: معناه لم يصر السهو عادة، وقال فخر الإسلام: أول سهو وقع في هذا الصلاة كذا قال الشُّمُنِّي، وقالوا: المختار هو القول الثاني. كذا في ((المرقاة)) (٢ / ٧٩٨). (٣) ((صحيح البخاري)) (٤٠١)، و((صحيح مسلم)) (٥٧٢). ١٤٤ (٢٠) باب السهو ١٠١٦ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ﴿ِ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْساً فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلاَةِ؟ فَقَالَ: ((وَمَا ذَاكَ؟)) قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْساً، .. (جامع الأصول)(١): من حديث النسائي عن ابن مسعود ظه: ((من أوهم في صلاته فليتحر الصواب، ثم يسجد سجدتين بعد ما يفرغ وهو جالس)). وقال محمد رحمه الله في (الموطأ)(٢): إن الآثار في باب تحرِّي غالب الظن كثيرة، وقال: إن لم يفعل كذلك فالنجاة من السهو والشك متعذر، وفي الإعادة في صورة کثرة الشك والاعتیاد به حرج عظیم. والحاصل: أنه قد ثبت في هذا الباب أحاديث ثلاثة، أحدها: إذا شك أحدكم في الصلاة فليستأنف أو كما قال، وثانيها: من شك في صلاته فليتحر الصواب، وثالثها: هذا الحديث الذي في الكتاب الناطق بالبناء على ما استيقن، فجمع أبو حنيفة رحمه الله بينها بحمل الأول على عروض الشك أول مرة، والثاني على صورة وقوع التحري على أحد الجانبين، والثالث: على عدم وقوع التحري عليه، وهذا كمال الجامعية الذي ابتنى مذهب أبي حنيفة - رحمه الله - عليه، فإن قلت: الشك تساوي الطرفين، فغلبة الظن لا يدخل فيها، قلنا: هذا اصطلاح حادث، وفي اللغة والشرع الشك يقابل اليقين فيشمل الظن والوهم أيضاً كما أشرنا إليه في أول الكلام. ١٠١٦ - [٣] (عبدالله بن مسعود) قوله: (وما ذاك) أي: وما قولكم: (أزيد في الصلاة)؟ يعني: لأي سبب تقولون ذلك؟ (١) ((جامع الأصول)) (٥/ ٥٥٠). (٢) ((التعليق الممجد)) (١ / ١٢٤). ١٤٥ (٤) كتاب الصلاة فَسَجَدَ سَجْدَتَيَّنِ بَعْدَ مَا سَلَّمَ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنٍ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٠١، م: ٥٧٢]. وقوله: (فسجد سجدتين) إما لأنه تذكر الحال أو اعتمد على قولهم. وقوله: (فليتم عليه) أي: يتم ما بقي مبنيًّا على التحري، وقيل: معناه: أمضاه، يقال: تم على أمره وأتم، أي: أمضاه. وقوله: (ثم يسجد) بالجزم، وفي بعض النسخ المصححة بالرفع، وفي مذهب الحنفية في هذه الصورة تفصيل، وهو أنه إن سها عن القعدة الأخيرة وقام للركعة الخامسة رجع إلى القعدة ما لم يسجد للركعة الخامسة، وإن سجد لها بطل فرضه بوضع الجبهة على الأرض عند أبي يوسف وبرفعه عنها عند محمد، وهو المختار، بطل فرضه، وألغى الخامسة، وإن قعد الأخيرة فقام قبل أن يسلم رجع إلى القعدة وسلم ما لم يسجد للخامسة، وإن سجد تَمَّ فرضه، وضم إليها السادسة، ويستحسن أن يسجد للسهو عن السلام، ظاهر الحديث يدل على أنه يَّي لم يضم واكتفى بالسجدة للسهو. ونقل الكرماني في (شرح صحيح البخاري(١)) عن الخطابي أنه قال: لعل هذا الحديث لم يبلغ أهل الكوفة حيث ذهبوا إلى أنه إن لم يقعد قدر التشهد فسدت صلاته ويلزمه الاستئناف، وإن قعد تمت صلاته، والخامسة نفل، ويلزمه أن يضم معه سادسة ويتشهد ويسلم ويسجد، وهذا الكلام تعريض على علمائنا مع نوع من الاعتذار حتى لا يلزمهم مخالفة السنة بعد العلم بها، والحاصل: أن الحديث يدل على أن في صورة (١) (شرح الكرماني)) (٤ / ٦٥). ١٤٦ (٢٠) باب السهو ١٠١٧ - [٤] وَعَن ابْنِ سِيرِين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِوَ إِحْدَى صَلاَتَيِ الْعَشِيِّ - قَالَ ابْنُ سِيرِين: قَدْ سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا -، قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ. زيادة الركعة الخامسة مطلقاً السجدة فقط، والصلاة صحيحة كما هو مذهب الشافعي رحمه الله، ولم يدل على هذا التفصيل الذي هو في مذهب الحنفية. والجواب: أن لفظ الحديث يصدق مع ترك القعدة ومع فعلها، والحمل على الثاني أرجح وأقرب، لأنه ◌ّ ﴿ لم يترك القعدة الأخيرة لكونها ركناً، فجواز الصلاة على تقدير تركه بعيد، فهذا الحديث مخصوص بصورة فعل القعدة الأخيرة والسهو في السلام، وأما ضم السادسة فبحديث نهي فيه عن البتيراء، فتدبر. ١٠١٧ - [٤] قوله: (عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: صلى بنا) أي: أمَّنا، وقد يجيء اللام مكان الباء. وقوله: (إحدى صلاتي العشي) العشي بكسر الشين وتشديد الياء من حين نزول الشمس إلى أن تغيب، وهكذا في روايات البخاري، وفي بعضها: (الظهر أو العصر)، وفي بعضها: (الظهر) بالتعيين، وفي رواية مسلم: (إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر). وقوله: (وقال ابن سيرين: قد سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا) وجاء في بعض الروايات أنه قال: الغالب على الظن أنه قال: صلاة العصر، وقيل: الشك من أبي هريرة، وتعيينه من بعض الروايات باعتبار غلبة الظن. وقوله: (معروضة) أي: موضوعة بالعرض، وقيل: أي: مطروحة، من عرضت الخشبة على الإناء أي: طرحتها عليه. ١٤٧ (٤) كتاب الصلاة فِي الْمَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى، وَخَرَجَتْ سَرْعَانُ النَّاسِ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا: قُصِرَتِ الصَّلاَةُ، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﴾، فَهَبَاءُ أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ، قَالَ: يَا رَسُول الله] أَنَسِيْت أَمْ قُصِرَتِ الصَّلاَةُ؟ قَالَ: ((لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تَقْصَرْ)) فَقَالَ: ((أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟)). وقوله: (في المسجد) وليس في بعض الأصول، ولكنه واقع في (صحيح البخاري)، كذا في الحاشية، وفي رواية: (خشبة في مقدم المسجد)، وفي أخرى: (في قبلة المسجد)، وفي أخرى: (إلى جذع في قبلة المسجد)، ولعله الذي كان يخطب متكئاً عليه قبل اصطناع المنبر، وهو الذي حنّ على فراقه رَّ، والله أعلم. وقوله: (سرعان الناس) وفي بعض النسخ: (سرعان القوم) فاعل (خرجت)، وهو بفتح السين والراء: أوائل الناس، ويجوز إسكانها، وضبطه الأصيلي بضم وسكون وهو الأشهر، والمراد: الذين يخرجون من الناس سريعاً من غير توقف للذكر والدعاء، وفي حديث حُنينٍ: فخرج سرعان الناس وأخفّاؤهم. وقوله: (قصرت) بضم القاف وكسر الصاد، وروي بفتح القاف وضم الصاد، والأول أصح وأشهر، كذا نقل عن بعض شروح البخاري، وفي شرح الشيخ عن النووي: أن الثاني أكثر وأرجح، وعلى الوجهين يضبط قوله في الجواب: (ولم تقصر) معروفاً ومجهولاً . وقوله: (وفي القوم رجل في يديه طول يقال له: ذو اليدين) اسمه عمير بن عبد عمرو، وقيل: اسمه خرباق بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء وبالموحدة والقاف، ١٤٨ (٢٠) باب السهو فَقَالُوا: نَعَمْ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ: ثُمَّ سَلَّمَ، فَيَقُولُ: نُبْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٥١، م: ٥٧٣]. وكنيته أبو محمد، وقيل: خرباق اسم رجل آخر يقال له: ذو الشمالين، وقيل: خرباق غير ذي اليدين وغير ذي الشمالين، وفي شرح ((الموطأ)) لمحمد: ذو اليدين رجل من بني سليم يقال له: الخرباق، وهو غير ذي الشمالين، قال ابن منده: ذو الیدین رجل من أهل وادي القرى، أسلم في آخر زمن النبي وَلّ، والسهو كان بعد أحد، وقد شهده أبو هريرة، وأبو هريرة شهد زمن النبي وسي﴿ أربع سنين، وذو اليدين من بني سليم، وذو الشمالين من أهل مكة قتل يوم بدر قبل السهو بست سنين، وهو رجل من خزاعة حليف بني أمية، ومات ذو اليدين بعد رسول الله وَي، وقال: ووهم فيه الزهري فجعل مكان ذي اليدين ذا الشمالين، وعليه بناء القول بالنسخ، لكنه وهم، وبالجملة اختلف فيه اختلافاً كثيراً، والتحقيق ما نقلناه(١)، والله أعلم. وقوله: (فربما سألوه) أي: ابنَ سيرين. وقوله: (ثم سلم) أي: رسولُ اللهِ إِله. وقوله: (فيقول) أي: ابنُ سيرين في الجواب عن قولهم: (نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم) أي: سُئل ابن سيرين هل: بعد سجدتي السهو تسليم؟ فقال: لم أحفظ من أبي هريرة في التسليم بعد السجدتين شيئاً، لكن أُخبرت أن عمران بن (١) وعند الحنفية ذو اليدين وذو الشمالين واحد، والشافعية غايروا بينهما. بسطه في ((البذل)) وهامشه (٤ / ٥٩٤ - ٦٠٨). ١٤٩ (٤) كتاب الصلاة وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ، وَفِي أَخْرَى لَهُمَا: حصين قال: ثم سلم، وجاء في رواية أنه سئل ابنُ سيرين: هل في سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة تشهد، وأَحبُّ إلي أن يتشهد، وسيجيء في الفصل الثاني من حديث عمران بن حصين أنه تشهد ثم سلّم . ثم اعلم أن لشراح الحديث في بيان علوم هذا الحديث كلاماً طويلاً، واستوفاه الشيخ في (فتح الباري)(١) ولو نقلناه جميعاً لطال الكلام، ولكن نورد ههنا كلامين يهمّ نقلهما: أحدهما في قوله مَّ: (كل ذلك لم يكن) أي: لا قصرٌ ولا نسيان، وهذا إخبار على خلاف الواقع. وقد أجمعوا على عدم جواز السهو في الأخبار، والخلاف إنما هو في الأفعال، والثاني في وقوع التكلم وأفعالٍ أُخر منه ◌َّ مع إتمام الصلاة وعدم استئنافها . وقيل في الجواب عن الإشكال الأول: إن عدم جواز النسيان في الأقوال والأخبار إنما هو إذا كان متعلقاً بتبليغ الشرائع والوحي لا في جملة الأخبار، وهذا الجواب ضعيف، إذ الإخبار بخلاف الواقع كذب ومنقصة يجب تنزيهه ® عن ذلك، وقد علم بيقينٍ عادةُ الصحابة ﴾ في المبادرة إلى تصديق أقواله والثقة بجميع أخباره تفكير في أيّ باب كان وأيّ شيء كان، وهذا مذهب جمهور العلماء، وهم يؤوِّلون قوله: (كل ذلك لم يكن) بأن المراد: في اعتقادي هكذا، لا في نفس الأمر، وهذا خبر صادق بلا شبهة، أو هو كناية عن عدم الشعور فكأنه قال: لم أشعر، وهذا أيضاً صادق، وقيل: إن النسيان في هذا القول تابع للنسيان في الفعل وفي حکمه، ولا محذور فيه، ولزوم الكذب مندفع بما ذكر، وههنا أجوبة في غاية الضعف والبعد نقلناها في شرح (سفر السعادة)(٢). (١) ((فتح الباري)) (٣/ ١٠١). (٢) ((شرح سفر السعادة)) (ص: ١٠١). ١٥٠ (٢٠) باب السهو فَقَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ بَدَلَ ((لَمْ أَنْسَ. وعن الإشكال الثاني قيل: الإتيان بالمنافي والتكلم بطريق السهو لا يمنع جواز البناء وعدم الاستئناف، وهذا الجواب لا يتم في التكلم من ذي اليدين وبعض الصحابة الذين تكلموا؛ لأن تكلمهم لم يكن بسهو، إلا أن يقال: إنهم كانوا تابعين له مّ فلم یکن لهم حکم مستقل، وفيه ما فيه. ثم لا يخفى أن الجواب المذكور لا يجري على مذهب الحنفية أن التكلم بالسهو والنسيان مبطل للصلاة ولا يكون عذراً، وهم يقولون: إن قصة ذي اليدين وقعت على خلاف القياس فيقتصر على موردها. وقال بعضهم: إن هذه القضية وقعت قبل نسخ جواز الكلام في الصلاة، وهذا الجواب لا يصح، لا لما قيل: إن إسلام أبي هريرة طلبه متأخر عنه، وهو راوي حديث ذي اليدين، فلا يكون قبل النسخ بل بعده؛ لأن تأخر إسلام الراوي لا يقتضي تأخر حديثه، ولا ينافي رواية القضية السابقة بالسماع من صحابي مقدَّمِ الإسلام كما تقرر في أصول الحديث، بل لأن أبا هريرة ظُه قال في حديثه: (صلى بنا رسول الله وَ﴿)، وهذا يدل على أن أبا هريرة كان حاضراً في هذه القضية، فيكون وقوع هذه القضية بعد إسلام أبي هريرة المتأخر من نسخ الكلام في الصلاة، لأن إسلامه كان في غزوة خيبر سنة سبع، وتحريم الكلام في سنة رجوع الصحابة من عند النجاشي، وهو متقدم، والطحاوي حمل قوله: (صلى بنا) على المجاز، أي: صلى بالمسلمين، وهو خلاف الظاهر مع أن مسلماً وأحمد وغيرهما رووا أنه قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله تَّر، وهذا يدفع هذا التأويل قطعاً، كذا في (فتح الباري)(١). (١) ((فتح الباري)) (٣ / ٩٧). ١٥١ (٤) كتاب الصلاة وَلَمْ تُقْصَرْ): ((كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ)) فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ. ـَلَّى بِهِمُ الظَّهْرَ ١٠١٨ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُحَيْنَة: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َه فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلاَةَ وَانْتُظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيَّنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ(١). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٢٤، م: ٥٧٠]. وقال بعضهم: إن هذا الكلام من رسول الله ◌َ﴿ وذي اليدين كان بالإشارة والإيماء، وهذا أيضاً بعيد، وفي شرح (كنز الدقائق) المسمى بـ (البحر الرائق)(٢): إِنا ما وجدنا جواباً شافياً عن هذا الاعتراض (٣)، ومذهب الإمام أحمد (٤) أن الكلام في الصلاة عامداً أو ساهياً مبطل للصلاة إلا أن يكون لمصلحة الصلاة من الإمام والمأموم كما في هذه القضية، والله أعلم. ١٠١٨ - [٥] (عبد الله بن بحينة) قوله: (فقام في الركعتين الأوليين لم يجلس) وفي رواية: (فسبحوا فمضى). (١) قال القاري: وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَلَكِنْ جَاءَ فِي رِوَايَاتٍ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضاً أَنَّهُ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَثَبَتَ سُجُودُ عُمَرَ بَعْدَ السَّلَامِ، فَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّ سُجُودَ عُمَرَ بَعْدَ السَّلاَمِ اجْتِهَادٌ، فِي غَايَةٍ مِنَ الإِسْتِبْعَادِ، وَأَمَّا تَأْوِيلُ السُّجُودِ بِأَنَّهُ سُجُودُ الصَّلاَةِ لاَ السَّهْوِ، وَإِنْ قَالَ بِهِ بَعْضُ عُلَمَائِنَا، وَلَكِنَّهُ بِعِيدٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ مَنْ قَالَ: وَقَعَ بَعْدَ السُّجُودِ سَهْواً. ((مرقاة المفاتيح)) (٢/ ٨٠٦). (٢) ((البحر الرائق)) (٤ / ٣٦). (٣) أجاب عنه الحنفية بأن أبا هريرة لم يكن فيه كما صرح به ابن عمر، أخرجه الطحاوي (١ / ١٩٥)، كذا في ((التقرير)). (٤) وكذا عند المالكية، انظر: ((المرقاة)) (٢ / ٨٠٣). ١٥٢ (٢٠) باب السهو * الْفَصْلُ الثَّاني: ١٠١٩ - [٦] عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َه صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا فَسجِدَ سَجْدَتَيَّنِ ثُمَّ تَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . [ت: ٣٩٥]. ١٠٢٠ - [٧] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِذَا قَامَ الإِمَامُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِماً فَلْيَجْلِسْ، وَإِنِ اسْتَوَى قَائِماً فَلاَ يَجْلِسْ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ». الفصل الثاني ١٠١٩ - [٦] (عمران بن حصين) قوله: (ثم تشهد ثم سلم) وفيه التشهد بسجدة السهو كما هو مذهبنا، وسيأتي الكلام فيه. وقوله: (حسن غريب)(١) وقال الحاكم(٢): صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وضعفه البيهقي وابن عبد البر وغيرهما. ١٠٢٠ - [٧] (المغيرة بن شعبة) قوله: (قبل أن يستوي قائماً فليجلس) ظاهره أنه لا يسجد للسهو، وفي (الهداية)(٣): قيل: يسجد للسهو للتأخير، والأصح أنه (١) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِتَفَرُّدِ رُوَاتِهِ بِزِيَادَةِ الَّشَهُّدِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِبَقِيَّةِ الزُّوَاةِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَحِفْظِهِمْ وَإِنْقَانِهِمْ وَعَدَمِ لُعُوقِهِ بِمَرْتَبَتِهِمْ، قُلْتُ: مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّ زِيَادَةَ الثَّقَةِ مَقْبُولَةٌ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَاتِ غَيْرِهِ تَعَزُّضٌ لِلَّشَهُدِ لاَ نَفْياً وَلاَ إِثْبَاتاً، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَمَنْ حَفِظَ حُبَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ. («مرقاة المفاتيح)» (٢ / ٨٠٦). (٢) ((المستدرك على الصحيحين)) للحاكم (١ / ٤٦٩). (٣) ((الهداية)) (١ / ٧٤). ١٥٣ (٤) كتاب الصلاة رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٠٣٦، جه: ١٢٠٨]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ١٠٢١ - [٨] عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِلَّهِ صَلَّى الْعَصْرَ وَسَلَّمَ فِي ثَلاَثِ رَكَعَاتٍ ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْخِرْبَاقُ، وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ، فَخَرَجَ غَضْبَانَ يَجُزُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتُهَى إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ: ((أَصَدَقَ هَذَا؟)). قَالُوا: نَعَمْ، فَصَلَّی رَكْمَةً، . لا يسجد، ثم هو يدل على أن المعتبر هو تمام القيام وعدمه، وظاهر المذهب عندنا إن كان أقرب إلى القعود عاد وقعد وتشهد، وإن كان أقرب إلى القيام لم يعد، واختلفوا في تفسير القرب، فقيل: لو استوى النصف الأسفل فهو إلى القيام أقرب وإلا فإلي القعود أقرب، وقيل: لو رفع أليتيه وركبتيه فهو إلى القيام أقرب وإلا فإلى القعود أقرب، وقيل: المعتبر رفع ركبتيه وعدمه، وقال الشيخ ابن الهمام(١): واعتبار الأقربية رواية عن أبي يوسف رحمه الله اختارها مشايخ بخارى، أما ظاهر المذهب فيما لم يستو قائماً يعود، وهو الأصح، والتوفيق بين ما روي أنه وي ليه قام فسبحوا فرجع وما روي أنه لم يرجع بالحمل على حالتي القرب من القيام وعدمه ليس بأولى منه بالحمل على الاستواء وعدمه، انتهى. الفصل الثالث ١٠٢١ - [٨] (عمران بن حصين) قوله: (يقال له: الخرباق) قد سبق الكلام (١) ((فتح القدير)) (١ / ٥٠٨). ١٥٤ (٢٠) باب السهو ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌّ. [م: ٥٧٤]. ١٠٢٢ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ وَه يَقُول: ((مَنْ صَلَّى صَلاَةً يَشُكُّ فِي النُّقْصَانِ فَلْيُصَلِّ حَتَّى يَشُكَّ فِي الزَّبَادَةِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١ / ١٩٥]. في أنه ذو اليدين السابق أو هو ذو الشمالين غير ذي اليدين، وفيه المخالفة لحديث أبي هريرة من وجهين: كون السلام ثمة من ركعتين، وههنا من ثلاث، وكونه الآ ثمة اعتمد على خشبة في المسجد، وههنا دخل منزله، فتعين كما قاله جماعة من الأئمة: إن هذه واقعة أخرى، ولو كان ذو اليدين هو الخرباق فلا مانع كونه المتكلم في كل منهما، والله أعلم. وقوله: (ثم سلم ثم سجد) ثابت في الأصول، وليس في نسخة . ١٠٢٢ - [٩] (عبد الرحمن بن عوف) قوله: (حتى يشك في الزيادة) بأن يبني على الأقل، ثم يصلي أخرى فهو بعدها يشك في زيادتها، مثلاً: شك في أنه صلى ثلاثاً أو أربعاً فبنى على الثلاث، فصلى ركعة أخرى، فهو يشك الآن أنها رابعة أو خامسة . تنبيه: قد عرفت من الأحاديث الواردة في الباب أنه ويَّةٍ سجد في بعض المواضع قبل السلام، وفي بعضها بعد السلام، والظاهر أن يحمل على أنه ويّ كان يفعل تارة قبل السلام وأخرى بعده وكلاهما سنة، فالشافعي: يسجد في جميع المواضع قبل السلام ترجيحاً للأحاديث الواردة فيه على غيرها، وقيل: هو - رحمه الله - يدعي أن الأحاديث الواردة في السجود بعد السلام منسوخة، ويقول: آخر فعل النبي ◌َّ كان أنه يسجد قبله، ولم يثبت ذلك، والله أعلم. ١٥٥ (٤) كتاب الصلاة وإمامنا الأعظم يسجد في الكل بعد السلام، ورجح هذه الأحاديث على غيرها بكثرتها وقوتها، فقد جاء في الكتب الستة عن ابن مسعود ظ أنه سجد رسول الله وَيه بعد السلام، وإن جاء فيها أيضاً عن عبدالله ابن بحينة له أنه سجد قبلها، كذا ذكره الشيخ ابن الهمام(١)، أو بحديث رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد وعبد الرزاق عن ثوبان عليه أن رسول الله وَّ قال: لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم، وتقريره أن فعله التر جاء متعارضاً فتمسكنا بقوله، وهو أقوى عندنا من الفعل كما ثبت في أصول الفقه خصوصاً عند التعارض، لكن ضعف البيهقي إسماعيل بن عباس الذي تفرد بحديث ثوبان ، والحق أنه ثقة؛ لأن يحيى بن معين - الذي هو أشد المحدثين في تحقيق الرجال، ويقال له: محك الرجال - وَثَقَهُ، وقد حققه الشيخ ابن الهمام. وقد يرجح أيضاً بالقياس على ما هو المذهب من الرجوع إلى القياس عند تعارض الحديثين وتقديم الحديث الذي يوافق القياس، وهو أن سجدة السهو لا تتكرر، فينبغي أن تكون بعد السلام، حتى لوسها عن السلام جبر عنه أيضاً كذا قال الشُّمُنِّي، وقال أيضاً: وهو قول سعد بن أبي وقاص وعبدالله بن مسعود وعمار بن ياسر وابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم أجمعين . وقال الإمام مالك: كل سهو للنقصان سجد له قبل السلام، ولسهو الزيادة بعد السلام، قال: وإن اجتمع السهوان سجد لهما قبل السلام، وعليه المزني وأبو ثور من أئمة الشافعية، ورجح ابن عبد البر قوله على أقوال الأئمة بأن فيه جمعاً بين الخبرين. وقال ابن دقيق العيد: لا شك أن الجمع أولى من الترجيح وادعاء النسخ، (١) ((شرح فتح القدير)) (١ / ٥٠٠). ١٥٦ (٢٠) باب السهو ولا يخفى أن الجمع بين الخبرين في هذا المذهب إنما هو باعتبار أن السجدة واقعة في الصورتين أعني قبل السلام وبعده، لكن يلزم فيه مخالفة بعض الأحاديث كحديث ذي اليدين فإن فيه سهواً بالنقصان، ومع ذلك السجدة فيه بعد السلام، وأيضاً هذا التوزيع في الفعلين إنما يصح على تقدير إن لم يثبت الحديث القولي من ثوبان، ولما ورد ذلك مطلقاً سواء كان في الزيادة والنقصان، سقط هذا التوزيع الذي اعتبره مالك رحمه الله، ولزم حمل اختلاف الفعلين على جواز الأمرين. وقال ابن عبد البر أيضاً في ترجيح مذهب مالك رحمه الله: إن هذا الفرق موافق النظر العقل؛ لأن في النقص جبراً، فينبغي أن يكون داخل أصل الصلاة، وفي الزيادة ترغيم الشيطان، فينبغي أن يكون خارجاً، وتعقب بأن كون السجود في الزيادة لأجل ترغيم الشيطان فقط ممنوع، ففيه أيضاً معنى الجبر من جهة دفع الخلل، والزيادة في الصلاة نقص، وإن كان في صورة الزيادة وصورة النقص أيضاً تتضمن ترغيم الشيطان، وأيضاً لماذا وجب أن يكون الترغيم خارج الصلاة؟ لم لا يكون الترغيم فيها؟ والترغيم ليس فعلا زائداً على السجدة، وهو من جنس الصلاة. وقال الثوري: أقوى المذاهب قول مالك، ثم قول أحمد، وقال آخرون: بل مذهب أحمد أقوى إذ ليس فيه مخالفة الحديث قط، وهو يعمل كل حديث فيما ورد فيه، ومذهب أحمد رحمه الله في كل موضع سجد فيه رسول الله وَّم قبل السلام يسجد قبله، وكل موضع سجد فيه بعده يسجد بعده، وفي غير تلك المواضع يسجد قبله؛ لأن هذا أوفق بالنظر إلى الظاهر؛ لأن السجدة لجبر نقصان الصلاة، وإنها من جنس الصلاة، فلأن يفعل داخلاً فيها قبل الخروج منها أولى وأحسن، ونقل عن أحمد رحمه الله أنه قال: لو لم يكن في هذا الباب شيء مروياً من رسول الله وسلّم لكنت حكمت أن السجدة ١٥٧ (٤) كتاب الصلاة مطلقاً قبل السلام، وينبغي أن يعلم أن هذا الاختلاف المذكور في السجود بأن يكون قبل السلام أو بعده إنما هو في الأفضلية والأولوية، وإلا فلا اختلاف في أصل الجواز لتعارض الأدلة، صرح به في كتب الأئمة الأربعة. وأما كون السلام واحداً فاختيار فخر الإسلام وقول محمد، وفي (المحيط): أنه الأصوب؛ لأن السلام الأول للتحليل، والثاني للتحية، وهذا السلام للتحليل، فكان ضم الثاني إليه عبثاً، وقال فخر الإسلام: يسلم تلقاء وجهه، وقيل: عن اليمين، وفي (الهداية)(١): الأصح أن يسلم تسليمتين وهو اختيار شمس الأئمة وقول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله حملاً للسلام المذكور في الحديث على المعهود في الصلاة، وهو تسلیمتان کذا ذکر الشُّمُنِّي، وقد ذكر أن صدر الإسلام أخا فخر الإسلام کان ینسبه إلى البدعة في قوله بالسلام الواحد، فقال فخر الإسلام: قد أشار محمد رحمه الله في (كتاب الأصل)) إليه، فلا يكون بدعة، كذا في شرح ابن الهمام(٢). ثم اختلف الأئمة في التشهد بعد سجود السهو. وهو مذكور في بعض الأحاديث، ولم يذكر في بعضها، وهو ثابت في مذهب أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله وبعض المالكية والشافعية لحديث عمران بن حصين على ما رواه أبو داود والترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب، وإن لم يكن مذكوراً في حديث مسلم عنه، وقالوا: قد تفرد أحد رواة الترمذي بزيادة التشهد مع مخالفته لبقية الرواة وكثرتهم وحفظهم وإتقانهم، فيكون هذا الحديث شاذاً. (١) ((الهداية)) (١ / ٧٤). (٢) ((شرح فتح القدير)) (١ / ٥٠١). ١٥٨ (٢٠) باب السهو وتمسك بعض الشافعية ممن هو قائل بالتشهد بحديث الترمذي، وقالوا: له طرق كثيرة أبلغته حد الحسن، وقال الحاكم: هو صحيح على شرط الشيخين. وقد تمسك الحنفية بحديث ابن مسعود ظه عند أبي داود والنسائي(١) قال: قال رسول الله ◌َي: ((إذا كنت في صلاة فشككت في ثلاث أو أربع، وأكثر ظنك على أربع تشهدت، ثم سجدت سجدتين وأنت جالس قبل أن تسلم، ثم تشهدت أيضاً، ثم تسلم))، ذكره الشُّمُنِّي. وقال في (فتح الباري)(٢): ورواه البيهقي عن المغيرة ظه أيضاً، وإسنادهما ضعيف، ومع ذلك له طرق يبلغ بها درجة الحسن، وقال: إنه عند ابن أبي شيبة عن ابن مسعود څ بلغ درجة الصحة، وعقد البخاري في صحيحه باباً وترجم له: (باب من لم يتشهد في سجود السهو) قال: سلم أنس والحسن ولم يتشهدا، وقال قتادة: لا يتشهد، ثم ساق حديث ذي اليدين ليس فيه التشهد، وقال في آخر الباب عن سلمة ابن علقمة: قلت لمحمد - يعني ابن سيرين -: في سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة رظلّته، انتهى. ويفهم من هذا القول أن في غير حديث أبي هريرة تشهد كما في حديث عمران بن حصين، وقال الترمذي: اختلف أهل العلم في التشهد بعد سجدتي السهو، فقال بعضهم: فيه تشهد وتسليم، وقال آخرون: ليس فيه التشهد، بل فیه التسلیم، وذهب أحمد وإسحاق إلى أنه إن سجد قبل السلام لم یتشهد، انتهى. والأصح من قول الشافعي رحمه الله أن التشهد بعد سجود السهو غير مسنون . (١) ((سنن أبي داود)) (١٠٢٨)، و((سنن النسائي)) (١٢٤٦). (٢) ((فتح الباري)) (٣/ ٩٩). ١٥٩ (٤) كتاب الصلاة ٢١ - باب بجود القرآن وقال بعضهم: الأصح أنه مسنون، وقيل: القول بالتشهد عنده مبني على القول القدیم . ثم اختار الكرخي من أصحابنا أن يأتي بالصلاة على النبي ◌َّ وبالدعاء في التشهد الذي بعد سجود السهو؛ لأن موضعها آخر الصلاة، وفي (الهداية)(١): أنه الصحيح، وفي بعض شروح ((الهداية)): أن الصواب أن يقرأ في الأول، وقال الطحاوي: يأتي بهما في الذي قبله والذي بعده؛ لأن كلا منهما في آخر الصلاة، كذا قال الشُّمُنِّي، وقال الشيخ ابن الهمام(٢): وقول الطحاوي أحوط، كذا في ((فتاوى قاضيخان)). ٢١ - باب سجود القرآن اعلم أن الأئمة اختلفوا في وجوب سجود التلاوة وعدمه، فذهب الإمام أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله إلى الوجوب، والأئمة الثلاثة على أنها سنة، وفعلها أفضل من تركها، وفي رواية عن أحمد أيضاً واجب إن كانت في الصلاة، وفي خارجها لا، والحجة لنا قوله سبحانه: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٢) وَإِذَا قُرِئَّ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ﴾ [الانشقاق: ٢٠ - ٢١] الآية، الدال على إنكار ترك السجدة عند تلاوة القرآن، وقرنه مع عدم الإيمان كان تركها وعدم الإيمان من قبيل واحد، وأيضاً السجدة جزء الصلاة اقتصر عليها للتخفيف فيكون فرضاً، كالقيام في صلاة الجنازة، وحديث مسلم(٣) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ *: (إذا قرأ ابن آدم السجود اعتزل الشيطان يبكي يقول: (١) ((الهداية)) (١ / ٧٤). (٢) ((شرح فتح القدير)) (١ / ٥٠٢). (٣) ((صحيح مسلم)) (٨١). ١٦٠ (٢١) باب سجود القرآن يا ويله، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار)، ولا يخفى أن دلالة هذا الحديث على الوجوب يحتاج إلى تأمل، ولعل وجهه أنه يفهم من سياق الحديث أن ابن آدم لو لم يسجد لاستحق النار مثل الشيطان. وقال الشيخ ابن الهمام(١): إن الحكيم إذا حكى عن غير الحكيم كلاماً، ولم يعقبه بالإنكار كان دليل صحته، فهذا الحديث ظاهر في الوجوب، وقال أيضاً: آيات السجدة ثلاثة أقسام، قسم فيه الأمر الصريح بالسجود، وقسم يتضمن حكاية استنكاف الكفرة، واستكبارهم عن امتثال الأمر بالسجود، وقسم فيه حكاية فعل الأنبياء والمؤمنين السجود ومدحهم به، وكل من الامتثال ومخالفة الكفرة والاقتداء بالأنبياء واجب، إلا أن يدل دليل في موضع معين على عدم اللزوم والوجوب، لكن هذه الدلائل ظنية لا تخلو عن شبهة فيثبت به الوجوب لا الفرضية، انتهى. وما جاء في الأحاديث من التأكيد والمبالغة في أدائه من نحو ما جاء عن ابن عمر من حديث الشيخين وأبي داود: كان رسول الله وَليه يقرأ السجدة ونحن عنده فيسجد ونسجد معه، فیزدحم حتی ما يجد أحدنا لجبهته موضعاً يسجد علیه، وما جاء منه من حديث أبي داود: أن رسول الله وسلم قرأ عام الفتح سجدة فسجد الناس كلهم، منهم الراكب والساجد على الأرض حتى إن الراكب يسجد على يده، مما يستأنس به على الوجوب؛ فإن الظاهر أن هذه المبالغة في الازدحام لا تكون في غير الواجب، وقد أورد هذين الحديثين في ((جامع الأصول)) لإثبات وجوب سجدة التلاوة. وتمسك القائلون بعدم الوجوب بحديث زيد بن ثابت ظه في الصحيحين قال: (١) ((شرح فتح القدير)) (٢/ ١٣).