Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
(٤) كتاب الصلاة
قَالَ: كَانَ يَأْخُذُ الرَّحْلَ فَيُعَدِّلُهُ، فَيُصَلِّ إِلَى آخِرَتِهِ.
٧٧٥ - [٤] وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِذا
وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ، وَلاَ يُبَالِ مَنْ مَرَّ وَرَاءَ
ذَلِكَ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٩٩].
في شرح الشيخ، وفي (القاموس)(١): الركاب ككتاب: الإبل، واحدتها: راحلة،
والجمع ككتب، وركاباتٌ، ورِكائبُ.
وقوله: (قال) أي: ابن عمر ط﴾ في جوابه: (كان) أي: رسول الله جل﴾ (يأخذ
الرحل فيعدِّله) أي: يقوِّمه، ضبط في النسخ من التعديل، وفي شرح الشيخ: بفتح
أوله وسكون العين وكسر الدال، أي: يقيمه تلقاء وجهه، ويجوز التشديد، وفي (مجمع
البحار)(٢): هو بضم تحتية وفتح عين وتشديد دال، أي: يقومه، وضبط بفتح فسكون
فكسر الدال.
وقوله: (فيصلي إلى آخرته) أي: آخرة الرحل، بفتحات بلا مدٍّ، وبمدِّ الهمزة
وکسر الخاء: عود يستند إليه الراكب وخلاف قادمة.
٧٧٥ - [٤] (طلحة بن عبيد) قوله: (مثل مؤخرة الرحل) ضبط بوجهين: بضم
الميم وسكون الهمزة وكسر الخاء وفتحها، ويضم ففتح ثم فتح وتشديد، وهي الآخرة
التي ذكرت في الحديث السابق.
قوله: (ولا يبال من مر) يحتمل وجهين أن يكون في (لا يبال) ضمير لـ (أحدكم)،
و(من مر) مفعوله، أي: لا يبال في قطع خشوعه، ويوافقه قوله في الفصل الثاني: (ثم
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٨).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣ / ٥٤٠).

٥٢٢
(٩) باب السترة
٧٧٦ - [٥] وَعَنْ أَبِي جُهَيْمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: (لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ
بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْراً لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ
يَدَيْهِ». قَالَ أَبُّو النَّضْرِ: لاَ أَدْرِي قَالَ: ((أَرْبَعِينَ يَوْماً، أَوْ شَهْراً، أَو سَنَةً).
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥١٠، م: ٥٠٧].
٧٧٧ - [٦] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلَيهِ: (إِذَا صَلَّى
أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، .
لا يضره ما مر)، وقوله: (فما بالى ذلك)، وأن يكون (من مر) فاعلاً، أي: لا يأثم.
٧٧٦ - [٥] (أبو جهيم) قوله: (وعن أبي جهيم) بالتصغير.
وقوله: (خيراً) بالنصب في أكثر الروايات، وهو الأظهر، وقد يروى بالرفع على
أنه اسم (كان)، ويسوغ الابتداء بالنكرة لكونها موصوفة، أو لتقديم الخبر، أو بتقدير
ضمير الشأن في (كان)، والجملة خبر، وإطلاق خير من قبيل قوله تعالى: ﴿أَصْحَبُ
اُلْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، أو على سبيل الفرض، أي: لو
فرض أن في المرور خيرية ما كان الوقوف خيراً من ذلك.
قوله: (أو سنة) وهو الظاهر بقرينة الروايات الأخر الناطقة بأربعين خريفاً، أي:
سنة، ومنها رواية أبي هريرة: (لأن يقيم مئة عام)، ورواية البزار: (أربعين خريفاً) أي:
سنة، وهو الأبلغ(١).
٧٧٧ - [٦] (أبو سعيد) قوله: (يستره من الناس) ستراً معتبراً في الشرع، كما
(١) قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّنَ مِنْ حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ: ((لَكَانَ أَنْ يَقِفَ
مِئَةَ عَامٍ خَيْراً لَهُ مِنَ الْخُطْوَةِ الَّتِي خَطَاهَا)) مُشْعِرٌ بِأَنَّ إِطْلَاقَ الأَرْبَعِينَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِ الأَمْرِ،
لاَ لِخُصُوصِ عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ، نَقَّلَهُ مِيرَك شَاهُ. ((مرقاة المفاتيح)) (٢ / ٦٤٣).

٥٢٣
(٤) كتاب الصلاة
فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ)).
هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ. [خ: ٥٠٩، م: ٥٠٥].
٧٧٨ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: («تَقْطَعُ الصَّلاَةَ
الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ، وَبَقِي ذَلِك مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[م: ٥١١].
مرّ في مقدار السترة.
وقوله: (يجتاز بین یدیه) أي: بينه وبين سترته.
وقوله: (فليقاتله) وفي رواية: (فليقتله) مبالغة في دفعه(١)، وقيل: إن دفعه بما
يجوز فهلك، فلا قَوَدَ عليه بالاتفاق، وفي الدية قولان.
وقوله: (فإنما هو شيطان) أي: يعمل عمل الشيطان، أو معه شيطان يحمله
عليه، أو هو من شياطين الإنس.
٧٧٨ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (تقطع الصلاة) أي: خشوعها وتدبرها بشغل
القلب، أو كاد أن يؤدي إلى القطع، وإنما خص بهذه الثلاثة لشدة الشغل في المرأة،
وملازمة الشياطين للحمار، وغلظ النجاسة في الكلب، والجمهور من الصحابة ومن
بعدهم أنه لا يقطع شيء مما يمر، والمراد بالأحاديث الواردة المبالغة في الحثّ على
نصب السترة، وقيل: يقطع الكلب الأسود والمرأة الحائض، على ما جاء في بعض
الروايات، وتأويله عند الجمهور ما ذکر.
(١) وَفِي ((شَرْحِ الْمُنْيَةِ)): وَيُدْرَأُ الْمَارُّ إِذْ أَرَادَ أَنْ يَمُرَّ فِي مَوْضع سُجُودِهِ أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ بِالإِشَارَةِ
أَوِ التَّسْبِيحِ لاَ بِهِمَا مَعاً، اهـ. وَقَدْ نَقَّلَ الْقَاضِي عِيَاضُ الإِنَّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَحِلُّ لَهُ الْعَمَلُ الْكَثِيرُ
فِي مُدَافَعَتِهِ. ((مرقاة المفاتيح)) (٢/ ٦٤٣).

٥٢٤
(٩) باب السترة
٧٧٩ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ لَ﴾ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌َلِ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ
وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ كَاعْتِرَاضِ الْجَنَازَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨٣،
م: ٥١٢].
٧٨٠ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِباً عَلَى أَتَانِ،
٧٧٩ - [٨] (عائشة) قوله: (كاعتراض الجنازة) إشارة إلى أنها كانت معترضة
بتمامها بحذائه لا أنها كانت في ناحية شيئاً يسيراً، ومع ذلك كان يصلي، فعلم أن مرور
المرأة لا يقطع الصلاة، فالحديث السابق مؤول.
٧٨٠ - [٩] (ابن عباس) قوله: (على أتان) بفتح الهمزة، وهو الأكثر، ويجوز
كسرها، أنثى الحمار، وقد جاء على قلة أتانة بالتاء، وفي (مجمع البحار)(١): والحمار
يقع على الذكر والأنثى، والأتان: الحمار الأنثى فقط، وقيد به ليعلم أن الأنثى من الحمار
لا يقطع الصلاة، فكذا المرأة.
وقد جاء في رواية: (على حمار أتان)، قال القاضي عياض: وجاء في بعض
روايات البخاري: (على حمار أتان) كذا ضبطها الأصيلي بتنوين الحرفين، ووجهه أن
يكون أحدهما بدلاً من الآخر، أو وصفاً له؛ لأنه قد جاء في حديث: (أتان) مفرداً،
وجاء في آخر: (حمار) مفرداً، فالأولى الجمع بينهما، وقال لي شيخنا أبو الحسين
سراج بن عبد الملك: يكون أتان وصفاً للحمار، ومعناه: صلب قوي مأخوذ من الأتان،
وهي الحجارة الصلبة، قال لي: وقد يكون بدل الغلط. قال القاضي: ويكون عندي
بدل البعض من الكل؛ إذ قد يطلق الحمار على الجنس، فيشمل الذكر والأنثى، كما
(١) «مجمع بحار الأنوار)) (١/ ٣٥).

٥٢٥
(٤) كتاب الصلاة
وَأَنَ يَوْمَئِذٍ قَدْ نَهَزْتُ الإِحْتِلاَمَ، وَرَسُولُ اللهِ نَّهِ يُصَلَّي بِالنَّاسِ بِمِنَّى إِلَى
غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْنِ يَدَيِ الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ، وَأَرْسَلْتُ الأَثَانَ تَرْتَعُ،
وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٣، م:
٥٠٤].
قالوا: بعير للذكر والأنثى، قال لي أبو الحسين: وقد يكون (حمار أتان) غير منون
على الإضافة، أي حمار أنثى، قال القاضي: وكذا وجدته مضبوطاً في بعض الأصول
المسموعة على أبي ذر(١).
وقوله: (قد ناهزت) أي: قاربت، في (القاموس)(٢): نهز الشيء: قَرُبَ،
والاحتلام والحلم بالضم: الجماع في النوم، كناية عن البلوغ، و(منى) بالصرف
والألف، وهو الأفصح، وبمنعه والياء، سميت بها لما يمنى بها من الدماء، أي يراق،
وقيل: لأن جبرئيل عليل لما أراد أن يفارق آدم عليه﴾ قال له: تمنَّ، قال: أتمنىَّ الجنة،
فسميت منىً؛ لأمنية آدم ، كذا في (القاموس)(٣) عن ابن عباس.
وقوله: (إلى غير جدار) أي: سترة، وذكر الجدار باعتبار الأغلب.
وقوله: (فلم ينكر ذلك) أي: مشيتي بأتاني بين يدي الصف، أما الأول فلعدم
قطع الحمارة الصلاة، وأما الثاني فلعدم كونه بالغاً، وإن كان قد قاربه، أو المراد عدم
الإنكار لأجل قطع الصلاة، فافهم.
(١) انظر: ((مشارق الأنوار)) (٢٩/١ -٣٠).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٨٨، ١٠١١).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٢٦).

٥٢٦
(٩) باب السترة
الْفَصْلُ الثَّانِي:
٧٨١ - [١٠] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِذَا صَلَّى
أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ نِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئاً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَتْصِبْ عَصَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ
مَعَهُ عَصَى فَلْيَخْطُطْ خَطًّا، ثُمَّ لاَ يَضُرُّهُ مَا مَرَّ أَمَامَهُ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ
مَاجَهْ. [د: ٦٨٩، جه: ٩٤٣].
الفصل الثاني
٧٨١ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (فليجعل تلقاء وجهه) أي: حذائه وجانبه شيئاً
من شجر أو حجر أو جدار أو نحوها.
وقوله: (فإن لم يجد) يدل على الترتيب، والظاهر أنه مندوب.
وقوله: (فلينصب عصاه) وإن كانت الأرض صلبة لا يمكنه الغرز والنصب فإنه
يضعه وضعاً، لكن يضعه طولاً لا عرضاً ليكون على مثال الغرز.
وقوله: (فليخطط خطًّا) وبه قال الشافعي ظه في القديم، ونفاه في الجديد
لاضطراب الحديث وضعفه، كذا في شرح الشيخ، وعندنا الخط ليس بشيء، هكذا
روي عن محمد، وقد أخذ به بعض مشايخنا المتأخرين، فقالوا: يخط خطًّا، إلا أنا
نقول: إن الخط لا يعتبر حائلاً بينه وبين المار، فيكون وجوده وعدمه سواء، كذا قال
السغناقي .
وقال الشيخ ابن الهمام(١): وأما الخط فقد اختلفوا فيه حسب اختلافهم في الوضع
إذا لم يكن معه ما يغرزه أو يضعه، فالمانع يقول: لا يحصل المقصود به؛ إذ لا يظهر
من بعيد، والمجيز يقول: ورد الأثر به، وهو ما في أبي داود: (إذا صلى أحدكم فليجعل
(١) ((فتح القدير)) (١ / ٤٠٨).

٥٢٧
(٤) كتاب الصلاة
٧٨٢ - [١١] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِذَا
صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ، فَلْيَدْنُ مِنْهَا، لاَ يَقْطَعِ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلاَتَهُ)). رَوَاهُ
أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٩٥].
٧٨٣ - [١٢] وَعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّ
يُصَلِّي إِلَى عُودٍ، وَلاَ عَمُودٍ، وَلاَ شَجَرَةٍ إِلَّ جَعَلَهُ عَلَى حَاجِبِهِ الأَيْمَنِ أَوِ
الأَيْسَرِ، وَلاَ يَصْمُدُ لَهُ صَمْداً. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٩٣].
تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد) الحديث(١)، واختار صاحب (الهداية) الأول، والسنة
أولى بالاتباع، مع أنه يظهر في الجملة، إذ المقصود جمع الخاطر بربط الخيال به كي
لا ینتشر، انتھی.
ثم اختلف في صفة الخط فقيل: يجعل مثل الهلال، وقيل: يمد طويلاً إلى جهة
القبلة، وقد يمد يميناً وشمالاً والمختار الأول.
٧٨٢ - [١١] (سهل بن أبي حثمة) قوله: (سهل بن أبي حثمة) بفتح المهملة
وسكون المثلثة .
وقوله: (فليدن منها) ويستحب أن يكون الدنو قدر إمكان السجود.
وقوله: (لا يقطع) مجزوم جواباً للأمر، والقطع يكون بالوسوسة والتمكن منه،
فإنه إذا كان بعيداً من السترة يخطر بباله مرور أحد فيه، فيقع في الوسوسة، وأيضاً في
تبعيد السترة إيقاع للمار في الحرج وتضييق عليه.
٧٨٣ - [١٢] (المقداد بن الأسود) قوله: (ولا يصمد) بضم الميم، والصمد:
(١) ((سنن أبي داود)) (ح: ٦٨٩).

٥٢٨
(٩) باب السترة
٧٨٤ - [١٣] وَعَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَثَانَاَ رَسُولُ اللهِهِ وَنَحْنُ
فِي بَادِيَةٍ لَنَا، وَمَعَهُ عَبَّاسٌ، فَصَلَّى فِي صَحْرَاءَ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ، وَحِمَارَةٌ
لَنَا وَكَلْبَةٌ تَعْبَانٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا بَالَى ذَلِكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، ولِلنَّسَائِيِّ نَحْوُهُ.
[د: ٧١٨، ن: ٧٥٣].
٧٨٥ - [١٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((لاَ يَقْطَعُ
الصَّلاَةَ شَيْءٌ، وادْرَؤُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
[د: ٧١٩].
القصد، والصمد: السيد الذي يقصد إليه في الحوائج، أي: لا يقصده قصداً مستوياً،
ولا يجعله تلقاء وجهه، بل يجعله مائلاً إلى يمينه أو يساره؛ حذراً من أن يضاهي فعله
عبادة الأصنام.
٧٨٤ - [١٣] (الفضل بن عباس) قوله: (في بادية لنا) المراد بادية يخرجون
إليها من البلد، ويضربون فيها الخيام، ويقيمون، كما هو عادة العرب، ولكل منهم بادية
مخصوصة .
وقوله: (ليس بين يديه سترة) فيه دليل على أن السترة ليست بواجبة، بل مندوبة،
ولعله لم یکن ذلك الموضع ممر الناس .
وقوله: (وحمارة لنا وكلبة) التاء فيهما قيل: للتأنيث، وقيل: للإفراد، كتمرة
ونخلة .
٧٨٥ - [١٤] (أبو سعيد) قوله: (لا يقطع الصلاة شيء) أي: لا يبطل الصلاة
شيء بالمرور، لكن ادفعوا ما استطعتم، لئلا يقع المار في الإثم، ولا يشغل القلب،

٥٢٩
(٤) كتاب الصلاة
الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٧٨٦ - [١٥] عَن عَائِشَة قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ وَلول
وَرِجْلاَيَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، وَإِذَا قَامَ بَسَطْنُهُمَا،
قَالَتْ: وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ.
وقال الطيبي(١): يحتمل أن يكون المراد: لا يقطع شيء من الدفع، يعني لا الخفيف
منه ولا العنيف، فادفعوا المار بقدر استطاعتكم، ولا تبالوا به، وربما ينظر إلى هذا
المعنى ظاهر قوله: (فادرؤا، فإنما هو شيطان)، فافهم.
الفصل الثالث
٧٨٦ - [١٥] (عائشة) قوله: (ورجلاي في قبلته) أي: في مكان سجوده.
وقوله: (غمزني) في (النهاية)(٢): الغمز: العصر، والكبس باليد، ومنه حديث
عمر : (أنه دخل عليه، وعنده غليّم أسود يغمز ظهره)، في (القاموس)(٣): غمزه
بيده: نخسه، وبالعين والجفن والحاجب: أشار، وبالرَّجُلِ: سعى به شرًّا، ويظهر به
أن الغمز ليس مختصاً باليد، ولكنه المراد ههنا بقرينة المقام، واستدل به على عدم نقض
الوضوء بمس المرأة، وأجيب بأنه يحتمل أن يكون من وراء حائل.
وقوله: (فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ) كذا للأكثر بالتثنية، وكذا قوله: (بسطتهما)، وللمستملي
والحموي: (رجلي) بالإفراد، وكذا (بسطتها).
وقوله: (والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح) اعتذار من جعلها رجلها في موضع
(١) ((شرح الطيبي)) (٢ / ٢٧٩).
(٢) ((النهاية)) (٣/ ٣٨٥ -٣٨٦).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٨١).

٥٣٠
(٩) باب السترة
مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨٢، م: ٥١٢].
٧٨٧ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَِّ: ((لَوْ يَعْلَمُ
أَحَدُكُمْ مَا لَهُ فِي أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ مُعْتَرِضاً فِي الصَّلاَةِ، كَانَ لأَنْ يُقِيمَ
مِئَةَ عَامِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْخُطْوَةِ الَّتِي خَطَا)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٩٤٦].
٧٨٨ - [١٧] وَعَنْ كَعْبِ الأَحْبَارِ قَالَ: لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّي
مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أَنْ يُخْسَفَ بِهِ خَيْراً لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ :
أَهْوَنَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٣٦٣].
سجود رسول الله صلى، وقال الطيبي(١): وأما قولها: (وإذا قام بسطتهما) فلتقرير
رسول الله ◌َي إياها على تلك الحالة، انتهى. ولا يخلو عن شيء؛ لأن غمزه وَل﴿ إياها
ربما يكون إشارة بقبضها رجلها وبمنعها عن بسطها، خصوصاً في المرة الأولى، ويمكن
أن يقال: يكون بسطها ثانياً لزعمها أنه وقلّ انتقل من مكانه، أو تأخر، أو لغلبة النوم
والغفلة، والله أعلم.
٧٨٧ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (ما له) أي من الإثم.
وقوله: (كان لأن يقيم) اسم (كان) ضمير عائد إلى (أحدكم)، أو يقدر ضمير
الشأن، والجملة خبر (كان)، واللام لام الابتداء المقارنة بالمبتدأ، أو اللام التي يتلقى
بها القسم .
٧٨٨ - [١٧] (كعب الأحبار) قوله: (وعن كعب الأحبار) يحتمل أن يكون
حديثاً مرسلاً من رسول الله صل﴿، أو يكون من التوراة.
(١) ((شرح الطيبي)) (٢ / ٢٧٩).

٥٣١
(٤) كتاب الصلاة
٧٨٩ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس ◌َهُهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِذَا صَلَّى
أَحَدُكُمْ إِلَى غَيْرِ السُّئْرَةِ، فَإِنَّهُ يَقْطَّعُ صَلاَتَهُ الْحِمَارُ وَالْخِنْزِيرُ وَالْتَهُودِيُّ
وَالْمَجُوسِيُّ وَالْمَرْأَةُ، وَتُجْزِئُ عَنْهُ إِذَا مَرُّوا بَيْنَ بَدَيْهِ عَلَى قَذْفَةٍ بِحَجَرٍ».
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٧٠٤].
٧٨٩ - [١٨] (ابن عباس ) قوله: (فإنه يقطع صلاته) قد مر تأويله في
الفصل الأول.
وقوله: (تجزئ) أي: هذه المذكورات (عنه) أي: عن عدم القطع، أو عن
المصلی.
وقوله: (على قذفة بحجر) أي: رمية بأن يبعدوا عن المصلى هذا المقدار، وقيل:
المراد به مقدار الجمار في الحج، ويكون نحواً من ثلاثة أذرع، وذكر في كتب الفقه
أنهم اختلفوا في الموضع الذي يكره المرور فيه، منهم من قدَّره بثلاثة أذرع، ومنهم
بخمسة، ومنهم بأربعين، ومنهم بموضع سجوده، ومنهم بمقدار صفين، أو ثلاثة،
والأصح أنه إن كان بحال لو صلّى صلاة خاشع لا يقع بصره على المار، فلا يكره بأن
یکون منتهى بصره في قیامه إلى موضع سجوده، وفي ركوعه إلى صدور قدميه، وفي
سجوده إلى أرنبة أنفه، وفي قعوده إلى حجره، وفي سلامه إلى منكبيه، كذا ذكره الإمام
التمرتاشي، واختاره فخر الإسلام، وأما غيرهما كالإمام شمس الدين السرخسي،
وشيخ الإسلام، وقاضي خان اختاروا ما اختاره صاحب (الهداية)، بأن الموضع الذي
يكره المرور فيه موضع السجود، قال السغناقي: ما ذكر فخر الإسلام والتمرتاشي أشبه
إلى الصواب، ثم هذا في الصحراء، فأما في المسجد فالحد هو المسجد، إلا أن يكون
بينه وبين المار أسطوانة أو غيره، انتهى.

٥٣٢
(١٠) باب صفة الصلاة
١٠ - باب صفة الصلاة
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٧٩٠ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللهَِهُ
جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى(١)، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ
رَسُولُ اللهِ: ((وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ، ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ)). فَرَجَعَ ..
١٠ - باب صفة الصلاة
وصفت الشيء وصفاً وصفةً، فالهاء عوض الواو كالوعظ والعظة وكالوعد والعدة،
فالوصف والصفة مصدران بمعنى واحد في اللغة، وفي عرف المتكلمين: الوصف ذكر
ما في الموصوف من الصفة، والصفة ما فيه من المعنى، فالوصف كلام الواصف،
والصفة هي المعنى القائم بذات الموصوف، فقول القائل: زيد عالم وصف لزيد
لا صفة له، والعلم القائم به صفته لا وصفه، فقيام الوصف بالواصف وقيام الصفة
بالموصوف، ولا ينكر إطلاق الوصف بمعنى الصفة، لكن الظاهر الشائع ما ذكرنا.
ثم المراد بالصفة في (صفة الصلاة) الصفات النفسية الذاتية التي هي أجزاء عقلية
لماهية الصلاة الصادقة على الأجزاء الخارجية التي هي أجزاء لهويتها، كالقيام والقراءة
والركوع والسجود وغيرها، فالإضافة من قبيل إضافة الجزء إلى الكل، ويمكن أن يحمل
الصفة ههنا على معنى الوصف، أي: وصف الصلاة بما فيه من الأجزاء، ولما كانت
الصلاة عرضاً كانت أجزاؤها صفات وأعراضاً كالعرض واللون للسواد مثلاً، فافهم.
الفصل الأول
٧٩٠ - [١] (أبو هريرة) رُه قوله: (وعليك السلام) بالواو، وهكذا السنة في
(١) وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَحِيَّةُ الْمَسْجِد، والرَّجُلُ الذي دخل المسجد =

٥٣٣
(٤) كتاب الصلاة
فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ، فَقَالَ: ((وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ، ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ
تُصَلِّ». فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ - أَوْ فِي الَّتِي بَعْدَهَا -: عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ:
(إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَأَسْبِغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، فَكَبِّرْ، ثُمَ اقْرَأْ
بِمَا تَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ
قَائِماً، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى.
ردِّ السلام، ويجيء تحقيقه في بابه.
وقوله: (أو في التي بعدها) أي: بعد الثالثة، وهي الرابعة، فالشك في أنه قال في
المرة الثالثة أو الرابعة، وسمعت من بعض مشايخي: أنها للشك في هذين اللفظين،
أعني قوله: (في الثالثة) أو قوله: (في التي بعدها)، والضمير في (بعدها) راجع إلى
الثانية، أي: قال: (في الثالثة) أو قال هذه العبارة بدل (في الثالثة)، وهي أيضاً بمعنى
الثالثة، والأول هو الأظهر.
وقوله: (فأسبغ الوضوء) أتم ◌َّ البيان بذكر بعض الوضوء والاستقبال، والظاهر
أن التخصيص بذكر بعض الشرائط والأركان دون بعض؛ لعلمه وسير بالوحي بالتقصير
فيما ذكر دون ما سواها، وأن المتروك ما سوى الفرائض، وأن الأمر بالإعادة لفوات
الكمال، فافهم، وبالله التوفيق، والله أعلم.
وقوله: (ثم اقرأ بما تيسر) ليس في رواية البخاري الباء، هو الأظهر والأوفق
للتنزيل من قوله تعالى: ﴿ فَقْرَعُواْ مَا يَشَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقال الطيبي(١):
(اقرأ) منزل منزلة اللازم، أي: أَوْجِدِ القراءةَ باستعانة ما تيسر، ويجوز أن يكون الباء
- هُوَ خَلَّدُ بْنُ رَافِعٍ، كَمَا بَيَّنَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ. انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٦٥٠/٢).
(١) ((شرح الطيبي)) (٢ / ٢٨٢).

٥٣٤
(١٠) باب صفة الصلاة
تَطْمَئِنَّ سَاجِداً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِساً، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَيِنَّ سَاجِداً،
ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِساً». وَفِي رِوَايَةٍ: ((ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِماً،
ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٥٧، م: ٣٩٧].
للملابسة و(معك) حال من ضمير (تيسر)، أي: حال كونه معك، و(من القرآن) بيان
لـ (ما)، أي: اقرأ من القرآن ما تحفظه، وفي رواية صححها أحمد والبيهقي وابن
حبان(١) بدل هذا: (ثم اقرأ بأم القرآن)، كذا في (شرح الشيخ)، وسيجيء في الفصل
الثاني مع زيادة: و(ما شاء الله أن تقرأ)، وقوله بعد السجدة الثانية: (ثم ارفع حتى تطمئن
جالساً) إشارة إلى جلسة الاستراحة.
قوله: (وفي رواية) أي: بدل (ثم ارفع حتى تطمئن جالساً): (ثم ارفع حتى
تستوي قائماً) أي للركعة الثانية، فليس في هذه الرواية ذكر جلسة الاستراحة، وسيجيء
الكلام في هذه الجلسة في ثاني حديثي مالك بن الحويرث.
واعلم أنه قد استدل بهذا الحديث الشافعي وأحمد وأبو يوسف - رحمهم الله -
على فرضية الطمأنينة والقومة والجلسة، فإنه ◌َ له نفى عن الرجل الصلاة، وكان قد ترك
الطمأنينة والقومة والجلسة، وعند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - الاطمئنان في
الركوع والسجود في ظاهر الرواية على تخريج الكرخي واجب يجب السهو، وعلى
تخريج الجرجاني سنة، وأما القومة والجلسة فسنة، وعليه بعض المالكية.
وقد نقل الشيخ ابن الهمام(٢) عن (فتاوى قاضيخان) ما يدل على وجوبهما عند
أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وقال: ويمكن حمل قول أبي يوسف بفرضيتها على
(١) انظر: ((مسند أحمد)) (٤ / ٣٤٠)، و(السنن الكبرى)) للبيهقي (٢ / ٣٧٤)، و((صحيح ابن حبان))
(٥/ ٨٨، ح: ١٧٨٧).
(٢) ((فتح القدير)) (١ / ٣٠٢).

٥٣٥
(٤) كتاب الصلاة
الفرض العملي الشامل للواجب، فارتفع الخلاف، ثم قال: ومقتضى الدليل في كل من
الطمأنينة والقومة والجلسة الوجوب، انتهى.
وقال أبو حنيفة ومحمد - رحمهما الله - في عدم فرضية الاطمئنان في الركوع
والسجود: إنهما مطلوبان بقوله تعالى: ﴿أَرْكَعُواْ وَأَسْجُدُواْ﴾ [الحج: ٧٧]، ولا إجمال
فيهما ليفتقر إلى البيان، ومسماهما يتحقق بمجرد الانحناء ووضع بعض الوجه مما
لا يعدّ سخرية مع الاستقبال، فخرج الذقن والخد، والطمأنينة دوام على الفعل لا نفسه،
فهو غير المطلوب به، فوجب أن لا تتوقف الصحة عليها بخبر الواحد، وإلا كان نسخاً
للإطلاق المقطوع به، وهو ممنوع عندنا، مع أن الخبر يفيد عدم توقف الصحة عليه،
وهو قوله ◌َّه: (ما انتقصت من هذا شيئاً فقد انتقصت من صلاتك شيئاً)، أخرج هذه
الزيادة أبو داود والترمذي والنسائي في حديث المسيء صلاته.
فأبو داود من حديث أبي هريرة، والترمذي عن رفاعة بن رافع ◌َل﴾ قال فيه: (فإذا
فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئاً انتقصت من صلاتك)، وقال:
حديث حسن، فسماها صلاة، والباطلة ليست بصلاة، ووصفها بالنقص، والباطلة إنما
توصف بالانعدام، فعلم أنه وَّ إنما أمره بإعادتها ليوقعها على غير كراهة لا للفساد،
وأيضاً لو كانت الأمور المذكورة فرائض ما تركه لل بفعله مراراً، ولمنعه منها أول مرة
لما قرّره عليها، فوجب حمل قوله: (فإنك لم تصل) على الصلاة الخالية عن الإثم على
قول الكرخي، أو المسنونة على قول الجرجاني، والأول أولى لأن المجاز حينئذ في
قوله: (لم تصل) يكون أقرب إلى الحقيقة، ولأن المواظبة دليل الوجوب.
وقد سئل محمد عن تركها فقال: إني أخاف أن لا تجوز، وعن السرخسي: من
ترك الاعتدال تلزمه الإعادة، ولا إشكال في وجوب الإعادة، إذ هو الحكم في كل صلاة

٥٣٦
(١٠) باب صفة الصلاة
٧٩١ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ يَسْتَفْتِحُ الصَّلاَةَ
بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ بِ ﴿ الْعَمْدُ بِّهِرَبِ الْعَلَمِينَ﴾،
أديت مع كراهة التحريم، ويكون جابراً للأول لأن الفرض لا يتكرر.
وقال التُّورِبِشْتِي(١): ويحتمل أن الرجل ترك فرضاً من فرائض الصلاة، فلذلك
أمره و له بالإعادة، لا لترك الطمأنينة والقومة والجلسة، فإن قلت: قال الكرماني: كيف
تركه مراراً يصلي صلاة فاسدة؟ فالجواب أنه لم يأذن له في صلاة فاسدة، ولا علم من
حاله أنه يأتي بها في المرة الثالثة فاسدة، لاحتمال أن يكون ناسياً أو غافلاً فيتذكره فيفعله
من غير تعليم، فما قال بعد مرات: علمني يا رسول الله، علم أنه جاهل، فليس هذا من
باب التقرير على الخطأ، بل من باب تحقيقه، فتدبر.
٧٩١ - [٢] (عائشة) قوله: (يستفتح الصلاة بالتكبير) يحتمل كون التكبير شرطاً
للصلاة، كما هو مذهبنا، وكونه ركناً، كما هو مذهب الشافعي رحمه الله.
وقوله: (والقراءة) أي: يستفتح القراءة (بـ ﴿الْعَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾) بضم
الدال على الحكاية، أي: بهذه السورة، فكأنها صارت اسماً لهذه السورة، كما إذا سئل
أحد: ما تقرأ؟ فيقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾ [الإخلاص: ١]، وفي الحقيقة المراد السورة
التي أولها هذا اللفظ، وقد جاء في (صحيح البخاري): أنه وَ ﴿ ﴿ قال لأبي سعيد بن
المعلى: (ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن؟ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾)، وهذا
تأويل صحيح لا بدّ منه لدفع توهم أنه كان لم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، وإن أريد
عدم الجهر بالتسمية فهو مؤول عند الشافعي، ولا حاجة إليه عندنا، وقد وردت الأحاديث
في كليهما، ويتم الكلام فيه في (باب القراءة).
(١) ((كتاب الميسر)) (١/ ٢٢٩).

٥٣٧
(٤) كتاب الصلاة
وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَانَ إِذَا
رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِماً، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ
السَّجْدَةِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِساً، وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ النَّحِيَّةَ،
وَكَانَ يَفْرُشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى،
وقوله: (لم يشخص رأسه) من الإشخاص، أي: لم يرفعه إلى السماء، من
شخص كمنع شخوصاً: ارتفع، ويقال: أشخص بصره: أي: رفعه.
وقوله: (ولم يصوِّيْه) من التصويب، أي: لم يخفضه، من صوّب رأسه: إذا
خفضه، وفي بعض الشروح: أي: لم يخفضه خفضاً بليغاً، كأنه يريد به أن يخرج عن
استواء الظهر والعنق، وإلا فالخفض متحقق لا محالة.
وقوله: (بين ذلك) أي: بين الأشخاص والتصويب، واسم الإشارة المفرد يشار
به إلی متعدد.
وقوله: (وكان يقول في كل ركعتين التحية) أي: كان يتشهّد في كل ركعتين.
وقوله: (وكان يفرش رجله اليسرى) أي: يجعله فراشاً له بأن يجلس عليها،
(وينصب رجله اليمنى) ظاهر الحديث أنه يفعل هكذا في القعدتين، وهو قول أبي
حنيفة وأصحابه رحمهم الله، وقد جاء في حديث أبي حميد الافتراش في القعدة الأولى
والتورك في القعدة الأخرى، وهو مذهب الشافعي رحمه الله .
قال في (سفر السعادة)(١): قد اختلف العلماء في هذه المسألة على أربعة أقوال،
فقال بعضهم بالتورك في التشهدين، وهو قول مالك، وقال بعضهم بالافتراش فيهما،
وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، وبعضهم بالتورك في تشهد بعده السلام، سواء كان هناك
(١) ((سفر السعادة)) (ص: ٤٤).

٥٣٨
(١٠) باب صفة الصلاة
وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ، .
تشهدان أو تشهد واحد، وفي غيره الافتراش، وهو قول الشافعي رحمه الله. وقال
بعضهم: كل صلاة فيها التشهدان ففي الأخير منهما یتورك، وإن كان تشهد واحد یفرش،
وهو مذهب أحمد - رحمه الله -.
وقيل: وجه قول أبي حنيفة - رحمه الله - أن في كثير من الأحاديث وقع ذكر
الافتراش مطلقاً بأن السنة في التشهد هذا، وإن جلوس النبي 8 في التشهد كان
هكذا بلا تقييد بالأولى وبالأخرى، ففي مسلم(١) عن عائشة : كان رسول الله وَله
يفتتح الصلاة بالتكبير إلى أن قالت: وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى،
وفي (سنن النسائي)(٢): عن ابن عمر عن أبيه ﴿4﴾ قال: من سنة الصلاة [أن] تنصب
القدم اليمنى واستقبالُه بأصابعها القبلةَ، والجلوس على اليسرى، كذا قال الشيخ ابن
الهمام(٣).
وأيضاً هذا الجلوس أشقّ وأشدّ، وأفضل الأعمال أحمزها، وقد وقع في بعض
الأحاديث التورك في التشهد الأخير، فحملوها على حالة العذر أو كبر السن أو طول
الأدعية؛ لأن المشقة فيه أقلّ.
وقوله: (وكان ينهى عن عقبة الشيطان) بضم عين وسكون قاف، وفسر بالإقعاء،
وهو أن يلصق أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض كما يفرش
الكلب، وهو بهذا التفسير مكروه باتفاق العلماء، كذا في بعض الشروح نقلاً عن
(١) ((صحيح مسلم)) (ح: ٤٩٨).
(٢) ((سنن النسائي)) (ح: ١١٥٨).
(٣) ((شرح فتح القدير)) (١ / ٣١٢).

٥٣٩
(٤) كتاب الصلاة
وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُّعِ، وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلاَةَ بِالتَّسْلِيمِ.
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٩٨].
٧٩٢ - [٣] وَعَنْ أَبِي حُمَيْدِ السَّاعِدِيِّ، قَالَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابٍ
رَسُولِ اللهِهِ: أَنَا أَحْفَظُكُمْ لِصَلاَةِ رَسُولِ اللهِ وَّهِ
النووي(١)، وقال الطيبي(٢): وهو أن يضع أليتيه على عقبيه، وهو أنسب بلفظه (عقبة)،
وفي (مجمع البحار)(٣): وقيل: هو ترك غسل عقبيه في الوضوء، وهو بعيد عن سياق
الحديث .
وقوله: (وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه) وهو أن يبسطهما على الأرض
ولا يرفعهما عنها، وذلك عند السجود، وقيد الرجل لإخراج المرأة؛ فإنها تفرشهما
ولا ترفعهما.
وقوله: (وكان يختم الصلاة بالتسليم) وهو فرض عند الشافعي - رحمه الله -
بقوله وَديق: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)، وواجب عندنا لقوله وَّر لابن مسعود ظه
بعد تعليمه التشهد: (إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك، إن شئت أن تقوم
فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد)، والتخيير ينافي الفرضية والوجوب، إلا أنا أثبتنا الوجوب
بما رواه احتياطاً، وبمثله لا تثبت الفرضية؛ لأنها تستدعي دليلاً قطعياً، وقوله وتلقى :
(وتحليلها التسلیم) لیس بقطعي مع کونه معارضاً بحديث ابن مسعود.
٧٩٢ - [٣] (أبو حميد الساعدي) قوله: (في نفر) بفتحتين، من الثلاثة إلى
(١) (شرح صحيح مسلم)) للنووي (٢ / ٤٥٢، ٤٥٤).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٢/ ٢٨٥).
(٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٦٣٧).

٥٤٠
(١٠) باب صفة الصلاة
وَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَيْهِ، ...
عشرة، كذا في (الصحاح) (١)، وقال في (القاموس) (٢): ما دون العشرة من الرجال،
وقال البيضاوي(٣): ما بين الثلاثة والعشرة، ويجيء في الفصل الثاني: (قال في عشرة
من أصحاب رسول الله (َ﴿)، فإن كان النفر شاملاً للعشرة فلا إشكال، وإلا يجوز أن
يكون المراد به جماعة مجازاً، أو عدَّ نفسه تارةً ولم يعدها أخرى، والله أعلم.
وقوله: (جعل يديه حذاء منكبيه) وهذا مذهب الشافعي ومالك ورواية عن أحمد
- رحمهم الله -، وعند أبي حنيفة - رحمه الله - يرفع إلى أذنيه، وهو المروي عن أحمد
في المشهور، وجاء في حديث مسلم وأبي داود عن وائل بن حجر وأنس ﴾: (أنه عَليه
حين دخل في الصلاة كبّر ورفع يديه حذاء منكبيه)، وقد جاء في رواية لأبي داود عن
أبي وائل: (رفع يديه حتى كانتا بحيال منكبيه، وحاذى بإبهاميه أذنيه)، وفي رواية :
(رأيت إبهاميه قريب أذنيه)، وفي رواية للبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي عن
مالك بن الحويرث: (محاذي أذنيه)، وفي رواية: (فروع أذنيه)، قيل في تطبيق هذه
الروايات: إنه يرفع بحيث يكون كفاه حذاء منكبيه، وإبهاماه حذاء أذنيه، وأطراف
أصابعه حذاء فرعي أذنيه، ويحتمل أن يكون كل من ذلك في أوقات مختلفة، والله
أعلم.
وقوله: (أمكن يديه من ركبتيه) أي: وضع كفيه على ركبتيه بقوة، وفيه: تفريج
الأصابع كما أورده الشُّمُنِّي من حديث الطبراني عن أنس
(١) ((الصحاح)) (٢ / ٨٣٣).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٥٢).
(٣) ((تفسير البيضاوي)) (٢ / ٥٣٣).