Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ (١) كتاب الإيمان فَلاَ يَأْمُرُنِي إِلاَّ بِخَيْرِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨١٤]. ٦٨ - [٦] وَعَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّم)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٣٨، م: ٢١٧٥]. ورحمته أن يختص حبيبه بل بهذه الكرامة، على أن قوله وقلاير: (فلا يأمرني إلا بخير) يحكم عليه بخلاف ما ذهب إليه، مع أن قوله: (فأسلم) بفتح الميم يحتمل أن يكون بمعنی أذعن، انتھی . وقد يتعقب دلالة قوله: (فلا يأمرني إلا بخير) على الإسلام بحديث أبي هريرة في توكيله والق بحفظ زكاة رمضان وتعليم الشيطان إياه آية الكرسي إذا أوى إلى فراشه، وقوله ◌َّه: (صدقك وهو كذوب)؛ لأنه يدل على تعليم الكافر الخير، اللهم إلا أن يراد العموم، فافهم. نعم توجیه رواية الفتح بكونه بمعنی أذعن واستسلم صحيح، يدل عليه حديث تفلّت الشيطان وقطع الصلاة عليه ◌َية، وقوله بَير: (فأمكنني الله منه، فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد)، وقد جاء في رواية: (فاستسلم)، قال القاضي عياض: وقد روي في غير هذه الأمهات (فاستسلم)، وقال صاحب (النهاية)(١): ويشهد لكونه من الإسلام حديث: (كان شيطان آدم كافراً وشيطاني مسلماً)، وهذا هو المختار، فليس ببعيد أن يخص الله سبحانه نبيه وص له بهذا الفضل والكرامة كما لا يخفى. ٤٦٨ - [٦] (أنس) قوله: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم): (١) (٢ / ٣٩٥). ٣٢٢ (٢) باب الوسوسة ٦٩ - [٧] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلاَّ يَمَشُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخاً مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ، غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٣١، م: ٢٣٦٦]. (مجرى) إما مصدر أو اسم، وعلى التقديرين يمكن إجراء الكلام على جريان الشيطان نفسه في بدن الآدمي لكونه من الأجرام اللطيفة، أو على جريان وساوسه فيه، والمقصود تمكنه من إغواء الإنسان تمكناً تاماً، وتخصيص الطيبي(١) جواز الاحتمال الأول بالثاني تحكم، فتأمل. ٦٩ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (إلا يمسه) المس: اللمس باليد، من سمع ونصر، والأول أفصح. وقوله: (فيستهل) في (الصحاح)(٢): استهل الصبي، أي: صاح عند الولادة، وأَهَلَّ المُعْتَمِرُ: إذا رفع صوته في التلبية، وفي (القاموس)(٣): استهل الصبي: رفع صوته وخفضه، وفي (النهاية)(٤): استهلال الصبي تصويته عند ولادته، و(الصراخ) بضم الصاد: الصوت أو شديده. أخبره النبي الر بأن الشيطان يمس كل مولود ويصيبه بما يؤذيه ويؤلمه، ویتعرض له بما لم يعهد من الآلام، وهذا الإيلام هو المراد من النزغ المذكور في الحديث الآتي، ونزغه: طعنه، وبينهم : أفسد وأغوى ووسوس. (١) (شرح الطيبي)) (١ /٢٠٥). (٢) ((الصحاح)) (٢/ ٢٥٥). (٣) («القاموس المحيط)) (ص: ٩٩٠). (٤) ((النهاية)) (٥ / ٢١٧). ٣٢٣ (١) كتاب الإيمان ٧٠ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((صِيَاحُ الْمَوْلُودِ حِينَ يَقَعُ نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ)). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٥٤٨ بمعناه، م: ٢٣٦٧]. ٧٠ - [٨] (عنه)، وفي (النهاية)(١): (صياح المولود حين يقع نزغة من الشيطان) أي: نخسة وطعنة، وقال التُّورِبِشْتِي: نزغه ونسفه: إذا نخسه بعود، وصوت الصبي وصراخه في تلك الحالة من ذلك الإيلام والإصابة، وقال: النزغ هو الدخول في أمر لإفساده، والشيطان إنما يبتغي بلمسه إفساد ما ولد المولود عليه من الفطرة، واستثنى ◌َّه من ذلك مريم وابنها، وذلك لإجابة دعاء امرأة عمران أم مريم ﴿وَإِنَّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [آل عمران: ٣٦]، قالوا: وتفرد عيسى وأمه بذلك لا يدل على فضلهما على نبينا؛ إذ له * فضائل وكرامات لم يكن لأحد من النبيين، ولا يلزم أن يكون في الفاضل جميع صفات المفضول. قال العبد الضعيف صانه عما شانه: الظاهر أن نبينا ◌َّ مستثنى من هذا العموم، وأنه يخبر عن عامة أحوال بني آدم سوى نفسه الكريمة المقدسة، إذ شأنه أرفع وأعلى من أن يدخل في مثل هذا الحكم، إذ هو الطاهر المطهر من كل دنس، والمعصوم من آفات الشيطان وإفساده خصوصاً في أول خلقه وحين ولادته كما خصوه في أمثال هذا؛ كإلباس إبراهيم * أَوّلاً بعد البعث ونحوه. نعم يمكن أن يكون جريان السنة الإلهية في مس الشيطان وقت الولادة كعموم ورود الأنبياء جهنم تحلة للقسم من غير وصول أثر هذا المس والنزغ إليهم وتضررهم به كما في ورود جهنم، وقد خصه بعض العلماء على ما روي عن ابن عباس ◌َ﴾ من ذلك الورود أيضاً، وقد قيل: إن المتكلم قد لا يدخل في عموم ما يخبر به الناس، والله أعلم(٢). (١) ((النهاية)) (٥/ ٤٢). (٢) قوله: ((إن المتكلم قد لا يدخل ... إلخ)) كذا في (ض)، وفي (ب) بدله: إن المتكلم = ٣٢٤ (٢) باب الوسوسة ٧١ - [٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّيَبْعَثُ سَرَايَاهُ يَفْتِنُونَ النَّاسَ، فَأَدْنَهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَّعْتَ شَيْئاً، قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: ٧١ - [٩] (جابر) قوله: (يضع عرشه على الماء) العرش: سرير الملك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشُّ عَظِيمٌ ﴾ [النمل: ٢٣]، ووضعه إن كان على سطح الماء فإمساك الله تعالى إياه من قبيل الاستدراج، وإن كان على شاطئ البحر فلا إشكال، ولا ضرورة في حمله على الكناية عن الاستيلاء والتملك كما في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾ [طه: ٥] للضرورة هناك. وقوله: (ثم يبعث سراياه) وهي جنوده، جمع سرية بفتح السين وكسر الراء وتشديد الياء: طائفة من الجيش تبعث على العدو. قال في (القاموس)(١): هي من خمسة أنفس إلى ثلاث مئة أو أربع مئة. وقوله: (فأدناهم) أي: أقربهم، في (القاموس)(٢): دَنَاه دُوًّا، ودَنَّه تَدْنِيَةً، وأَدْنَاه: قَرَبه، واستدناه: طلب منه الدنو . وقوله: (أعظمهم فتنة) في (القاموس)(٣): الفتنة بالكسر: الخبرة، والضلال، والإثم، والكفر، والفضيحة، والعذاب، وإذابة الذهب والفضة، والإضلال، والجنون، = يكون خارجاً ومستثنى من الحكم بحكم المجاورة، والله أعلم. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٩٠). (٢) («القاموس المحيط)) (ص: ١١٨). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ١١٢٥). ٣٢٥ (١) كتاب الإيمان مَا تَرَكَتُّهُ حَتَّى فََّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ، والمحنة، والمال، والأولاد، واختلاف الناس في الآراء، وفَتَنَه يفتنه: أَوْقَعَه في الفتنة، كَفَتَّنَهُ وأَفْتَنَّهُ فهو مُفْتَنٌ ومَفْتُونٌ، ووقع فيها، لازمٌّ ومتعدٍّ، كافتتن فيهما، وإلى النساء، أراد الفجور بهن . وفي (مجمع البحار)(١): ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَنُواْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠] حرقوهم، من فتنت الفضة بالنار ليتميز رديئها من جيدها، ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ [المائدة: ٤١] اختباره أو كفره ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦]، أي: الفتون، أي: الجنون، أو الباء زائدة ﴿مَا أَثُرْ عَلَيْهِ بِفَدِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢]، أي: على الله بمضلين، وإنكم تفتنون في القبور، أي بمسألة منكر ونكير، من الفتنة وهو الامتحان، وأصل الفتنة الامتحان، ثم كثر حتى استعمل بمعنى الإثم والكفر، والقتال والإحراق، والإزالة والصرف عن الشيء. وقوله: (حتى فرقت بينه وبين امرأته) قال النُّورِبِشْتِي: أما استبشار الشيطان بمن فرق بين الرجل وامرأته، واستحسانه لذلك؛ فلأن الملعون حل عقدة عقدها الشرع، وترك الزوجين بمضيعة من تحصين الدين، وذلك عنده من جلائل الأمور، وعظائم الشؤون، انتھی. والظاهر من كلامه أن غرض اللعين إيقاع بني آدم في الذنوب والمعاصي حتى يعذبوا ويهلكوا، وذلك من عداوته لهم، ولكن لا خصوصية لذلك بالزوجين، فلذلك قال الطيبي(٢): يريد حل ما يعقده الشرع ليستبيح ما حرمه، فيكثر الزنا وأولاد الزنا، فيفسدوا في الأرض ويتعدوا حدود الله، ومن ثم ورد عن النبي ◌َّ: (لا يدخل الجنة ولد زنية)، انتهى. (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٤ / ٩٩). (٢) ((شرح الطيبي)) (١ / ٢٠٨). ٣٢٦ (٢) باب الوسوسة وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ))، قَالَ الأَعْمَشُ: أرَاهُ قَالَ: ((فَيَلْتَزِمْهُ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨١٣]. ٧٢ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِنَّهِ: ((إِن الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ أقول: قد تكلم الحفاظ في ثبوت هذا الحديث، قال ابن طاهر وابن الجوزي(١): إنه موضوع، وقال الشيخ مجد الدين في (سفر السعادة): باطل لم يثبت، وقد ذكرنا طرقه في شرحه، وقال ابن حجر العسقلاني(٢): وعلى تقدير الصحة فسره العلماء بأن المراد لم يدخل إن عمل بمثل عمل والديه، وقيل: المراد بولد الزنا من يواظب عليه ويلازمه، كما يقال للشجعان: بنو الحرب، ولأولاد المسلمين: بنو الإسلام، هذا ويمكن أن يراد بالتفريق بين الرجل وبين امرأته إيقاع الخصومة والشقاق بينهما حتى لا يجتمعان ولا يباشران الجماع، فلا يحصل الولد، وهذا أيضاً من العداوة؛ لأن العدو يحب قطع نسل أعدائه، والله أعلم. وقوله: (نعم أنت) فاعل (نعم) محذوف، و(أنت) مخصوص بالمدح. وقوله: (قال الأعمش) وهو راوي الحديث عن أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر، فالمضمر المنصوب في (أراه) لطلحة، ويحتمل أن يكون لجابر ويكون هذا قول طلحة، فالمعنى قال الأعمش: قال طلحة: أراه، أي: جابراً، فافهم. (قال: فیلتزمه) أي : يعانقه زيادة على (فيدنيه)، أو بدله . ٧٢ - [١٠] (عنه) قوله: (إن الشيطان قد أيس من أن يعبده المصلون) قال (١) ((الموضوعات)) (٣/ ١٠٩). (٢) انظر: ((المقاصد الحسنة)) (ص: ٢٤٤)، و((كشف الخفاء)) (٢/ ٣٧٢). ٣٢٧ (١) كتاب الإيمان فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، . الطيبي(١): المراد بالمصلين المؤمنون، وبعبادة الشيطان عبادة الأصنام، والمعنى: إن الشيطان أيس أن يعود أحد إلى عبادة الصنم، ولا يرد على هذا [ارتداد] أصحاب مسيلمة ومانعي الزكاة وغيرهم ممن ارتدوا [بعد رسول الله وَي]؛ لأنهم لم يعبدوا الصنم، انتھی . وقال التُّورِبِشْتِي: أراد بالمصلين المؤمنون الذين يقيمون الصلاة، أي: أيس أن يرتدوا عن دينهم، فإن قال قائل: كيف بمن ارتد من أصحاب مسيلمة والعنسي وغيرهما؟ فالجواب أن يقول: إن النبي ◌َّي لم يخبر عنهم أنهم لا يفعلون ذلك، وإنما أخبر عن اليأس الذي استشعر الشيطان منهم أن يعودوا في طاعته، فلا تضاد بين هذا الحديث وبين القضية التي ذكرت. ويحتمل معنى آخر، وهو أنه أشار ◌َ* أن المصلين من أمتي الذين يقيمون الصلاة ديناً وملة لا يجمعون بين الصلاة وعبادة الشيطان كما فعلته اليهود والنصارى، وذلك أن تقول: معنى الحديث: أن الشيطان أيس من أن يتبدل دين الإسلام، ويظهر الإشراك، ويستمر ويصير الأمر كما كان من قبل، ولا ينافيه ارتداد من ارتد، بل لو عبد الأصنام أيضاً لم يضر في المقصود(٢)، فافهم. وقوله: (في جزيرة العرب) وإنما خص جزيرة العرب لأن الدين لم يتعدّ عنها، كذا قال التُّورِبِشْتِي، وقال شيخنا ومولانا الشيخ عبد الوهاب المتقي - نفعنا الله ببركاته وبركات علومه في بعض تعليقاته -: اعلم أن عبارات الناس اختلفت في تحديد أرض (١) (شرح الطيبي)) (١ / ٢٠٨). (٢) في ((التقرير)): قيل: ليس بإخبار، بل بيان كثرة شوكة الإسلام، فلا يضر وقوعه. ٣٢٨ (٢) باب الوسوسة العرب، فقال صاحب (التبيين): حدها طولاً ما وراء ريف العراق إلى أقصى حَجْر باليمن، وعرضها من جدة وما والاها من الساحل إلى حد الشام. وقال الزاهدي شارح القدوري: حدها ما بين العُذيب إلى مكة، ومن عدن إلى أقصى حجر باليمن بمهرة إلى حد الشام. وقال الإمام خواهر زاده: من عدن أبين إلى ريف العراق، ومن رمل يبرين إلى منقطع السماوة، وهي تهامة والحجاز ومكة واليمن والطائف والعمان والبحرين. وقال محمد رحمه الله: أرض العرب من العُذيب إلى مكة، ومن عدن أبين إلى أقصى حجر باليمن بمهرة. وقال صاحب (مواهب الرحمن): هي ما بين العُذيب إلى أقصى حَجْر باليمن بمهرة طولاً، وما بين الدمناء ويبرين ورمل عالج إلى حد الشام عرضاً. وقال شارح (الوقاية): هي ما بين العذيب إلى أقصى حَجْر إلى حد الشام، وهذه العبارة موافقة لما في (ملتقى الأبحر)(١). وقال في (مجمع البحار)(٢): اسم صُقْع من الأرض، وهو ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وما بين رمل يَيْرِين إلى منقطع السَّمَاوَة في العرض، سمّيت به لأن بحر فارس وبحر السودان أحاطا بجانبيها، وأحاط بالشمال دجلة والفرات. وقال الأصمعي: جزيرة العرب مالم يبلغ ملك فارس من أقصى عدن إلى ريف العراق، وعرضها من جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطوار الشام. (١) انظر: ((مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر)) (٤/ ٣٤٣). (٢) ((مجمع بحار الأنوار)) (١ / ٣٥٢). ٣٢٩ (١) كتاب الإيمان وَلَكِنَّ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨١٢]. وقال صاحب (القاموس)(١): جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام، ثم دجلة والفرات، أو ما بين عدن [أبين] إلى أطراف الشام طولاً، ومن جدة إلى ريف العراق عرضاً. وقال الشُّمُنِّي: هي ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وما بين أرض يَبْرِين إلى منقطع السماوة في العرض. وفي (صحيح البخاري)(٢): قال يعقوب بن محمد: سألت المغيرة بن عبد الرحمن عن جزيرة العرب فقال: مكة والمدينة واليمامة واليمن، وقال يعقوب: والعرج أول تهامة . وفي (شرح الوافي): هي أرض الحجاز وتهامة واليمن ومكة والطائف والبرية . وقوله: (ولكن في التحريش بينهم) أي: في حملهم على الفتن والحروب، ولعله إخبار عما جرى بين الصحابة، في (القاموس)(٣): التحريش الإغراء بين القوم أو الكلاب، وفي الحديث: (نهى عن التحريش بين البهائم) (٤)، هو الإغراء وتهييج بعضها كما يفعل بين الجمال والكباش والديوك وغيرها، والاحتراش في الأصل: الجمع والكسب والخديعة، ومنه احتراش الضب لاصطياده بالحيلة. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٤١). (٢) ((صحيح البخاري)) (٣٠٥٣). (٣) ((القاموس المحيط)) (ص: ٥٤٥). (٤) أخرجه أبو داود (٢٥٦٤)، والترمذي (١٧٠٨). ٣٣٠ (٢) باب الوسوسة * الْفَصْلُ الثَّانِي: ٧٣ - [١١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ ◌َهْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنِّي أُحَدِّثُ نَفْسِي بِالشَّيْءٍ لأَنْ أَكُونَ حُمَمَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَنَّكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ أَمْرَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١١٢]. ٧٤ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةَ بِابْنِ آدَمَ، وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ، الفصل الثاني ٧٣ - [١١] (ابن عباس) قوله: (حُمَمَةً) في (القاموس)(١): حمم كصرد: الفحم، واحدته بهاء. وقوله: (ردّ أمره) الظاهر أن الضمير للرجل، والأمر بمعنى واحد الأمور، ويحتمل أن يكون للشيطان، والأمر واحد الأمور أو واحد الأوامر. ٧٤ - [١٢] (ابن مسعود) قوله: (لمة) بفتح اللام، في (القاموس)(٢) أَلَمّ به: نزل، كَلَمّ، أي: نزولاً وقرباً وإصابة، (فإيعاد بالشر) بلفظ الإفعال، وكذا في قوله: (فإيعاد بالخير) قالوا: قد غلب استعمال الوعد في الخير، والوعيد في الشر، فقيل: الإيعاد في الأول في موقعه، وفي الثاني مشاكلة، وقيل: الوعيد في الاشتقاق اللغوي كالوعد، ولا فرق بينهما لغة. (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠١٣). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٦٨). ٣٣١ (١) كتاب الإيمان قال في (القاموس)(١): وعده الأمر، وبه، [يَعِدُ] عدةً ووَعْداً ومَوْعِداً ومَوْعِدَةً ومَوْعُوداً ومَوْعُودَةً، خيراً وشراً، فإذا أُسقِطا قيل في الخير: وعد، وفي الشر: أوعد، وقالوا: أوعد الخير وبالشر، وقيل: ذلك التمييز إنما هو عند الإطلاق، وأما ههنا فالفارق موجود بلا التباس، وهو لفظ الخير والشر، وقد يروى (فاتعاد) بلفظ الافتعال في الموضعين أو في الثانية . قال التُّورِبِشْتِي: الرواية المعتد عليها في الموضعين بلفظ الإفعال، والذي يروي بأنه من باب الافتعال فإنه لم يأت بشيء سوى أنه حرَّف اللفظ عن منهاج الرواية وغيّر المعنى؛ لأن الاتعاد يستعمل على وجهين، إما بمعنى قبول الوعد، أو بمعنى اتعاد القوم بعضهم بعضاً في الشر، يقال: تواعد القوم، وعد بعضهم بعضاً في الخير، واتعدوا: إذا وعد بعضهم بعضاً في الشر، ولا وجه لإحدى الصورتين في هذا الحديث. قال سيدي الشيخ عبد الوهاب المتقي قدس الله سره العزيز في رسالته (مفاتيح الغيوب في معرفة خواطر القلوب): مثل القلب كمثل حوض يقع من جوانبه أنهار، فنهر من ماء، ونهر من لبن، ونهر من دم، ونهر من بول، ونهر من صديد، وتجتمع المياه كلها في ذلك الحوض حتى امتلأ، فطريق تطهيره إنما يكون إذا سدّ خوخات الأنهار عن الوقوع في الحوض، ثم يعالج في إخراج ما يجتمع فيه من المياه الطاهرة والنجسة كلها، ثم يفتح خوخات الأنهار التي هي طاهرة ويسدّ ما دونها، فحينئذ يمتلىء الحوض بالمياه الطاهرة، ويتطهر عن المياه النجسة، فمن أراد تطهير ذلك من غير هذا الطريق تعب وضيع عمره، فكذلك القلب حوض، والحواس كلها مثل الأنهار يقع منها (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٣٠٨). ٣٣٢ (٢) باب الوسوسة فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنّهُ مِنَ اللهِ، فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَمَنْ وَجَدَ الأُخْرَى، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ)، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُّرُكُم بِالْفَحْشَاءٍ ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٨]. فيه أنواع الخير والشر فامتلأ بذلك، فمن أراد تطهيره فعليه أولاً بسدٍّ جميع الحواس، وثانياً بإخراج ما اجتمع في القلب من الحواس من الخير والشر بمعرفة الذكر، وثالثاً بفتح ما هي طاهرة محمودة، وسدّ ما هي نجسة مذمومة، فإذا أراد تطهيره من غير هذا الطریق تعب وضیع عمره، انتهى كلامه قدس سره. وقوله: (فليعلم أنه من الله) أي: صادر من جانب لطفه ورحمته، فلمة الشيطان صادرة من قهره وغضبه . اعلم أن المشايخ الصوفية قسموا الخاطر إلى أربعة: حقاني، ونفساني، وملكي، وشيطاني، ويفهم من هذا الحديث اثنان: الملكي والشيطاني، ولعله باعتبار إرجاع النفساني إلى الشيطان، والحقاني إلى الملكي، ويستأنس له بقراءته وّل﴿ الآية المذكورة وآخرها ﴿وَاَللَّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، فافهم . وقد ذكر الشيخ قدس سره في الرسالة المذكورة الخواطر الأربعة الجارية على ألسنة المشايخ وبيّها وفصّلها بما لا مزيد عليه، ولم نعرف أحداً ذكره فيما نعلم، قال فيه: وقال بعضهم: الخاطر على سبعة أنواع: ستة من المخلوقات، وسابع من الخالق وّات، أما الستة التي هي من المخلوقات، فأولها: الخاطر الدنياوي، وثانيها : الخاطر الأخروي، وثالثها: الشيطاني، ورابعها: الملكي، وخامسها: النفساني، وسادسها: الروحاني، فالدنياوي يقابل الأخروي، والشيطاني يقابل الملكي، والنفساني يقابل الروحاني. ٣٣٣ (١) كتاب الإيمان ثم ينقسم كل واحد من هذه الأقسام إلى ثلاثة أقسام، فالدنيوي ينقسم إلى ثلاثة أقسام، الأول: تذكير بما مضى مما لا درك له، والثاني: تذكير بما يأتي مما لا يدري هل يوصل له؟ والثالث: تذكير بالأحوال الحاضرة، وهي سبب عمارة الدنيا المنسي للمعاد وعمارة الآخرة. والأخروي ينقسم إلى ثلاثة أقسام، الأول: تذكير بما قضى على العبد وكتب عليه، وأن ذلك لا يزاد فيه ولا ينقص، والثاني: تذكير بما يلقى العبد في المعاد والدار الآخرة، والثالث: تذكير للعبد بما هو ملابس له من أمور الإيمان، وهل هو متصف بها حقيقة؟ . والشيطاني ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: نهي عن الخير كله من جميع جهاته، والثاني: أمر بالشر كله من جميع جهاته، والثالث: إفساد معاني الخير وتقوية معاني الشر. والملكي على ثلاثة أقسام: الأول: أمر بمعروف من كل وجه، والثاني: نهي عن المنكر من كل وجه، والثالث: إبطال معاني الشر والحض على تقوية معاني الخير. والنفساني على ثلاثة أقسام: الأول: يدعو إلى الشهوات وتناول الأغراض، والثاني: يدعو إلى الاستكبار والعلو والظهور ومنازعة الربوبية وصفاتها، والثالث: يتقلب في جميع الخواطر، فمع الخير بالتثبيط والتكاسل، ومع الشر بالتقوية والإمداد. والروحاني على ثلاثة أقسام: الأول: التنزه عن دنيء الأخلاق، والثاني: الاتصاف بمحاسن الأخلاق وأعاليها، والثالث: الأمر بإعطاء المملكة حقوقها وتنفيذ الأوامر الشرعية فيهم. ٣٣٤ (٢) باب الوسوسة رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذا حَديثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٩٨٨]. وأما السابع: وبه تمت الخواطر، وهو خاطر الحق ◌َّ، فهو على ضربين: الأول: يأتي بواسطة، وهو جميع ما تقدم من الخواطر، فإنها مضافة إليه تعالى حقيقة وإلى غيره مجازاً، والثاني: يرد على السر بحكم الجبر لا يمكن الانفصال عنه ولا الانفكاك منه، فإن الحق تعالى ما تجلى بشيء إلا خضع له، والله غالب على أمره. قلت: وقد يكون خاطر الشيخ، فهو إمداد همة الشيخ يصل إلى قلب المريد الطالب مشتملاً على كشف معضل وحلِّ مشكل حصل للمريد في الواقعات والواردات الربانية، وهذا الخاطر إنما يرد على قلب المرید عند اشتكشافه ذلك باستمداده من ضمير الشيخ، فينكشف ويتبين الحال، سواء كان الشيخ حاضراً أو غائباً، حيًّا أو ميتاً، يدل عليه ما قال الشيخ العارف بالله علي بن حسام الدين المتقي - أسكنه الله بحبوحة جنته، وتغمده بلفطه ورحمته -: يا عبد الوهاب إذا أشكل عليك شيء من الواقعات والواردات فاعرضها عليَّ بقلبك، واستكشف ذلك باستمدادك مني ولو بعد موتي، فجرَّبت ذلك فوجدته كما قال. وهذا الخاطر أيضاً في الحقيقة داخل تحت خاطر الحق سبحانه؛ لأن قلب الشيخ بمثابة باب مفتوح إلى عالم الغيب، وهو واسطة بين المريد وبين الحق سبحانه، فيصل إمداد فیضه علی قلب المرید بواسطته، انتهى كلامه قدس سره. وقوله: (هذا حديث غريب) الغرابة لا تنافي الصحة، وليس طعناً في الحديث؛ لأن الغريب هو أن يروي واحد عن واحد، ولكن قد يطلق بمعنى الشاذ، وهو بهذا المعنى ينافي الصحة، وقد ذكرناه في المقدمة فتذكر. ٣٣٥ (١) كتاب الإيمان ٧٥ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِوَ﴿ يَقُول: ((لاَ يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ، حَتَّى يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللهُالْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ الله؟ فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ: فَقُولُوا: اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوْاً أَحَدٌ، ثُمَّ ◌ِيَتْقُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاَثًاً، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ الأَخْوَصِ فِي بَابِ خُطْبَةٍ يَوْمِ النَّخْرِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. [د: ٤١٢٢، ٤٧٢٢]. * الْفَصْلُ الثَّالِثُ: ٧٦ - [١٤] عَنْ أَنَسِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((لَنْ يَبْرَحَ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَمَنْ خَلَقَ اللهَ وَ؟)). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِمُسْلِمٍ: قَالَ: ((قَالَ اللهُ عَّكَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ يَزَالُونَ يَقُولُونَ : . ٧٥ _ [١٣] (أبو هريرة) قوله: (فقولوا: الله أحد ... إلخ) وهذه الصفات نافية لأن يكون مخلوقاً. وقوله: (ثم ليتفل) أي: السامع أو كل واحد، والتفل: نفخ معه أدنى بزاق، وهو أكثر من النفث، من نصر وضرب، وسنبينه في موضعه أكثر من هذا، والمقصود من التفل استكراه الشيطان واستقذاره ومراغمته، ولعله يكون له تأثير في دفع اللعين وشره، ولهذا أمر بذلك، وتخصيص جانب اليسار لأن الشيطان يكون في هذا الجانب. الفصل الثالث ٧٦ - [١٤] (أنس) قوله: (لن يبرح الناس) مرَّ شرحه في الفصل الأول [برقم: ٦٦]. ٣٣٦ (٢) باب الوسوسة مَا كَذَا؟ مَا كَذَا؟ حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللهَ وَكَ؟)). [خ: ٦٨٦٦، م: ١٣٦]. ٧٧ - [١٥] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أبِي الْعَاصِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بيني وَبَيْنَ صَلاَتِي وَبَيْنَ قِراءَتِي يُلَبِّسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِِّ: ((ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ: خِنْزِبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفُلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلاَثً)، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنِّي. رَوَاهُ مَسْلِمٌ. [م: ٢٢٠٣]. ٧٨ - [١٦] وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: أَنَّ رَجُلاً سَأَلَهُ فَقَالَ: إِنِّي أَهِمُ فِي صَلاتِي. ٧٧ _ [١٥] (عثمان بن أبي العاص) قوله: (يلبسها) بفتح فسكون فكسر، أو بضم ففتح فتشديد الموحدة، كذا في شرح الشيخ. وقوله: (خنزب) في (مجمع البحار)(١): قيل: هو لقبه، والخنزب: قطعة لحم منتنة، ويقال بفتح خاء وزاء، وبكسرهما، وبكسر الأولى وفتح الثانية . وقوله: (ثلاثاً) الظاهر أنه قيد للتفل، ويحتمل أن يكون قيداً للتعوذ والتفل معاً، والله أعلم. ٧٨ - [١٦] (القاسم بن محمد) قوله: (إني أهم) في (القاموس)(٢): الوهم من خطرات القلب، أو مرجوح طرفي المتردِّد فيه، ووهم في الشيء كوعد: ذهب وَهْمُه إليه، وأوهم كذا من الحساب: أسقط، أو وَهَمَ كَوَعَدَ ووَرِثَ، وأوهم بمعنىّ، (١) ((مجمع بحار الأنوار)) (٢ / ١٢٠). (٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ١٠٧٦). ٣٣٧ (١) كتاب الإيمان فَيَكْثُرُ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَقَالَ لَهُ: امْضٍ فِي صَلاَتِكَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَذْهَبَ ذَلِكَ عَنْكَ حَتَّى تَنْصَرِفَ وَأَنْتَ تَقُولُ: مَا أَتْمَمْتُ صَلاَتِي. رَوَاهُ مَالِكَ. [ط: ٣٣٢]. ٣ - باب الإيمان بالقدر وتَوَهَّمَ: ظن، والمراد ههنا الوسوسة، (فيكثر) بالمثلثة معلوماً ومجهولاً، أو بالموحدة معلوماً، وهو الأصح رواية ودراية، (فقال له) أي: قال القاسم بن محمد للسائل : إن علاج دفع وسوسة الشيطان أن تمضي في صلاتك ولا تصغي إلى قول الشيطان ووسوسته، فإنه لا يذهب ذلك الوهم عنك حتى تمضي في صلاتك وتنصرف عن الصلاة وأنت تقول للشيطان إرغاماً له: نعم ما أتممت صلاتي كما تقول، ولكن لا أتمها ولا أعيدها بقولك، اذهب فإن ربي كريم يقبل مني بكرمه، وهذا هو الأصل في دفع الوسواس كما مر في الفصل الأول في أحاديث أبي هريرة. هذا ما ذكروه في توجيه الحديث، وهو صحيح، غير أن قوله: (ما أتممت صلاتي) لا يظهر منه ما ذكروه من قولهم: (نعم ما أتممت صلاتي ... إلخ)، والذي يتبادر إلى الفهم أن المقصود أنك لو أصغيت إلى ذلك يبقى فيك الوسواس حتى تنصرف، وأنك تشكّ في صلاتك فتعيدها، وهكذا فتبقى مبتلىّ بالوسوسة، ولكن يظهر المعنى الذي ذكروه بالتأمل في سياق الحديث من قوله: (امض في صلاتك)، وقوله: (لن يذهب ذلك عنك) فتأمل، والله أعلم. ٣ - باب الإيمان بالقدر في (القاموس) (١): القدر محركة: القضاء والحكم ومبلغ الشيء، والقدرية: (١) ((القاموس المحيط)) (ص: ٤٢٨). ٣٣٨ (٣) باب الإيمان بالقدر جاحدوا القدر. وفي (النهاية)(١): القدر محركة: ما قضاه الله تعالى وحكم به من الأمور، وقد تُسَكّن داله، ومنه ليلة القدر وهي ليلة تقدر فيها الأرزاق وتقضى. وفي (الصراح)(٢): قدر بسكون وحركت: انذازه كرده خداي بربنده أز حكم، وقال الطيبي(٣): القدر بالفتح والسكون: ما يقدره الله من القضاء، وبالفتح اسم لما صدر [مقدوراً] عن فعل القادر، كالهدم لما صدر عن فعل الهادم. وقال النووي (٤): قدر بالتخفيف والتشديد بمعنى قضاه، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَّنْ تَّقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] بالتخفيف، ويروى حديث: (لئن قدر الله علي ليعذبني) بالتخفيف والتشديد بمعنی قدر وقضی. وبهذا ظهر أن القضاء والقدر في اللغة بمعنى واحد، وقد يفرق بينهما بأن القضاء هو الحكم الأزلي، والقدر وقوعه فيما لا يزال موافقاً لما سبق من القضاء، وإلى كليهما وقعت الإشارة بقوله تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُتْبِثٌ وَعِندَهُ أُمُ الْكِتَبِ﴾ [الرعد: ٣٩]، فالمحو والإثبات إشارة إلى القدر، و(عنده أم الكتاب) إشارة إلى القضاء، وقد يجيء بيانهما على العكس، ويتم في شرح حديث عمران بن حصين (٥) في أثناء الفصل الأول. والمراد بالإيمان بالقدر(٦) أن يؤمن بالقدر خيره وشره، وأن الله تعالى قدر وقضى (١) ((النهاية)) (٤ / ٢٢). (٢) ((الصراح)) (ص: ٢٠٧). (٣) ((شرح الطيبي)) (١ / ٢١٥). (٤) ((شرح صحيح مسلم)) (١٧ / ٧١). (٥) انظر: الحديث (٨٧). (٦) قال القاري: وَالْقَدَرُ: سِرّ مِنْ أَسْرَارِ اللهِ تَعَالَى لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهَا مَلَكاً مُقَرَّباً، وَلاَ نَبِيًّا مُرْسَلاً، = ٣٣٩ (١) كتاب الإيمان الكائنات كلها في الأزل(١)، وأفعال العباد أيضاً بتقديره وقضائه وبخلقه، ومع ذلك جعل للعباد صفة الاختيار يكسب بها الأفعال، إن كانت طاعة يثاب بها، وإن كانت معصية يعاقب عليها، فالفعل واقع بخلق الله، ولكسب العبد واختياره مدخل فیه، وتحقيقه أن في العبد صفة ترجح بها أحد طرفي الفعل والترك على الآخر بعد تصوره وانبعاث الشوق إليه إن كان ملائماً، أو النفرة عنه إن كان منافراً، ووجود هذه الصفة فيه معلوم قطعاً كوجود السمع والبصر وغيرهما من الصفات لضرورة التفرقة بين حركة المرتعش وغيره. = وَلاَ يَجُوزُ الْخَوْضُ فِيهِ، وَالْبَحْثُ عَنْهُ بِطَرِيقِ الْعَقْلِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ فَجَعَلَهُمْ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً خَلَقَهُمْ لِلنَّعِيمِ فَضْلاً، وَفِرْقَةٌ لِلْجَحِيمِ عَدْلاً، وَسَأَلَ رَجُلٌ عَلِيَّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ عَه فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ؟ قَالَ: طَرِيقٌ مُظْلِمٌ لاَ تَسْلُكْهُ، وَأَعَادَ السُّؤَالَ فَقَالَ: بَحْرٌ عَمِيقٌ لاَ تَلِجْهُ، فَأَعَادَ السُّؤَالَ فَقَالَ: سِرُّ اللّهِ قَدْ خَفِيَ عَلَيْكَ فَلاَ تَفْتِشْهُ. (مرقاة المفاتيح)» (١ / ١٤٧). (١) قال الإمام ولي الله الدهلوي في ((حجة الله البالغة)) (١ / ١٢٧): إن القدر وقع خمس مَرَّات، أولها: فِي الأَزَل، وَثَانِيها: قبل أن يخلق السَّمَوَات وَالأَرْضِ بِخَمْسِينَ ألف سنة في خيال العرش، فصور هُنَالك جَمِيع الصُّور، وَهُوَ الْمعبر عَنهُ بِالذكر فِي الشَّرَائِعِ، وَثَالِهَا: أَنَه لما خلق آدَمِ عَ* لِيَكُون أَبَا الْبشر، وليبدأ مِنْهُ نوع الإِنْسَان أحدث فِي عَالمِ الْمِثَال صور بنيه، وَمَثّل سعادتهم وشقاوتهم بِالنورِ والظلمة، وجعلهم بِحَيْثُ يكلفون، وَخلق فيهم مَعْرفَته والإخبات لَهُ، وَهُوَ أصل الْمِيثَاق المدسوس فِي فطرتهم، فيؤاخذون بِهِ، وَإِن نسوا الْوَاقِعَة. وَرَابِعِهَا: حِين نفخ الرّوحِ فِي الْجَنِينِ، فَينكشف على الْمَلائِكَةِ الْمُدبرَةِ الأَمرُ يَوْمِئِذٍ فِي عمره ورزقه، وَهل يعْمل عمل من غلبت ملكيته على بهيميته، أَو بِالْعَكْسِ، وَأَيّ نَحْو تكون سعادته وشقاوته. وخامسها: قبيل حُدُوث الْحَادِثَة، فَينزل الأَمرُ من حَظِيرَة الْقُدس إِلَى الأَرْض، وينتقل شَيْءٍ مثالي، فتنبسط أَحْكَامه فِي الأَرْض. انتهى ملخصاً. ٣٤٠ (٣) باب الإيمان بالقدر وهذه الصفة هي التي تسمى بالاختيار، وجعل الله تعالى قصد العبد سبباً عادياً لوجود الفعل بخلقه تعالى كسائر الأسباب العادية، مثل النار للإحراق، والماء للتبريد، وعلى السبب العادي ما جرت عادة الله سبحانه بخلق شيء بواسطته، فالله تعالى إنما يخلق الحرارة بعد استعماله النار، فاستعمال النار سبب عادي للإحراق، وخلقه تعالى سبب حقيق، فإذا استعملت النار تحت الماء خلق الله الحرارة وأوجدها فيه، ولو شاء ما خلق الحرارة وإن استعملت النار، ولو شاء أوجدها بدون النار، وذلك خرق العادة، ولكن جرت العادة بأن يخلقها بوساطة النار، فالنار وحرارتها وإحراقها كلها بخلق الله تعالى، وهو السبب الحقيقي للإحراق، والنار سبب عادي جعلها الله سبباً للإحراق، فكذلك قصد العبد واختياره سبب عادي لوجود الفعل يوجده بعد وجود القصد من العبد كإيجاد الحراراة وخلقها بعد وجود النار. وهذا معنى ما اشتهر بينهم أن إرادة الجزئية من العبد مقدم على خلق الله، فصرف العبد اختياره وترجيحه أحد طرفي الفعل والترك يسمى بالكسب، وإيجاد الله تعالى إياه بالخلق، فالكسب من العبد، والخلق من الله، فكما أن إنكار وساطة النار وسببيتها العادية للإحراق جهل ومخالف لنفس الأمر، كذلك إنكار مدخلية كسب العبد في وجود الفعل، فليس قدرة العبد مستقلة في إيجاد الفعل، وليس وجود الفعل بقدرته، وكيف يكون كذلك وذات العبد وصفاته التي هي مبادئ أفعاله ليست منه وليس لقدرته مدخل فيها؟ فكيف يكون أفعاله صادرة بخلقه وقدرته؟ نعم له مدخل فيها، وهو فاعلها، فليس العبد مستقلاً في أفعاله خالقاً له كما يقول القدرية، وليس حركاته مثل حركات الجماد بحيث لا يكون له قصد واختيار فيها كما يقوله الجبرية، أما الثاني فالضرورة شاهدة له، وأما الأول فبإخبار الشارع بذلك كقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الصافات: ٩٦] وغير