Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
(٢) كتاب العلم
٢٤٤ - [٤٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((تَعَلَّمُوا
الْفَرَائِضَ وَالْقُرْآنَ وَعَلِّمُوا النَّاسَ فَإِنِّي مَقْبُوضٌ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت:
٢٠٣١].
ولا تكاد تكون إلا فيما لا يقع، وأما الأغلوطات فجمع أغلوطة، أفعولة كأحدوثة،
وقيل: غلوطات بفتح غين جمع غلوطة، وصوب بعض ضمها، وأصله أغلوطات.
وفي بعض الشروح: الأغلوطات هي المسائل التي يوقع السائل بها المسؤول
عنها في الغلط الإشكال فيها وغموض فيمتحنه ليظهر فضل نفسه وقلة علم المسؤول
عنها .
وفي (الأزهار) النهي للتحريم إذا كان ابتداء لأنه سبب الإيذاء، والإيذاء حرام
وتهييج للفتنة والعداوة، وفيه إظهار فضل النفس ونقص الغير، وأما إن كان جواباً وجزاء
فلا يكون حراماً لقوله تعالى: ﴿ وَجَزَّوُاْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَّةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].
وسئل من الشافعي في مجلس هارون الرشيد عن مسائل مشكلة، فأجابها سريعاً،
فسأل الشافعي ممن سئل منه عن رجل مات عن ست مئة درهم ولم يخص أخته إلا
درهم، فأطرق مليًّا وعجز، فأشار هارون إلى الشافعي بتصويره فقال: رجل مات عن
بنتين وأم وزوجة واثني عشر أخاً وأخت وست مئة درهم.
٢٤٤ - [٤٧] (أبو هريرة) قوله: (تعلموا الفرائض) قيل: المراد بالفرائض علم
المواريث، والصواب أن المراد منها الفرائض التي فرضها الله على عباده، ولما وقعت
في مقابلة القرآن يراد به الفرائض التي يعلم من كلامه وَي ليكون إشارة إلى تعلم
الكتاب والسنة، وهما ينقطعان بوفاته ويقر بانقطاع الوحي، فوصى بالتعليم والتعلم
لهما .

٥٨٢
(٢) كتاب العلم
٢٤٥ - [٤٨] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِوَِّ فَشَخَصَ
بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: ((هَذَا أَوَانٌ يُخْتَلَسُ فِيهِ الْعِلْمُ مِنَ النَّاسِ حَتَّى
لاَ يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٥٣].
٢٤٦ - [٤٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً: ((يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ
الإِيِلِ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَلاَ يَجِدُونَ أَحَداً أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
فِي جَامِعِهِ. قَالَ ابْنُ عُبَيْنَةَ: إِنَّهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَمِثْلُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاق، قَالَ
إِسْحَاقُ بنُ مُوسَى :
٢٤٥ - [٤٨] (أبو الدرداء) قوله: (فشخص ببصره إلى السماء) شخوص البصر
ارتفاع الأجفان إلى فوق وتحديد النظر وانزعاجه، يقال: أشخص بصره: رفعه ولم
يطرق، والباء في (ببصره) للتعدية، ويجيء متعدياً بنفسه، وكأنه انتظر الوحي فأوحي
إليه باقتراب أجله ێد .
وقوله: (أوان يختلس) بالإضافة، وقد يضبط بعض الناس بالتوصيف، وقال
الشيخ ابن حجر: واللفظ العربي بالإضافة، وفي بعض النسخ: (يختلس فيه)، وهذا
الظاهر في التوصيف، ولذا حمله عليه الطيبي، ويختلس بمعنى يسلب، من الخلس
بمعنى السلب، والمراد بـ (العلم) الوحي.
٢٤٦ - [٤٩] (أبو هريرة) قوله: (وعن أبي هريرة رواية) بالنصب على التمييز،
وهو عبارة رفع الحديث أي رواية عن رسول الله صل*، وقيل: إنما يؤتى بهذه العبارة إذا
لم يتيقن عند الراوي أنه قال: قال رسول الله وَيته .
وقوله: (يوشك) بضم الياء وكسر الشين، وفتحها لغة ردية، وقد مر. وضرب
الأكباد كناية عن سرعة السير.

٥٨٣
(٢) كتاب العلم
وَسَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الْعُمَرِيُّ الزَّاهِدُ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ
عَبْدِ اللهِ. [ت: ٢٦٨٠].
قوله: (سمعت ابن عيينة أنه قال) وفي بعض النسخ المصححة ههنا: (قال:
قيل: هو العمري)، وهذا أحسن لئلا ينافي سابقه.
وقوله: (هو العمري الزاهد، واسمه عبد العزيز بن عبدالله) اعلم أن العمري
بضم العين وفتح الميم كثير، والكل منسوب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من
أولاده، ومنهم عبدالله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن
العمري المدني، قال الشيخ في (التقريب)(١): ضعيف عابد، من السابعة، مات سنة
إحدى وسبعين ومئة.
وذكر المؤلف في الفصل الثاني من (باب تعجيل الصلاة) عن الترمذي أنه ليس
بالقوي، وذكر في بعض الحواشي عن (الترغيب)(٢): هو صدوق حسن الحديث فيه
لين، وعن (الكفاية): كان يحيى بن سعيد يضعفه، وقيل: هو لا يحدث عنه، وقد
ذكره مسلم في شواهده، وهو ممن غلب عليه الزهد، وشغلته العبادة عن حفظ الحديث
وضبطه، ولم يذكره صاحب (جامع الأصول)، وهو عجيب.
وفي (الكاشف)(٣) للذهبي: عبدالله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري عن
أخيه عبيدالله ونافع والمقبري، وعنه ابنه عبد الرحمن والقعنبي وأبو مصعب، قال ابن
معین : صويلح، وقال ابن عدي: لا بأس به صدوق.
(١) ((تقريب التهذيب)) (رقم: ٣٤٨٩).
(٢) ((الترغيب)) (١/ ٢٥٧).
(٣) ((الكاشف)) (رقم: ٢٨٧).

٥٨٤
(٢) كتاب العلم
وفي (التهذيب)(١): كان رجلاً صالحاً، وقال عبدالله بن علي بن المديني عن
أبيه: ضعيف، وقال يعقوب بن أبي شيبة: ثقة صدوق، في حديثه اضطراب، وقال
النسائي: ضعيف الحديث، وقال أبو زرعة الدمشقي: رأيت أحمد يحسن الثناء عليه.
ومنهم: عبيدالله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري، أبو
عثمان أخو عبدالله هذا العمري، ثقة ثبت، قدمه أحمد بن صالح على مالك، من
الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة، كذا في (التقريب)(٢).
وقال في (الكاشف)(٣): هو العمري الفقيه الثبت، ويقال: رأى أم خالد
الصحابية، عن أبيه والقاسم وسالم، وعنه شعبة والقطان وأبو أسامة وعبد الرزاق،
مات سنة سبع وأربعين ومئة .
وفي (التهذيب) (٤): كان من سادات أهل المدينة وأشراف قريش فضلاً وعلماً
وعبادة وشرفاً وحفظاً وإتقاناً، وذكره صاحب (جامع الأصول)(٥) وقال: مدني، أحد
الأعلام والراسخين في العلم، وكان تقدم على مالك بن أنس، وروى عن أم خالد
القرشية، سمع القاسم بن محمد ونافعاً، وروى عنه حميد الطويل.
ومنهم: عاصم بن محمد بن زيد بن عبدالله بن عمر بن الخطاب العدوي
القرشي العمري، سمع أباه، وسمع منه وكيع وأبو نعيم وأحمد بن يونس، وذكر في
(١) (تهذيب التهذيب)) (رقم: ٥٦٤).
(٢) ((تقريب التهذيب)) (رقم: ٤٣٢٤).
(٣) ((الكاشف)) (رقم: ٣٥٧٦).
(٤) ((التهذيب)) (رقم: ٧١).
(٥) («جامع الأصول)) (١٢ / ٦٩١).

٥٨٥
(٢) كتاب العلم
(الكاشف)(١): هو صدوق، عن أبيه، وعنه ابن عيينة وقبيصة وأبو الوليد، وفي
(التهذيب)(٢): قال أحمد ويحيى وأبو حاتم: ثقة، زاد أبو حاتم: لا بأس، ذكره ابن
حبان في (الثقات)، وكذا في (التقريب)(٣).
ومنهم عمر بن حمزة، في (جامع الأصول)(٤): هو عمر بن حمزة بن عبدالله
ابن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، ويعرف بالعمري، أصله من المدينة، وسكن
المدينة(٥)، سمع سالم بن عبدالله بن عمر ونافعاً، وسمع منه أبو أسامة ومروان، قال
أحمد: أحاديثه مناكير، وفي (التهذيب)(٦): المدني، وذكره ابن حبان في (الثقات)،
قال: وكان ممن يخطئء، وقال ابن عدي: هو ممن یکتب حديثه، استشهد به البخاري
في (الصحيح)، وروى له حديث(٧) في الأدب أيضاً، وذكر أبو الحجاج أن مسلماً روى
عنه .
إذا عرفت هذا فاعلم أن تعيين عالم المدينة الذي مدحه رسول الله بقوله: (يوشك
أن يضرب الناس أكباد الإبل، ولم يجدوا أحداً أعلم منه) بالعمري الزاهد الذي هو
عبدالله بن عمر المختلف فيه ذلك الاختلاف غير مناسب، والأولى به أخوه عبيدالله
(١) ((الكاشف)) (رقم: ٢٥١٩).
(٢) ((تهذيب التهذيب)) (٥ / ٥٠، رقم: ٩٢).
(٣) ((تقريب التهذيب)) (رقم: ٣٠٧٨).
(٤) ((جامع الأصول)) (١٢ / ٧١٧).
(٥) كذا في الأصول، وفي ((جامع الأصول)): ((وسكن الكوفة)).
(٦) «تهذيب التهذيب)» (٧/ ٣٧٤، رقم: ٧١٩).
(٧) كذا في الأصول، والظاهر: ((حديثاً))، أو يحذف كما في ((تهذيب الكمال)) (٤٢٢١).

٥٨٦
(٢) كتاب العلم
الذي اتفقوا على أنه ثبت ثقة، ومدحوه مدحاً بالغاً، وقدمه بعضهم على مالك بن أنس،
بل لو فسروا العمري الزاهد به لم يبعد؛ فإنه قد وصف بالعبادة أيضاً كما وصف بالعلم
والحفظ والإتقان، نعم لفظ الزاهد اشتهر في عبدالله.
وأما قوله: واسمه عبد العزير بن عبدالله الظاهر أن الضمير في اسمه يرجع إلى
العمري الزاهد، وليس كذلك، إذ لم يذكر أحد أن عبد العزيز بن عبدالله عمري، نعم
هو مدني من أعلام علماء المدينة، كما ذكر صاحب (جامع الأصول)(١): هو أبو
عبد الله(٢)، وقيل: أبو الأصبغ، عبد العزيز بن عبدالله بن أبي سلمة(٣)، واسمه ميمون
الماجشون، قال إبراهيم الحربي: الماجشون فارسي، وإنما سمي بذلك لأن وجنتيه
كانتا حمراوين فسمي بالفارسية ماه كون، ثم عربه أهل المدينة فقالوا: الماجشون،
وعبد العزيز أحد فقهاء المدينة وأعلامهم، سمع ابن شهاب الزهري ومحمد بن المنكدر
وعبدالله بن دينار وأباحازم وحميد الطويل وهشام بن عروة، وروى عنه الليث بن سعد
وبشر بن المفضل ووكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي ويزيد بن هارون وأبو نعيم،
قدم بغداد وحدث بها، ومات سنة أربع وستين ومئة ببغداد، وصلى عليه المهدي.
وفي (الكاشف) (٤): عبد العزيز بن عبدالله بن أبي سلمة الماجشون التيمي
مولاهم المدني الفقيه، أجازه المهدي بعشرة آلاف دينار، وكان إماماً معظماً، قال أبو
الوليد: كان يصلح للوزارة، هذا على ما فهمه الطيبي وإلا فههنا عبد العزيز بن عبدالله
(١) ((جامع الأصول)) (١٢ / ٦٥٣).
(٢) في الأصول: ((أبو عبد)) وهو تحريف.
(٣) في الأصول: ((أبي شملة)) وهو تحريف.
(٤) ((الكاشف)) (رقم: ٣٣٩٥).

٥٨٧
(٢) كتاب العلم
آخر هو عمري ذكره في (الكاشف)(١)، وقال: عبد العزيز بن عبدالله بن عبدالله بن عمر
ابن الخطاب العمري، سمع أباه وعمه سالماً، وعنه ابن المبارك ووهيب، صدوق،
خرج مع ابن حسن، ثم عفا عنه المنصور، وكان بارع الجمال، وفيه يقول المنصور:
إذا قتلت مثل هذا فعلى من أتأمر، والله أعلم، هذا، وقد نقل الطيبي (٢) عن المظهر
أنه قال: أراد بالعمري عمر بن عبد العزيز، ووجهه أن أمه بنت عاصم بن عمر بن
الخطاب، وكنيتها أم عاصم، واسمها ليلى، فهو من أولاد عمر بن الخطاب ظُه من
البنت، ولكن رده بأنه ليس من أهل المدينة بل من أهل الشام، فلا يصح تسميته عالم
المدينة، نعم كان في المدينة في إمارة وليد بن عبد الملك بن مروان أميراً عليها من
قبله حين بني مسجد رسول الله وَير، والله أعلم.
ثم اعلم أنه كان في المدينة وغيره من البلاد علماء من الصحابة والتابعين
وأتباعهم كثيرون كالمذكورين والفقهاء السبعة المشهورين وغيرهم من الأعلام،
فتخصيصه بمالك بن أنس والعمري الزاهد لا يخلو عن شيء، ولا بد من الدليل
عليه، ولا يقطع بذلك، نعم قد اشتهر مالك، وهو من أتباع التابعين في زمانه بالفقه
والحديث والإمامة، وله ملازمة خاصة وجهة مخصوصة بالمدينة التزمها، ولم يخرج
منها مدة عمره إلا لحجة واحدة، فلا يبعد أن يذهب الظن إلى ذلك، وأما غيره
فتخصيص محض بلا مخصص يوجب الظن، ولعل الصواب أنه و * أخبر بهذا الحديث
من حال آخر الزمان الذي يأرز فيه الدين إلى هذه البلدة الشريفة، ولا يبقى على الأرض
عالم إلا فيها، والله أعلم بالصواب.
(١) ((الكاشف)) (رقم: ٣٣٩٦).
(٢) ((شرح الطيبي)) (١ / ٤٠٠).

٥٨٨
(٢) كتاب العلم
٢٤٧ - [٥٠] وَعَنْهُ فِيمَا أَعْلَمُ عَنْ رَسُولِ اللهِ﴿ قَالَ: ((إِنَّ اللهَ وَّ
يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِئَةٍ سَنَةٍ مَنْ يُحَدِّدُ لَهَا دِينَهَا)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
[٥ : ٤٢٩١].
٢٤٧ - [٥٠] (عنه) قوله: (فيما أعلم) هذا لفظ أبي هريرة، أي: في جملة
معلوماتي التي حفظتها من رسول الله وسلم أنه قال ... إلخ، وقيل: بفتح الميم على
لفظ الماضي، فهو قول الراوي من أبي هريرة، وقد يقرأ بضم الهمزة وفتح اللام ورفع
الميم على صيغة المجهول المتكلم، وعلى هذا أيضاً هو لفظ أبي هريرة، والأول هو
الوجه .
وقوله: (على رأس كل مئة) المراد بالرأس آخر المئة أو قريب من آخرها، هكذا
اللفظ العربي، وفي الحديث: فتوفاه الله تعالى على رأس ستين سنة، قال الطيبي(١):
أي آخره، وقال: ورأس الآية آخرها، وكذا بعثه الله على رأس أربعين سنة، وقالوا:
أن المبعوث على رأس المئة الأولى عمر بن عبد العزيز، وهو إنما بعث في آخر المئة
الأولى.
وقوله: (من يجدد لها دينها)(٢) قد تبادر إلى أفهام أقوام أن المراد به واحد من
علماء الأمة امتاز من بين أهل زمانه بتجديد الدين ونصرته، وترويج السنة وتقويتها،
(١) انظر: ((شرح الطيبي)) (١١ /٤٤).
(٢) قال الإمام ولي الله الدهلوي في ((التفهيمات الإلهية)) (١ / ٤٠): والمجدد رجل رزقه الله
سبحانه حظاً من علم القرآن والحديث، ثم ألبس لباس السكينة فجعل يضع التحريم والوجوب
والكراهية والاستحباب والإباحة موضعها، وينقح الشريعة عن الأحاديث الموضوعة وأقيسة
القائسين وعن كل إفراط وتفريط، ثم أظمأ الله أكباداً إليه فأخذوا عنه العلم، وعندنا أن المئة
تخمين لا تعيين، ويعتبر من وفاته وَلا، وأقرب الناس إلى المجددية المحدثون القدماء منهم
البخاري ومسلم وأشباههم.

٥٨٩
(٢) كتاب العلم
٢٤٨ _ [٥١] وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُذْرِيِّ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِوَِّ: ((يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَتْقُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ
الْغَالِينَ، .
وقمع البدعة وتضعيفها، ونشر العلم حتى عيّه قوم بأنه في المئة الأولى فلان، وقال
صاحب (جامع الأصول)(١): الأولى الحمل على العموم(٢) فإنه لفظة: (من) يقع على
الواحد والجمع، ولا يخص أيضاً بالفقهاء بل يعم أولى، وكذا القراء وأصحاب الحديث
والزهاد، ثم عين إلى قريب من زمانه كل واحد من الطوائف، هذا ولو عمم البلاد بأن
يكون في زمان واحد أو جمع من شأنه هذا لم يبعد، وإنما قال: على رأس كل مئة؛
لأن القرن ينقرض في هذه المدة وينقضي وينتهي كماله إليها، ولهذا سمي القيامة
الوسطى كما سيجيء في (باب قيام الساعة) إن شاء الله.
٢٤٨ - [٥١] (إبراهيم بن عبد الرحمن) قوله: (العذري) بضم العين المهملة
وسكون الذال المعجمة منسوب إلی عذرة بن سعد.
وقوله: (من كل خلف)(٣) بفتح اللام أي: من كل جماعة يخلف السابقين
ويلحق بهم، فـ (من) تبعيضية، و(عدوله) فاعل (يحمل).
وقوله: (تحريف الغالين) التحريف التغير لفظاً أو معنىّ، والمراد تبديل الحق
(١) (١١/ ٣١٩).
(٢) وفي ((التقرير)): والظاهر أنه جماعة لكل زمان في كل أمر، وكذا في ((المرقاة)) (١ / ٣٢٢).
(٣) قال القاري: الْخَلَفُ بِفَتْحِ اللَمِ: الرَّجُلُ الصَّالِحُ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ أَحَدٍ وَيَقُومُ مَقَامَهُ، وَيَسْتَوِي
فِيهِ الْوَاحِدُ وَالَِّيَّةُ وَالْجَمْعُ. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٣٢٢). وفي (الصراح)): الخلف بالتحريك
حسن وبالسكون سيء، يقال: خَلْفُ سوء من أبيه بالتسكين، وخَلَفُ صدق بالتحريك، انتهى.
وفي التنزيل: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩، مريم: ٥٩].

٥٩٠
(٢) كتاب العلم
وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينِ)). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي ((كِتَابِ الْمَدْخَلِ))
مُرْسَلاً(١). [هق: ١٠ / ٢٠٩].
وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ جَابِرٍ: ((فَإِنَّمَا شِفَاءُ العِيِّ السُّؤالُ)) فِي ((بَابِ التَّيَمُّمِ))
إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى.
* الْفَصْلُ الثَّالِثُ:
٢٤٩ - [٥٢] عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلاً قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَهِ: (( مَنْ جَاءَهُ
الْمَوْتُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الْإِسْلاَمَ فَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِّينَ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ ..
بالباطل لفظاً أو معنى، أي: تأويلاً وصرفاً عن الظاهر، وغلا في الأمر غلوًّا: جاوز
حَدّه، أي: المتجاوزين في أمر الدين عما حد له وبین.
وقوله: (انتحال المبطلين) انتحله وتنحله: ادعاه لنفسه، وهو لغيره من شعر
أو قول، وهو الكناية عن الكذب، كذا في بعض الشروح، وقوله: (من حديث بقية بن
الوليد عن معاذ) هكذا في أكثر نسخ (المشكاة)، وفي بعضها: عن معان بالنون، وفي
(الكاشف)(٢): معان بن رفاعة روى عنه بقية بن الوليد، وتحقيقه في أسماء الرجال.
الفصل الثالث
٢٤٩ _ [٥٢] (الحسن) قوله: (درجة واحدة) مبالغة في قرب منزلتهم من النبيين،
(١) قوله: ((رواه) بعده بياض بالأصل، وَأَلْحَقَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ، وَفِي نُسْخَةٍ: فِي كِتَابِ الْمَدْخَلِ
مِنْ حَدِيثٍ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ مُعَانٍ. انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٣٢٣). قوله: ((مرسلاً))
لا يوجد هذا اللفظ في المصرية، ولا تعرض له القاري، ولكن ذكر رواية توهم الاتصال،
ورواية توجب الانقطاع، كذا في ((التقرير)).
(٢) ((الكاشف)) (رقم: ٥٥١٣).

٥٩١
(٢) كتاب العلم
فِي الْجَنَّةِ)). رَوَاهُ الدَّارمِيّ. [دي: ١/ ١١٢].
٢٥٠ - [٥٣] وَعَنْهُ مُرْسَلاً قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ عَنْ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي
بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَحَدُهُمَا كَانَ عَالِماً يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ النَّاسَ
الْخَيْرَ، وَالآخِرُ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّتْ:
(فَضْلُ هَذَا الْعَالِمِ الَّذِي يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ عَلَى
الْعَابِدِ الَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَكُمْ)). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
[دي: ١ / ٩٧ - ٩٨].
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((نِعْمَ الرَّجُلُ
٢٥١ - [٥٤] وَعَنْ عَلِيٍّ ◌َظ ـ
الْفَقِهُ فِي الدِّينِ إِنِ احْتِیجَ إِلَيْهِ نَفَعَ،
ولذا أكد بواحد، ويمكن أن يكون وجهه - والله أعلم - أنه قائم مقام الأنبياء في إبلاغ
العلم وإحياء الدين، لكنه فرع وتابع لهم، فيكون أحط بدرجة منهم، ومع ذلك ينبغي
أن يكون المراد الدرجة في إبلاغ العلم وثوابه لا في جميع الدرجات والمراتب.
٢٥٠ - [٥٣] (عنه) قوله: (والآخر يصوم النهار ويقوم الليل) وهو أيضاً عالم
دون الأول أو مثله، بل أكثر منه، ولكن لم يشتغل بالعلم، بل صرف أوقاته إلى العبادة،
كما قررنا سابقاً.
٢٥١ - [٥٤] (علي) قوله: (نعم الرجل الفقيه في الدين) الفقيه مخصوص
بالمدح، و(في الدين) متعلق بـ (الفقيه).
وقوله: (إن احتيج) استئناف أو صفة للفقيه، ومعنى الحديث - والله أعلم -:
أن من شأن العالم وما يليق بحاله أن لا يحوج نفسه إلى الخلق طمعاً في صحبتهم
واختلاطهم ومنافعهم، ولا ينقطع عنهم مطلقاً بأن لا يفيدهم بالعلم ويحرمهم عنه،

٥٩٢
(٢) كتاب العلم
وَإِنِ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ أَغْنَى نَفْسَهُ)). رَوَاهُ رَزِينُ.
٢٥٢ - [٥٥] وَعَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاس قَالَ: حَدِّثِ النَّاسَ كُلَّ جُمُعَةٍ
مَرَّةَ، فَإِنْ أَبَيْتَ فَمَرَّتَيْنٍ، فَإِنْ أَكْثَرْتَ فَثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَلاَ تُمِلَّ النَّاسَ هَذَا
الْقُرْآنَ، وَلاَ أُلْفِيَنَّكَ تَأْتِي الْقَوْمَ وَهُمْ فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ.
بل إن احتاج الناس إليه بأن اضطروا إليه، ولم يكن هناك عالم سواه فيسألوه عن العلم
ليفيدهم ويعلمهم، دخل فيهم للإفادة ونفعهم بالعلم؛ لئلا يضلوا ويهلكوا، (وإن
استغني عنه) بأن لا يلتجئوا ويضطروا إليه وكان هناك من يكفيهم في التعليم (أغنى
نفسه) ولم يداخلهم ولا يتذلل لهم، بل يستغني عنهم ويشتغل بالعبادة وبالعلم أيضاً
بمطالعة الكتاب والسنة والتصنيف ونحوهما.
٢٥٢ - [٥٥] (عكرمة) قوله: (كل جمعة) المراد بالجمعة الأسبوع.
وقوله: (فإن أبيت) أي: أبيت عن الاقتصار على هذا القدر وأردت الزيادة.
وقوله: (ولا تمل) أمر من الإملال يعني الإيقاع في الملالة، يقال: أملّني وأملّ
عليّ: أبرمني.
وقوله: (هذ القرآن) الإشارة للتعظيم.
وقوله: (ولا ألفينك) أي لا أجدنك أي: لا تأتيهم على هذه الجملة فأجدك
عليها، ذكر اللازم وإرادة الملزوم.
وقوله: (تأتي) حال من الضمير المنصوب لا مفعول ثان؛ لأن ألفى بمعنی وجد
الذي بمعنى صادف لا بمعنى علم، يدل عليه كلام (القاموس)(١): ألفاه: وجده،
وتلافاه: تدارك لتفسير تلافاه بمعنى تدارك.
(١) ((القاموس)) (ص: ١٢٢٢).

٥٩٣
(٢) كتاب العلم
فَتَقُصُّ عَلَيْهِمْ فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ فَتُمِلَّهُمْ، وَلَكِنْ أَنّصِتْ، فَإِذَا أَمَرُوكَ
فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ، وَانْظُرِ السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ، فَإِّي عَهِدْتُ
رَسُولَ اللهِن ◌َّهِ وَأَصْحَابَهُ لاَ يَفْعَلُونَ ذَلِك. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٣٣٧].
وقوله: (فتقص) و(فتقطع) مرفوعان عطفاً على (تأتي)، وفي بعض النسخ وقعا
منصوبين على جواب النهي، والوجه هو الأول.
وقوله: (فتملهم) منصوب بتقدير (أن) جواباً للنهي.
وقوله: (فإذا أمروك) أي: طلبوا العلم منك.
وقوله: (وانظر السجع) المصحح في النسخ بصيغة الأمر من النظر، قال
الطيبي(١): المعنى تأمل في السجع الذي ينافي إظهار الاستكانة والتضرع والتخشع
فاجتنبه، فإنه أقرب إلى الإجابة، وقد يفهم من بعض الشروح أنه جعله من الإنظار
بمعنى الإمهال والتأخير أي اتركه .
وقوله: (فاجتنبه) تأكيد له، وهذا صحيح إن صحت الرواية، والله أعلم.
وقوله: (عهدت) أي: عرفت وعلمت، في (القاموس)(٢): العهد: الالتقاء
والمعرفة، وفي (الصحاح)(٣): عهدي به قريب، أي: علمي ومعرفتي به.
وقوله: (لا يفعلون ذلك) أي: السجع والتكلف فيه، وفي الرواية: (إلا ذلك)
بزيادة حرف الاستثناء، فذلك إشارة إلى ترك السجع، كذا في بعض الشروح.
(١) ((شرح الطيبي)) (١ / ٤٠٥).
(٢) ((القاموس)) (ص: ٢٨٩).
(٣) ((الصحاح)) (٢ / ٢).

٥٩٤
(٢) كتاب العلم
٢٥٣ - [٥٦] وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَِّ: ((مَنْ
طَلَبَ الْعِلْمَ فَأَدْرَكَهُ كَانَ لَهُ ◌ِفْلاَنٍ مِنَ الأَجْرِ، فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ كَانَ لَهُ كِفْلٌ
مِنَ الأَجْرِ)). رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١ / ٩٦].
٢٥٤ - [٥٧] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((إِنَّ مِمَّا
يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْماً عَلِمَهُ ونَشَرَهُ، وَوَلَداً صَالِحاً
تَرَكَهُ، .
٢٥٣ - [٥٦] (واثلة بن الأسقع) قوله: (من طلب العلم فأدركه) يجوز أن يكون
هذا بيان حال المجتهد كما ورد أنه إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد، وأن
یکون بیان حال سائر طلبة العلم من أصحاب التحصیل بأنه إن حصل العلم كان له أجر
العلم وأجر المشقة، وإن لم يحصل فأجر المشقة ثابت، كما في المجتهد، و(الكفل)
بالكسر: الحظ والنصيب.
٢٥٤ - [٥٧] (أبو هريرة) قوله: (إن مما يلحق المؤمن) المستتر في (يلحق)
راجع إلى (ما)، و(المؤمن) مفعول، والظاهر أن (من) تبعيضية، ويصح معنى البعضية
باعتبار كل واحد منهما، وحاصله اعتبار الحمل قبل العطف، فلا ينافي الحصر في
الأشياء المذكورة.
وقوله: (علمه) بالتخفيف، وفي بعض النسخ بالتشديد، والأول أظهر، وسيأتي
بعد في حديث أنس وبقرينة (ونشره) لئلا يكون تكراراً، إلا أن يراد بنشر التعليم إكثاره
وإشاعته .
وقوله: (وولداً) بالواو والبواقي بـ (أو)، ولعل النكتة فيه الإشارة [إلى] أنه لو
جمع التعليم والولد بأن يعلم الولد لكان أولى وأحرى ليكون دعاؤه للوالد أفضل

٥٩٥
(٢) كتاب العلم
أو مُصْحَفاً وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِداً بَنَاهُ، أَوْ بَيْئاً لإِبْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْراً أَجْرَاهُ،
أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِخَّتِهِ وَحَيَاتِهِ تَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ)). رَوَاهُ ابْنُ
مَاجَهُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي ((شَعُبِ الإِيمَانِ)). [جه: ٢٤٢، شعب: ٣١٧٤].
٢٥٥ - [٥٨] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِوَهِ يَقُولُ:
(إِنَّ اللهَ وَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنَّهُ مَنْ سَلَكَ مَسْلَكاً فِي طَلَبِ الْعِلْمِ سَهَّلْتُ لَهُ طَرِيقَ
الْجَنَّةِ، وَمَنْ سَلَبْتُ كَرِيمَتَيْهِ أَثَبْتُهُ عَلَيْهِمَا الْجَنَّةَ،
وأقرب إجابة.
وقوله: (ورثه) بالتشديد أي: تركه إرثاً، وقيل: وقفه في حال حياته، وكل هذه
المذكورات راجعة إلى صدقة جارية، فلا ينافي الحصر في الثلاثة كما سبق.
وقوله: (حياته) في حكم العطف التفسيري إشارة إلى أن التصدق لو كان في حال
الحياة وإن لم يكن صحيحاً ما لم يبلغ الروح الحلقوم، ويكون الصحة مرجوة معتبر كما
جاء في الحديث: (ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا)(١)، فافهم.
وقوله: (تلحقه) يحتمل أن يكون متعلقاً بالكل، كرره تأكيداً، أي: يلحق ثواب
الأشياء الستة المذكورة المؤمن من بعد موته، ويحتمل أن يكون متعلقة بالصدقة، كرره
بعد التعميم اهتماماً بشأنها، والظاهر من كلام بعض الشارحين تعلقه بالصدقة بمعنى
إن شرط أن يبقى عين المتصدق به بعد موته، كذا في شرح الشيخ، يعني لتكون صدقة
جارية .
٢٥٥ _ [٥٨] (عائشة) قوله: (كريمتيه) أي: عينيه الكريمتين عليه، في
(١) أخرجه البخاري (١٤١٩، ٢٧٤٨)، ومسلم (١٠٣٢)، وأبو داود (٢٨٦٧)، والنسائي
(٣٦١١).

٥٩٦
(٢) كتاب العلم
وَفَضْلٌ فِي عِلْمٍ خَيْرٌ مِنْ فَضْلٍ فِي عِبَادَةٍ، وَمِلَاَكُ الدِّينِ الْوَرَعُ). رَوَاهُ الْبَيْهَِيُّ
فِي ((شَعَبِ الإِيمَانِ)). [شعب: ٥٣٦٧].
٢٥٦ - [٥٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَدَارُسُ الْعِلْمِ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ
خَيْرٌ من إحْيَائِهَا. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١ / ٨٢، ١٤٩].
(القاموس)(١): كريمتك: أنفك، وكل جارحة شريفة كالأذن واليد، والكريمتان:
العينان، و(الملاك) بفتح الميم وكسره: قوامه الذي يملك به، كذا في (القاموس)(٢).
وفي (مجمع البحار)(٣): هو بالكسر والفتح قوام الشيء ونظامه وما يعتمد عليه فيه،
وكسر ميمه رواية، وفتحها لغة، و(الورع)(٤) التقوى كذا في (القاموس)(٥)، وقد يفرق
بينهما بأن التقوى اجتناب الحرام، والورع اتقاء الشبهة، وقد يعكس.
٢٥٦ _ [٥٩] (ابن عباس) قوله: (خير من إحيائها) إحياء ساعة من الليل أو
كله، والله أعلم، وإحياء الليل إما بمعنى إضافة المصدر إلى المفعول كأن الليل ميت
والعبادة فيه إحياء له، فإن حياة الوقت كونه محلاً لعبادة الله وموته بعدمه، أو بمعنى
(في) أيِّ إحياء النفس في الليل، فكأن القائم بالليل حبي والنائم ميت.
(١) ((القاموس)) (ص: ١٠٦٣).
(٢) ((القاموس)) (ص: ٨٧٩).
(٣) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٦٢٨).
(٤) قال القاري: الْمُرَادُ بِالْوَرَعِ التَّقْوَى عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالشُّبُهَاتِ، وَقَالَ الطَّيِيُّ (٧٠٥/٢):
وَالْوَرَعُ فِي الأَصْلِ الْكَفُّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالتَّحَرُّجُ منه، ثُمَّ اسْتُغِيرَ لِلْكَفِّ عَنِ الْمُبَاحِ وَالْحَلَلِ.
قُلْتُ: لَعَلَّ مُرَادَهُ الْمُبَاحُ وَالْحَلاَلُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الشُّبْهَةِ وَإِلاَّ فَتَرْكُهَا زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ الضَّرُورَةِ
لاَ يُسَمَّى وَرَعاً بَلْ يُسَمَّى زُهْداً، وَاللهُ أَعْلَمُ. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٣٢٧).
(٥) ((القاموس)) (ص: ٧٧١).

٥٩٧
(٢) كتاب العلم
٢٥٧ - [٦٠] وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍ و أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﴿ مَرَّ بِمَجْلِسَیْنِ
فِي مَسْجِدِهِ فَقَالَ: ((كِلاَهُمَا عَلَى خَيْرٍ وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ، أَمَّا
هَؤُلَاءٍ فَيَدْعُونَ اللهَ وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ. وَأَمَّا
هَؤُلاَءٍ فَيَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ أَوِ الْعِلْمَ وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ فَهُمْ أَفْضَلُ، وَإِنَّمَا يُعِثْتُ
مُعَلَّمَاً))، ثمّ جَلَسَ فِيهِمْ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١ / ٩٩ - ١٠٠].
٢٥٧ - [٦٠] (عبدالله بن عمرو) قوله: (مر بمجلسين) أي: بقومين جالسين
في مكانين، أحدهما كانوا ذاكرين داعين، وثانيهما مذاكرين في العلم، أو المجلس
محمول على حقيقته، والمراد بهؤلاء أهل المجلس.
وقوله: (يرغبون إليه) أي يبتهلون ويتضرعون ويسألون، في (القاموس)(١):
رغب فيه: أراده، وعنه: لم يرده، وإليه: ابتهل، والطيبي(٢) قدر في وضمنه معنى
التوسل، وقال: أي يرغبون فيما عند الله من الثواب متوسلين إليه، ولا حاجة إلى ذلك،
وحمل العبارة على الظاهر أنسب وأولى.
وقوله: (فإن شاء أعطاهم)(٣) فمطلوبهم في احتمال ومقتصر على أنفسهم،
وفائدة عمل الآخرين بآخر متعد إلى غيرهم.
وقوله: (أو العلم) شك من الراوي.
(١) ((القاموس)) (ص: ٩٧).
(٢) انظر: ((شرح الطيبي)) (١ / ٤٠٧).
(٣) قال القاري (١ / ٣٢٨): فِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ أَوْجَبُوا الثَّوَابَ فَاسْتَحَقُّوا الْعِقَابَ،
انتهى. والمعنى: أن نفعهم مختص بهم، ونفع العلماء متعدٍّ، فالثواب فيهن أرجى، كذا في
((التقرير)).

٥٩٨
(٢) كتاب العلم
٢٥٨ - [٦١] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: مَا حَدُّ
الْعِلْمِ الَّذِي إِذَا بَلَغَهُ الرَّجُلُ كَانَ فَقِيهاً؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((مَنْ حَفِظَ
عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثاً فِي أَمْرِ دِينِهَا بَعَثَهُ اللهُ فَقِيهاً، وَكُنْتُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
شَافِعاً وَشَهِيداً).
٢٥٨ - [٦١] (أبو الدرداء) قوله: (ما حد العلم الذي ... إلخ) في (القاموس) (١):
الحد: الحاجز بين الشيئين، ومنتهى الشيء، وتمييز الشيء عن الشيء، والظاهر أن
المراد في الحديث المعنى الأخير كما دل عليه كلام الطيبي(٢) حيث قال: حد الشيء
الوصف المحيط بمعناه المميز عن غيره، ويحتمل إيراد المعنى الأول، فإن ما ذكر
حد حاجز، أي: فاصل بين الفقيه وغيره، أو المعنی الثاني بأن یراد منتهی قدر کفایته،
فافهم .
وقوله: (من حفظ على أمتي (٣)) معنى الحفظ ههنا أن ينقل الأحاديث الأربعين
إلى المسلمين وإن لم يحفظها ولا عرف معناها (٤)، وتحقيق معنى هذا الحديث والكلام
(١) ((القاموس)) (ص: ٢٦٤).
(٢) (شرح الطيبي)) (١ / ٤٠٧).
(٣) أَيْ: شَفَقَةً عَلَيْهِمْ أَوْ لِأَجْلِ انْتِفَاعِهِمْ. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٣٢٨).
(٤) كذا ذكره النووي، وقال القاري: فِي قَوْلِهِ: وَلاَ عَرِفَ مَعْنَاهَا نَظَرٌّ لِأَنَّهُ لاَ يُلاَئِمُ الْمَقَامَ الَّذِي
هُوَ حَدُّ الْعِلْمِ إِذِ الْفِقْهُ هُوَ الْعِلْمُ بِالشَّيْءِ وَالْفَهْمُ لَهُ وَغَلَبَ عَلَى عِلْمِ الدِّينِ لِشَرَفِهِ وَإِلَّ فَالْحَامِلُ
غَيْرُ فَقِيهِ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ وَاللهُ أَعْلَمُ. قَالَ الطَّيِيُّ، فَإِنْ قِلَ: كَيْفَ طَابَقَ الْجَوَابُ السُّؤَالَ؟
أُجِيبَ: بِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى كَأَنَّهُ قِيلَ مَعْرِفَةُ أَرْبَعِينَ حَدِيثاً بِأَسَانِيدِهَا مَعَ تَعْلِيمِهَا النَّاسَ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْرِفَةَ أَسَانِيدِهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ، ثُمَّ قَالَ أَو نقول: هو من أسلوب الحكيم، أي:
لا تسأل عن حد الفقه فإنه لا جدوى فيه، وكن فقيهاً فإن الفقيه من أقامه الله تعالى لنشر العلم =

٥٩٩
(٢) كتاب العلم
٢٥٩ - [٦٢] وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَلِ: ((هَلْ
تَدْرُونَ مَنْ أَجْوَدُ جُوداً؟)) قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ((اللهُ تَعَالَى أَجْوَدُ
جُوداً، ثُمَّ أَنَا أَجْوَدُ بَنِي آدَمَ، وَأَجْوَدُهُمْ مِنْ بَعْدِي رَجُلٌ عَلِمَ عِلْماً فَنَشَرَهُ
يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمِيراً وَحْدَهُ، أَوَ قَالَ: أُمَّةً وَاحِدَةً».
٢٦٠ - [٦٣] وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلِ قَالَ: ((مَنْهُومَانِ لاَ يَشْبَعَانِ:
في صحته وضعفه يطلب من (الأربعين) للنووي، وشرح الشيخ ابن حجر.
٢٥٩ - [٦٢] (أنس) قوله: (من أجود جوداً؟) الجود بضم الجيم: البذل مالاً
كان المبذول أو علماً، والأجود إما من الجودة بفتح الجيم ضد الرداءة، أي: من الذي
جوده أحسن وأبلغ، أو من الجود على الإسناد المجازي نحو جد جده.
وقوله: (وأجوده) هكذا في أكثر النسخ، والضمير لـ (بني آدم) بتأويل الإنسان،
وفي بعض النسخ: (أجودهم) وهذا أظهر.
وقوله: (يأتي يوم القيامة أميراً وحده) أي: كملك عظيم معه جماعة لاجتماع
الفضائل والكمالات في ذاته، أو كالأمة الواحدة كما في الرواية الأخرى نحو قوله
تعالى: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]، في (القاموس)(١): الأمير: الملك،
والأمة: الجيل من كل شيء، والرجل الجامع للخير، والإمام.
٢٦٠ - [٦٣] (عنه) قوله: (منهومان) في (القاموس)(٢): النهم محركة والنهامة
= وتعليمه الناس ما ينفعهم في دينهم ودنياهم من العلم والعمل، اهـ. ((مرقاة المفاتيح شرح مشكاة
المصابيح)» (١ / ٣٢٨).
(١) ((القاموس)) (ص: ٣٢٤، ٩٩٤).
(٢) ((القاموس)) (ص: ١٠٧٣).

٦٠٠
(٢) كتاب العلم
مَنْهُومٌ فِي الْعِلْمِ لاَ يَشْبَعُ مِنْهُ، وَمَنْهُومٌ فِي الدُّنْيَا لاَ يَشْبَعُ مِنْهَا)). رَوَى الْبَيْهَقِيُّ
الأَحَادِيثَ الثَّلاَثَةَ فِي ((شُعَبِ الإِيمَانِ)) وَقَالَ: قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِ
أَبِيِ الدَّرْدَاءِ: هَذَا مَثْنٌ مَشْهُورٌ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ.
[شعب: ١٥٩٧، ١٦٣٢، ٩٧٩].
٢٦١ - [٦٤] وَعَنْ عَوْنٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُاللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْهُومَانِ
لاَ يَشْبَعَانِ صَاحِبُ الْعِلْمِ وَصَاحِبُ الدُّنْيًا، وَلاَ يَسْتَوِيَانِ، أَمَّا صَاحِبُ الْعِلْمِ
فَيَزْدَادُ رِضَّى لِلرَّحْمَنِ، وَأَمَّ صَاحِبُ الدُّنْيَا فَيَتَمَادَى فِي الطُّغْيَانِ.
ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللهِ ﴿ كَلَّ إِنَّالْإِنسَنَ لَيَطْغَ ب أَنْ زََّاهُ أَسْتَغْىَ﴾ [العلق: ٦ - ٧]، قَالَ:
وَقَالَ: الآخَرُ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوْأَ﴾ [فاطر: ٢٨]. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ.
[دي: ١ / ٩٦].
كسحابة: إفراط الشهوة في الطعام، وأن لا تمتلئ عين الآكل(١) ولا يشبع، والنهمة:
الحاجة، وبلوغ الهمة والشهوة في الشيء.
٢٦١ - [٦٤] (عون) قوله: (يتمادى) أي: يذهب إلى الغاية، والمدى كفتى:
الغاية .
وقوله: (أن رآه) أي: لأن رآه، والرؤية بمعنى العلم.
وقوله: (قال) أي قال عون: (قال) ابن مسعود څه.
وقوله: (الآخر) أي الاستشهاد الآخر على زيادة منهوم العلم رضاً للرحمن،
فقوله: الآخر مرفوع، وقد ينصب على أنه مفعول (قال)، والتقدير ذكر الاستشهاد الآخر.
(١) في الأصول: ((عن الأكل))، وهو تحريف.