Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
الإكمال في أسماء الرجال
دينار والزهري ويونس بن عبيد وأيوب السختياني وغيرهم من الأئمة المشهورين .
روى عنه مالك والثوري وشعبة وابن المبارك وخلق كثير سواهم، ولد سنة أربع ومئة،
ومات سنة ثلاث وثمانين ومئة.
٩٦٩ - هلال بن علي: هو هلال بن علي بن أسامة، منسوب إلى جده، وهو
هلال بن أبي ميمونة الفهري. روى عن أنس وعطاء بن يسار، وعنه مالك بن أنس
وغيره.
٩٧٠ - هلال بن عامر: هو هلال بن عامر المزني، يعدّ في الكوفيين. روى عن
أبیه وسمع رافعاً المزني. روى عنه یعلی وغيره.
٩٧١ - هلال بن يساف: هو هلال بن يساف مولى أشجع، أدرك علي بن أبي
طالب، روى عن سلمة بن قيس، وسمع أبا مسعود الأنصاري، ومنه جماعة.
٩٧٢ - هلال بن عبدالله: هو هلال بن عبدالله يكنى أبا هاشم الباهلي. روى
عن أبي إسحاق، وعنه عفان ومسلم، قال البخاري: منكر الحديث.
٩٧٣ - همام بن الحارث: هو همام بن الحارث النخعي، تابعي، سمع ابن
مسعود وعائشة وغيرهما من الصحابة. روى عنه إبراهيم النخعي.
٩٧٤ - هود بن عبدالله: هو هود بن عبدالله بن سعد العصري. روى عن جده
مزيدة وسعيد بن وهب الصحابيين، وعنه طالب بن حجير.
٩٧٥ - هبيرة بن يَريم(١): هو هبيرة بن يريم. روى عن علي وابن مسعود، وعنه
أبو إسحاق وأبو فاختة، ثقة. وقال النسائي: ليس بالقوي، مات سنة ست وستين.
(١) في الأصل: ((مريم)) وهو خطأ .

٢٤٢
لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح
٩٧٦ - هزيل بن شرحبيل: هو هزيل بن شرحبيل الأزدي الكوفي الأعمى، سمع
عبدالله بن مسعود. روى عنه جماعة.
٩٧٧ ۔ أبو الھیَّاج: هو أبو الھیاج حیان بن حصین الأسدي کاتب عمار بن ياسر،
قال أحمد: هو والد منصور بن حيان، تابعي جليل، صحيح الحديث، روى عن علي
وعمار، وعنه الشعبي وأبو وائل .
(الهياج) بتشديد الياء تحتها نقطتان والجيم.
* فصل في الصحابيات:
٩٧٨ - هند بنت عتبة: هي هند بنت عتبة بن ربيعة امرأة أبي سفيان وأم معاوية،
أسلمت عام الفتح بعد إسلام زوجها فأقرهما رسول الله صل﴿ على نكاحهما، وكان لها
فصاحة وعقل، فلما بايعت رسول الله ﴿ مع النساء قال لهن: لا تشركن بالله شيئاً
ولا تسرقن، فقالت هند: إن أبا سفيان رجل ممسك، فقال: خذي ما يكفيك وولدك
بالمعروف، فقال: ولا تزنين، قالت: هل تزني الحرة؟، قال: ولا تقتلن أولادكن،
فقالت: وهل تركت لنا ولداً إلا قتلته يوم بدر، ربيناهم صغاراً، وقتلتهم كباراً. ماتت
في خلافة عمر يوم مات أبو قحافة والد أبي بكر. روت عنها عائشة (١).
٩٧٩ - أم هانئ : هي أم هانئ، اسمها فاختة بنت أبي طالب أخت علي، كان
رسول الله سيم خطبها في الجاهلية وخطبها هبيرة بن أبي وهب فزوجها أبو طالب من
هبيرة، وأسلمت ففرق الإسلام بينها وبين هبيرة، وخطبها النبي ◌َّ، فقالت: والله إن
كنت لأحبك في الجاهلية فكيف في الإسلام، ولكني امرأة مُصبِيّة فسكت عنها. روى
عنها خلق كثير منهم: علي وابن عباس.
(١) انظر: ((الاستيعاب)) (٤١١٤).

٢٤٣
الإكمال في أسماء الرجال
٩٨٠ - أم هشام: هي أم هشام بنت حارثة بن النعمان، صحابية روى عنها
جماعة .
حَرْفُ اليَاءِ
* فصل في الصحابة:
٩٨١ - يزيد بن الأسود: هو يزيد بن الأسود السُّوَائي. روى عنه ابنه جابر، وعداده
في أهل الطائف، وحديثه في الكوفيين.
(السوائي) بضم السين المهملة وتخفيف الواو وبالمد.
٩٨٢ - يزيد بن عامر: هو يزيد بن عامر السوائي، حجازي، شهد حنيناً مع
المشركين ثم أسلم بعد ذلك. روى عنه السائب بن يزيد وغيره.
٩٨٣ - يزيد بن شيبان: هو يزيد بن شيبان الأزدي، له صحبة ورواية، ويذكر
في الوحدان. روى عن ابن مربع بكسر الميم، وعنه عمرو بن عبدالله بن صفوان،
حديثه في الحج.
٩٨٤ - يزيد بن نعامة: هو يزيد بن نعامة الضبي. روی عنه سعید بن سليمان،
و کان قد شهد حنيناً مشركاً، ثم أسلم بعد ذلك، قال الترمذي(١): لا يعرف له سماع
من النبي ◌َا﴾(٢).
(نعامة) بفتح النون وبالعين المهملة.
(١) ((سنن الترمذي)) (٢٣٩٢).
(٢) فذكره في هذا الفصل لا يخفى ما فيه.

٢٤٤
لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح
٩٨٥ - يحيى بن أسيد بن حضير: هو يحيى بن أسيد بن حضير الأنصاري، ولد
على عهد رسول الله وَله، وبه كان يكنى أبوه، له ذكر في فضل القراءة والقارئ، قال
ابن عبد البر: وكان في سن من يحفظ (١)، ولا أعلم له رواية.
٩٨٦ - يوسف بن عبدالله: هو يوسف بن عبدالله بن سلام يكنى أبا يعقوب، كان
من بني إسرائيل من ولد يوسف بن يعقوب عليهما السلام، ولد في حياة رسول الله وتضليله
وحمل إليه وأقعده في حجره، وسماه يوسف، ومسح رأسه وحفظ عنه، ومنهم من
يقول: له رؤية ولا رواية له، عداده في أهل المدينة.
٩٨٧ - يعلى بن أمية: هو يعلى بن أمية التميمي الحنظلي، أسلم يوم الفتح،
وشهد حنيناً والطائف وتبوك، وهو معدود في أهل الحجاز، روى عنه صفوان، وعطاء،
ومجاهد وغيرهم، قتل بصفين مع علي بن أبي طالب.
٩٨٨ - يعلى بن مرة: هو يعلى بن مرة الثقفي، شهد الحديبية وخيبر والفتح
وحنيناً والطائف. روى عنه جماعة، وعداده في الكوفيين.
٩٨٩ - أبو اليَسَر: هو أبو اليسر بفتح الياء تحتها نقطتان وفتح السين المهملة،
کعب بن عمرو، تقدم ذكره في حرف الكاف.
* فصل في التابعين:
٩٩٠ - يزيد بن هارون: هو يزيد بن هارون السلمي مولاهم الواسطي. روى عن
جماعة، وعنه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وغيرهما، قدم بغداد وحدث بها،
ثم عاد إلى واسط ومات بها، ولد سنة ثماني عشرة ومئة، قال ابن المديني(٢): لم أر
(١) أي: الحديث.
(٢) انظر: ((تاريخ بغداد)) (١٦ / ٤٩٣).

٢٤٥
الإكمال في أسماء الرجال
أحداً أحفظ من ابن هارون، كان عالماً بالحديث حافظاً، ثقة، زاهداً عابداً، مات سنة
سبع عشرة ومئتين .
٩٩١ - يزيد بن زُرَیع: هو یزید بن زريع، يكنى أبا معاوية، الحافظ، روى عن
أيوب، ويونس، وعنه ابن المديني، ومسدد، له ذكر في (باب الشفقة والرحمة)،
قال أحمد بن حنبل: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، مات سنة اثنتين وثمانين ومئة
في شوال، وله من العمر إحدى وثمانون سنة .
٩٩٢ - يزيد بن هرمز: هو يزيد بن هرمز الهمداني المديني مولى بني ليث.
روى عن أبي هريرة، وعنه ابنه عبدالله، وعمرو بن دينار، والزهري.
٩٩٣ - يزيد بن أبي عبيد: هو يزيد بن أبي عبيد مولى سَلَمة بن الأكوع، روى
عن سلمة، وعنه یحیی بن سعيد وغيره.
٩٩٤ - يزيد بن رومان: هو يزيد بن رومان يكنى أبا رَوْح، يعدّ في أهل المدينة،
سمع ابن الزبير وصالح بن خَوَّات. روى عنه الزهري وغيره.
٩٩٥ - يزيد بن الأصم: هو يزيد بن الأصم ابن أخت ميمونة زوج النبي
صَلىالله
روى عن ميمونة وأبي هريرة.
وستكم .
٩٩٦ - يزيد بن نعيم: هو يزيد بن نعيم بن هزّال الأسلمي. روى عن أبيه وجابر،
وعنه جماعة .
(نعيم) بفتح النون(١) والعين المهملة. و(هزال) بفتح الهاء وتشديد الزاي.
٩٩٧ - يزيد بن زياد: هو يزيد بن زياد الدمشقي، روى عن الزهري وسليمان
ابن حبیب، وعنه و کیع وأبو نعيم .
(١) كذا في الأصل، والصواب: بضم النون. انظر: ((الإكمال)) لابن ماكولا (٧ / ٢٧٤).

٢٤٦
لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح
٩٩٨ - يعلى بن مَمْلَك: هو يعلى بن مملك بفتح الميم الأولى وسكون الثانية
وفتح اللام وبعدها كاف. تابعي روى عن أم سلمة، وعنه ابن أبي مليكة.
٩٩٩ - يعيش بن طِخْفة: هو يعيش بن طخفة بن قيس الغفاري. روى عن أبيه،
وكان أبوه من أصحاب الصفة، وعنه أبو سلمة .
(طخفة) بكسر الطاء وسكون الخاء المعجمة.
١٠٠٠ - يعقوب بن عاصم: هو يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي،
حجازي. روی عن ابن عمر .
١٠٠١ - يحيى بن خلف: هو يحيى بن خلف الباهلي، روى عن معتمر وغيره،
وعنه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين، له ذكر
في (باب إعداد آلة الجهاد).
١٠٠٢ - يحيى بن سعيد: هو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، سمع أنس
ابن مالك والسائب بن يزيد وخلقاً سواهما، روى عنه هشام بن عروة ومالك بن أنس
وشعبة والثوري وابن عيينة وابن المبارك وغيرهم، كان يتولى القضاء بمدينة الرسول وليه
زمن بني أمية، وأقدمه منصور العراق وولاء القضاء بـ (الهاشمية)(١)، مات سنة ثلاث
وأربعين ومئة بالهاشمية، كان إماماً من أئمة الحديث والفقه، عالماً ورعاً زاهداً صالحاً
مشهوراً بالفقه والدین.
١٠٠٣ - يحيى بن الحصين: هو يحيى بن الحصين. روى عن جدته أم الحصين
وطارق، وعنه أبو إسحاق وشعبة، ثقة.
١٠٠٤ - يحيى بن عبد الرحمن: هو يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي
(١) بلد بالكوفة للسفَّاح، ((قاموس)) (ص: ١٠٥٥).

٢٤٧
الإكمال في أسماء الرجال
بلتعة، مدني. روى عن جماعة من الصحابة، وجماعة عنه.
١٠٠٥ - يحيى بن عبدالله: هو يحيى بن عبدالله بن بَحِير الصنعاني، روى عمن
سمع فروة بن مسیك، وعنه معمر .
(بحير) بفتح الباء الموحدة وكسر الحاء المهملة وبالراء.
١٠٠٦ - يحيى بن أبي كثير: هو يحيى بن أبي كثير يكنى أبا نصر اليمامي مولی
لطيئ، أصله بصري صار إلى اليمامة، رأى أنس بن مالك، وسمع عبدالله بن أبي قتادة
وغيره. روى عنه عكرمة والأوزاعي وغيرهما.
١٠٠٧ - يونس بن يزيد: هو يونس بن يزيد الأيلي، روى عن القاسم وعكرمة
والزهري، وعنه ابن المبارك وابن وهب، ثقة إمام، مات سنة تسع وخمسين ومئة .
١٠٠٨ - يونس بن عبيد: هو يونس بن عبيد البصري، سمع الحسن وابن سيرين،
روى عنه الثوري وشعبة، مات سنة تسع وثلاثين ومئة.
* فصل في الصحابيات:
١٠٠٩ - يُسَيرة: هي يسيرة أم ياسر الأنصارية، كانت من المهاجرات، روى
عنها حفيدتها حمیضة بنت یاسر.
(يسيرة) بضم الياء وفتح السين المهملة وسكون الياء وبالراء.

البَابُ النَّفِي
فِي ذِكْرِئْمَةِأَضْكَبِ الأُصُوْلِ
١٠١٠ - مالك بن أنس: هو الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر
الأصبحي يكنى أبا عبدالله، وقد بدأنا بذكره لأنه المقدم زماناً، وقدراً ومعرفة وعلماً،
وهو شيخ العلماء، وأستاذ الأئمة، وإن كنا في مقدمة الكتاب قدمنا عليه البخاري
ومسلماً للشرط الذي لكتابيهما، فلا نقدمهما عليه في الذكر ههنا إذ هو أحق وأولى
وكتاباهما أجدر بالتقديم من كتابه وأحرى، ولد سنة خمس وتسعين(١) من الهجرة ومات
بالمدينة سنة تسع وتسعين (٢) ومئة، وله أربع وثمانون سنة.
وقال الواقدي: مات وله تسعون، وهو إمام الحجاز بل الناس في الفقه والحديث،
وكفاه فخراً أن الشافعي من أصحابه، أخذ العلم عن الزهري، ويحيى بن سعيد، ونافع،
ومحمد بن المنكدر، وهشام بن عروة، وزيد بن أسلم، وربيعة بن أبي عبد الرحمن
وخلق كثير سواهم، وأخذ العلم عنه خلق كثير لا يحصون كثرة، وهم أئمة البلاد،
منهم: الشافعي، ومحمد بن إبراهيم بن دينار، وأبو هاشم، وعبد العزيز بن أبي حازم،
وهؤلاء نظراؤه من أصحابه، ومعن بن عيسى، ويحيى بن يحيى، وعبدالله بن مسلمة
القعنبي، وعبدالله بن وهب، وغير هؤلاء ممن لا يحصى عدده، وهؤلاء مشايخ
البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم من
(١) كذا في ((جامع الأصول)) (١ / ١٨٠)، والمشهور: ولد سنة ٩٣هـ.
(٢) كذا في الأصل، والصواب: ((سبعين))، كما في ((جامع الأصول)).

٢٤٩
الإكمال في أسماء الرجال
أئمة الحديث .
قال بكر بن عبدالله الصنعاني: أتينا مالك بن أنس فجعل يحدثنا عن ربيعة بن
أبي عبد الرحمن، وكنا نستزيده من حديثه، فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة؟
وهو نائم في ذلك الطاق، فأتينا ربيعة فنبهناه(١) وقلنا له: أنت ربيعة؟ قال: نعم، قلنا:
الذي يحدث عنك مالك بن أنس؟ قال: نعم، قلنا: كيف حظي بك مالك ولم تحظ
أنت بنفسك؟ قال: أما علمتم أن مثقالاً من دولة خير من حمل علم.
قال عبد الرحمن بن مهدي: سفيان الثوري إمام في الحديث، وليس بإمام في
السنة، والأوزاعي إمام في السنة، وليس بإمام في الحديث، ومالك بن أنس إمام فيهما
جميعاً، وكان مالك مبالغاً في تعظيم العلم والدين حتى كان إذا أراد أن يحدث توضأ
وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته، واستعمل الطيب، وتمكن من الجلوس على
وقار وهيبة، ثم حدث، فقيل له في ذلك فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله إليه،
ومرّ يوماً على أبي حازم وهو جالس يحدث فجازه، فقيل له في ذلك، فقال: إني لم أجد
موضعاً أجلس فيه فكرهت أن آخذ حديث رسول الله وأنا قائم .
قال يحيى بن سعيد: ما في القوم أصح حديثاً من مالك.
وقال الشافعي: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد أمنّ [في علم الله] عليَّ
من مالك، وقال: إذا جاء الحديث عن مالك فاشدد يديك به، وقال: كان مالك بن
أنس إذا جاءه بعض أهل الأهواء، قال: أما إني على بينة من ديني، وأما أنت فشاٌ،
اذهب إلى شاكٌّ مثلك فخاصمه.
وقال مالك: إذا لم يكن للإنسان في نفسه خير لم يكن للناس فيه خير، وقال:
(١) كذا في الأصل، وفي كتب الرجال: ((فأنبهناه)).

٢٥٠
لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح
ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما هو نور يضعه الله في القلب.
وقال أبو عبدالله: رأيت كأن النبي وَّر في المسجد قاعداً والناس حوله ومالك
قائم بين يديه، وبين يدي رسول الله بَير مسك فهو يأخذ منه قبضة قبضة، ويدفعها إلى
مالك ومالك يذرها على الناس، قال مطرف: فأولت ذلك العلم واتباع السنة .
وقال الشافعي: قالت لي عمتي ونحن بمكة: رأيت في هذه الليلة عجباً! فقلت:
لها: وما هو؟ قالت: رأيت كأن قائلاً يقول: مات الليلة أعلم أهل الأرض، قال الشافعي:
فحسبنا ذلك فإذا هو يوم مات مالك بن أنس .
وروي عن مالك أنه قال: دخلت على هارون الرشيد فقال لي: يا أبا عبدالله
ينبغي أن تختلف إلينا حتى يسمع صبياننا منك ((الموطأ))، قال: قلت: أعز الله أمير
المؤمنين، إن هذا العلم منكم خرج، فإن أنتم أعززتموه عز، وإن ذللتموه ذل، والعلم
يؤتى ولا يأتي، فقال: صدقت، اخرجوا إلى المسجد حتى تسمعوا مع الناس.
وروي أن الرشيد سأل مالكاً فقال: هل لك دار؟ قال: لا، فأعطاه ثلاثة آلاف
دينار، وقال: اشتر بها داراً، فأخذها ولم ينفقها، فلما أراد الرشيد الشخوص قال لمالك:
ينبغي أن تخرج معي، فإني عزمت أن أحمل الناس على ((الموطأ) كما حمل عثمان
الناس على القرآن، فقال: أما حمل الناس على ((الموطأ)) فليس لك إلى ذلك سبيل؛
لأن أصحاب رسول الله ټ افترقوا بعده في الأمصار فحدثوا، فعند کل أهل مصر علم،
وقد قال رسول الله وَّر: ((اختلاف أمتي رحمة))، وأما الخروج معك فلا سبيل إليه،
قال رسول الله وَله: ((المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون))، وقال: ((المدينة تنفي خبثها))،
و((هذه دنانيركم هي، إن شئتم فخذوها وإن شئتم فدعوها)»، يعني: إنك إنما تكلفني
مفارقة المدينة لما اصطنعته لي، فلا أوثر الدنيا على مدينة رسول الله وقله .

٢٥١
الإكمال في أسماء الرجال
وقال الشافعي: رأيت على باب مالك كراعاً(١) من أفراس خراسان وبغال مصر
ما رأيت أحسن منه، فقلت له: ما أحسنه، فقال: هو هدية مني إليك يا أبا عبدالله،
فقلت: دع لنفسك منها دابة تركبها، فقال: أنا أستحيي من الله تعالى أن أطأ تربة فيها
رسول الله وسلم بحافر دابة، وكم مثل هذه المناقب لمثل هذا الطود الأشم والبحر
الزاخر .
١٠١١ - النعمان بن ثابت: هو الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى
الكوفي، هو من رهط حمزة الزيات، كان خزازاً يبيع الخز، وكان جده زوطى من أهل
كابل مملوكاً لبني تيم الله بن ثعلبة، فأعتق، وولد أبوه ثابت على الإسلام، وقيل:
هو من الأحرار وما وقع عليه رق قط، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب وهو صغير
فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته، ولد سنة ثمانين ومات ببغداد سنة خمسين ومئة،
ودفن بمقابر الخيزران وقبره معروف ببغداد، وكان في أيامه أربعة من الصحابة: أنس
ابن مالك بالبصرة، وعبدالله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة،
وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكة، ولم يلق أحداً منهم ولا أخذ عنهم، وأخذ الفقه عن
حماد بن أبي سليمان، وسمع عطاء بن أبي رباح وأبا إسحاق السبيعي ومحمد بن المنكدر
ونافعاً وهشام بن عروة وسماك بن حرب وغيرهم، روى عنه عبدالله بن المبارك ووكيع
ابن الجراح ويزيد بن هارون والقاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وغيرهم،
ونقله المنصور من الكوفة إلى بغداد وأقام بها إلى أن مات فيها، وكان أكرهه ابن هبيرة
أيام مروان بن محمد الأموي على القضاء بالكوفة فأبى فضربه مئة سوط في عشرة
أيام كل يوم عشرة، فلما رأى ذلك خلَّى سبيله، ولما أشخصه المنصور إلى العراق
(١) اسم يطلق على الخيل والبغال والحمير.

٢٥٢
لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح
أراده على القضاء فأبى فحلف عليه ليفعلن وحلف أبو حنيفة لا يفعل، وتكررت الأيمان
بينهما فحبسه المنصور ومات في الحبس.
قال الحكم بن هشام: حدثت بالشام عن أبي حنيفة أنه كان من أعظم الناس
أمانة، وأراده السلطان على أن يتولى مفاتيح خزائنه أو يضرب ظهره، فاختار عذابهم
على عذاب الله تعالى .
وروي أنه ذكر أبو حنيفة عند ابن المبارك فقال: أتذكرون رجلاً عرضت عليه
الدنيا بحذافيرها ففرّ منها .
كان رَبْعة من الرجال، وقيل: كان طُوالاً تعلوه سمرة، حسن الوجه، أحسن
الناس منطقاً، وأحلاهم نعمة، حسن المجلس، شديد الكرم، حسن المواساة لأعوانه.
قال الشافعي: قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم رأيت رجلاً لو كلّمك
في هذه السارية أن يجعلها ذهباً لقام بحجته، وقال الشافعي: من أراد أن يَتَبَخَّرَ في الفقه
فهو عيال على أبي حنيفة.
وقال أبو حامد الغزالي(١): روي أن أبا حنيفة كان يحيي نصف الليل فأشار إليه
إنسان وهو يمشي وقال لغيره: هذا هو الذي يحيي كل الليل، فلم يزل بعد ذلك يحيي
الليل كله، وقال: أنا أستحيي من الله تعالى أن أوصف بما ليس فيَّ من عبادته.
وقال شريك النخعي: كان أبو حنيفة طويل الصمت دائم الفكر قليل المحادثة
للناس، وهذا من أوضح الأمارات على علم الباطن والاشتغال بمهمات الدين، فمن
أوتي الصمت والزهد فقد أوتي العلم كله، ولو ذهبنا إلى شرح مناقبه وفضائله لأطلنا
الخطب ولم نصل إلى الغرض، فإنه كان عالماً عاملاً ورعاً زاهداً عابداً إماماً في علوم
(١) ((إحياء علوم الدين)) (١ / ٢٨).

٢٥٣
الإكمال في أسماء الرجال
الشريعة، والغرض بإيراد ذكره في هذا الكتاب وإن لم يرو عنه حديث في ((المشكاة))
للتبرك به لعلو مرتبته ووفور علمه.
١٠١٢ - محمد بن إدريس الشافعي: هو الإمام أبو عبدالله محمد بن إدريس
ابن عباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد [بن] هاشم بن المطلب
ابن عبد مناف القرشي المطلبي، لقي شافع النبي ◌َّ وهو مترعرع، وأسلم أبوه السائب
يوم بدر، وكان السائب صاحب راية بني هاشم فأسر وفدى نفسه ثم أسلم، ولد الشافعي
بغزة(١) سنة خمسين ومئة، وحمل إلى مكة وهو ابن سنتين، وقيل: ولد بعسقلان،
وقيل: باليمن، وهي السنة التي مات فيها الإمام أبو حنيفة، ومنهم من قال: إنه ولد يوم
مات أبو حنيفة، قال البيهقي: هذا التقييد في اليوم لم أجده إلا في بعض الروايات،
أما التقييد بالعام فهو مشهور بين أهل التواريخ.
قال محمد بن عبد الحكم: إن أم الشافعي لما حملت به رأت كأن المشتري خرج
من بطنها وانقض بمصر ثم وقع في كل بلدة منه شظية، فقال المعبِّر: إنه يخرج منك
عالم عظيم.
وقال الشافعي(٢): رأيت النبي ◌َّ في النوم فقال لي: يا غلام من أنت؟ فقلت:
من رهطك يا رسول الله وَل*، فقال: ادن مني، فدنوت منه فأخذ من ريقه ففتحت فيَّ
فأمرّ من ريقه على لساني وفمي وشفتي فقال: امش بارك الله فيك، وقال أيضاً: رأيت
النبي ◌َّ بمكة في زمان الصبا رجلاً ذا هيبة يؤم الناس في المسجد الحرام، فلما فرغ
من صلاته أقبل على الناس يعلمهم فدنوت منه فقلت علمني، فأخرج ميزاناً من كمه
فأعطانيه وقال: هذا لك، قال الشافعي: وكان هناك معبر فعرضت الرؤيا عليه فقال:
(١) بلدة بفلسطين.
(٢) انظر: ((تهذيب الأسماء والصفات)) (١ /٦٥).

٢٥٤
لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح
إنك تصير إماماً في العلم وتكون على السنة؛ لأن إمام المسجد الحرام أفضل الأئمة
كلهم، وأما الميزان فإنك تعلم حقيقة الشيء في نفسه.
وذكروا أن الشافعي كان في أول الأمر فقيراً، ولما سلموه إلى المعلم ما كانوا
يجدون أجرة المعلم فكان المعلم يقصر في التعليم، إلا أن المعلم كلّما علم صبياً
شيئاً كان الشافعي يتلقف ذلك الكلام، ثم لما قام المعلم عن مكانه أخذ الشافعي
يعلم الصبيان تلك الأشياء، فنظر المعلم فرأى الشافعي يكفيه أمر الصبيان أكثر من
الأجرة التي كان يطلب منه فترك طلب الأجرة واستمر [على] هذه الأحوال حتى تعلم
القرآن لتسع سنين.
قال الشافعي: لما ختمت القرآن دخلت المسجد وكنت أجالس العلماء وأحفظ
الحديث والمسألة، وكان منزلنا بمكة في شعب الخَيْف، وكنت فقيراً بحيث ما أملك
ما أشتري به القراطيس فكنت آخذ العظم وأكتب فيه.
وكان في أول الأمر تفقه على مسلم بن خالد، وفي أثناء الأمر وصل إليه الخبر
بأن مالك بن أنس إمام المسلمين وسيدهم، قال الشافعي: فوقع في قلبي أن أذهب
إليه، فاستعرت ((الموطأ)) من رجل بمكة وحفظته، ثم دخلت إلى والي مكة فأخذت
كتابه إلى والي المدينة وإلى مالك بن أنس، وقدمت المدينة وبلغت الكتاب، فقال
والي المدينة: يا فتى إن كلفتني المشي من جوف المدينة إلى جوف مكة راجلاً حافياً
كان أهون عليّ من المشي إلى باب مالك، فقلت: إن رأى الأمير أن يحضره، فقال:
هيهات! ليتنا إذا ركبت إليه ووقفت على بابه كثيراً فتح لنا الباب، ثم ركب وذهبنا
معه إلى دار مالك، فتقدم رجل وقرع الباب فخرجت إلينا جارية سوداء، فقال لها
الأمير، قولي لمولاك: إني بالباب، فدخلت الجارية وأبطأت ثم خرجت فقالت: إن
مولاي يقول: إن كان لك مسألة فادفعها في رقعة حتى يُخرج إليك الجواب، وإن

٢٥٥
الإكمال في أسماء الرجال
كان المجيء لمهم آخر فقد عرفت يوم الخميس فانصرف، فقال لها: إن معي كتاب
والي مكة في مهم، فدخلت وخرجت وفي يدها كرسي فوضعته، فإذا مالك شيخ طوال
قد خرج وعليه المهابة وهو متطلُّس، فدفع الوالي الكتاب إليه، فلما بلغ إلى قوله:
إن محمد بن إدريس رجل شريف من أمره كذا وكذا رمى الكتاب من يده فقال:
سبحان الله! صار علم الرسول وَل بحيث يطلب بالرسائل، قال الشافعي: فقدمت إليه
فقلت: أصلحك الله إني رجل مطّلبي من حالتي وقصتي كذا وكذا، فلما سمع كلامي
نظر إليّ ساعة، وكان لمالك فراسة فقال لي: ما اسمك؟ فقلت: محمد، فقال لي:
يا محمد اتق الله واجتنب المعاصي، فإنه سيكون لك شأن من الشؤون، فقلت: نعم
وكرامة، فقال: إن الله تعالى قد ألقى على قلبك نوراً فلا تطفئه بالمعصية، ثم قال:
إذا كان غداً تجيء [وتجيء] بمن يقرأ لك ((الموطأ))، فقلت: إني أقرأه من الحفظ،
ورجعت إليه من الغد وابتدأت بالقراءة، فكلما أردت قطع القراءة خوفاً من ملاله أعجبه
حسن قراءتي، فيقول: يا فتى زد، حتى قرأت(١) في أيام يسيرة، ثم أقمت بالمدينة إلى
أن توفي مالك.
وكان الشافعي إذا حكى قولاً لمالك قال: هذا قول أستاذنا مالك.
قال عبدالله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: أيَّ رجل كان الشافعيُّ؟ فإني سمعتك
تكثر الدعاء له، فقال لي: يا بني! كان الشافعي كالشمس للنهار وكالعافية للناس،
فانظر هل لهذين من خلف أو عنهما عوض.
وقال أخوه صالح بن أحمد: جاء الشافعي يوماً إلى أبي يعوده وكان عليلاً، قال:
فوثب أبي عليه وقبّل بين عينيه ثم أجلسه في مكانه وجلس بين يديه، ثم أخذ يسأله
ساعة، فلما قام الشافعي وركب أخذ أبي بركابه ومشى معه، فبلغ يحيى بن معين ذلك،
(١) كذا في الأصل، والصواب: ((قرأته))، كما في ((تاريخ دمشق)) (٢٨٦/٥١).

٢٥٦
لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح
فقال سبحان الله! لم فعلت ذلك؟ فقال أبي: وأنت يا أبا زكريا لو مشيت من الجانب
الآخر لانتفعت به، من أراد الفقه فليشم ذنب هذه البغلة.
وقال أحمد بن حنبل: ما أعلم أحداً أعظم منة منه على الإسلام في زمن الشافعي
من الشافعي، وإني لأدعو له في أدبار صلاتي: اللهم اغفر لي ولوالدي ولمحمد بن
إدريس الشافعي.
وقال الحسين بن محمد الزعفراني: ما قرأت على الشافعي من الكتب شيئاً إلا
وأحمد بن حنبل شاهد.
قال الشافعي: ما طلب أحد العلم بالتعمق وعز النفس فأفلح، ولكن من طلبه
بضيق اليد وذلة النفس وخدمة العلماء أفلح.
وقال: ما ناظرت أحداً قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان ويكون إليه رعاية الله
وحفظه، وما ناظرت أحداً إلا ولم أُبالٍ إن بين الله الحق على لساني أو لسانه.
وقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: ((لأن يبتلى المرء بكل
ما نهى الله عنه ما عدا الشرك، خير له من أن ينظر في الكلام، فإني والله اطلعت من
أهل الكلام على شيء ما ظننته قط)) وقال: ((ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح)).
وقال أبو محمد بن أخت الشافعي عن أمه قالت: ربما قدمنا في ليلة واحدة ثلاثين
مرة أو أقل أو أكثر كان المصباح بين يدي الشافعي وكان يستلقي ويتذكر ثم ينادي
يا جارية! هلمي المصباح فتقدمه، ويكتب ما يكتب ثم يقول: ارفعيه، فقيل لأبي
محمد: ما أراد برد المصباح؟ فقال: الظلمة أجلى للقلب.
وقال الشافعي: استعينوا على الكلام بالصمت وعلى الاستنباط بالفكر. وقال:
من وعظ أخاه سراً فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وخانه.

٢٥٧
الإكمال في أسماء الرجال
وقال الحميدي: قدم الشافعي من صنعاء إلى مكة بعشرة آلاف في مندیل، فضرب
خباءه خارجاً من مكة، وكان الناس يأتونه فما برحت حتى ذهبت كلها ثم دخل مكة.
وقال المزني: ما رأيت أكرم من الشافعي، خرجت معه ليلة عيد من المسجد
وأنا أذاكره في مسألة حتى أتيت باب داره، فأتاه غلام بكيس فقال له: مولاي يقرئك
السلام ويقول لك: خذ هذا الكيس فأخذه منه، فأتاه رجل فقال: يا أبا عبدالله ولدت
امرأتي الساعة وليس عندي شيء، فدفع إليه الكيس وصعد وليس معه شيء، وفضائله
أكثر من أن تحصى، كان إمام الدنيا وعالم الناس شرقاً وغرباً، جمع الله له من العلوم
والمفاخر ما لم يجمع لإمام قبله ولا بعده، وانتشر له من الذكر ما لم ينتشر لأحد
سواه، سمع مالك بن أنس وسفيان بن عيينة ومسلم بن خالد وخلقاً سواهم كثيراً،
حدث عنه أحمد بن حنبل وأبو ثور إبراهيم بن خالد وأبو إبراهيم المزني والربيع بن
سليمان المرادي وخلق كثير غيرهم، قدم بغداد سنة خمس وتسعين ومئة، وأقام بها
سنين، ثم خرج إلى مكة، ثم قدمها سنة ثمان وتسعين فأقام بها أشهراً ثم خرج إلى
مصر ومات بها عند العشاء الآخرة ليلة الجمعة، ودفن في يوم الجمعة بعد العصر،
وكان آخر يوم من رجب سنة أربع ومئتين وله أربع وخمسون سنة .
قال الربيع: رأيت في المنام قبل موت الشافعي بأيام، أن آدم عليه* مات
ويريدون أن يخرجوا بجنازته، فلما أصبحت سألت بعض أهل العلم عنه فقال: هذا
موت أعلم أهل الأرض لأن الله تعالى علم آدم الأسماء كلها، فما كان يسيراً حتى مات
الشافعي.
وقال المزني: دخلت على الشافعي في علته التي مات فيها، فقلت: كيف
أصبحت؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلاً ولإخواني مفارقاً ولكأس المنية شارباً
وبسوء أعمالي ملاقياً وعلى الله وارداً فلا أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أو إلى

٢٥٨
لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح
النار فأعزيها، ثم بكى وأنشأ يقول:
جعلت رجائي نحو عفوك سُلَّما
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي
بعفوك ربي كان عفوك أعظما
تعاظمني ذنبي فلما قرأتُه
تجود وتعفو منَّةً وتَكَرُّمَا
فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل
وكيف وقد أغوى صفيّك آدما
فلولاك لم يسلم من إبليس عابد
وقال أحمد بن حنبل: رأيت الشافعي في المنام فقلت: يا أخي ما فعل الله بك؟
قال: غفر لي وتوّجني وزوجني وقال لي: هذا بما لم تُزهَ بما أرضيتك، ولم تعجب
وتتكبر فيما أعطيتك.
اتفق العلماء قاطبة من أهل الفقه والأصول والحديث واللغة والنحو وغير ذلك
على ثقته وأمانته وعدالته وزهده وورعه وتقواه وجوده وحسن سيرته وعلو قدره، فالمُطنِب
في وصفه مقصِّر، والمُسهِب(١) في مدحه مقتصر.
١٠١٣ - أحمد بن حنبل: هو الإمام أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل
الشيباني المروزي، ولد ببغداد سنة أربع وستين ومئة، ومات بها سنة إحدى وأربعين
ومئتين، وله سبع وسبعون سنة، كان إماماً في الفقه والحديث والزهد والورع والعبادة،
وبه عرف الصحيح والسقيم، والمجروح من المعدل، ونشأ ببغداد وطلب العلم وسمع
الحديث من شيوخها، ثم رحل إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام
والجزيرة، وکتب عن علماء ذلك العصر، فسمع من یزید بن هارون ویحیی بن سعيد
القطان وسفيان بن عيينة ومحمد بن إدريس الشافعي وعبد الرزاق بن همام وخلق كثير
سواهم، روى عنه ابناه صالح وعبدالله وابن عمه حنبل بن إسحاق ومحمد بن إسماعيل
(١) أي: كثير الكلام.

٢٥٩
الإكمال في أسماء الرجال
البخاري ومسلم بن الحجاج النيسابوري وأبو زرعة وأبو داود السجستاني وخلق كثير
سواهم، إلا أن البخاري لم يذكر في ((صحيحه)) عنه إلا حديثاً واحداً في آخر (كتاب
الصدقات) تعليقاً، وروى أحمد بن الحسن الترمذي عنه حديثاً آخر.
وفضائله كثيرة، ومناقبه جمة، وآثاره في الإسلام مشهورة، ومقاماته في الدين
مذكورة، انتشر ذكره في الآفاق، وسرى حمده في البلاد، وهو أحد المجتهدين المعمول
بقوله ورأيه ومذهبه في کثیر من البلاد.
قال إسحاق بن راهويه: أحمد بن حنبل حجة بين الله وبين عبيده في أرضه.
قال الشافعي: خرجت من بغداد وما خلفت بها أحداً أتقى وأورع ولا أفقه ولا أعلم
من أحمد بن حنبل .
وقال أحمد بن سعيد الدارمي: ما رأيت أسود الرأس أحفظ لحديث رسول الله وَ ظاهر
ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أبي عبدالله أحمد بن حنبل.
وقال أبو زرعة: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: ما يدريك؟
قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب.
وقال إبراهيم الحربي: رأيت أحمد بن حنبل كأن الله جمع له علم الأولين
والآخرين من كل صنف يقول ما شاء ويمسك ما شاء.
قال أبو داود السجستاني: كانت مجالسة أحمد بن حنبل مجالسة الآخرة لا يذكر
فيها شيء من أمر الدنيا، وما رأيته ذکر الدنيا قط.
وقال محمد بن موسى: حمل إلى الحسن بن عبد العزيز ميراثه من مصر مئة
ألف دينار فحمل إلى أحمد بن حنبل ثلاثة أكياس في كل كيس ألف دينار وقال: يا أبا .
عبدالله هذه من ميراث حلال فخذها واستعن بها على عائلتك، قال: لا حاجة لي فيها،

٢٦٠
لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح
أنا في كفاية فردها ولم يقبل منها شيئاً.
وقال [أبو] عبد الرحمن بن أحمد: كنت أسمع أبي كثيراً يقول دبر صلاته: اللهم
كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصن وجهي عن المسألة لغيرك.
وقال ميمون بن الأصبع: كنت ببغداد فسمعت صيحة، فقلت: ما هذا؟ فقالوا:
أحمد بن حنبل يمتحن، فدخلت فلما ضرب سوطاً قال: بسم الله، فلما ضرب الثاني
قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما ضرب الثالث قال: القرآن كلام الله غير مخلوق،
فلما ضرب الرابع قال: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، فضرب تسعة وعشرين سوطاً،
وكانت تكة أحمد حاشية ثوب فانقطعت فنزل السراويل إلى عانته فرمى أحمد طرفه
إلى السماء وحرك شفتيه، فما كان بأسرع من ارتقاء السراويل ولم ينزل، فدخلت عليه
بعد سبعة أيام فقلت: يا أبا عبدالله رأيتك تحرك شفتيك فأي شيء قلت؟ قال: قلت:
اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأت به العرش إن كنت تعلم أني على الصواب
فلا تَهْتِكْ لي ستراً(١).
وقال أحمد بن محمد الكندي: رأيت أحمد بن حنبل في المنام، فقلت:
ما صنع الله بك؟ قال: غفر لي ثم قال: يا أحمد ضربت فيّ؟ قال: قلت: نعم يا رب،
قال: يا أحمد هذا وجهي فانظر إليه فقد أبحتك النظر إليه(٢).
١٠١٤ - محمد بن إسماعيل البخاري: هو أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن
إبراهيم بن المغيرة الجعفي البخاري، وإنما قيل له الجعفي لأن المغيرة أبا جده كان
مجوسياً أسلم على يد يمان البخاري وهو الجعفي والي بخاري فنسب إليه حيث أسلم
(١) ((تاريخ الإسلام)) للذهبي (١٠٣٦/٥).
(٢) ((تاريخ بغداد)» (٦/ ٩٠)، و((سير أعلام النبلاء)) (١١/ ٣٤٩).