Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
(٣) كتاب الطهارة
٥١٣ - [٢٤] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ وَّل
وَلاَ نَتَوَضَّأُ مِنَ المَوْطِئِ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٤٣].
٥١٤ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَتِ الْكِلاَبُ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي
الْمَسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِوَهِ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ
البُخَارِيُّ. [خ: ١٧٤].
٥١٥ - [٢٦] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((لاَ بَأْسَ بِبَوْلِ
مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ» .
٥١٦ - [٢٧] وَفِي رِوَايَةٍ جَابِرٍ قَالَ:
٥١٣ - [٢٤] (عبدالله بن مسعود) قوله: (ولا نتوضأ) أي: لا نغتسل، فالمراد
الوضوء اللغوي، كذا قال الشيخ ابن حجر، والمراد من الموطئ اليابس كما عرفت.
٥١٤ _ [٢٥] (ابن عمر) قوله: (كانت الكلاب تقبل وتدبر) هذا كان في أول
الإسلام في ابتداء الأمر على الإباحة الأصلية، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها
وجعل الأبواب عليها حتى إنه قد وقع الأمر بقتل الكلاب إلى حين.
وقوله: (فلم يكونوا يرشون) هذا إذا لم تكن الكلاب رطبة ولم تنفصل عنها
نجاسة تقع في المسجد، يعني أنه لم يكونوا يرشون الماء على تلك المواضع لمجرد
إقبال الكلاب وإدبارها .
٥١٥ - ٥١٦ _ [٢٦ - ٢٧] (البراء، وجابر) قوله: (لا بأس ببول ما يؤكل
لحمه) تمسك به من قال بطهارته كمالك وأحمد ومحمد الإصطخري من الشافعية،
وهو عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهم الله نجس نجاسة خفيفة لتعارض الآثار، ولعل
تأويل هذا الحديث عندهما أن المراد لا بأس عظيم، وقد تعارف استعمال هذه الكلمة

٢٤٢
(٩) باب المسح على الخفين
((مَا أُكِلَ لَحْمُهُ فَلاَ بَأُسَ بِبَوْلِهِ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَالدَّارَ قَطْنِىُّ. [قط: ١ / ١٢٨].
٩ - باب المسح على الخفين
فيما إذا كان جانب نقيض الحكم أولى وأحرى.
٩ - باب المسح على الخفين
اعلم أن المسح على الخفين جائز بالسنة، والأخبار فيه مستفيضة حتى قيل:
إن من لم يره حقاً كان مبتدعاً، كذا في (الهداية)(٢)، وقد صرح جمع من الحفاظ بأن
حديث المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته فجاوز الثمانين، منهم العشرة
المبشرة، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أنه روي عن أحد من فقهاء السلف إنكاره، كذا
في (المواهب اللدنية)(٣).
ونقل الشُّمُنِّي عن ابن عبد البر أنه قال: روى المسح على الخفين نحو أربعين
من الصحابة، وروي عن أبي حنيفة ظُ أنه قال: ما قلت بالمسح على الخفين حتى
جاءني فيه آثار مثل ضوء الشمس، وقال أبو يوسف: خبر المسح يجوز به نسخ الكتاب
لشهرته، وقال الكرخي: أخاف الكفر على من لم ير المسح على الخفين، لأن الآثار
التي جاءت به في حيز التواتر، وقال الحسن البصري: أدركت سبعين نفراً من
الصحابة له كلهم يرون المسح على الخفين.
وروى الجماعة من حديث جرير أنه قال: رأيت رسول الله و ﴿ بال ثم توضأ
(١) قال في ((المرعاة)) (٢/ ٤٢٦): ما وجدت الحديث في ((مسنده)) لا في مسند البراء، ولا في مسند
جابر.
(٢) ((الهداية)) (١ / ٣٠).
(٣) ((المواهب اللدنية)) (٤ / ٤٢).

٢٤٣
(٣) كتاب الطهارة
ومسح على خفيه، قال إبراهيم النخعي: كان يعجبهم هذا؛ لأن جريراً كان إسلامه
بعد نزول سورة المائدة، وقال النسائي: وكان أصحاب عبدالله يعجبهم قول جرير: قبل
موت النبي ◌َّه بيسير، وقد أمر رسول الله وَّ المسح على الخفين في غزوة تبوك وهي
آخر غزوة غزاها وهو آخر فعله.
وقال ابن المبارك: ليس في المسح على الخفين عندنا خلاف أنه جائز، وإن
الرجل ليسألني عن المسح فأرتاب به أن يكون صاحب هوى مع أن بعض العلماء تأول
قراءة الجر في قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] على ذلك، وقراءة النصب على
الغسل، لئلا تخلو إحدى القراءتين عن فائدة.
ثم إن المسح على الخفين رخصة، والعزيمة هو الغسل، قال في (الهداية)(١):
من لم ير المسح حقًّا كان مبتدعاً، ولكن من رآه ولم يمسح أخذاً بالعزيمة كان
مأجوراً.
وقال في (المواهب)(٢): قال ابن المنذر: اختلف العلماء أيهما أفضل،
المسح على الخفين أو نزعهما وغسل الرجلين؟ والذي أختاره أن المسح أفضل
لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض، وقال النووي: مذهب
أصحابنا أن الغسل أفضل لكونه الأصل لكن بشرط أن لا يترك المسح.
وقال في (شرح كتاب الخرقي) (٣) في مذهب الإمام أحمد: ولقد بالغ إمامنا
في كتاب السنة كما هو دأبه، فجعل المسح أفضل من الغسل في رواية، وإليها ميل
(١) ((الهداية)) (١ / ٣٠).
(٢) ((المواهب اللدنية)) (٤ / ٤٢).
(٣) ((شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (١ / ١٣٩).

٢٤٤
(٩) باب المسح على الخفين
الشيخين أخذاً بالرخصة ومخالفةً لشعار أهل البدع المانعين من ذلك، وسوّى بينهما
في أخرى لورود الشريعة بهما .
وقال صاحب (سفر السعادة)(١): لم يكن لرسول الله ﴾ تكلف في المسح
ولا في الغسل، فإن كان في حال قصد الوضوء مكشوف الرجلين غسلهما ولم يلبس
الخف للمسح، وإن كانت رجلاه في خفين مسح ولم ينزعهما للغسل، وللعلماء فيهما
أقوال، وأحسن الأقوال ما وافق السنة، والله أعلم.
ثم إنه قد نقل عن مالك إنكار المسح مع أن الروايات الصحيحة عنه مصرحة
بإثباته، وقد أشار الشافعي في (الأم) إلى إنكار ذلك على المالكية، والمعروف عندهم
الآن قولان: الجواز مطلقاً، وثانيهما للمسافر دون المقيم، وهذا الثاني مقتضى ما في
(المدونة)، وبه جزم ابن الحاجب كذا في (المواهب اللدنية)(٢).
وقال محمد في (موطئه)(٣): قال مالك بن أنس: لا يمسح المقيم على الخفين،
وعامة هذه الآثار التي روى مالك في المسح إنما هي في المقيم، ثم قال: لا يمسح
المقيم .
وقال في (فتح الباري)(٤): الروايات الصحيحة عن مالك مصرحة بجوازه مطلقاً،
وقيل: كان توقف مالك في المسح حال الإقامة في خاصة نفسه، وكان فتواه على
الجواز، ومثل هذا يروى عن أبي أيوب الصحابي رضي الله تعالى عنه، انتهى.
(١) انظر: ((سفر السعادة)) (ص: ٢٣).
(٢) ((المواهب اللدنية)) (٤ / ٤٢).
(٣) ((التعليق الممجد)) (١ / ١٠٦).
(٤) ((فتح الباري)) (١ / ٣٠٥).

٢٤٥
(٣) كتاب الطهارة
· الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥١٧ - [١] عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنِ
الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللهِنَّهُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ،
وَيَوْماً وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٦].
٥١٨ - [٢] وَعَنِ الْمُغيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِوَلِ غَزْوَةَ
تَبُّوكَ. قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَتَبَرَّزَ رَسُولُ اللهِ وَ لِ قِبَلَ الْغَائِطِ، فَحَمَلْتُ مَعَهُ إِدَاوَةً
قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَمَّ رَجَعَ أَخَذْتُ أُهَرِيقُ عَلَى بَدَيْهِ مِنَ الإِدَاوَةِ، فَغَسَلَ بَدَيْهِ
وَوَجْهَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوفٍ، ذَهَبَ يَحْسِرُ عَن ذِرَاعَيْهِ فَضَاقَ كُمُّ الْجُبَّةِ،
فَأَخْرَجَ بَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، وَأَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ،
الفصل الأول
٥١٧ - [١] (شريح بن هانئ) قوله: (ثلاثة أيام ولياليهن) أي: ليالي ثلاثة أيام،
وهي قد يكون ليلتين بأن يبتدئ من النهار، أو ثلاث ليال إن كان الابتداء من الليلة،
وأما ليلة ويوم فظاهر.
٥١٨ - [٢] (المغيرة بن شعبة) قوله: (فتبرز) أي: خرج إلى البراز وهو الصحراء
يكنى به عن التغوط، والمراد به معناه الأصلي بقرينة ذكر قوله: (قبل الغائط) أي:
إلى جهته ونحوه، و(الإداوة) بالكسر إناء صغير من جلد، وقد سبق(١) معناه في (باب
الوضوء).
وقوله: (أهريق على يديه) فيه جواز الاستعانة بغيره في الوضوء.
وقوله: (وعليه جبة) وهو الثوب الذي قطع وخيط من صوف، وهي التي وقع
(١) أي تحت حديث (٣٤٢، ٣٦٠) في (باب آداب الخلاء).

٢٤٦
(٩) باب المسح على الخفين
وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ مَسَحَ بِنَصِيَّهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ، ثُمَّ أَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ:
دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ رَكِبَ وَرَكِبْتُ، فَانْتُهَيْنَا
إِلَى الْقَوْمِ، وَقَدْ قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ، وَيُصَلِّي بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ،
وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً، .
في الأحاديث ذكره: وعليه جبة رومية ضيقة الكمين وكان يلبسه في السفر.
وقوله: (ثم مسح بناصيته وعلى العمامة) أي: تكميلاً وتتميماً لسنة المسح، وقد
سبق شرحه في (باب الوضوء)، فتذكر.
وقوله: (ثم أهويت) في (القاموس) (١): هوى الشيء: سقط، كأهوى وانهوى،
وهوت یدي له: امتدت وارتفعت.
وقوله: (أدخلتهما) أي: الرجلين بقرينة السياق، وإرجاعه إلى الخفين تكلف،
قال الطيبي(٢): فيه دليل على أن المسح إنما يجوز إذا لبسهما على كمال الطهارة، وأنه
إذا غسل إحدى رجليه ثم لبس الخف ثم غسل الأخرى فلبس الآخر لا يجوز المسح
عليهما، وذلك أنه جعل طهارة القدمين معاً قبل لبس الخفين شرطاً لجواز المسح
عليهما، والحكم المعلق بشرط لا يصح إلا بوجود شرطه، انتهى. وفيه تأمل .
اعلم أنهم اختلفوا في أنه هل يشترط في جواز المسح كون الخفين ملبوسين
على طهر تام؟ فعند مالك والشافعي وأشهر الروايتين عن أحمد: يشترط الطهر التام
عند اللبس، وعندنا، وفي رواية أخرى لأحمد: إنما يشترط تمام الطهر عند الحدث،
واستدلوا على ذلك بقوله وس ﴿ للمغيرة بن شعبة: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين)،
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٢٣٥).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٢/ ١٢٢).

٢٤٧
(٣) كتاب الطهارة
فأشار الطيبي إلى ذلك.
وقال الشُّمُنِّي: لا دلالة لهم في هذا القول لأن معناه أدخلت كل واحدة منهما
وهي طاهرة كما يقال: دخلنا البلد ركباناً، فإن معناه دخل كل منا وهو راكب لا أن
جميعنا راكب عند دخول كل منا، ولهذا جعل بعض أصحاب أحمد القائلين بعدم
اشتراط كمال الطهارة وقت اللبس هذا القولَ دليلاً عليه، إذ كونهما طاهرتين أعم من
أن يوجد ذلك معاً أو واحدة بعد الأخرى كما ذكر الثُّمُنِّي، وهذا الكلام من الشُّمُنِّي
بعد تسلیم دلالة القول المذکور علی الاشتراط محلُّ منع إذ ليس ذلك نصًّا فیه، فیمکن
أنه ◌َ ﴿ أخبر بما كان حاله في الواقع، ويكون الواقع لبسهما معاً على طهارة كاملة
فمسح، ولا يدل قطعاً على أنه مسح لأجل ذلك حتى لو لم يكن كذلك لما مسح،
ويجوز أن يكون المسح جائزاً في غير هذه الصورة أيضاً وفيها أتم وأكمل، فافهم.
نعم الأحاديث الأخر كحديث أبي بكرة الآتي وحديث صفوان بن عسال كما
ذكر في شرح (كتاب الخرقي)(١) قال: أمرنا رسول الله و ﴿ أن نمسح على الخفين إذا
نحن أدخلناهما على طهر ثلاثاً إذا سافرنا، ويوماً وليلة إذا أقمنا، الحديث، لا كما
ذكر المؤلف، تدل على الاشتراط بحمل الطهارة على الكامل منها للإطلاق، ولأن
ما اشترطت له الطهارة اشترط كمالها كمس المصحف ولكنها ليست نصًّا في الدلالة
على كمالها عند اللبس، بل يجوز أن يكون كمالها عند الحدث كما هو مذهبنا؛ لأن
الخف جعل مانعاً لحلول الحدث بالقدم فيراعى كمال الطهارة وقت المنع، حتى لو
كانت ناقصة عند ذلك كان الخف رافعاً، كذا في (الهداية)(٢)، فتأمل.
(١) (شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (١ / ١٤٠).
(٢) ((الهداية)) (١ / ٣٠).

٢٤٨
(٩) باب المسح على الخفين
فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِّ ◌َّهِ ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ، فَأَدْرَكَ النَّبِيُّ ◌َّهِ إِحْدَى
الرَّكْعَتَيْنِ مَعَهُ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ ◌َهُ وَقُمْتُ مَعَهُ، فَرَكَعْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي
سَبَقَتْنَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٤].
* الْفَصْلُ الثَّانِي:
٥١٩ - [٣] عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ وَهُ: أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلاَثَةَ
أَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمٍ يَوْماً وَلَيْلَةً، إِذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُقَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ
عَلَيْهِمَا. رَوَاهُ الأَثْرَمُ فِي ((سُنَتِهِ) وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ:
هُوَ صَحِيحُ الإِسْنَادِ، هَكَذَا فِي ((الْمُنْتَقَى)). [صحيح ابن خزيمة: ١٩٢، قط:
١ / ٢٠٤].
وقوله: (فأومأ) مهموز، يقال: أومأ وومأ: أشار، ذكروه في باب الهمزة.
وقوله: (سبقتنا) بلفظ الغائبة للمؤنث والضمير المستكن للركعة .
الفصل الثاني
٥١٩ - [٣] (أبو بكرة) قوله: (أن يمسح) قال الطيبي(١): هو مفعول (رخّص)،
و(ثلاثة أيام) ظرف له، وفي بعض الشروح: أن الضمير في قول الطيبي: (له) إن كان
راجعاً إلى (رخص) يلزم أن تكون الرخصة ثلاثة أيام، وإن كان راجعاً إلى (يمسح)
يلزم أن يعمل ما في خبر (أن) المصدرية فیما قبلها، انتهى. وأقول: یمکن اختیار الأول،
ولزوم كونه ظرفاً للرخصة ممنوعٌ باعتبار ما يتبادر أن المقصود ظرف المرخص، ويمكن
اختيار الثاني لتقدم رتبة المفعول به على سائر المفاعيل، فكأنه مقدم على قوله: (ثلاثة
أيام)، والظاهر هو الأول، فافهم.
(١) ((شرح الطيبي)) (٢ / ١٢٣).

٢٤٩
(٣) كتاب الطهارة
٥٢٠ - [٤] وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَهِ يَأْمُرُنَاَ
إِذَا كُنَّا سَفْراً أَنْ لاَ نْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاَثَةَ أَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ إِلَّ مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ
غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٩٦، ن: ١٢٧].
٥٢٠ _ [٤] (صفوان بن عسال) قوله: (إذا كنا سفراً) جمع سافر، ولا يستعمل
فعله بل من باب المفاعلة؛ لأنه أكثر ما يقع من الجماعة.
وقوله: (ولكن من غائط وبول ونوم) قال التُّورِبِشْتِي: هذا نظم فيه خبط،
وكذلك رواه أكثر المحدثين، ورواه أبو جعفر الطحاوي في كتابه (لا من جنابة)، وهو
الأشبه بالصواب، فلعل بعض الرواة سها في كتابته فكتب (إلا) مكان (لا)، ويحتمل
أن الصحابي قد قال: كان رسول الله ◌َلقر يأمرنا أن لا ننزع خفافنا من غائط وبول ونوم
لكن من جنابة، فرواه بعضهم مقلوباً، ثم قال: ومذهب أهل النقل أن الحديث إذا
ثبت فليس لأحد أن يسلك فيه مسلك التقدير والاحتمال، وعلى هذا فالسبيل فيه أن
نقول: لما كان قوله: (إلا من جنابة) واقعاً موقع إثبات النزع عن الجنابة استدركه
بالأحداث التي لم ينزع فيها، انتهى.
لا يخفى أن الخبط في هذا النظم من وجهين، أحدهما: عدم وقوع (لكن) في
محله؛ لأن حقها أن يخالف ما بعدها لما قبلها نفياً وإثباتاً، وتوجيهه أن قوله: (إلا
من جنابة) واقع موقع الإثبات، والمعنى أمرنا أن ننزع خفافنا في الجنابة، لكن لا ننزع
من بول وغائط ونوم، وثانيهما: لزوم تكرار قوله: ولكن من غائط وبول؛ لأنه قد
فهم مما قبله من الكلام، وتوجيهه أنه لتوكيد نفي النزع كما يقول: ما جاءني إلا زيد
لكن لم يجئ عمرو ليؤكد نفي مجيئه وإن اندرج تحت النفي السابق، ونقل عن زين
العرب أنه قال: عدم النظم في (لا من جنابة) أكثر منه في (إلا من جنابة)؛ لأن لا من

٢٥٠
(٩) باب المسح على الخفين
٥٢١ - [٥] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: وَضَّأْتُ النَّبِيَّ وَِّ فِي غَزْوَةِ
تَبُوكَ، فَمَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ،
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ مَعْلُولٌ، وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ وَمُحَمَّداً يَعْنِي
الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالاَ: لَيْسَ بِصَحِيحٍ. وَكَذَا ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُدَ.
[د: ١٦٥، ت: ٩٧، جه: ٥٥٠].
جنابة ولكن من كذا يوهم أنه لا يجب من الجنابة بل من غائط وأخويه وهو عكس
المراد، وإنما يصح المراد منه بتقدير شيء مثل أن يقول: لا من جنابة فإنه يجب النزع
فيها، انتهى. يريد أن ما يفهم من ظاهر قوله: (لا من جنابة لكن من غائط وبول)
لا ينزع من جنابة ولكن ينزع من غائط وبول، والمراد ليس نفي النزع من جنابة بل من
غائط وبول، فافهم.
٥٢١ - [٥] (المغيرة بن شعبة) قوله: (وضأت النبي ◌ّ﴾﴾ أي: سكبت ماء
الوضوء على أعضائه.
وقوله: (هذا حديث معلول(١)) وهو ما فيه أسباب قادحة في الصحة، وقول
صاحب (المصابيح): إنه مرسل، فالمراد به المنقطع، فإن المرسل قد يطلق عليه
كما مرّ في المقدمة، فإنه لم يثبت اتصاله بالمغيرة بل بالوراد كاتبه ومولاه، وقال
الطيبي(٢): يرويه ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة عن المغيرة، وثور
لم يسمع هذا من رجاء.
(١) وبسط في علله ابن رسلان وصاحب الغاية، وقال الدار قطني في ((العلل)) (١ / ١٢٣٨): ليس
في هذه الرواية ذكر المسح أسفل الخف، انظر: هامش ((بذل المجهود)) (١ / ٦٩٨).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٢ / ١٢٥).

٢٥١
(٣) كتاب الطهارة
٥٢٢ - [٦] وَعنْهُ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّهِ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَلَى
ظَاهِرِ هِمَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٩٨، د: ١٦١].
٥٢٣ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: تَوَضَّأَ النَّبِيُّونَ﴿ وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ.
رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٤/ ٢٥٢، ت: ٩٩، د: ١٥٩،
جه: ٥٥٩].
٥٢٢ - [٦] (المغيرة بن شعبة) قوله: (على ظاهرهما) أي: على أعلاهما،
اعلم أنه قد وقع في أكثر طرق المغيرة (يمسح على الخفين) مطلقاً من غير ذكر الأعلى
أو الأسفل، وقد جاء في هذا الحديث أنه مسح على ظاهرهما، وقد أورد الشُّمُنِّي على
ابن أبي شيبة عن المغيرة بن شعبة قال: (رأيت رسول الله صل﴿ بال، ثم توضأ ومسح
على خفيه، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم
مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى أنظر إلى أصابع رسول الله (سير على الخفين)،
فالحدیث مضطرب .
٥٢٣ - [٧] (المغيرة بن شعبة) قوله: (ومسح على الجوربين والنعلين) الجورب
خف يلبس على الخف إلى الكعب للبرد أو لصيانة الخف الأسفل من الدرن والغسالة،
ويقال له: الجرموق والموق أيضاً، وقال في شرح (كتاب الخرقي)(١): الجرموق خف
واسع يلبس فوق الخف في البلاد الباردة، وقال الجوهري والمطرزي: الموق خف
قصير يلبس فوق الخف، كذا في شرح ابن الهمام(٢)، وقد روى أحمد عن بلال لغته:
أن رسول الله ﴿ توضأ ومسح على العمامة والموقين، وروى أبو داود عن عمر بن
(١) (شرح الزركشي على مختصر الخرقي)) (١ / ١٤٦).
(٢) انظر: ((الصحاح)) (٤ / ١٥٥٧)، و((فتح القدير)) (١ / ١٥٦).

٢٥٢
(٩) باب المسح على الخفين
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٥٢٤ - [٨] عَنِ الْمُغيرَةِ قَالَ: مَسَحَ رَسُولُ اللهِنَّهِ عَلَى الْخُفَّيْنِ،
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ نَسِيتَ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتَ نَسِيتَ،
الخطاب وعلي وابن مسعود وأنس بن مالك وابن عباس وغيرهم - رضوان الله عليهم
أجمعين - أنهم مسحوا على الجورب، والمسح على الجورب إذا لبس الخف الأسفل
والأعلى كليهما على طهارة جائز عند محمد وأبي يوسف مطلقاً، وعند أبي حنيفة
- رحمه الله - إذا كان ثخيناً ومنعلاً ومجلداً بأن يمكن معه المشي ويقومان على الساق
من غير شده وإلا فلم يجز إلا أن يكون رقيقاً بأن يصل رطوبة ماء المسح بالخف الداخل
فكأنه مسح عليه، وجائز أيضاً على مذهب أحمد، ولا يجوز المسح على الجورب
عند الشافعي وإن كان منعلاً، والحديث المذكور والآثار حجة عليه، وفي شرح الشيخ :
معنى الحديث أن يكون قد لبس النعلين فوق الجوربين كما قال الخطابي(١)، وقال:
لم تقتصر على مسحهما بل ضم إليهما مسح النعلين، فعلى مدعي جواز الاقتصار
على مسحهما الدليل فتدبر، انتهى. وأما المسح على النعلين فمنسوخ، كذا في (سنن
الدارمي)(٢).
الفصل الثالث
٥٢٤ _ [٨] (المغيرة) قوله: (بل أنت نسيت) قال الطيبي(٣): يحتمل حمله
على الحقيقة أي: نسيت أني شارع، فنسبت النسيان إلي، أو يكون بمعنى أخطأت،
(١) ((معالم السنن)) (١ / ٦٢).
(٢) (سنن الدارمي)) (٢/ ٣٣٧).
(٣) (شرح الطيبي)) (٢ / ١٢٦).

٢٥٣
(٣) كتاب الطهارة
بِهَذَا أَمْرِي رَبِّي وَك. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤ /٢٥٣، د: ١٥٦].
٥٢٥ _ [٩] وَعَنْ عَلَيٍّ قَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْي لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ
أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلاَهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، والدَّارِمِيُّ مَعْنَاهُ. [د: ١٦٢، دي: ٢ / ٣٣٧].
١٠ - بابأ
فجاء بالنسيان إلى المشاكلة، انتهى. لا يخفى أن نسيان كونه شارعاً بعيد غاية البعد،
وقد يشعر هذا الوجه بأنه لا يجوز النسيان على الشارع، أو المراد نسبت النسيان إلي
جزماً من غير احتمال، فالظاهر هو الوجه الثاني.
وقوله: (بهذا أمرني ربي) التقديم للاهتمام.
٥٢٥ _ [٩] (عليه) قوله: (لكان أسفل الخف أولى بالمسح) لأنه محل
التنجس والتلوث فتطهيره أولى وأهم.
وقوله: (وللدارمي معناه) فإنه ذكر في (سننه) عن عبد خير قال: رأيت علياً ﴿ته
توضأ ومسح على النعلين فوسع، ثم قال: لولا أني رأيت رسول الله صل﴿ فعل كما
رأيتموني فعلت لرأيت أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما.
١٠ - باب التيمم
التيمم في اللغة: القصد تَفَعُّل مِنْ أمّه: قصده، وأصله التأمُّم، وقال تعالى:
﴿وَلَّ ءَآمِينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] أي: قاصدين، وفي الشرع: عبارة عن قصد التراب
للتطهر به عن مسح الوجه واليدين به، والتيمم جائز بالكتاب والسنة والإجماع، وقصة

٢٥٤
(١٠) باب التيمم
ابتداء شرعية التيمم ما جاء في (صحيح البخاري)(١) عن عائشة ◌َ قالت: خرجنا مع
رسول الله ◌َّ﴿ في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش، انقطع عِقْدٌ
لي، فأقام رسول الله وَّر على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء، فأتى الناس
إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله وَّل والناس،
وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ظه ورسول الله وَّ واضع رأسه
على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله ◌َ﴿ والناسَ، وليسرا على ماء، وليس
معهم ماء، فقالت عائشة : فعاتبني أبو بكر ظه وقال ما شاء اله أن يقول، وجعل
يطعنني بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرّك إلا مكانُ رسول الله ◌َّ على فخذي،
فقام رسول الله قلي﴾ حين أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم فتيمموا، فقال أسيد
ابن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه،
فأصبنا العقد تحته .
وجاء في حديث آخر (٢): أن عائشة ◌َيَّ استعارت من أسماء قلادة فهلكت،
فبعث رسول الله 8 رجلاً فوجدها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلّوا فشكوا
ذلك إلى رسول الله ﴾، فأنزل الله تعالى آية التيمم، فقال أسيد بن حضير لعائشة رقيق:
جزاكِ الله خيراً، فوالله ما نزل بكِ أمر تكرهينه إلا جعل الله تعالى ذلكِ لكِ وللمسلمين
فيه خيراً.
ثم إنهم اختلفوا في أن التيمم ضربة أو ضربتان، وإذا كان الكلام فيه مبسوطاً
رأينا ذكره في آخر الباب بعد شرح الأحاديث أولى.
(١) ((صحيح البخاري)) (٣٣٤).
(٢) (صحيح البخاري)) (٣٣٦).

٢٥٥
(٣) كتاب الطهارة
* الْفَصْلُ الأَوَّلُ:
٥٢٦ - [١] عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِِّ: ((فُضَّلْنَا عَلَى النَّاسِ
بِثَلاَثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَاً
مَسْجِداً، ..
الفصل الأول
٥٢٦ - [١] (حذيفة) قوله: (فضلنا على الناس) أي: السابقين، وأما اللاحقون
فأتباعه وأمته المفضلون .
وقوله: (جعلت صفوفنا) قيل: في المعركة، وقيل: في الصلاة كناية عن
الجماعة كصفوف الملائكة، والمراد به إتمام الصف الأول، وقيل: في القربة والدنو،
وقيل: في التعظيم والتكريم بأن أقسم الله بهم فقال: ﴿وَالصَّفَّتِ صَفًّا﴾ [الصافات: ١]،
فالمراد بالصافات الملائكة والمصلون.
وقوله: (جعلت لنا الأرض كلها مسجداً) أي: موضع سجود، أي: لا يختص
السجود منها بموضع دون غيره، ويجوز أن يكون مجازاً عن المكان المبني كأنه لما
جازت الصلاة في جميعها صار مسجداً، وتخصيص هذه الخصلة بهذه الأمة بأنه إنما
أبيحت لهم الصلاة في أماكن مخصوصة كالبِيَع والصوامع والكنائس، وقيل: إنما
أبيحت لهم في موضع يتيقنون طهارته بخلاف هذه الأمة فأبيح لها في جميع الأرض
إلا فيما يتيقنون النجاسة، ونقض هذا بعيسى يا فإنه كان يسيح في الأرض ويصلي
حيث أدركته الصلاة، ويمكن أن يقال: إن المراد لعموم الأمة لا للنبي فقط، أو يقال:
لعله كان يسيح في البلاد ويصلي في مواضع معينة فيها للصلاة، ولا منافاة، والله
أعلم.
وجعل بعضهم لذلك جعل الأرض مسجداً وطهوراً خصلة واحدة، وجعلت

٢٥٦
(١٠) باب التيمم
وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُوراً إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٢٢].
لغيرنا مسجداً ولم يجعل طهوراً، وقال: وأما الثالثة فمحذوفة ههنا ذكرها النسائي من
رواية أبي مالك وهي خواتم البقرة، كذا في (شرح مسلم)(١).
وقوله: (جعلت تربتها لنا طهوراً) قال الطيبي(٢): خص التراب لكونه طهوراً،
وهو مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله في أقوى الروايتين منه، وبه قال أبو يوسف،
وفي رواية عنه وعن أحمد وبالرمل أيضاً، وجوز أبو حنيفة ومالك ومحمد، وأحمد
في رواية: بكل ما هو جنس الأرض، وهو ما لا يلين وينطبع أو يحرق فيصير رماداً،
ولهم حديث جابر في (صحيح البخاري)(٣): (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهورا)،
وهي تشتمل التراب وغيره، والعمل بهذا الحديث أولى وأحوط؛ لأن فيه العمل
بحديث حذيفة أيضاً، والعمل بحديث حذيفة بتخصيصه بالتراب يفوت العمل بهذا،
وبهذا سقط ما قال الطيبي: حديث حذيفة مفسَّر، والمفسر من الحديث يقضي على
المجمل، قلنا: بل مطلق لا مجمل، منع بعضهم الاستدلال بلفظ التربة على خصوصية
التيمم بالتراب بأنه قال: تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره، وأجيب بأنه قد ورد
في الحديث المذكور بلفظ التراب، أخرجه ابن خزيمة وغيره في حديث علي :
(وجعل التراب لي طهوراً) كذا في (الفتح) (٤).
وروى أحمد والبيهقي وإسحاق بن راهويه والطبراني في (الأوسط)(٥) عن أبي
(١) انظر: ((شرح النووي)) (٤/٥).
(٢) ((شرح الطيبي)) (٢ / ١٢٧).
(٣) ((صحيح البخاري)) (٤٣٨).
(٤) ((فتح الباري)) (١ / ٤٣٨).
(٥) ((مسند أحمد)) (٢/ ٣٥٣)، ((السنن الكبرى)) (١ / ٢١٧)، و((مسند إسحاق بن راهويه)) =

٢٥٧
(٣) كتاب الطهارة
هريرة: أن أناساً من أهل البادية أتوا رسول الله صل* فقالوا: إنا نكون بالرمال الأشهر
الثلاثة والأربعة، ويكون فينا الجنب والحائض والنفساء ولا نجد الماء، فقال ◌َله:
(عليكم بالأرض)، ففهم منه جوازه بالرمل وغيره.
واعلم أن الخصائل التي فضل بها نبينا وأمته ◌َ على الناس وردت الأخبار بها
في الحديث كثيرة، الثلاثة التي ذكرت في هذا الحديث، وذكر في الأحاديث الأخر،
وسيجيء في (باب فضائل سيد المرسلين): (نصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي
الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وبعثت إلى الناس عامة)، وإنما جعل الغاية شهراً؛ لأنه لم
يكن بين بلدة وبين أحد من أعدائه أكثر منه، وذكر في (الفتح) (١) برواية عمرو بن
شعيب بلفظ: (ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر)، ويفهم
منه عدم تخصيصه بمسيرة شهر، وكان من تقدم من النبيين على ضربين: منهم من لم
يؤذن له في الجهاد فلم يكن له مغانم، ومنهم من أذن له فيه لكن كانوا إذا غنموا شيئاً
لم يحل لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فاحترقته.
(وأعطيت الشفاعة)، والمراد الشفاعة العظمى لإراحة الناس من هول الموقف،
وقيل: الشفاعة لخروج من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وإخراج من ليس له عمل
إلا التوحيد، (وبعثت إلى الناس عامة)، واعترض بأن نوحاً كان مبعوثاً إلى أهل الأرض
بعد الطوفان؛ لأنه لم يبق إلا من كان مؤمناً وقد كان مرسلاً إليهم، لأن هذا العموم
لم يكن في أصل بعثته، وإنما اتفق بالحادث الذي [وقع] وهو انحصار الخلق في
= (٣٣٩/١)، ((المعجم الأوسط)) (٢٠١١).
(١) ((فتح الباري)) (١ / ٤٣٧).

٢٥٨
(١٠) باب التيمم
٥٢٧ - [٢] وَعَنْ عِمْرَانَ قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ ◌َّه.
الموحدين بعد هلاك سائر الناس، وأما دعوته(١) على جميع من في الأرض بعد إهلاكهم
بالغرق فجوابه أن دعوته قومه إلى التوحيد بلغ سائر الناس لطول مدته فتمادوا على
الشرك فاستحقوا العذاب، ذكره ابن عطية.
وقد قال ابن دقيق العيد: يجوز أن يكون التوحيد عامًّا في بعض الأنبياء، وإلزام
فروع شريعته ليس عامًّا؛ لأن منهم من قاتل غير قومه على الشرك، كذا ذكر في بعض
الشروح.
(وأعطيت جوامع الكلم، وختم بي النبيون، وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة
البقرة من كنز تحت العرش، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعلت أمتي
خير الأمم، وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وأعطيت الكوثر، وأعطيت يوم القيامة
لواء تحته آدم فمن دونه، كان شيطاني كافراً فأعانني الله عليه فأسلم).
وقال في (فتح الباري)(٢): ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع،
قال: وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في (كتاب شرف المصطفى) أن عدد ما اختص
به نبينا #على الأنبياء ستون خصلة، انتهى. والحق أن فضائله المختصة به أكثر من
أن تحصى، ولكن الذي أخبر به وأحصاه العلماء هذه، ونعم ما قال:
حد فيعرب عنه ناطق بفم
فإن فضل رسول الله ليس له
﴿* بعدد أسمائه الحسنى وعدد كل معلوم له.
٥٢٧ - [٢] (عمران) قوله: (كنا في سفر) كان ذلك في صبيحة ليلة التعريس
حين قضوا الصلاة التي ناموا عنها.
(١) قوله: ((وأما دعوته - إلى - بعض الشروح)) سقط من (ب) و(د).
(٢) ((فتح البارى)) (١ / ٤٣٩).

٢٥٩
(٣) كتاب الطهارة
فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلاَتِهِ إِذا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ
الْقَوْمِ، فَقَالَ: (مَا مَنَعَكَ يَا فِلاَنُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ؟)) قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ
وَلاَ مَاءَ، قَالَ: ((عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٤،
م: ٦٨٢].
وقوله: (فلما انفتل) أي: انصرف عن الصلاة، في (القاموس) (١): فتله: لواه،
وفتل وجهه عنهم: صرفه.
وقوله: (عليك بالصعيد) الظاهر منه أن الرجل كان عالماً بشرعية التيمم للوضوء
لا للجنابة، ولهذا لم یبین له کیفیته.
وفي (مشارق الأنوار)(٢): صعيد وجه الأرض، ومنه ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾
[النساء: ٤٣] أي: طاهراً، وهو معنى قول مالك في (الموطأ)(٣): فكل ما كان صعيداً
فهو مما يتيمم به سباخاً أو غيره، أي ما يسمى صعيداً مما على وجه الأرض، والصعيد
التراب أيضاً، انتهى. وفي (القاموس) (٤): الصعيد: التراب أو وجه الأرض، فليس
فيه دليل لأحد الطرفين وإن كان الغالب استعماله في وجه الأرض، قال صاحب
(الكشاف)(٥): الصعيد: وجه الأرض تراباً كان أو غيره، وفي (الصحاح)(٦): الصعيد:
وجه الأرض.
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٩٥٩).
(٢) ((مشارق الأنوار)) (٢/ ٨٣).
(٣) ((موطأ مالك)) (١٢٣).
(٤) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٧٩).
(٥) ((الكشاف)) للزمخشري (١/ ٤١٣).
(٦) (الصحاح)) (٢ / ٤٩٨).

٢٦٠
(١٠) باب التيمم
٥٢٨ - [٣] وَعَنْ عَمَّارِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ:
إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ، فَقَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ
أَنَا وَأَنْتَ؟ فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ
لِلنَِّّ ◌َّهِ فَقَالَ: (إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا)) فَضَرَبَ النَّبِيُّ ◌َّهِ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ
وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهَمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ،
٥٢٨ _ [٣] (عمار) قوله: (فقال عمار لعمر) هذه رواية اقتصر فيها جواب
عمر ظه، وقد جاء في بعض الطرق أنه قال عمر: لا تصل، وهذا مذهب مشهور
عن عمر، ووافقه عليه عبدالله بن مسعود، وقد جرت فيه مناظرة بين أبي موسى وابن
مسعود، ورجع ابن مسعود عن ذلك، وحاصل المناظرة يرجع إلى أن أبا موسى حمل
اللمس على الجماع، وابن مسعود علی اللمس باليد، وتمامه في البخاري وشروحه.
وقوله: (أنا وأنت) تأكيد للضمير في (أنّ)، (فتمعكت) في (القاموس)(١): تمعك:
تمرغ، وفي (الصراح)(٢): مرغ غلطيدن ستور در علف تمريغ در خاك غلطانيدن تمرغ
لازم منه .
وقوله: (وإنما كان يكفيك) هذا دل على شرعية التيمم للجناية، وعلى أنه تكفي
فيه ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين والعلماء من
الفقهاء والمحدثين، وذهب الأكثرون إلى أنه لا بد من ضربتين لحديث عمار، وسنبينه
مفصلاً.
وقوله: (ونفخ فيهما) وذلك ليخفف الغبار عنهما لئلا تسوء به الخلقة، ويستفاد
(١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٨٧٨).
(٢) ((الصراح)) (ص: ٣٣٨).