Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
(٤) كتاب الصلاة
الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥٧٠ - [٧] عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((خَمْسُ
صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللهُ تَعَالَى، مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وَصَلاَّهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ، وَأَتَمَّ
رُكُوعَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ،
والوجه الأول أخفى الوجوه لا يكاد يفهم المقصود منه، ولا يستقر الذهن في
فهمه، وحاصله: أن الصلاة كانت حاجزة من وصوله إلى الكفر کالجدار بین الرجلین،
فلما تركت ارتفع الحاجز فوصل إليه، فافهم. والوجه الثاني فيه من الظهور ما يقربه إلى
الفهم، وأما الثالث فأظهر في المقصود وإن كان خلاف المتبادر من اللفظ.
ويمكن أن يكون المراد بالعبد المؤمن وبالكفر الكافر، والمعنى: أن الفارق بين
المؤمن والكافر ترك الصلاة، وهو صحيح لوجوده في الكافر دون المؤمن، فإن من حق
ما به الفرق أن يوجد في أحد الطرفين دون الآخر، فالصلاة أيضا فارقة بينهما بوجودها
في المؤمن دون الكافر، فكذا ترك الصلاة فارق لوجوده في الكافر دون المؤمن، وهذا
معنّى صحيح واضح، غير ما فيه من التكلف في إرادة المؤمن والكافر من العبد والكفر
وإرادة الإسلام والكفر منهما، والله أعلم.
وعلى كل تقدير هذا تغليظ وتشديد على ترك الصلاة؛ فإن المؤمن لا يكفر بترك
الصلاة عندنا ما لم يستحلّ أو يستخفّ، وقد يروى عن بعض الصحابة ما ظاهره التكفير،
وذهب بعضهم إلى قتل تاركها وهو مذهب الشافعي ومالك - رحمهما الله - وإن كان
مؤمناً، وعند الحنفية يسجن ويضرب حتى يصلي.
الفصل الثاني
٥٧٠ - [٧] (عبادة بن الصامت) قوله: (وأتم ركوعهن وخشوعهن) يحتمل أن
يراد بالخشوع السجود، ووجه تخصيص الركوع والسجود بالذكر لزيادة الاهتمام بهما

٣٢٢
(٤) كتاب الصلاة
كَانَ لَهُ عَلَى اللهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللهِ عَهْدٌ، إِنْ
شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ
نَحْوَهُ. [حم: ٥/ ٣١٧، د: ٤٢٥، ط: ٢٦٨، ن: ٤٦١].
وتهاون الناس فيهما غالباً.
وقوله: (كان له على الله عهد) أي: کان [على] الله تعالی له وعد، عبّر به عن
ثبوت الوعد للعبد عليه تعالى لعدم خُلفه، قال التُّورِبِشْتِي(١): العهد: حفظ الشيء
ومراعاته حالاً بعد حال، ومنه سمي الموثق الذي يلزم العبادَ مراعاتُه عهداً، وعهد الله
ما أوصاهم بحفظه فلا يسعهم إضاعته، ثم سمي ما كان من الله تعالى على طريق المجازاة
لعباده عهداً على نهج الاتّساع؛ لأنه وجد في مقابلة عهده على العباد؛ لأن الله تعالى
وعد القائمين بحفظ عهدهم أن لا يعذبهم، وهو بإنجاز وعده ضمين، فسمي وعده
عهداً؛ لأنه أو ثق من كل عهد.
وفي (مجمع البحار)(٢): العهد يكون بمعنى اليمين والأمان والذمة والحفاظ
ورعاية الحرمة والوصية، وقال: ولا تخرج الأحاديث عن أحدها، وزاد في (القاموس)(٣):
المَوْثِقُ والالتقاء والمعرفة، ومنه: عهدي بموضع كذا، والزمان والوفاء وتوحيد الله
تعالى، ومنه: ﴿إِلََّ مَنِ أَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧]، والضمان.
وفي الحديث دليل على أن تارك الصلاة ليس بكافر، وأن مرتكب الكبيرة لا يجب
تعذيبه وتخليده فيه كما هو مذهب أهل السنة.
(١) (كتاب الميسر)) (١ / ١٨٧).
(٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (٣/ ٧١١).
(٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٨٩).

٣٢٣
(٤) كتاب الصلاة
٥٧١ - [٨] وَعَنْ أَبِ أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((صَلُّوا خَمْسَكُمْ،
وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ
رَبِّكُمْ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٢٥١/٥، ٢٦٢، ت: ٦١٦].
٥٧٢ - [٩] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ
عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ،
وَكَذَا رَوَاهُ فِي ((شرح السّنة)) عَنْهُ. [د: ٤٩٥، شرح السنة: ١ / ١٣١].
٥٧٣ - [١٠] وَفِي ((المصابيح)) عَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبٍَ .
٥٧١ - [٨] (أبو أمامة) قوله: (صلوا خمسكم) الحديث، ولعل الحج لم يفرض
إذ ذاك، والإضافة للتنبیه علی کمال اختصاصهم بطاعة ربهم کاختصاصهم به سبحانه.
٥٧٢ - [٩] (عمرو بن شعيب) قوله: (مروا أولادكم بالصلاة) وفي رواية:
(صبيانكم)، ومُرْ أمرٌ من تَأْمُر حذفت همزته في الابتداء تخفيفاً، كما في خذ وسل،
وتثبت في الوصل، وفي سل قد يثبت في الابتداء أيضا.
وقوله: (وهم) فيه تغليب الذكور على الإناث، وتعيين السبع؛ لأنه أول وقت
تحدث فيه القوة في بدن الآدمي، وفي كل سبع يحدث من القوة ما ليس قبله كما ذكر
في موضعه، وبعد تمام السبع الثاني يحصل البلوغ، والعشر أول العقود فيتأكد الأمر
حتى يصل إلى الضرب، وتحدث فيه قوة قريبة من حد البلوغ ولذا يفرق في المضاجع،
والمراد التفريق بين الأخ والأخت، وفي غيرهما بطريق الأولى.
٥٧٣ - [١٠] (سبرة بن معبد) قوله: (عن سبرة) بفتح السين المهملة وإسكان
الموحدة، (ابن معبد) بفتح اليم وسكون العين، الجهني، له صحبة.

٣٢٤
(٤) كتاب الصلاة
٥٧٤ - [١١] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَ
وَبَيْنَهُمْ الصَّلاَةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ
مَاجَهْ. [حم: ٥ / ٣٤٦، ت: ٢٦٢١، ن: ٤٦٣، جه: ١٧٠٩].
الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٧٥ - [١٢] عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ
صَلى الله
وسيلة
ـة
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي عَالَجْتُ امْرَأَةً ..
٥٧٤ - [١١] (بريدة) قوله: (بيننا وبينهم) الضمير للمنافقين(١)، والمراد بقوله:
(قد كفر) ظهور كفره وإجراء حكم الكفر عليهم، أو لجميع أمة الإجابة وهو الأوفق
بقوله: (قد كفر).
الفصل الثالث
٥٧٥ _ [١٢] (عبدالله بن مسعود) قوله: (إني عالجت امرأة) في (القاموس)(٢):
(١) قال القاري: قَالَ الْقَاضِي: الضَّمِيرُ الْغَائِبُ لِلْمُنَافِقِينَ، شَبَّهَ الْمُوجِبَ لإِنْقَائِهِمْ وَحَقْنِ دِمَائِهِمْ
بِالْعَهْدِ الْمُقْتَضِيِ لإِبِقَاءِ الْمُعَاهَدِ وَالْكَفِّ عَنْهُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْعُمْدَةَ فِي إِجْرَاءِ أَحْكَامِ الإِسْلاَمِ
عَلَيْهِمْ تَشَبُّهُهُمْ بِالْمُسْلِمِينَ فِي حُضُورٍ صَلَتِهِمْ وَلُزُومٍ جَمَاعَتِهِمْ، وَانْقِيَادُهُمْ لِلأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ،
فَإِذَا تَرَكُوا ذَلِكَ كَانُوا هُمْ وَالْكُفَّارُ سَوَاءٌ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ
وَالسَّلاَمُ لَمَّا اسْتُؤْذِنَ فِي قَتْلِ الْمُنَافِقِينَ: (أَلَ أَنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِينَ) (فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ):
أَيْ: أَظْهَرَ الْكُفْرَ، وَعَمِلَ عَمَلَ أَهْلِ الْكُفْرِ، فَإِنَّ الْمُنَافِقَ نِفَاقاً اعْتِقَادِيَّ كَافِرٌ، فَلاَ يُقَالُ فِي حَقِّهِ:
كَفَرَ، قِيلَ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الْغَائِبِينَ عَامَّا فِيمَنْ بَايَعَ رَسُولَ اللهِلَّهِ، سَوَاءٌ كَانَ مُنَافِقاً أَوْ
لاَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الأَخِرُ مِنْ هَذَا الْبَابِ حَيْثُ قَالَ لِأَبِيِ الدَّرْدَاءِ: ((لاَ تَتْرُكْ صَلاَةٌ مَكْتُوبَةٌ
مُتَعَمِّداً، فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّداً فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الدِّمَةُ»، فَالْمُرَادُ بِالْمُتَكَلِّمِ فِي بَيْنَا هُوَ الْمُعَظِّمُ نَفْسَهُ،
وَالْكُفْرُ مؤوَّلٌ بِمَا سَبَقَ، ((مرقاة المفاتيح)) (٢/ ٥١٢ -٥١٣).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٩٥).

٣٢٥
(٤) كتاب الصلاة
فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَإِنِّي أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا، فَأَنَ هَذَا، فَاقْضٍ
فِيَّ مَا شِئْتَ. فَقَالَ عُمَرَ: لَقَدْ سَتَرَكَ اللهُ لَوْ سَتَرْتَ عَلَى نَفْسِكَ. قَالَ: وَلَمْ
يَرُدَّ النَّبِيُّ ◌َه عَلَيْهِ شَيْئاً، فَقَامَ الرَّجُلُ فَانْطَلَقَ، فَأَنْبَعَهُ النَّبِيُّ لَهُ رَجُلاً
فَدَعَاهُ، وَثَلاَ عَلَيْهِ هَذِه الْآيَةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَتْلِ إِنَّ
الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السََّاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]. فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ
الْقَوْمِ: يَا نَبِيَّ اللهِ! هَذَا لَهُ خَاصَّة؟ قَالَ: (بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[م: ٢٧٦٣].
٥٧٦ - [١٣] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ: أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهُ خَرَجَ زَمَنَ الشِّتَاءِ وَالْوَرَقُ
يَتَهَافَتُ،
عالجه: زاوله، أي: داعبتها ولاعبتها، وقد جاء في بعض الطرق: أنه قبّلها وغمزها،
وهذه هي قصة أبي اليسر أو غيرها وهو الظاهر؛ لأن السائل هناك كان هو نفسه، وههنا
رجل من القوم، قيل: هو عمر بن الخطاب أو معاذ بن جبل عال﴾، وأيضاً كان الآمر
بستره هناك أبو بكر وههنا عمر لله، والله أعلم.
وقوله: (فأنا هذا) أي: حاضر بين يديك فـ (لم يرد النبي ◌َّ عليه(١)) أي: على
عمر ◌َّه؛ لأن قوله كان حقًّا، ويحتمل أن يكون المراد: لم يردّ على الرجل، أي: لم
يجبه بشيء كما جاء في رواية أخرى: (فسكت).
٥٧٦ - [١٣] (أبو ذر) قوله: (يتهافت) في (القاموس) (٢): التهافت: التساقط
(١) قال القاري: انْتِظَاراً لِقَضَاءِ اللهِ فِيهِ، رَجَاءَ أَنْ يُخَفِّفَ مِنْ عُقُوبَتِه، وفي ((التقرير)): لأنه إذا أجابه
على الفور اجترأ الناس عليه، ووجه انطلاق الرجل ليس الاستغناء ولا الخوف، بل فهم أنه والقر
ينتظر الوحي، فإذا نزل أقيم فيّ. انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (٢ / ٥١٣).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٦٣).

٣٢٦
(٤) كتاب الصلاة
فَأَخَذَ بِغُصْنَيْنِ مِنْ شَجَرَةٍ، قَالَ: فَجَعَلَ ذَلِكَ الْوَرَقُ يَتَهَافَتُ، قَالَ: فَقَالَ:
(يَا أَبَا ذَرِّ) قُلْتُ: لَبَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: ((إِنَّ العَبْدَ الْمُسْلِمَ لِيُصَلِّ الصَّلاَة
يُرِيدُ بِهَا وَجْهَ اللهِ فَتَهَافَتُ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَهَافَتَ هَذَا الْوَرَقُ عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ».
رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١٧٩/٥].
٥٧٧ - [١٤] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ:
((مَنْ صَلَّى سَجْدَتَيْنٍ لاَ يَسْهُو فِيهِمَا غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». رَوَاهُ
أَحْمَدُ. [حم: ٥ / ١٩٤].
٥٧٨ - [١٥] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ أَنَّهُ ذَكَرَ
الصَّلاَةَ.
والتتابع .
وقوله: (فجعل ذلك الورق) جعل من الأفعال الناقصة، أي: طفقت الأوراق
تتهافت، أي: أكثر وأسرع مما كانت تتهافت .
وقوله: (فتهافت) بالرفع أصله: تتهافت.
وقوله: (كما تهافت) على صيغة الماضي باعتبار لفظ (هذا الورق) لكونه اسم
جنس، وقد ضبط بالرفع أيضاً، وفي نسخة: (يتهافت) بالتحتانية.
٥٧٧ - [١٤] (زيد بن خالد الجهني) قوله: (من صلی سجدتین) أي: ركعتين،
وقد غلب التعبير بالركعة والسجدة عن الصلاة، والأول أغلب؛ لأن الركوع أولُ أفعالٍ
يختص بالصلاة ويمتاز بها .
وقوله: (لا يسهو فيهما) أي: يكون حاضر القلب مع الله سبحانه.
٥٧٨ - [١٥] (عبد الله بن عمرو بن العاص) قوله: (ذكر الصلاة) أي: فضَّلها

٣٢٧
(٤) كتاب الصلاة
يَوْماً فَقَالَ: ((مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُوراً وَبُرْهَاناً وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمنْ
لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نُوراً وَلاَ بُرْهَاناً وَلاَ نَجَاةً، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ
قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَّيِّ بْنِ خَلَفٍ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَّهَِيُّ فِي
((شُعَبِ الإِيمَانِ)). [حم: ٢ / ١٦٩، دي: ٢ / ٣٠١، هب: ٣/ ٤٦].
٥٧٩ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ وَه
لاَ يَرَوْنَ شَيْئاً مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلاَةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٢٤].
٥٨٠ - [١٧] وَعَنْ أَبِيِ الذَّرْدَاءِ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي أَنْ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ
شَيْئاً.
وشرّفها، والمراد بالمحافظة عليها: إدامتها ورعاية أفعالها؛ فرائضِها وواجباتها وسننها
وآدابها .
وقوله: (وبرهاناً) أي: حجة واضحة على إيمانه.
وقوله: (مع قارون وفرعون .. .إلخ) كناية عن دخوله النار، أي: کان معهم،
وإن اختلفت المحالُّ وكيفية العذاب، كذا في شرح الشيخ، وفيه تغليظ شدید، وقيل
في وجه تقدیم قارون على فرعون: لأنه کان یغوي الناس مع قطعه رحم موسی تائ﴾.
(أبي بن خلف) بفتح اللام اللعين المقتول بيده وَّ﴿ يوم أحد، أشقى الناس؛ لأن
قتله كان حقًّا بلا شبهة، وقد كان واعده ◌َ له بذلك، وكان لا يخرج إلى المحاربة لجزمه
بقتله، ولكنه خرج خوفاً من تعيير الناس إياه.
٥٧٩ - [١٦] (عبدالله بن شقيق) قوله: (لا يرون) من الرأي و(شيئاً) مفعوله
الأول و(تركه كفر) الجملة مفعول ثان، و(غير) بمعنى إلا، فتدبر.
٥٨٠ _ [١٧] (أبو الدرداء) قوله: (أوصاني خليلي) الخلة: الصداقة المختصة

٣٢٨
(١) باب المواقيت
وَإِنْ قُطّعْتَ وَحُرِّقْتَ، وَلاَ تَتَّرُكْ صَلاَةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّداً، فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّداً
فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ، وَلاَ تَشْرَبِ الْخَمْرَ فَإِنَّهَا مِفْتَحُ كُلِّ شَرِّ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
[جه: ٢٤١٤].
١ - باب المواقيت
الخالصة الكاملة، قيل: هو أعلى من الحب كأنه دخل في خلال القلب.
وقوله: (وإن قطعت) بالتشديد والتخفيف، والأول أشهر وأظهر وأبلغ، (وحرقت)
صِّح بالتشديد لا غير.
وقوله: (فقد برئت منه الذمة) أي: ذمة الله، والذمة بالكسر: العهد والكفالة.
١ - باب المواقيت
أي: بيان أوقات الصلاة، جمع ميقات، والوقت: الزمان المفروض لأمر، وهو
أخص من المدة؛ لأنه مطلق امتداد حركة الفلك من المبدأ إلى المنتهى، والزمان أخص
من المدة؛ لأنه الامتداد المقسوم، والوقت سبب لوجوب الصلاة، وفي الحقيقة السبب
هو خطاب الله كما بيِّن في أصول الفقه، والحكمة في تعيين الأوقات الخمس، أما في
الفجر فلأنه لما كان في الليل نائماً غافلاً عن شكر نعم الله من السكون والأمن والعافية،
وكان معطّلاً من تحصيل أسباب معاشه في حكم الميت، أوجب الله سبحانه الصلاة
بظهور النهار الذي هو سبب لتحصيل أسباب المعيشة، وشكراً عليه لما أحياه الله بوجود
النهار، وتلافياً لما مضى من التقصيرات، ثم لِمَا حصل في النهار من تحصيل الأسباب
وابتغاء فضل الله وحصول الرزق من المطاعم والمشارب وغيرهما فَرضَ صلاة الظهر

٣٢٩
(٤) كتاب الصلاة
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٨١ - [١] عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((وَقْتُ
الظَّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ،
وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ،
أداءَ لشكر هذه النعم، ثم لمَّا كان من عادة البشر النوم والاستراحة في نصف النهار
وجب صلاة العصر تلافياً للتقصير والغفلة عن ذكر الله في ذلك الوقت مع توارد النعم
في كل آن، والعادة جارية بحضور الأسواق بعد العصر والبيع والشراء وحصول الغفلة
فيها مع تمام نعم النهار فَرَض صلاة المغرب، ثم فرض صلاة العشاء إتماماً للشكر
وتحسيناً للخاتمة كالموت على الإيمان والطاعة، والله أعلم.
الفصل الأول
٥٨١ _ [١] (عبدالله بن عمرو) قوله: (وقت الظهر) مشتقٌّ من الظهور لأنها
ظاهرة وسط النهار، وتسمى الهجيرة لفعلها في وقت الهاجرة أو قريباً منها، وإنما ابتدأ
بالظهر؛ لأنه أول صلاة أديت بالجماعة، ولما جاء جبرئيل عَ رسولَ الله تَّ لتعليم
أوقات الصلاة صلى معه صلاة الظهر أولاً، وبهذا الاعتبار يقال لها: الأولى.
وقوله: (إذا زالت الشمس) وزوال الشمس: ميلها عن كبد السماء إلى جهة
المغرب، ويعرف ذلك بظل الشمس، فما دام يتناقص فالشمس لم تَزُلْ فإذا وقف نقصُه
فهو استواء، فإذا زاد الظل أدنى زيادةٍ فهو الزوال، والظلُّ الذي يكون في هذا الوقت
یسمی فيء الزوال.
وقوله: (وكان ظل الرجل كطوله) أي: صار ظل الشيء مثله سوى فيء الظل.
وقوله: (ما لم يحضر العصر) اعلم أنه لا خلاف في أن أول وقت الظهر هو وقت

٣٣٠
(١) باب المواقيت
الزوال، وأما آخر وقته فقد دل حديث إمامة جبرئيل عليه أنه وقت بلوغ ظل الشيء مثله،
حيث قال: (فلما كان الغد صلى بي الظهر حين كان ظله مثله).
والظاهر منه أنه ابتدأ فيه من هذا الحين وهو أول وقت العصر، وأن يكون ابتداؤه
أيضاً منه حيث قال: (صلى بي العصر) يعني: في اليوم الأول (حين صار ظلُّ كل شيء
مثله)، فيكون هذا الوقت مشتركاً بين الظهر والعصر، ولهذا ذهب مالك رحمه الله: إذا
صار [ظلُّ] كل شيء مثله كان بقدر أربع ركعات من ذلك الوقت مشتركاً بينهما، فأولَه
الشافعي رحمه الله بأن المراد أنه أتم صلاة الظهر في هذا الحين، وابتدأ بصلاة العصر
فيه فلا اشتراك، بل يكون منتهى الظهر مبتدأ العصر؛ لأن ظاهر لفظ الحديث أنه صلاهما
في حين بلوغ الظل، ولا يمكن ذلك لأنه آنٌ لا يسع الصلاة فلا بد من تأويل، إما بأن
يعتبر الابتداء لهما منه ونقول بالاشتراك، أو بأن نعتبره منتهّى للظهر ومبتدأً للعصر كما
قلنا وهو أولى؛ لأن الاشتراك خلاف الوضع، ولأنه وقع في الحديث: (ما لم يحضر
العصر) أي: يدخل وقتها، وهو صريح في عدم الاشتراك بين الوقتين، والتأويل الآخر
أن يراد بقوله في اليوم الأول: (صلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله) بعد ظل
الزوال، وبقوله في اليوم الثاني: (صلى بي الظهر حين كان ظله مثله) مع ظل الزوال،
فلا يكونان في وقت واحد؛ إذ يكون آخر وقت الظهر حينئذ أسبق من أول وقت العصر،
ولا يخفى بعده، فتأمل.
ثم اعلم أنه يتعين أن المراد بقوله في اليوم الأول: (صلى بي العصر حين صار
ظل كل شيء مثله) أنه ابتدأه منه، فإن كان المراد بقوله في اليوم الثاني: (صلى بي العصر
حين كان ظله مثليه) أنه أتمه، وفيه يلزم أن يكون وقت العصر ما بين مثله ومثليه، ويكون
ما بعد مثليه خارجاً عن وقت العصر، وإن كان المراد أنه ابتدأ منه كان ما بقي بعد إتمام

٣٣١
(٤) كتاب الصلاة
الصلاة من الزمان مهملاً، والظاهر أن المراد هو الثاني، ولكنه لم يذكر منتهى وقت
العصر في حديث إمامة جبرئيل وهو وقت اصفرار الشمس للاختيار وغروبها للجواز،
ويثبت ذلك بهذا الحديث المذكور في الفصل الأول.
هذا وقد ذهب أئمة مذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى الاحتمالين المذكورين،
فكثير منهم ذهبوا إلى الاحتمال الأول متمسكاً بظاهر حديث جبرئيل عليه، فقالوا: إذا
صار ظل كل شيء مثله فهو آخر وقت الظهر، فإذا زاد شيء وجبت صلاة العصر، فإذا
صار ظل كل شيء مثليه خرج وقت العصر، أي: وقت الاختيار؛ لأنه هو المراد كما
في تحديد آخر وقت العشاء أيضاً إلى نصف الليل أو ثلثه؛ لأنه قد ثبت الجواز في العصر
إلى الغروب بحديث أبي هريرة الآتي في الفصل الأول من باب تعجيل الصلاة: (من
أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس)، وفي العشاء إلى طلوع الفجر بعموم
قوله وَليلى: (إنما التفريط [في اليقظة] أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت الأخرى(١)) وإن
خص منه في الفجر، وأيضاً أجمعوا على [أن] الحائض إذا طهرت قبل طلوع الفجر
يجب عليها قضاء العشاء، فدل على أن وقت العشاء إلى طلوع الفجر.
وبعضهم ذهبوا - وهي الرواية المشهورة في مذهبه - إلى أن آخر وقت الاختيار
اصفرار الشمس متمسكين بحديث مسلم المذكور في هذا الفصل، وقالوا: هذا قول
يتضمن زيادة فيقدم، وبحديث أحمد وأبي داود ومسلم والنسائي عن أبي موسى
الأشعري به أنه قال(٢): (أتى النبيَّ ◌َليه سائل سأله عن مواقيت الصلاة ... ) الحديث
(١) أخرجه أبو داود (٤٤١).
(٢) ((مسند أحمد)) (٤ / ٤١٦)، و((سنن أبي داود)) (٣٩٥)، و((صحيح مسلم)) (٦١٤)، و((سنن النسائي))
(٥٢٣).

٣٣٢
(١) باب المواقيت
إلى أن قال: (ثم أخر العصر) يعني: في اليوم الثاني (فانصرف منها، والقائل يقول:
احمرت الشمس)، وحديث أبي موسى أيضاً متضمنٌ لزيادةٍ ومتأخرٌ، إذ حديث جبرئيل
كان بمكة وهذا بالمدينة، كذا في (شرح كتاب الخرقي)(١) في مذهب أحمد.
ثم اعلم أن هذا - أعني كون آخر وقت الظهر حين بلوغ الظل مثله - مذهب الأئمة
الثلاثة وأبي يوسف ومحمد وزفر، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمة الله عليهم
أجمعين، وفي بعض حواشي (الهداية) وعليه الفتوى، وظاهر مذهب أبي حنيفة: أنه
إلى بلوغ الظل مثليه، وقد قال بعض مشايخ الحنفية: إن الاحتياط أن لا يؤخر الظهر
عن مثله، ولا يصلى العصر حتى يكون مثليه، حتى تكون الصلاتان في وقتيهما بالإجماع.
وجاء في رواية أسد بن عمرو أنه إذا صار ظل كل شيء مثله خرج وقت الظهر
ولا يدخل وقت العصر حتى يصير مثليه، فبين الصلاتين وقت مهمل ليس وقت أحد
منهما كما بين الفجر والظهر، وذكر في (الهداية)(٢) دليلاً لأبي حينفة رحمه الله قوله تعالي:
(أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم)، وأشد الحر في ديارهم في هذا الوقت،
يعني: إذا صار ظل كل شيء مثله، وإذا تعارضت الآثار لا ينقضي الوقت بالشك.
ويَرِدُ على ظاهره أن هذا يدل على أن لا يكون آخر وقت الظهر عند بلوغ الظل
مثل الشيء، وأما كون آخره بلوغ الظل مثليه فلا، إلا أن يقال: إنه قد انحصر الوقت في
هذين القسمين ولا قائل بالفصل، فلما لم يكن المثلَ كان المثلين.
وقال الشيخ ابن الهمام(٣): الظاهر اعتبار کل حدیث روي مخالفاً لحديث جبرئيل
(١) انظر: ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (١ / ١٨٤).
(٢) ((الهداية)) (١ / ٤٠).
(٣) ((فتح القدير)) (١ / ٢٢٠).

٣٣٣
(٤) كتاب الصلاة
ناسخاً لِمَا خالفه فيه؛ لتحقق تقدم إمامة جبرئيل على كل حديث روي في الأوقات؛ لأنه
أول ما علَّمه إياها. بقي أن يقال: هذا البحث إنما يفيد عدم خروج وقت الظهر ودخولَ
وقت العصر بصيرورة الظل مثلاً [غير فيء الزوال]، ونفيُ خروج الظهر بصيرورته مثلاً
لا يقتضي أن أول وقت العصر إذا صار مثلين حتى إن ما قبله وقتُ الظهر وهو المذَّعَى
فلا بدّ له من دليل، وغاية ما ظهر أن يقال: ثبت بقاء وقت الظهر عند صيرورته مثلاً
ناسخاً لإمامة جبرئيل عا فيه في العصر بحديث الإبراد، وإمامتُه في اليوم الثاني عند
صيرورته مثلين يفيد أنه وقته، ولم يُنسخ هذا، فيستمر على ما علم ثبوته من بقاء وقت
الظهر إلى أن يدخل هذا الوقت المعلوم كونه وقتاً للعصر.
واحتج على المذهب المشهور لأبي حنيفة رحمه الله بحديث (صحيح البخاري)
ونحوه في (صحيح مسلم) أن عبدالله بن عمر ﴿﴾ قال(١): سمعت رسول الله صل* يقول:
(إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي
أهل التوراة التوراةَ فعملوا، حتى إذا انتصف النهار عجزوا، فأعطوا قيراطاً قيراطاً، ثم
أوتي أهل الإنجيل الإنجيلَ فعملوا، إلى صلاة العصر، ثم عجزوا، فأعطوا قيراطاً قيراطاً،
ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتابين:
أَيْ ربَّنا! أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطاً قيراطاً، ونحن كنا أکثر عملاً،
قال الله تعالى: هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي [أوتيه من
أشاء]).
وإنما يصح هذا إذا كان وقت العصر عند بلوغ ظل كل شيء مثليه ليكون أقصر
(١) ((صحيح البخاري)) (٥٥٧)، ولم أجده في ((صحيح مسلم))، وأخرجه الترمذي في ((سننه))
(٢٨٧١).

٣٣٤
(١) باب المواقيت
وَوَقْتُ صَلاَةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ،
من الظهر إلى العصر، هذا وعلى تقدير كونه معتبراً من بلوغ الظل إلى مثله يكون مساوياً
الوقت الظهر، وقد تكلف شراح البخاري في الجواب عن ذلك فلينظر ثمة.
وقد يستدل بالدلائل العقلية وهي في الحقيقة لترجيح العمل بالحديث الذي دل
على كون وقت العصر حين بلوغ ظل الشيء مثليه، وهي أن حاجة الظهر إلى توسيع
الوقت أكثر؛ لأن قبلها أربع موقتة وبعدها ركعتان، وليس ما بعد صلاة العصر ولا قبلها
سنة موقتة، ولهذا كان العشاء أمدًّ من وقت المغرب لأن العشاء أربع وبعدها الوتر.
وقال العبد الضعيف سامحه الله: إن قول الله سبحانه: ﴿وَسَيِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ قَبْلَ
طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا﴾ [طه: ١٣٠] قد يشير إلى كون وقت العصر مثل وقت الفجر، وإنما
يكونان مثلين على مذهبنا، والله أعلم.
وقوله: (ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق) اختلفوا في الشفق، فعند
مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله: هو الحمرة، وعند أبي حنيفة وأحمد
والمزني رحمهم الله وطائفة من الفقهاء: هو البياض الذي يعقب الحمرة، ويروى عن
أبي حنيفة رحمه الله أنه الحمرة، قال الشُّمُنِّي: وبه يفتى، وعليه جمهور الفقهاء وأهل
اللغة، ومنهم الأصمعي والخليل بن أحمد، ويستدل على ذلك بحديث مسلم عن ابن
عمر لها أن النبي وَّم قال(١): (وقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق)، وهو بالمثلثة:
حمرة الشفق النائرة فيه، كذا في (القاموس)(٢)، ورواه أبو داود: (فور الشفق) بالفاء،
وهو فورانه وسطوعه، وثوره: ثوران حمرته، وقد ورد صريحاً قال: قال رسول الله الآتي :
(الشفق الحمرة فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة)، رواه الدارقطني، كذا في (شرح كتاب
(١) ((صحيح مسلم)) (٦١٢).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٣٧).

٣٣٥
(٤) كتاب الصلاة
الخرقي)(١)، وقال أيضاً: وهو قول أكثر الصحابة، وحكى بعضهم الإجماع عليه في
قوله تعالى: ﴿فَلَآَ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ [الانشقاق: ١٦]، وذكر الشُّمُنِّي عن البيهقي أنه قال: روي
هذا عن عمر وعلي وابن عباس وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس وأبي هريرة بته،
يعني: موقوفاً عليهم، ولا يصح عن النبي ◌َّر فيه شيء.
وقد يستدل على ذلك بأن الغوارب ثلاث: الشمس والشفقان الحمرة والبياض،
كالطوالع التي هي من آثار الشمس ثلاث: الفجران والشمس، ثم ما تعلق بالطوالع من
خروج الوقت ودخوله تعلق بأوساط الطوالع وهو الفجر الصادق، فما تعلق وجوبه
بالغوارب من دخول الوقت وخروجه، وجب أن يتعلق بأوساطه، وأوسطُ الغوارب
الحمرةُ.
ومما يستدل على أنه البياض ما روي عن النعمان بن بشير قال: أنا أعلم الناس
بوقت هذه الصلاة - يعني العشاء - كان رسول الله وَيقيم يصليها بسقوط القمر لثالثة، رواه
أحمد والنسائي والترمذي، وقد حكي إطلاقه على البياض عن المبرد وأحمد بن
یحیی .
وقال في (النهاية): احتج أبو حنيفة رحمه الله على أنه البياض بظاهر قوله
تعالى: ﴿ أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اَلَيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، جاء في التفسير عن ابن
عباس ﴾ أن الدلوك هو غروب الشمس، فالله تعالی مد وقت المغرب إلی غسق الليل،
والغسق عبارة عن اجتماع الظلمة، والظلمة لا تجتمع إلا بعد ذهاب البياض، انتهى.
ولا يذهب عليك أنه قد اختلف في تفسير دلوك الشمس؛ فقيل: هو الغروب
(١) انظر: ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (١ / ١٨٧)، و((سنن الدار قطني)) (١ / ٢٦٩).

٣٣٦
(١) باب المواقيت
وهو قول ابن عباس رضي﴾، وقيل: هو الزوال، واستدلال أبي حنيفة رحمه الله إنما هو
بقول ابن عباس ويكفي به حجة، وليس الاستدلال بالآية حتى يقال: إنها محتملة،
والمحتمِل لا يصح حجة، فافهم.
وفي رواية عن أحمد أن الشفق في السفر الحمرة، وفي الحضر البياض، جمعاً
بين الأحاديث على اختلاف حالين نظراً إلى أن في الحضر قد تنزل الحمرة فتواريها
الجدر فيُظن أنها قد غابت، فإذا غاب البياض فقد تيقن، فالشفق عنده هو الحمرة،
ولكنه اعتبر غيبة البياض لدلالته على مغيب الحمرة، والله أعلم.
وبالجملة اعتبار قول الأئمة أحوط في حق المغرب، وفي حق العشاء الأحوط
قول أبي حنيفة رحمه الله ليقعا في الوقت بيقين، ثم هذا الحديث حجة على الشافعي
رحمه الله في قوله الجديد بأن وقت المغرب قدر وضوء وستر [عورة] وأذان وإقامة
وخمس ركعات، والاعتبار في جميع ذلك بالوسط المعتدل، وقال الرافعي من أئمة
الشافعي: ويحتمل أيضا أكل لقم يكسر بها شدة الجوع، فإذا مضى هذا القدر انقضى
الوقت؛ لأن جبرئيل * صلاها في اليومين في وقت واحد، ولو كان لها وقتان لبين
كما في سائر الصلوات، وأما في قوله القديم فيمتد وقتها إلى غيبوبة الشفق.
قال النووي(١): الأحاديث الصحيحة مصرحة بالقديم وهو الصواب، وقال: ومن
اختاره من أصحابنا ابن جرير والخطابي والبيهقي والغزالي في (الإحياء)(٢) والبغوي في
(التهذيب) وغيرهم، وعلى الجديد لو شرع في المغرب في وقتها المضبوط جاز له
(١) انظر: ((شرح النووي)) (٥/ ١١١).
(٢) («إحياء العلوم)) (١ / ٣٧٩).

٣٣٧
(٤) كتاب الصلاة
وَوَقْتُ صَلاَةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الأَوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلاَةِ الصُّبْحِ مِنْ
طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ،.
مدها إلى غروب الشفق على الصحيح وإن لم يجز تأخير غيرها من الصلوات إلى
خروج بعضها عن الوقت، لما روي أنه ﴿ قرأ الأعراف في المغرب، كذا في شرح
(الحاوي)(١) .
وقوله: (ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط) قيل: (الأوسط) صفة
(الليل) أي: ليل متوسط لا طويل ولا قصير، فنصف الليل الأوسط يكون بالنسبة إلى ليل
قصير أكثر من نصفه وبالنسبة إلى ليل طويل أقل من نصفه، وقيل: هو صفة للنصف،
أي: نصف عدل من الليل من غير زيادة ونقصان عموماً، أي من كل ليلة نصفها، وبه
قطع الفقهاء قاطبة، والقول الأول يقتضي التأخير إلى ست ساعات في أقصر الليالي
وهي ثلثا الليل، وإلى ست ساعات في أطول الليالي وهي ثلث الليل، والعكس أحرى
وأليق، كذا في بعض الشروح، وفيه مسامحة، فتدبر.
ثم يجيء في الحديث الآتي التأخير إلى ثلث الليل وكلاهما وقت الاختيار، ووقت
الجواز يمتد إلى طلوع الفجر كما عرفت، وعندنا الثلث وقت الاختيار والنصف وقت
الجواز بلا كراهة، وإلى طلوع الفجر مع كراهة.
وقيل: النصف وقت الجواز بكراهة من غير إثم وبعده مع الإثم.
وقوله: (ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس) ظاهره يدل
على أن جميع وقتها وقت اختيار، وقيل: وقت الاختيار إلى الإسفار، ووقت الضرورة
والجواز إلى طلوع الشمس.
(١) انظر: ((الحاوي)) (٢/ ٣٠).

٣٣٨
(١) باب المواقيت
فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأَمْسِكْ عَنِ الصَّلاَةِ فَإِنَّهَا تَطْلُحُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ)).
رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦١٢].
٥٨٢ - [٢] وَعَنِ بُرَيْدَة قَالَ: إِنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللهِهِ عَنْ وَقْتِ
الصَّلاَةِ فَقَالَ لَهُ: ((صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنٍ)) يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ، فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ
بِلاَلاَ فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَقَامَ الظُّهْرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ
بَيْضَاءُ نِقِيَّةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ،
وقوله: (بين قرني الشيطان) قد ذكر في معنى قرني الشيطان وجوه أقربها وأصوبها
الذي يوافق الأحاديث الأخر الواردة في هذا الباب: أن المراد بقرنيه ناحيتا رأسه فإنه
ينتصب قائماً في وجه الشمس ويدني رأسه إليها في وقت الطلوع والغروب، فيكون في
مقابلة من يعبد الشمس فينقلب سجود الكفار للشمس عبادة له، ويخيِّل لنفسه ولأعوانه
أنهم يسجدون له، فنهى النبي ◌َّ أمته عن الصلاة في هذين الوقتين؛ لكون صلاة من
عَبَدَ الله في غير وقت عبادة من يعبد الشيطان، وقد جاء في الحديث أن الشيطان يقارن
الشمس إذا طلعت فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا
غربت قارنها، ثم إنه قد روي: (بين قرني شيطان) بالتنكير أيضاً، فالتعريفُ محمول
على أن الشيطان ينتصب نفسه، والتنكير على أنه يولِّي كل شيطان من أعوانه على حسب
اختلاف المطالع في البلدان.
٥٨٢ - [٢] (عن بريدة) قوله: (أمر بلالاً فأذن) أي: أمره بالتأذين فأذن، ومثل
هذه العبارة كثير في الأحاديث يكون المأمور به ما بعد الفاء، وقد نبهنا على ذلك في غير
موضع.
وقوله: (والشمس مرتفعة بيضاء نقية) أي: لم تختلطها صفرة، وليس في هذا
الحديث تعيين مثله ولا مثليه لأول وقت العصر وآخره، ولا شك أن بياض الشمس

٣٣٩
(٤) كتاب الصلاة
ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ
الْفَجْرُ، فَلَمَّ أَنْ كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي أَمَرَهُ((فَأَبْرِدْ بِالظُّهْرِ) فَأَبْرَةَ بِهَا، فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرِدَ
بِهَا، وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ أَخَّرَهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ
قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَ مَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ،.
يكون بعد المثلين أيضاً، فافهم.
وقوله: (فلما أن كان) أن زائدة تجيء بعد (لما) كثيراً، كقوله تعالى: ﴿وَلَمَّآ أَنْ
جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ [العنكبوت: ٣٣]، وقوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾[يوسف: ٩٦]، و(كان) تامة.
وقوله: (أمره فأبرد) على صيغة الأمر بيان للأمر، أي: أمره بالإبراد فقال: أبرِدْ
بالظهر، ذكره تأكيداً وتصريحاً واهتماماً بذكره، وإلا كان يكفي: فأمره فأبرد بها، بصيغة
الماضي كما هو المتعارف في مثل هذه العبارة.
وقوله: (فأنعم) أي: زاد وبالغ في الإبراد حتى انكسر وهج الحر بالكلية، يقال:
أحسنت وأنعمت، أي: زدت في الإحسان وبالغت، ولا يخفى أن سياق الحديث يقتضي
أن هذا الإبراد كان لأجل التأخير عن أول الوقت تعليماً لآخر الوقت، والاتقاءُ عن شدة
الحر لكونه من فيح جهنم كما سيأتي سببٌ آخر للإبراد، ولعله كان حين سؤال الرجل
صيف، ويأتي شرحه في (باب تعجيل الصلاة)، فافهم.
وقوله: (فوق الذي کان) أي: فوق الوقت الذي وجد في اليوم الأول، أي: زاد
في التأخير، وهذا أيضاً ساكت عن وقوعها حين صيرورة ظل الشيء مثله، والشافعية
يحملونه عليه بقرينة الروايات الآخر.
وقوله: (قبل أن يغيب الشفق) يشير إلى تأخير صلاة المغرب أيضاً في اليوم الثاني،
أي: لم يصلِّ متصلاً بغيبة الشمس كما في اليوم الأول، فلم يدل هذا الحديث على أن

٣٤٠
(١) باب المواقيت
وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا، ثُمَّ قَالَ: ((أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلاَةِ؟))، فَقَالَ
الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: ((وَقْتُ صَلَنَكُمْ بَينَ مَا رَأَيْتُمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
[م: ٦١٣].
للمغرب وقتاً واحداً كما قال الشافعي رحمه الله في الجديد، نعم يعلم من حديث إمامة
جبرئيل أنه صلاها في الیومین في وقت واحد.
وقوله: (فأسفر بها) في (القاموس)(١): سَفَر الصبحُ يَسْفِر: أضاء وأشرق كأسفر.
وفي (الصراح)(٢): سفر إسفار روشن شدن صبح، فمعنى أسفر بها: دخل في
السَّفَر، كما أن معنى أبرد بالظهر دخل في البرد، أي: صلى سفراً.
والظاهر من سياق الحديث أنه ابتدأ في وقت الإسفار فلا يصح تأويله بأنه طوّلها
إلى الإسفار، وسيجيء تمام الكلام فيه في حديث: (أسفروا بالفجر) في آخر الفصل
الثاني من (باب تعجيل الصلاة).
وقوله: (فقال الرجل: أنا) أي: أنا ههنا، أو يقدر في الأول: أين السائل، ومَن
هو؟ ليطابق الجوابُ السؤال.
وقوله: (وقت صلاتكم بين ما رأيتم) المراد: أن أوله ما صلَّيتُ فيه في اليوم
الأول، وآخره ما صليت فيه في اليوم الثاني، فليس الأول والآخر خارجين عن الوقت،
فلا يتوجه أن ظاهر قوله: (وقت صلاتكم بين ما رأيتم) يدل على أن الأول والآخر ليس
وقتاً، على أنه قد وجد البيان في حقهما بالفعل، فإنه يَّ صلى في أول الوقت وآخره،
على أن الأحاديث الأُخر ناطقة بكونهما داخلين في الوقت.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٨٠).
(٢) ((الصراح)) (ص: ١٨٤).