Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
مقدمة المشكاة
وَلَمْ آلُ جُهْدَاً فِي التَّْقِرِ وَالتَّفْتِيشِ بِقَدْرِ الْوُسْعِ وَالطَّاقَةِ، وَنَقَلْتُ ذَلِكَ
الإِخْتِلاَفَ كَمَا وَجَدْتُ، وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ رَ﴾هِ مِنْ غَرِيبٍ أَوْ ضَعِيفٍ أَوْ غَيْرِهِمَا
بَّنْتُ وَجْهَهُ غَالِباً،
وقوله: (ولم آل جهداً) أي: لم أقصر، و(جهداً) إما تمييز أو حال بمعنى
مجتهداً، أو ظرف؛ أي: في الاجتهاد، وفي هذه العبارة كلام وتحقيق ذكر في شرح
(التلخيص) وحواشيه في ديباجة متن (التلخيص(١)) فليرجع ثمة، والجهد بضم الجيم
وفتحها: الطاقة والمشقة والجد والاجتهاد كذا في (القاموس)(٢)، وفي (الصراح)(٣):
جهد بالفتح والضم توانائي وكوشش، وقال الفراء رحمة الله عليه: بالضم الطاقة،
وبالفتح المشقة.
وقوله: (في التنقير والتفتيش) هما بمعنّى، وحاصله التفحص والتصفح؛ أي:
إني لم أقصر في طلب الأحاديث والروايات المختلفة من كتب الأصول، ونقلت ذلك
الاختلاف كما وجدت بلا زيادة ونقصان وتغيير وتبديل .
وقوله: (بينت وجهه غالباً) وذلك ما ينقل المؤلف عن الأئمة كلاماً يحكم فيه
بضعف الحديث أو غرابته مثلاً خصوصاً عن الترمذي، فإنه المتكلم بذلك في الأغلب
كما ستعرف في مواضعه إن شاء الله تعالى، وإنما قال: غالباً؛ لأن في بعض المواضع
لم يبين، إما لعدم الاطلاع على وجهه أو لأمر آخر، والله أعلم.
(١) هو ((تلخيص المفتاح في المعاني والبيان)) للشيخ الإمام جلال الدين محمد بن عبد الرحمن
القزويني الشافعي، المتوفى: سنة تسع وثلاثين وسبع مئة. وهو متن مشهور، وله شروح كثيرة.
انظر: ((كشف الظنون)) (١ / ٤٧٣).
(٢) ((القاموس المحيط)) (ص: ٢٦٣).
(٣) (ص: ١٢٦).

١٦٢
المقدمات
وَمَا لَمْ يُشِرْ إِلَيْهِ مِمَّا فِي الْأُصُولِ؛ فَقَدْ قَفَُّهُ فِي تَرْكِهِ، إِلاَّ فِي مَوَاضِعِ
لغَرَضِ،
وقوله: (فقد قفيته) هكذا في جميع النسخ الحاضرة المعتمدة (قفيته) بتشديد
الفاء من التقفية، وهو يستعمل متعدياً بنفسه وبالباء، في (القاموس)(١): قفيته زيداً
وبه: أَتْبَعْتُه إياه، وقد استعمل بالباء في قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى ءَاثَِّهِم بِعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمَ﴾
[المائدة: ٤٦]، وقوله سبحانه: ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ، بِالرُّسُلِّ﴾
[البقرة: ٨٧]، فيكون معنى قوله: (قفيته) جعلته تابعاً، ولا معنى له؛ لأن المعنی ههنا
الاتباع والاقتفاء، فالظاهر قفوته بتخفيف الفاء من القفو، وفي (القاموس)(٢): قفوته
قَفْواً: تبعته کتقفّیته واقتفيته.
وقوله: (إلا في مواضع لغرض) بين الطيبي(٣) الغرض بأن بعض الطاعنين على
(المصابيح) أفرزوا أحاديث منها وحكموا بوضعها، وقد فاز المؤلف من جانب بعض
الأئمة كالترمذي وغيره تصحيحها وتحسينها، فبيَّن ذلك دفعاً لطعنهم، كحديث أبي
هريرة : (المرء على دين خليله) صرح الطاعنون بأنه موضوع، وقد قال الترمذي
في (جامعه)(٤): إنه حسن، وذكر النووي أنه صحيح الإسناد.
ومن جملة الأغراض أنه قد قال محبي السنة في خطبة (المصابيح): إني أعرضت
عن إيراد الحديث المنكر، مع أن فيه أحاديث منكرة متعددة، وقد أقر بإنكار بعضها
ولم يبين في بعضها، فنبه المؤلف على ذلك، هذا حاصل كلام الطيبي.
(١) (ص: ١٢١٧).
(٢) (ص: ١٢١٧).
(٣) ((شرح الطيبي)) (١ / ٨٧).
(٤) ((سنن الترمذي)) (٢٣٧٨).

١٦٣
مقدمة المشكاة
وَرُبَّمَا تَجِد مَوَاضِعَ مُهْمَلَةً، وَذَلِكَ حَيْثُ لَمْ أَطَّلِعْ عَلَى رَاوِيِهِ فَتَرَكْتُ
الْبَيَاضَ، فَإِنْ عَثَرْتَ عَلَيْهِ فَأَلْحِقْهُ بِهِ، أَحْسَنَ اللهُ جَزَاءَكُ.
وَسَمَّيْتُ الْكِتَابَ بِـ:
«مشكاة المصايد
مــ١٠,٧
وقد يقال في جوابه: إن مراد صاحب (المصابيح) من المنكر: المتفق على
إنكاره، وأما بيانه الإنكار في بعضها فلئلا يحمل على ذهوله وغفوله، وأما عدم البيان
في بعض آخر فبناءً على أن الحكم بإنكاره غير معتبر عنده.
وقوله: (وربما تجد مواضع) قالوا: أصل وضع (رب) للتقليل وقد شاع استعمالها
في التكثير بحيث صار استعماله في التقليل كالمجاز محتاجاً إلى القرينة، والظاهر ههنا
الحمل على التقليل؛ لأن تلك المواضع قليلة معدودة، ولو نظر إلى كثرتها وتعددها في
الجملة جاز حملها على التكثير حملاً على ما هو الشائع في بعض الاستعمال.
وقوله: (مهملة) أي: متروكاً فيها ذكر المخرج.
وقوله: (وذلك) أي: الإهمال.
وقوله: (فألحقه) أي: ذکر الراوي (به) أي: بالكتاب، واكتبه في موضع البيان،
وقد بيَّن بعض العلماء المواضع المهملة، وكتب في هامش الكتاب، وترك البياض
الذي تركه المصنف على حاله ليعلم أنه ليس البيان من المصنف، وقد يكتب في بعض
النسخ في موضع البيان في الهامش: أنه كان في الأصل بياض والكتابة عارض، كما يظهر
بالنظر في نسخ المشكاة، وأكثرها وقع من الشيخ محمد الجزري أحسن الله جزاءه.
وقوله: (وسميت الكتاب بمشكاة المصابيح) قد عرفت أن المشكاة هي الكوّة
الغير النافذة في الجدار التي يوضع فيها المصباح، فوجه التسمية أنه كما يوضع المصباح

١٦٤
المقدمات
وَأَسْأَلُ اللهَ التَّوْفِيقَ وَالإِعَانَةَ وَالْهِدَايَةَ وَالصِّيَانَةَ، وَتَيْسِيرَ مَا أَقْصِدُهُ، ..
في الكوّة كذلك وضع كتاب (المصابيح) فيها، وتشتمل عليه اشتمال المشكاة على
المصباح، أو لأن الأحاديث التي ذكرت في هذا الكتاب كل منها كالمصباح، فهذا
الكتاب كالكوّة التي وضع فيها المصابيح المتعددة، فافهم(١).
وقوله: (وأسأل الله التوفيق) بإيجاد الأسباب والإعانة بترتب المسببَّات عليها،
والهداية لسلوك طريق الصواب في ذلك، والصيانة عن الخطأ والزلل فيه، وتيسير
ما أقصده من ذلك، ولا يخفى أن الظاهر أن يراد سؤال التوفيق في تصنيف الكتاب
وتتميمه على النمط المطلوب، فتكون هذه الخطبة سابقة على التصنيف، فتحمل الألفاظ
المذكورة قبلُ على القصد والنية، أو يكون المراد التوفيق والتيسير في سائر الأمور
والأحوال.
ويجوز أن يكون قوله: (وأسأل) جملة حالية بتقدير المبتدأ.
(١) قَالَ الطِّبِيُّ: رُوعِيَ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الإِسْمِ وَالْمَعْنَى، فَإِنَّ الْمِشْكَاةَ يَجْتَمِعُ فِيهَا الضَّوْءُ فَيَكُونُ
أَشَدَّ تَقَوِّياً بِخِلاَفِ الْمَكَانِ الْوَاسِعِ، وَالأَحَادِيثُ إِذَا كَانَتْ غَفْلاً عَنْ سِمَةِ الرُّوَاةِ انْتَشَرَتْ، وَإِذَا
قُيِّدَتْ بِالرَّاوِي انْضَبَطَتْ، وَاسْتَقَرَّتْ فِي مَكَانِهَا، اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَقَالَ مِيرَكُ: الأَظْهَرُ
فِي وَجْهِ الْمُطَابِقَةِ أَنَّ كِتَابَهُ مُحِيطٌ، وَمُشْتَمِلٌ عَلَى مَا فِي (الْمَصَابِيحِ)) مِنَ الأَحَادِيثِ كَمَا أَنَّ
الْمِشْكَاةَ مُحِيطَةٌ وَمُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْمِصْبَاحِ، اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ بِالْمَصَابِيحِ الأَحَادِيثُ
الْوَارِدَةُ فِي كِتَابِهِ مِمَّا فِي الْمَصَابِيحِ وَغَيْرِهِ مُشَبَّهاَ بِهَا لِأَنَّهَا آيَاتٌ نُورَانِيَّةٌ وَدَلاَلَاتٌ بُرْهَانِيَّةٌ
صَدَرَتْ مِنْ مِشْكَاةِ صَدْرِ النَّبِّ ◌َّهَ لِيَقْتَدِيَ بِهَا أُمَُّهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ فِي بَيْدَاءِ الضَّلَاَلَةِ،
وَصَحْرَاءِ الْجَهَالَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى وَرَدَ: ((أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ))، وَشَبَّهَ كِتَابَهُ
مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ جَامِعٌ لَهَا، وَمَانِعٌ مِنْ تَفَرُّقِهَا بِالْمِشْكَاةِ، وَهِيَ الْكُوَّةُ الْغَيْرُ النَّفِذَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ
يُقَالَ: فِيهِ مَعْنَى التَّوْرِيَّةِ، وَهِيَ أَنْ يُؤْتَى بِكَلِمَةٍ لَهَا مَعْنَانِ: أَحَدُهُمَا قَرِيبٌ، وَالآخَرُ بِعِيدٌ، وَيَكُونُ
الْمُرَادُ الْبَعِيدَ. ((مرقاة المفاتيح)) (١ / ٣٩).

١٦٥
مقدمة المشكاة
وَأَنْ يَنْفَعَنِي فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَمَاتِ، وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ.
حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.
لَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((إِنَّمَا الأَعْمَال
١ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
بِالنَّّاتِ وَإِنَّمَا لِمْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ مِجْرَتُهُ إِلَى الهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ
إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَّتُهُ إِلَى دُنْيًا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا
فَهِجرَّته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ». مُتَّفق عَلَيْهِ. [خ: ١، م: ١٩٠٧].
وقوله: (أن ينفعني) الظاهر أن الضمير المستتر لله تعالى، ويجوز أن يكون للكتاب
باعتبار التسبب .
وقوله: (في الحياة) بالمطالعة والتعليم والعمل وإيصاله إلى الناس وأداء حق
النصيحة لهم.
وقوله: (وبعد الممات) بالأجر والثواب وحصول رضاه تعالى.
وهذا أوان الشروع في شرح أحاديث الكتاب مستعيناً بالله، وأول حدیث بدأ به
المؤلف الكتاب:
١ - عن عمر بن الخطاب ظه قال: قال رسول الله وَلقه: ((إنما الأعمال بالنيات،
وإنما لإِمْرِئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله،
ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)).
وقد كثر كلام الشارحين في هذا الحديث، ولا علينا أن ننقل بعينها بل ننقل شيئاً
منها مع تحرير وتنقيح بزيادة ونقصان مما سنح في أثناء المقال، ولا نخاف الإطالة
والإملال، ونذكره في أربعة أجزاء:

١٦٦
المقدمات
الأول: في فضل هذا الحديث وشرفه، اعلم أنه قد تواتر النقل عن الأئمة في
مدح هذا الحديث بعظم موقعه وكثرة فوائده، وأنه أصل عظيم من أصول الدين،
ومن ثَمَّ خطب به رسول الله وَّي على المنبر كما في رواية البخاري(١)، وخطب به أمير
المؤمنين عمر عيه على منبر رسول الله له كما أخرجه البخاري أيضاً، ولهذا قال أبو
عبيد: ليس في الأحاديث أجمع وأغنى وأكثر فائدة من هذا الحديث.
وقال بعضهم: إنه نصف العلم، ووجهه: أن الأعمال قسمان: أعمال القلب
وأعمال الجوارح، والنية أجلُّ أعمال القلب وأفضلها، فالعلم المتعلق بها يكون نصفاً
بل أعظم النصفين؛ لأن النية أصل لجميع الأعمال القلبية والقالبية، وعليها مدار جميع
الطاعات والعبادات صحة وثواباً، والمعاملات والمباحات ثواباً كما يأتي تقريره، وبهذه
الاعتبارات إن أريدت المبالغة ساغ أن يقال: كأنه العلم كله، والأكثرون منهم الشافعي
- فيما نقله البويطي عنه - وأحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي وعلي بن المديني
وأبو داود والدار قطني على أنه ثلث العلم أو ثلث الإسلام.
وقال البيهقي في توجيهه: إن كسب العبد إما بقلبه أو بلسانه أو بأركانه، فالنية
التي هي عمل القلب أحدها وأرجحها لأنهما تابعان لها صحةً وفساداً وثواباً وحرماناً،
ولا يتطرق إليها رياء، وقد تكون النية عبادة مستقلة، وغيرها يحتاج إليها .
وقال الشيخ في (فتح الباري)(٢): وكلام الإمام أحمد يدل على أنه أراد بكونه
(١) أما خطبته ﴿ بهذا الحديث على المنبر فلم نجده صريحاً في ((صحيح البخاري)) نعم ذكره الزبير
ابن بكار في ((أخبار المدينة))، كما ذكره العلامة عابد السندي في ((المواهب اللطيفة)).
(٢) (١ / ١١).

١٦٧
مقدمة المشكاة
ثلث العلم أنه أحد القواعد الثلاث التي تردُّ إليها جميع الأحكام، أولها هذا الحديث،
وثانيها (ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، وثالثها (الحلال بين والحرام بين)،
ومنهم من قال: ربعه، وقد نقل الشافعي من الشعر ما يدل على ذلك قال:
أربع قالهن خير البرية
عمدة الخير عندنا كلمات
ما ليس يعنيك واعملن بنية(١)
اتق الشبهات وازهد ودع
ونقل عن الشافعي أنه قال: هذا الحديث يدخل في سبعين باباً، فقيل: إنه يريد
به المبالغة في معنى الكثرة؛ لأن هذا العدد قد تعارف ذكره في هذا المعنى، والتحقيق
أنه على حقيقته، وأقول: إنما حَمَل من حمله على المبالغة؛ لأنه يدخل في أكثر من
سبعين باباً وليس منحصراً فيه، إذ يدخل في قسم العبادات من الواجبات والمستحبات
وفي المباحات وفي العادات وفي أكثر المعاملات ثواباً مما يَعسر ضبطه وحصره، وقد
عدُّوه في كتبهم مفصَّلاً فعليك بها .
ثم إن هذا الحديث مما اتفقوا على صحته أخرجه الأئمة المشهورون، وقال
الشيخ: إلا الموطأ، ووهم من ظن أنه في الموطأ مغتراً بتخريج الشيخين له والنسائي
من طريق مالك(٢)؛ ولكنه ليس بمتواتر كما توهم البعض؛ لأنه فرد في الأصل، رواه
(١) وفي ((فيض الباري)) (١ / ٤): ونسبهما علي القاري (١ / ٤٣) إلى الإمام الشافعي، وهو سهو
منه، بل هما لشاعر آخر. وفي ((جامع العلوم والحكم)) (١ / ٦٣) هما للحافظ أبي الحسن طاهر
ابن مفوز المعافري الأندلسي. وقال أبو داود: يكفي للإنسان لدينه أربعة أحاديث، هذه
الأحاديث الثلاثة والرابع: حديث أن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه بدل حديث ازهد.
انظر: ((التوضيح)) لابن الملقن (٢/ ١٩٦)، و((أعلام المحدثين)) (ص: ٢١٥).
(٢) قلت: بل هو في الموطأ برواية محمد بن الحسن الشيباني (ح: ٩٨٢)، انظر: ((التعليق =

١٦٨
المقدمات
عمر ته ولم يصح منه إلا برواية علقمة، ولا عن علقمة إلا برواية محمد بن إبراهيم،
ولا عن محمد بن إبراهيم إلا برواية يحيى بن سعيد، ولا خلاف بين أهل الحديث أنه
لم يرو صحيحاً بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد، ثم اشتهر عن يحيى بن سعيد وبلغ حد
التواتر، فقيل: روى عن يحيى مئتان وخمسون نفساً، وسرد أسماءهم أبو القاسم بن
منده يجاوز ثلاث مئة، وقيل: سبع مئة من أصحاب يحيى، قال الشيخ: وأنا أستبعد
صحة هذا، فقد تتبعت طرقه من الروايات المشهورة [والأجزاء المنثورة] منذ طلبت
الحديث إلى وقتي هذا فما قدرت على تكميل المئة(١)، انتهى.
وبالجملة وهو حديث شريف عظيم الشأن كثير المنفعة، وقد جَرَتْ عادة المحدثين
أكثرهم على ابتداء تصانيفهم به وإيراده في أوائلها إشارة إلى حسن نيتهم وتمحض
إخلاصهم فيها، وأنها ليست مشوبة بغرض من الأغراض والأعواض.
والأولى أن يقال: إن الابتداء به تنبيه للطالبين والمصنفين بتخليص نياتهم
وتحسينها، وإشعار بأن الاشتغال بعلم الحديث والتصدي للتأليف فيه في حكم الهجرة،
فينبغي أن يكون لله ولرسوله حتى يصير مقبولاً، وسمّاه بعضهم طليعة كتب الحديث.
وقال أبو سليمان الخطابي: إن المتقدمين من مشايخنا كانوا يستحسنون تقديم
حديث: (إنما الأعمال بالنيات) قبل کل أمر من أمور الدین کانوا يبدؤون به، وكان
عبد الرحمن بن مهدي يقول: من أراد أن يصنف كتاباً فليبدأ بهذا الحديث(٢).
= الممجد)» (٣ / ٥١٣).
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١ / ١١).
(٢) انظر: ((أعلام الحديث)) (١ / ١٠٦)، وفيه ((يستحبون)) بدل ((يستحسنون)).

١٦٩
مقدمة المشكاة
الثاني: في قوله: (إنما الأعمال بالنيات) هذا أشهر الروايات وأظهرها لإفادته
الاستغراق صريحاً؛ لأن (إنما) مفيد للحصر بمنطوقه لكونه بمعنى (ما) و(إلا) كما
يدل عليه موارد استعمال الآيات والأحاديث وكلام العرب، وذلك بحكم الوضع،
وما ذكروا من وجوه إفادته الحصر فلمناسبات ذكروها في وضع (إنما) بمعنى (ما)
و(إلا) كما هو عادة النحاة، ولو قيل بعدم إفادة (إنما) الحصر کما ذهب إليه بعض،
واستدل بما لا يتم الاستدلال به كما ذكر في موضعه، فإفادة اللام للاستغراق في الأعمال
كافية في ذلك، إذ معناه: كل عمل بالنية، ويلزم منه أنه لا أعمال إلا بالنية، وقد وقع في
معظم الروايات بإفراد النية، والمراد بها الجنس، وقيل في وجه إفراده: إن محل النية
القلب وهو متحد فناسب إفرادها، بخلاف الأعمال فإنها متعلقة بالجوارح وهي متعددة
فناسب جمعها، ولأن النية ترجع إلى الإخلاص المراد به الواحد الأحد الذي لا شريك
له، وقد جاء في (صحيح ابن حبان): (الأعمال بالنيات) بحذف (إنما)، وجمع الأعمال
والنيات، وكذا وقع في (العتق) من (صحيح البخاري) من رواية الثوري، وفي (الهجرة)
من رواية حماد بن زيد، ووقع عنده في (النكاح) بلفظ: (العمل بالنية) بإفراد كل منهما،
كذا في (فتح الباري)(١) .
ويجوز إرادة الحصر في الجميع بحمل اللام على الاستغراق جمعاً أو مفرداً،
وقالوا: المراد بالأعمال أعمال الجوارح، فلا يتوجه أن النية أيضاً من الأعمال، فينبغي
أن يتوقف على النية ويتسلسل، والتحقيق أنها تعم أفعال الجوارح وأفعال القلوب؛
لأن الكل يتوقف على النية صحةً أو ثواباً.
(١) ((فتح الباري)) (١ / ١٢).

١٧٠
المقدمات
قال الخطابي(١): مقتضى العموم فيها أن لا يصح عمل من الأعمال الدينية أقوالِها
وأفعالِها، فرضِها ونفلِها، قليلِها وكثيرها، إلا بنية، ودخل فيها التوحيد الذي هو رأس
الأعمال الدينية فلا يصح إلا بقصد إخلاص فيه، انتهى.
قلت: هذا الذي ذكره الخطابي من دخول أفعال القلوب صحيح بلا شبهة، فإن
معنى النية هو قصد التقرب إلى الله، وذلك جائز وجوداً وعدماً في الأفعال القلبية كحب
أحد أو بغضه لا لقصد التقرب، ولذا ورد: (الحب لله والبغض لله)، لكن في دخول
التوحيد والتصديق الذي هو من أعمال القلب شيء من الخفاء، والظاهر دخوله أيضاً؛
لأن التصديق القلبي الذي هو عبارة عن الإيمان يجب أن يكون على قصد التقرب
والإخلاص وتحصيل اليقين الذي يتنوّر به جوهر القلب حتى يصير سبباً للتقرب من الله
ومعرفته وحصول رضاه، ويصير سبباً للفوز بنعيم الجنة والنجاة من العذاب الأليم،
لا على نية أن يصفه الناس بالإيمان ويَعُدُّوه في زمرة المؤمنين، وتظهر آثاره عندهم،
وتجرى عليه ظواهر أحكام الإسلام فيصير سبباً لحصول الغنائم والعزة عند الناس، كما
هو حال المنافقين في الإقرار، فلا يتّجه ما قال الكرماني(٢): ليس دخول التوحيد فيها
مسلَّماً، لأن التوحيد من الاعتقاديات لا من العمليات، إلا أن يراد بالتوحيد قول كلمة
الشهادة، وبالعمل ما يتناول عمل اللسان.
أقول: ويَرِدُ عليه أن الاعتقاديات من أعمال القلوب فتشتملها الأعمال، ولعله
زعم أنه لو كانت الاعتقاديات التي هي من أعمال القلوب داخلة لزم التسلسل؛ لأن من
(١) انظر: ((أعلام الحديث)) (١ / ١١٣).
(٢) ((شرح الكرماني)) (١ / ٢٠).

١٧١
مقدمة المشكاة
جملتها النية فيحتاج إلى نية أخرى وهلمّ جرًّا، ويَرِدُ عليه أيضاً: أن النية وإن كانت من
أعمال القلوب لكنها تكون مستثناة من الأعمال ألبتة؛ لأن المراد من النية قصد التقرب
إلى الله، وتوقفه على قصد التقرب فيه مما لا يعقل، ولا يحتاج إليه، بل القصد مطلقاً
يُحتاج إليه في صدور الفعل، ثم لا يحتاج إلى قصد آخر في القصد، بخلاف الاعتقاديات
وسائر أعمال القلوب فإنها تحتاج في الصحة والثواب إلى النية، ولا يلزم من توقفها
على النية التسلسل، فافهم.
وتكلموا في المعرفة أيضاً بأنها داخلة في الأعمال أم لا؟ فقال بعضهم: إنها غير
داخلة لأن النية قصد المنوي، وإنما يقصد المرء ما يعرف، فيلزم أن يكون عارفاً قبل
المعرفة .
وتعقِّب بما محصله: أنه إن كان المراد بالمعرفة مطلق الشعور فمسلَّم، وإن كان
المراد بالمعرفة النظر في الدليل فلا؛ لأن كل عاقل يشعر مثلاً بأن له من يدبره، فإذا أخذ
بالنظر في الاستدلال عليه لتحققه لم يلزم محذور، كذا قال في (فتح الباري)(١).
ثم الظاهر أن جميع الأعمال داخلة فيها من العبادات والعادات، ولكن وقع
الاختلاف بين أبي حنيفة رحمه الله والشافعي رحمه الله في الوضوء وأمثالها، فما لا يكون
مقصوداً بذاته بل يكون وسيلة فالشافعي رحمه الله يقول: لا يصح إلا بالنية، ولا تجوز
الصلاة بوضوء من غير نية، وأبو حنيفة يقول: يصح ويصير مفتاحاً للصلاة، ولكن
لا يحصل الثواب.
ومبنى الاختلاف كما هو المشهور أن قوله وله: (إنما الأعمال بالنيات) ليس
(١) ((فتح الباري)) (١ / ١٣).

١٧٢
المقدمات
المراد به حقيقته، فإن حقيقته عدم وجود ذات الفعل بدون النية وانتفائه بدونها، وليس
كذلك، لأنه قد يوجد ذات العمل بغير نية، وأيضاً الشارع إنما بعث لبيان الشرائع
والأحكام، فالمراد نفي حكم الفعل، والحكم نوعان: دنيوي كالصحة والفساد، وأخروي
كالثواب والعقاب، والدينية مرادة بالاتفاق، فلا يصح إرادة الدنيوية لئلا يلزم عموم
المشترك، فالمراد: ثواب الأعمال بالنيات، لكن الثواب هو المقصود في العبادات
المقصودة لذاته، فإذا انتفى انتفت الصحة، وفيما ليس مقصوداً بذاته ليس المقصود
الثواب، فلا يلزم من انتفائه انتفاء الصحة، لا يقال: الخصم قائل بعموم المشترك
فيلتزمه، ولا محذور في ذلك عنده، لأنا نقول: قال المحققون من الشافعية كالغزالي
وغيره: أن لا عموم للمشترك، ولا يجوز ذلك في لغة العرب قطعاً، فتدبر.
وقد يرجح تقدير الصحة بأنه أشبه بنفي الشيء نفسه؛ ولأن اللفظ دل على نفي
الذات بالصريح وعلى نفي الصفات بالتبع، فلما منع الدليلُ نفي الذات بقيت دلالته
على نفي الصفات مستمرة، كذا قالوا، ويمكن ترجيح تقدير الثواب بأنه المقصود
الأصلي من العمل، وورود هذا الحديث للترغيب في تحصيل النية حتى يقع العمل
مقبولاً ويثاب عليه، ويدل على ذلك تفريع: (فمن كانت هجرته إلى الله وإلى
رسوله ... إلخ)، والله أعلم. لكن الوسائل من حيث هي وسائل ليس الثواب منظوراً
فيها فيصح بدون النية.
ثم اختلفوا في التروك هل هي داخلة أم لا؟ فقيل: لا تدخل، لأنها لا تسمى
أعمالاً فلا تشترط النية فيها، ولذا لم تشترط النية في إزالة النجاسة لأنها من باب التروك،
وشدّد بعضهم فأوجبها، وهذا عند الشافعية رحمهم الله .

١٧٣
مقدمة المشكاة
أما عندنا فلا تشترط لأنها من الوسائل كالوضوء، والحق أن التروك داخلة إذا كان
فيها كف النفس وهو عمل ولابد فيها من النية حتى يحصل الثواب، ويكون امتثالاً للشارع،
فالتارك للزنا مثلاً إن فعل تركه لوجه الله وقصد التقرب یثاب عليه وإلا فلا .
وبالجملة العمل في الأصل عبارة عن الحركة، وههنا يراد به معنى يشتمل الحركات
والسكنات، فإن النية معتبرة في الكل.
ثم اعلم أنه قد استثني من هذه الكلية بعض الأحكام مثل صريح الطلاق والإعتاق
والبيع والشراء، فإنه لا تشترط فيها النية؛ لأن الشارع عيّن هذه الألفاظ لهذه المعاني
وجعلها كأنها عينها، فالتلفظ بها بمنزلة النية، هذا كلامهم، ويوهم أن المراد بالنية ههنا
القصد القلبي الذي هو المعنى اللغوي للنية، وإنما المراد ههنا المعنى الشرعي الذي
هو قصد التقرب إلى الله، وحصولُ الثواب بدون النية بهذا المعنى في هذه العقود ممنوع،
فافهم .
وأما الهزل بالكفر فإنما يكون كفراً وإن لم يكن هناك نية؛ لأن الهزل بالكفر
نفسه كفر، لا من جهة قصد المعنى، وأما صحة الإيمان بالهزل والإكراه فلكونه مقصوداً
وحسناً لذاته فجعلت صورته كمعناه، وفروع الإيمان من العبادات والمعاملات وجزئياتُها
واشتراطُ النية وعدمه مذكورة في كتب الفقه فلينظر ثمة .
هذا، والظاهر أن هذا البحث خارج عما هو المقصود من هذا الحديث، فإن
المقصود منه الترغيب والحث على رعاية التقرب إلى الله وإرادة وجهه ليصير العمل
مقبولاً عنده، ويَنظر هذا إلى رجحان ما قاله الحنفية رحمهم الله .
والنيات جمع النية بكسر النون وتشديد التحتانية على المشهور من نوى بمعنى

١٧٤
المقدمات
قصد، فأصله نِوْيَة، ثم أعلت كسيد، وقد جاء في بعض اللغات بالتخفيف أيضاً من ونى
بمعنى أبطأ؛ لأنه يُحتاج في تصحيحها إلى نوع الإبطاء.
ومعنى النية في اللغة: القصد إلى الفعل، قال الخطابي: معنى النية: قصدك
الشيء بقلبك وتحري الطلب منك له(١). وقال النووي: النية: القصد وهو عزيمة
القلب. وقال الكرماني (٢): ليس النية عزيمة القلب لما قال المتكلمون: إن القصد
إلى الفعل هو ما نجده من أنفسنا حال الإيجاد، والعزم قد يتقدم عليه ويقبل الشدة
والضعف بخلاف القصد فلا يصح تفسيره به، انتهى.
ويمكن أن يقال: إن مراد النووي بالعزيمة ههنا هو قصد القلب المقارِن للفعل،
لا العزمُ الذي يكون قبله، وهو المعنى الذي عبر عنه التيمي بوجهة القلب، وقال: النية
ههنا وجهة القلب؛ أي: توجهه إليه بإيجاده وإحداثه.
ونقل الطيبي عن القاضي البيضاوي (٣): أن النية عبارة عن انبعاث القلب نحو
ما يراه موافقاً لغرضٍ من جلب نفع أو دفع ضررٍ حالاً أو مآلاً، والشرع خصصها بالإرادة
المتوجهة إلى الفعل ابتغاءً لوجه الله وامتثالاً لحكمه، والنية في الحديث محمولةٌ على
المعنى اللغوي ليحسن تطبيقه لما بعده وتقسيمه إلى من كانت هجرته إلى كذا وكذا،
فإنه تفصيل لما أجمله، انتهى. يعني أن قوله: (ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو
امرأة يتزوجها) عطف على قوله: (من كانت هجرته إلى الله وإلى رسوله) والشرطيتين
(١) ((أعلام الحديث)) (١ / ١١٢).
(٢) ((شرح الكرماني)) (١ /١٨).
(٣) انظر: ((شرح الطيبي)) (١ /٨٩)، و((تحفة الأبرار)) (١ / ١٩).

١٧٥
مقدمة المشكاة
تفصيل الإجمال الذي في قوله: (إنما الأعمال بالنيات) والنية بالمعنى الشرعي مفقودة
في الشرطية الثانية، فلا يصلح تفصيلاً لذلك الإجمال بهذا المعنى، فينبغي أن يحمل
على النية بالمعنى اللغوي حتى يكون المعنى: فمن كان نيته وقصده إلى وجه الله فهو
کذا، ومن کان قصدہ إلی ما سواه فهو کذا.
ويَرِدُ عليه أن الحمل على المعنى الشرعي أظهر وأنسب لكلام الشارع، ولا يُخل
بالتفصيل المذكور، فإن المعنى أن الأعمال محسوبة ومربوطة بالنية الشرعية، فما وجد
فيه ذلك فهو مقبول، وما لم يوجد فهو مردود وغير معتدٍّ به، وبهذا المعنى صح كونه
تفصيلاً لذلك الإجمال، وهذا ظاهر.
وقيل: إن قوله: (فمن كانت هجرته ... إلخ) تفصيل جملة (وإنما لامرئ ما نوى)
لا لقوله: (إنما الأعمال بالنيات)، وفيه: أنه على القول بكون الجملة الثانية تأكيداً
للأولى لا ينفع هذا الكلام، وعلى القول بكونه تأسيساً لا تأكيداً أيضاً غير نافع لكونه
مشتملاً على ذكر النية، فإن حمل على المعنى اللغوي فذاك، وإن كان محمولاً على
المعنى الشرعي فالمحذور لازم، فالجواب هو الأول لا غير، وسيجيء بيان الفرق بين
الجملتين فانظر ثمة .
والباء في قوله: (بالنيات) يحتمل أن يكون للمصاحبة فيفيد وجوب استصحاب
النية للعمل، لكنهم فصَّلوا مواضع النية، فمنها ما تجب مقارنتها للعمل كنية الصلاة.
ومنها: ما يجوز تقديمها عليه كالصيام، وقد تقع في بعض الأحوال على إبهام،
ثم يقع التعيين فيما بعد، كمن عليه كفارتان من قتل وظهار، فأعتق رقبة ونوى بعده
لأحدهما، فينبغي أن يكون الاستصحاب الذي هو مدلول الباء ما هو أعم من المقارنة،

١٧٦
المقدمات
وإن كان بمعنى المقارنة فيقال: المراد الاستصحاب حقيقة أو حكماً، وفي صورة التقديم
والتأخير كما ذكر مستصحب حكماً.
وقيل: الأولى أن يكون للاستعانة؛ لأن الحمل على الاستصحاب يشعر بوجوب
استصحاب النية، ووجودِها إلى آخر العمل، ولم يقل به أحد، وجوابه ما ذكرنا من إرادة
الاستصحاب أعم من أن يكون حقيقة أو حكماً بأن لا يطرأ عليه ما يناقضه، وهذا شرط
اتفاقاً .
ويحتمل أن يكون للسببية، لأن النية لما كانت مقوِّمة للعمل ومحصِّلة له من جهة
الاعتداد به، فكأنها سبب في إيجاده، ومتعلق الجار والمجرور هو الحصول والاستقرار
كما هو المقدر في الظرف المستقر، لكن الاستقرار والحصول ههنا باعتبار الصحة
والثواب، وما ذكره الشارحون من أن المحذوف مثل: تُعتبر أو تكمل أو تصح، فراجع
إلى ما ذكرنا، فافهم.
والألف واللام في (النيات) بدل عن الإضافة، والتقدير: أي الأعمال بنياتها،
فدل على اعتبار نية العمل بخصوصه من كونه صلاة أو غيرها، وكونه فرضاً أو نفلاً،
وكونه ظهراً أو عصراً، وهل يُحتاج في مثل هذا إلى تعيين العدد؟ ففيه نظر، والراجح
الاكتفاء بتعيين العبادة التي لا تنفك عن العدد المعين، نعم جوزوا النفل بنية مطلقة،
وتمامه في الفقه.
واعلم أن النية المعتبرة في جميع العبادات - بل وغيرها من مواضع النية - إنما
هي بالقلب لأنها فعل القلب دون اللسان، فلو تلفظ بالألفاظ الدالة على النية مع غفلة
القلب عنها لم تعتبر، ولو حصلت بالقلب من غير تلفظ فهي معتبرة بلا خلاف، بل لو

١٧٧
مقدمة المشكاة
خالف اللسانُ القلبَ لم يضر في حصول النية ووجودها.
واختلف العلماء في التلفظ بما يدل على النية في الصلاة مثلاً بعد الاتفاق على
أن الجهر بذلك غير مشروع، ولا ينبغي لأحد أن يجهر بألفاظ النية سواء كان إماماً أو
مأموماً أو منفرداً، فقيل: التلفظ بالنية شرط لصحة الصلاة، وهذا القول شاذ بل باطل،
والأكثر على أن التلفظ بما يدل على النية مستحب لتحصل المواطأة بين القلب واللسان،
وذلك أفضل، وأيضاً يسهل عند التلفظ تعقل معنى النية واستحضارها في القلب.
وقيل: لا يجوز التلفظ بالنية بمعنى أن ذلك خلاف السنة إذ لم ينقل ذلك من
النبي ◌َّ﴾ وأصحابه ومن تبعهم، وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله وَّ إذا قام للصلاة
قال: الله أكبر، ولو كان يقول شيئاً قبلُ لروي ذلك، وقد صح أنه مَّ لما أمر الرجل
الذي لم يحسن صلاته بالإعادة، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، والفاء تدل على
تعقيب التكبير بالقيام من غير تراخ من غير أن يتخلل بنيهما شيء آخر، وقال أبو داود:
وسألت محمد بن إسماعيل أنك تقول قبل التكبير شيئاً؟ قال: لا، والاتباع كما يكون
في الفعل يكون في الترك، فمن واظب على ما لم يفعله الشارع فهو مبتدع، كذا قال
المحدثون .
الثالث: في قوله: و(إنما لامرئ ما نوى) وفي رواية: (وإنما لكل امرئ*
ما نوى) والامرئ الرجل، وفيه لغتان: امرىء على وزن زِبْرِج، ومَرْء على وزن فأس،
ولا جمع لهذه الكلمة من لفظه، وعينه تابع للامه في الحركات الثلاث: الرفع والنصب
والجر، وهو من الغرائب، وفي مؤنثه أيضاً لغتان امرأة ومرأة، وفي الحديث استعملت
على اللغة الأولى مذكراً ومؤنثاً، والظاهر أن هذه الجملة تأكيد للجملة السابقة، وفيه
تحقيق لاشتراط النية والإخلاص وتقرير له، وقال بعضهم: بل تأسيس تفيد ما لا تفيده

١٧٨
المقدمات
الأولى، ووجهوه بوجوه لا يخلو أكثرها عن شيء.
أحدها: أن الجملة الأولى تفيد أن صحة العمل أو ثوابه منوط بالنية، وهذه
الجملة الثانية تبين أن تعيين المنوي على وجه يتميز عن غيره شرط، كمن عليه صلوات
فائتة لا يكفيه أن ينوي الفائتة منها لا على التعيين حتى يعينها ظهراً أو عصراً مثلاً، نعم
إن كانت فائتة واحدة يكفيه أن ينوي الفائتة من غير تعيين ظهر أو عصر، وهذا التعيين
يستفاد من لفظ (ما نوى) بخلاف الجملة الأولى، فليس فيها ما يفيده، وقيل: كأن هذا
القائل استنبط هذا المعنى من (ما) الموصولة لأنها من المعارف المفيدة للتعيين، وفيه:
أن هذا المعنى يفهم من الجملة الأولى أيضاً؛ لأن مقابلة الجمع بالجمع يقتضي انقسام
الأحاد على الأحاد، فالمعنى: أن كل فرد من أفراد العمل معتبر ومحسوب بنية ذلك
الفرد، وأيضاً قد ذكرنا أن اللام بدل عن المضاف إليه، أو نقول: اللام للعهد على
ما هو الأصل فيها، بل ذكر صاحب (المفتاح): أن أصل وضع لام التعريف للعهد،
فتدبر.
وثانيها: أن الجملة الأولى دلت على أن العمل يتبع النية ويصاحبها، فيترتب
الحكم على ذلك، والثانية أفادت أن العامل لا يحصل له إلا مانواه.
وثالثها: أن الجملة الثانية تقتضي أن من نوى شيئاً يحصل له، يعني: إذا عمله
بشرائطه أو حال دونه ما يعذر به شرعاً، وكل ما لم ينوه لم يحصل له، ولا يخفى أن
هذين الوجهين يفيد التغاير بين مفهومي الجملة بحسب الظاهر، ولكن بحسب المآل
واحد، ولا يبعد استفادة هذين المعنيين من الأولى أيضاً، وبهذا الاعتبار جعل من جعل
الثانية مؤكدة للأولى ومحقِّقة لها.

١٧٩
مقدمة المشكاة
وههنا فائدة ينبغي أن ينبّه عليها وهي : أنه قد تكون نية عامة شاملة لخصوصيات
تندرج تحتها وتحصل في ضمنها من غير أن يكون للعامل نية فيها فهل يحصل له ثوابها؟
اختلف فيه أنظار العلماء، فبعضهم يقولون: يحصل؛ لاندارجها تحت النية العامة،
وقال بعضهم: لا يحصل؛ لأنه لم ينو في الخصوصيات، وظاهر هذا الحديث يدل عليه،
ويؤيد الأول(١) حديث: (الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر،
فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لها في مرج أو روضة، فما أصابت
في طيلها ذلك من المرج والروضة كانت له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها فاستنت
شرفاً أو شرفين كانت أروائها وآثارها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم
يرد أن يسقيها كان ذلك له حسنات)(٢)، الحديث.
وقد يحصل ثواب تحية المسجد وإن لم ينوها لأن المقصود بالتحية شغل البقعة،
وقد حصل، وهذا بخلاف من اغتسل يوم الجمعة عن الجنابة؛ فإنه لا يحصل له ثواب
غسل الجمعة على الأرجح، لأن غسل الجمعة ينظر فيه إلى التعبد لا إلى محض التنظيف
فلابد [فيه] من القصد إليه بخلاف تحية المسجد، كذا في (فتح الباري)(٣).
ورابعها: أن الجملة الثانية أفادت التعميم المستفاد من كلمة (ما)؛ لأنها من
صيغ العموم، ولما أشار في الجملة الأولى إلى أن صحة الأعمال الشرعية أو ثوابها
يتوقف على النية عمم في الثانية على وجه أفادت أن الحاصل لكل شخص من كل عمل
(١) انظر: ((مرقاة المفاتيح)) (١ /٤٥).
(٢) أخرجه ((البخاري)) (٢٨٦)، و((مسلم)) (٩٨٧).
(٣) ((فتح الباري)) (١ / ١٤).

١٨٠
المقدمات
يعمله ما نواه، سواء كان خيراً أو شرًّا، محموداً أو مذموماً، فرضاً كان أو مندوباً، محرماً
أو مكروهاً، أفعالاً كانت أو تروكاً، عبادات كانت أو عادات، في كل ذلك يحصل له
الثواب إذا نوى؛ لأن المباحات تصير في حكم المندوبات بإقران نية التقرب إلى الله،
مثل الأكل والشرب بنية القوة في عبادة الله، وأمثال ذلك، وأنت خبير بأن هذا المعنى
يستفاد من الجملة الأولى أيضاً بحمل اللام على الاستغراق، اللهم إلا أن يفرق بكونه
مستفاداً من الثانية صريحاً نصًّا، وفيه ما فيه، ومع ذلك لا يخرجه عن كونها تأكيداً
للأولى.
وخامسها: أنه أفادت الثانية أن النيابة لا تصح في النية على ما أفاده قوله:
(ما نوى)، والجملة الأولى عارية عن الدلالة عليه.
وسادسها: أن الجملة الأولى لبيان ما يعتبر من الأعمال، والثانية لبيان ما يترتب
عليها .
وسابعها: أن الثانية أفادت أن العمل إذا كان مشتملاً على جهات متعددة من
الخير يحصل للعامل ثواب ما نوى من تلك الجهات دون الأخرى، مثلاً إذا أعطى فقيراً
قريباً له: إن أعطاه من جهة فقره، ولم يخطر قرابته له ولم ينوها، يحصل له ثواب
الصدقة فقط، وإن أعطاه لأجل القرابة وصلة الرحم ولم تخطر حيثية فقره، يحصل
له ثواب الصلة فقط، وإن نواهما يحصل ثوابهما معاً، والجملة الأولى لا تفيد هذا
المعنى .
وهكذا قد يحصل للشخص بواسطة النية في عمل واحد أنواع من الثواب، ويحرز
جميعها بالنية، كالجلوس في المسجد عمل واحد، ويمكن حصول خيرات كثيرة
وحسنات متعددة بالنية :