Indexed OCR Text

Pages 21-40

من الحسان
٤٤٥٣- قال: سمعت رسول الله 8# يقول: ((وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي
سبعين ألفاً، لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفاً، وثلاث حثيات
من حثیات ربي )).
قلت: رواه الترمذي وابن ماجه كلاهما في الزهد من حديث أبي أمامة وقال الترمذي:
(١)
حسن غريب، وفي سنده: إسماعيل بن عياش.
قوله : وثلاث حثيات من حثيات ربي، الحثوة والحثية: ما يحثيه الإنسان بيديه من
ماء أو تراب أوغيرهما، وهو بالثاء المثلثة، والحثيات: هنا كناية عن المبالغة في الكثرة،
ولاكفَّ ثَمَّ ولا حَتْيَ جلّ الله عن ذلك وعزّ ١١ ، ويجوز في ثلاث حثيات الرفع عطفاً
على المبتدأ الذي هو قوله سبعون ألفاً، وهو الأقرب، ويجوز النصب عطفاً على مفعول
يدخل أي يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفاً، وثلاث حثيات من حثيات ربي، والكثرة
في الرفع أكثر من النصب بسبعین مرة والله أعلم بمراد نبيه ێ . .
٤٤٥٤ - قال رسول الله 48 .: «يُعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما
عرضتان، فجدال ومعاذير، وأما العرضة الثالثة، فعند ذلك تطاير الصحف في الأيدي:
فآخذ بیمینه، وآخذ بشماله ». (ضعيف).
قلت: رواه أحمد والترمذي في الزهد من حديث أبي هريرةُ وقالا: لايصح هذا
الحديث، من قبل أنه روي من طريق الحسن عن أبي هريرة، والحسن لم يسمع من أبي
هريرة وقد رواه بعضهم عن الحسن عن أبي موسى انتهى.
(١) أخرجه الترمذي (٢٤٣٧)، وابن ماجه (٤٢٨٦) وإسناده صحيح. انظر: هداية الرواة (١٧٢/٥).
(٢) انظر: النهاية (٣٣٩/١ - ٣٤٠)، وقد سبق أن تكلمنا أن الله سبحانه خاطبنا بلسان عربي مبين وبما
نفهمه ونعقل معناه، والأصل في الكلام أن يجرى على ظاهره، ولا نعلم كيفيتها ونقطع بأنها لا تماثل
صفات المخلوقين، وأن تأويلها بالمبالغة وغيرها باطل.
(٣) أخرجه الترمذي (٢٤٢٥) وهو ضعيف لعنعنة الحسن البصري.
٢١

وقد أخرج البخاري في صحيحه ثلاثه أحاديث من حديث الحسن عن أبي هريرة لكن
لم يحتج به إنما يأتي به متابعة مع غيره، أحدها: أن موسى كان رجلاً حيياً مايرى من
جسده شيء .. الحديث، أخرجه في التفسير من حديث عوف عن الحسن ومحمد
وخلاس ثلاثتهم عن أبي هريرة (١).
الثاني: غفر لامرأة مومسة مرت بكلب على ركيّ يلهث ... الحديث أخرجه في بدء
الخلق عن الحسن وابن سيرين عنه (٢).
والثالث: من اتبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً وكان معها حتى يصلي عليها ...
الحديث، في الإيمان من حديث الحسن وابن سيرين عنه(٣) (١٧١ /أ).
وأخرج في بدء الخلق تعليقاً، وقال همام عن قتادة عن الحسن عنه أنه: رأي البيت
يدخله كل يوم سبعون ألفاً، وليس في البخاري من حديث الحسن عن أبي هريرة غيرما
ذكرناه ولم يخرج مسلم في صحيحه للحسن عن أبي هريرة شيئاً.
٤٤٥٥ - قال رسول الله 8/: ((إن الله يستخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق
يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسين سجلاً، كل سجل مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر
من هذا شيئاً ؟ أظلمك كتبتي الحافظون ؟ فيقول: لا، يارب، فيقول: أفلك عذر ؟ أو
حسنة ؟ قال: لا، يارب، فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك
اليوم، فتخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فيقول:
احضر وزنك، فيقول: يارب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات ؟ فيقول: إنك لا تظلم ؟
قال: فتوضع السجلات في كِفّة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت
البطاقة، فلا یثقل مع اسم الله شيء ».
وأما أحمد فإنه قد رواه (٤ /٤١٤) عن أبي موسى وهو عنده ضعيف للعلة السابقة.
(١) أخرجه البخاري (٣٤٠٤).
(٢) أخرجه البخاري (٣٣٢١)، والبغوي في شرح السنة (١٦٦٦).
(٣) أخرجه البخاري (٤٧)، والبغوي في شرح السنة (١٥٠١).
٢٢

قلت: رواه الترمذي في الإيمان وابن ماجه في الزهد من حديث عبدالله بن عمرو بن
ورجاله موثقون.
(١)
العاص.
وقد وقع لنا هذا الحديث عالياً فأخبرنا به الخطيب المسند الإمام أبو الفتح محمد بن محمد
بن إبراهيم الصوفي قراءة عليه وأنا أسمع في السابع من شهر رمضان سنة سبع وأربعين
بمنزله بشاطئ النيل بمصر المحروسة، أنا أبو عيسى عبدالله بن عبدالواحد بن محمد بن
علاق المصري قراءة عليه وأنا أسمع، أبا القاسم هبة الله بن علي بن مسعود بن ثابت
الأنصاري الخزرجي سماعاً سنة خمس وتسعين وخمس مائة، أنا أبو صادق مرشد ابن
يحيى القاسم المديني بقراءة الحافظ أبي ظاهر السلفي في ذي الحجة سنة ست عشرة
وخمسمائة، أنا أبو الحسن علي بن عمر بن محمد بن حمزة الحراني، ثنا أبو القاسم
حمزة بن محمد الكتابي الحافظ، إملاء ثنا عمران بن موسى ابن حميد الطبيب ثنا يحيى
بن عبدالله بن بكير حدثني الليث بن سعد عن عامر بن يحيى المعافري عن أبي
عبدالرحمن الجیلي سمعت عبدالله بن عمرو.
ورواه الترمذي: عن سويد بن نصر عن عبدالله بن المبارك عن الليث فوقع لنا هذا عالياً
بد رجتين فكأني سمعته من أبي حفص عمر بن طبرزد، فساويت فيه الحافظين أبي
عمرو بن الصلاح وأبي محمد عبدالعظيم المنذري.
قوله / : فتوضع السجلات في كفة، هو جمع سجل: بالكسر والتشديد وهو الكتاب
الكبير، والبطاقة: رقعة صغيرة يكتب فيها مقدار ما يجعل فيها إن كان عيناً فوزنه
وعدده، وإن كان متاعاً فقيمته، قيل: سميت بذلك لأنها تسد بطاقة من الثوب فتكون
التاء حينئذ زائدة، وطاشت السجلات: أي خفت، والطيش: الخفة (٢).
(١) أخرجه الترمذي (٢٦٣٩)، وقال: " حديث حسن غريب" وابن ماجه (٤٣٠٠)، وصححه الحاكم
(٥٢٩/١)، ووافقه الذهبي وانظر: الصحيحة (١٣٥).
(٢) انظر: شرح السنة للبغوي (١٣٤/١٥ - ١٣٥).
٢٣

٤٤٥٦ - أنها ذكرت النار فبكت، فقال رسول الله #: ((ما يبكيك ؟)) قالت: ذكرت
النار فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله 8#: «أما في ثلاثة
مواطن فلا يذكر أحد أحداً: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند الكتاب
حین یقال: ( هاؤم اقرؤوا کتابیہ ﴾ حتی یعلم أین یقع کتابه، أفي يمينه أم في شماله أم
من وراء ظهره ؟، وعند الصراط، إذا وضع بين ظهراني جهنم )).
قلت: رواه (ق١٧١ /ب) أبو داود في السنة من حديث الحسن البصري عن عائشة
وسکت هو والمنذري علیه.(١)
باب الحوض والشفاعة
من الصحاح
٤٤٥٧ - قال رسول الله #: (( بينا أنا أسير في الجنة، إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدرّ
المجوّف، قلت: ما هذا ياجبريل ؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينه مسك
أذفر)».
قلت: رواه البخاري في التفسير من حديث أنس في الرقائق وتفرد به ..
(٢)
ومسك إذفر: أي طيب الريح والأذفر: نبات، والذفر بالتحريك يقع على الطيب
والحبيب ویفرق بينهما بما یضاف إليه.
اعلم أن أحاديث الحوض صحيحة والإيمان به فرض والتصديق به من الإيمان وهو
على ظاهره عند أهل السنة والجماعة ولا يتأول ولا يختلف فيه، قال القاضي :
(٣)
(١) أخرجه أبو داود (٤٧٥٥) وإسناده ضعيف فيه عنعنة الحسن البصري، وأخرجه الحاكم (٥٧٨/٤)
وقال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين لولا إرسال فيه بين الحسن وعائشة، وأقره الذهبي.
وانظر: تهذيب سنن أبي داود للمنذري (١٤٧/٧).
(٢) أخرجه البخاري في الرقائق (٦٥٨١)، وفي التفسير (٤٩٦٤).
(٣) انظر: إكمال المعلم (٢٦٠/٧).
٢٤

وحديثه متواتر النقل رواه خلائق من الصحابة، ذكره مسلم من رواية: ابن عمر، وأبي
سعيد، وسهل بن سعد، وجندب، وعبدالله ابن عمرو، وعائشة، وأم سلمة، وعقبة،
وابن مسعود، وحذيفة، وحارثة بن وهب، والمستورد، وأبي ذر، وثوبان، وأنس،
وجابر بن سمرة، ورواه غير مسلم من رواية: أبي بكر وزيد ابن أرقم، وأبي أمامة،
وعبدالله بن زيد، وأبي برزة، وسويد بن جبلة، وعبدالله الصنابحي، والبراء بن عازب،
وأسماء بنت أبي بكر وخولة بنت قيس وغيرهم.
قال النووي: ورواه الشيخان من رواية أبي هريرة ورواه غيرهما من رواية عمر بن
الخطاب وعائذ بن عمر وآخرين وقد جمع ذلك كله الإمام أبو بكر البيهقي في كتابه "
البعث والنشور " بأسانيده وطرقه المتكاثرات قال القاضي عياض (١): وفي بعض هذا ما
يقتضي أن يكون الحديث متواتراً.
٤٤٥٨ - قال #: ((حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، ماؤه أبيض من اللبن،
وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من يشرب منها، فلا يظمأ أبدا)).
قلت: رواه البخاري في الحوض ومسلم في المناقب ) وابن ماجه في الصيام كلهم من
حديث ابن أبي مليكة عن عبدالله بن عمرو بن العاص ولم يذكر البخاري: وزواياه
سواء ولا أبيض من اللبن.
قوله : كيزانه كنجوم السماء. وفي رواية: والذي نفسي بيده لآنيته أكثر من عدد
نجوم السماء.
(١) المنهاج (٧٧/١٥).
(٢) انظر: إكمال المعلم (٢٦١/٧)، وكتاب البيهقي " البعث والنشور" مطبوع في بيروت. وانظر: أحاديث
الحوض فيه من صفحة (١١٠ - ١٣٠).
(٣) أخرجه البخاري (٦٥٧٩)، ومسلم (٢٢٩٢) ولم أجده عند ابن ماجه.
٢٥

قال النووي : الصواب أن هذا العدد للآنية على ظاهره ولامانع عقلي ولا شرعي
يمنع من ذلك بل ورد الشرع به مؤكداً بالقسم. وقال القاضي عياض: هذا إشارة إلى
كثرة العدد وغايته الكثيرة من باب قوله #: لا يضع العصا عن عاتقه، والظمأ مهموز
مقصور: العطش.
٤٤٥٩ - قال #: ((إن حوضي أبعد من أيلة من عدن، لهو أشد بياضاً من الثلج،
وأحلى من العسل باللبن، ولآنيته أکثر من عدد النجوم، وإني لأصد الناس عنه كما
يصد الرجل إبل الناس عن حوضه))، قالوا: يا رسول الله أتعرفنا يومئذ؟ قال:
(( نعم، لكم سيما ليست لأحد من الأمم، تردون عليّ غراً محجّلين من أثر الوضوء)).
(١٧٢/أ).
قلت: رواه مسلم في كتاب الوضوء من حديث أبي هريرة ولم يخرج البخاري أول
هذا الحديث إلى قوله: باللبن ولم يقل: أتعرفنا إلى قوله: من الأمم.
قوله ﴿: أبعد من أيلة: هو بفتح الهمزة وإسكان المثناة من تحت وفتح اللام وهو
مدينة معروفة في طرف الشام على ساحل البحر، متوسطة بين مدينة رسول الله ﴾
ودمشق ومصر، بينها وبين المدينة خمسة عشر مرحلة، وبينها وبين دمشق نحو ثلثي
عشر مرحلة، وبينها وبين مصر نحو ثمان مراحل، قال الحازمي: قيل هى آخر الحجاز
(٣)
وأول الشام(٣).
وعدن بلد معروفة في طرف اليمن، مما يلي البحر، والمعنى أن بعدما بين طرفي الحوض
أزيد من بعد مابين أيلة وعدن. والسيما: العلامة.
٤٤٦٠ - وروي: ((ترى فيه أباريق الذهب والفضة، كعدد نجوم السماء)).
(١) المنهاج (٨٠/١٥).
(٢) أخرجه مسلم (٢٤٧).
(٣) انظر: معجم البلدان (٢٩٢/١)، وإكمال المعلم (٢٥٩/٧).
٢٦

قلت: رواه الشيخان من حديث أنس: البخاري في الحوض ومسلم في المناقب ولم
يذكر البخاري الذهب ولا الفضة.(١
٤٤٦١- وروي: ((يَغُتّ فيه ميزابان، يمدانه من الجنة، أحدهما من ذهب، والآخر من
ورق ».
قلت: رواه مسلم في المناقب من حديث ثوبان ولم يخرج البخاري في كتابه عن ثوبان
((٢)
شيئاً(٢).
ويَغُتّ: بفتح الياء المثناة من تحت وبغين معجمة مضمومة ومكسورة ثم مثناة فوق
مشددة، قال الهروي": معناه يدفقان فيه الماء دفقاً متتابعاً شديداً، قالوا: وأصله من
اتباع الشيء الشيء، وقيل: يصبان فيه دائماً صباً شديداً، ووقع في بعض نسخ مسلم
يعب: بضم العين المهملة وباء موحدة وهو بمعنى ما سبق، والعب: الشرب بسرعة في
نفس واحد، وفي بعض الروايات يثعب بمثلثة وعين مهملة أي يتفجر.
وأما قوله # : يمدانه فبفتح الياء وضم الميم أي يزيدانه ويكثرانه.
٤٤٦٢ - قوله#: ((إني فرطكم على الحوض، من مر علي شرب، ومن شرب لم
يظمأ أبداً، ليردن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم»، فأقول: إنهم
مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن غير بعدي.
قلت: رواه الشيخان: البخاري في الحوض وفي الفتن ومسلم في فضل النبي 8# من
حديث سهل بن سعد إلى قوله: ثم يحال بيني وبينهم، وتمام الحديث زاده أبو سعيد
(١) أخرجه مسلم (٢٣٠٣)، والبخاري (٦٥٨٠).
(٢) أخرجه مسلم (٢٣٠١).
(٣) انظر: غريب الحديث (٩١/١)، وإكمال المعلم (٢٦٧/٧).
(٤) أخرجه البخاري (٦٥٨٣) (٦٥٨٤) (٧٠٥٠، ٧٠٥١)، ومسلم (٢٢٩٠، ٢٢٩١).
٢٧

الخدري، ولفظ الشيخين: من ورد يشرب، وفي بعض طرق البخاري: من مر شرب
وبها روى المصنف.
قوله #: أنا فرطكم على الحوض، قال أهل اللغة: الفرط: بفتح الفاء والراء
والفارط: هو الذي يتقدم الوارد ليصلح لهم الحوض والدلاء، ونحوها من أمور
الاستسقاء، فمعنى فرطكم على الحوض سابقكم إلیه کالمھيء له (١).
قوله {8#: ومن شرب لم يظمأ أبداً أي شرب منه، والظمأ مهموز مقصور كما تقدم،
قال القاضي : ظاهر هذا الحديث أن الشرب منه يكون بعد الحساب والنجاة من
النار، فهذا هو الذي لايظمأ بعده، قال: وقيل: ولا يشرب منه إلا من قدر له السلامة
من النار، ويحتمل: أن من شرب منه من هذه الأمة وقدر عليه دخول النار لا يعذب فيها
بالظمأ، بل يكون عذابه بغير ذلك، لأن ظاهر الحديث أن جميع الأمة تشرب منه إلا
من ارتد وصار كافراً (ق١٧٢ / ب) قال: وقيل إن جميع المؤمنين من الأمم يأخذون
كتبهم بأيمانهم ثم يعذب الله من شاء من عصاتهم، وقيل: إنما يأخذه بيمينه الناجون
خاصة، قال القاضي (١): وهذا مثله.
قوله وَلّ : سحقاً سحقاً أي بعداً بعداً ونصبه على المصدر و کرر للتوكيد.
٤٤٦٣- أن النبي # قال: «يحبس المؤمنون يوم القيامة، حتى يهموا بذلك،
فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا من مكاننا، فيأتون آدم، فيقولون: أنت أبو
الناس، خلقك الله بيده، وأسكنك جنّته، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء کل
شيء، اشفع لنا عند ربك، حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هُناكم، فيذكر
خطيئته التي أصاب: وأكله من الشجرة وقد نهي عنها، ولكن ائتوا نوحاً: أول نبي بعثه
الله إلى أهل الأرض، فيأتون نوحاً، فيقول: لست هناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب:
(١) انظر: المنهاج للنووي (٧٧/١٥ - ٧٨).
(٢) انظر: إكمال المعلم (٢٥٧/٧).
(٣) انظر: المصدر السابق.
٢٨

بسؤاله ربه بغير علم، ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن: قال: فيأتون إبراهيم،
فيقول: إني لست هناکم، ویذکر ثلاث كذبات كذبهن، ولكن ائتوا موسى: عبداً آتاه
الله التوراة، وكلّمه، وقربه نجياً، قال: فيأتون موسى، فيقول: إني لست هناكم،
ويذكر خطيئته التي أصاب: وقتله النفس، ولكن ائتوا عيسى: عبدالله ورسوله، وروح
الله وكلمته، قال: فيأتون عيسى، فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمداً: عبداً غفر
الله له ماتقدم من ذنبه وماتأخر، قال: فیأتونني، فأستأذن على ربي في داره، فيؤذن لي
عليه، فإذا رأيته وقعت ساجداً، فيدعني ماشاء الله أن يدعني، فيقول: ارفع محمد !
وقل يُسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه، قال: فأرفع رأسي، فأثني على ربي بثناء
وتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حداً، فأخرج فأخرجهم من النار، فأدخلهم
الجنة، ثم أعود، فأستأذن على ربي في داره، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت
ساجداً، فيدعني ماشاء الله أن يدعني ثم يقول: ارفع محمد، وقل يسمع، واشفع
تشفع، وسل تعطه، قال: فأرفع رأسي فأثني على ربي بثناء وتحمید یعلمنیه، ثم
أشفع، فيحد لي حداً فأخرج فأدخلهم الجنة، ثم أعود فأستاذن على ربي في داره،
فيؤذن لي عليه، فإذا رأيته وقعت ساجداً، فيدعني ماشاء الله أن يدعني ثم يقول: ارفع
محمد، وقل يُسمع، واشفع تشفع، وسل تعطه، قال: فأرفع رأسي، فأثني على ربي
بثناء وتحمید یعلمنیه، ثم أشفع، فيحد لي حداً فأخرج فأدخلهم الجنة، حتى ما يبقى في
النار إلا من قد حبسه القرآن)) أي: وجب عليه الخلود، ثم تلا هذه الآية ( عسى أن
يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾، وقال: ((وهذا المقام المحمود الذي وعِدَه نبيكم {$)).
قلت: رواه البخاري في التفسير وفي التوحيد واللفظ له في التوحيد ومسلم في الإيمان
والنسائي في التفسير. (١)
قوله #: يهموا بذلك هو على البناء للمفعول من أهمه الأمر إذا أقلقه وأحزنه أي
حتى يخرجك من الحبس.
(١) أخرجه البخاري (٦٥٦٥)، (٧٤٤٠)، ومسلم (١٩٣)، والنسائي في الكبرى (١٠٩٨٤).
٢٩

قوله ﴿ : لو استشفعنا إلى ربنا فيريحنا أي يخلصنا ويريحنا منصوب بأن مقدرة بعد الفاء
في جواب التمني وهو "لو".
وقول آدم عليه السلام: لست هناكم. قال النووي (١): معناه لست أهلاً لذلك، قوله
* حكاية عن الأنبياء عليهم السلام: لسنا هناكم، ويذكرون خطاياهم قد اختلف
العلماء في جواز المعاصي على الأنبياء ولا خلاف في أن الكفر بعد النبوة ليس بجائز
عليهم وكذا قبلها على الصحيح ولاخلاف أنهم (١٧٣ /أ) معصمون من الكبائر،
وكلما طريقه الإبلاغ في القول أو الفعل، وكذلك لا خلاف أنهم معصومون من الصغائر
التي تزري صاحبها وتحط منزلته، واختلفوا في غيرها من الصغائر فذهب جماعات من
المتكلمين والفقهاء المحققين إلى عصمتهم من ذلك أيضاً، وهذا هو الحق، واختلفوا في
جواز السهو والنسيان عليهم، فنقل النووي ١١ عن معظم المحققين وجماهير العلماء
أنهم ذهبوا إلى جواز ذلك، ووقوعه منهم، قال: وهذا هو الحق ثم لابد من تنبيههم
عليه وذكرهم إياه إما في الحين على قول جمهور المتكلمين وإما قبل وفاتهم على قول
بعضهم.
قوله في قول آدم: خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، هو من إضافة التشريف،
قال ابن الأنباري: الخليل معناه المحب الكامل، والمحبوب الموفي بحقيقة المحبة واللذان ليس
في حبهما نقص ولاخلل، وقيل: مأخوذ من الخلة وهي الحاجة، فسمى إبراهيم عليه
السلام بذلك لأنه قصر حاجته على ربه سبحانه وتعالى.
قال الواحدي: والقول الأول هو الاختيار لأن الله تعالى خليل إبراهيم وإبراهيم خليل
الله تعالى ولا يقال الله تعالى خليل إبراهيم من الخلة الذي هو الحاجة.
(١) المنهاج (٦٧/٣).
(٢) المصدر السابق (٦٦/٣).
٣٠

قوله ﴿: عبداً غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، اختلف العلماء في معناه قال
القاضي عياض : المتقدم ما كان قبل النبوة، والمتأخر ما عصمه بعدها، قيل ماوقع
عن سهو أو تأويل، وقيل مغفور لك غير مؤاخذ بذنب لو كان(٢).
قوله {/#: فأستأذن عليه في داره، قال الخطابي (١) : أي في داره التي دورها لأنبيائه
وأوليائه وهي الجنة، قال تعالى: ﴿ لهم فيها دار السلام ) وهذا كما يقال بيت الله أي
البيت الذي جعله الله مثابة للناس وأمناً.
٤٤٦٤ - قال : ((إذا كان يوم القيامة، ماج الناس بعضهم في بعض، فيأتون آدم
فيقولون: اشفع لنا إلى ربك، فيقول: لست لها، ولكن علیکم بإبراهيم فإنه خليل
الرحمن، فيأتون إبراهيم فيقول: لست لها، ولكن عليكم بموسى، فإنه كليم الله،
فيأتون موسى، فيقول: لست لها، ولکن علیکم بعیسی، فإنه روح الله وكلمته،
فيأتون عيسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد، فيأتونني فأقول: أنا لها،
فاستأذن على ربي، فيؤذن لي، ویلهمني محامد فأحمده بها، لا تحضرني الآن، فأحمده
بتلك المحامد ثم آخر له ساجداً، فیقال: یا محمد ! ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل
تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يارب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في
قلبه مثال شعيرة من إيمان، فأنطلق فأفعل، ثم أعود فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له
ساجداً، فيقال: يا محمد ! ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع،
فأقول: يا رب أمتي أمتي، فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه مثقال ذرة بخير أو
خردلة من إيمان فأنطلق فأفعل ثم أعود فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجداً، فيقال:
يا محمد ! ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يارب أمتي
أمتي، فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردلة من
(١) انظر: إكمال المعلم (٥٧٥/١).
(٢) انظر: المنهاج للنووي (٦٦/٣ - ٧٠)، وإكمال المعلم (٥٧٣/١ - ٥٧٨).
(٣) انظر: أعلام الحديث للخطابي (٢٣٥٥/٤).
٣١

إيمان، فأخرجه من النار، فأنطلق فأفعل، ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد، ثم
أخر له ساجداً، فيقال: يا محمد ! ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع
تشفع، فأقول: يارب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله قال: ليس ذلك لك، ولكن
وعزتي وجلالي (ق١٧٣ /ب) وكبريائي وعظمتي، لأخرجن منها من قال: لا إله إلا
الله )).
قلت: رواه البخاري في كتاب التوحيد بهذا اللفظ ورواه مسلم في الإيمان وقال في
الأول: مثقال حبة من خردل أو شعيرة من إيمان، وقال في الثانية: مثقال حبة من
خردل، وقال في الثالثة: فمن كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من
(١)
إيمان فأخرجه من النار.
قال عبدالحق في الجمع بين الصحيحين: وليس في رواية البخاري: ليس ذلك لك (٢)
إنما هو في رواية مسلم.
وماج الناس : أي اختلط بعضهم ببعض مقبلین ومدبرین حیاری.
٤٤٦٥ - عن النبي # قال: ((أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال: لا إله إلا
الله، خالصاً من قلبه أو نفسه )).
قلت: رواه البخاري في العلم وفي صفة الجنة والنسائي في العلم كلاهما من حديث
أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة ؟ فقال النبي
*: «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لايسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت
من حرصك على الحديث: أسعد الناس بشفاعتي ... )) وساقه، ولم يخرجه مسلم.
٤٤٦٦- قال: أُتي النبي {# بلحم، فرفع إلیه الذراع و کانت تعجبه، فنهس منها
نهسة، ثم قال: «أنا سيد الناس يوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين، وتدنو
(١) أخرجه البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣).
(٢) انظر: الجمع بين الصحيحين للحميدي (٥٤٦/٢)، وذكره من رواية البخاري.
(٣) أخرجه البخاري (٩٩)، والنسائي في الكبرى (٥٨٤٢).
٣٢

الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون، فيقول الناس ألا تنظرون من
يشفع لكم إلى ربكم ؟ فيأتون آدم .. )) وذكر حديث الشفاعة، وقال: ((فأنطلق فآتي
تحت العرش، فأقع ساجداً لربي، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً
لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع،
فأرفع رأسي، فأقول: أمتي يارب، أمتي يارب، فقال: يا محمد ! أدخل من أمتك مَنْ
لاحساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء للناس فيما سوى ذلك
من الأبواب))، ثم قال: ((والذي نفسي بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة،
کما بین مکة وهجر ».
قلت: رواه الشيخان بألفاظ متقاربة: البخاري في التفسير في سورة بني إسرائيل وذكره
في بدء الخلق ومسلم في الإيمان من حديث أبي هريرة. (١)
قوله: فنهس منها نهسة قال عياض: أكثر الروايات رووه بالمهملة ووقع لابن ماهان.
بالمعجمة وكلاهما صحيح وهو بالمهملة من أطراف الأسنان وبالمعجمة بالأضراس.
والسيد: هو الذي يفوق قومه، ويفزع إليه في الحوائج، والنبي څ# سيدهم في الدنيا
والآخرة، وإنما خص يوم القيامة لارتفاع السؤدد فيها وتسلیم جميعهم له، ولکون آدم
وجميع أولاده تحت لوائه 73 .
والمصراعان: بكسر الميم جانبا الباب. وهجر: بفتح الهاء والجيم وهي مدينة عظيمة
وهي قاعدة البحرين.
قال الجوهري (٢): هجر اسم بلد مذكّر مصروف. قال أبو القاسم الزجاج في الجمل
هجر یذکر ومؤنث.
(٣)
: وهجر هذه غير هجر المذكورة في حديث القلتين.
قال النووي
(١) أخرجه البخاري في التفسير (٤٧١٢)، وفي الأنبياء (٣٣٤٠)، ومسلم (١٩٤).
(٢) انظر: الصحاح للجوهري (٨٥٢/٢).
(٣) انظر: المنهاج للنووي (٨٤/٣).
٣٣

٤٤٦٧- عن رسول الله # قال: «وترسل الأمانة والرحم، فيقومان جَنّبتي الصراط،
يميناً وشمالاً )».
قلت: رواه مسلم في حديث طويل من حديث حذيفة (ق ١٨٤ /أ) وأبي هريرة (١) في
الإيمان، ولم يخرج البخاري هذه القطعة منه التي اقتصر عليها المصنف في ذكر الأمانة
والرحم، وجنبتا الصراط: ناحيتاه.
قال ابن الأثير : جنبة الوادي: بفتح النون جانبه وناحيته، والمعنى: أن الأمانة
والرحم لعظم شأنهما وفخامة أمرهما تمثلان عند الصراط، وتقومان بقربه فإنه ممر
الصالح والعاصي، وعليه يمر الداني والقاصي فيشهدان للأمين والواصل وعلى الخائن
(٣)
والقاطع (٣).
٤٤٦٨ - أن النبي ® تلا قول الله تعالى في إبراهيم: ﴿رب إنهن أضللن كثيراً من
الناس فمن تبعني فإنه مني﴾ وقال عيسى: ﴿ إن تعذبهم فإنهم عبادك﴾ فرفع يديه،
فقال: ((اللهم أمتي أمتي، ويكى فقال الله عز وجل: يا جبريل ! اذهب إلى محمد -
وربك أعلم - فسَلْه: ما يُبكيه)) فأتاه جبريل، فسأله؟ فأخبره رسول الله ® بما قال:
فقال الله لجبريل: اذهب إلى محمد فقل: ((إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءُك)).
قلت: رواه مسلم في الإيمان والنسائي في التفسير من حديث عبدالله بن عمرو ولم
(٤)
يخرجه البخاري.
٤٤٦٩ - أن ناساً قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله %: (
نعم، هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صَحْواً، ليس معها سحاب ؟ وهل
(١) أخرجه مسلم (١٩٥).
(٢) انظر: النهاية لابن الأثير (٣٠٣/١).
(٣) انظر: المنهاج للنووي (٨٧/٣).
(٤) أخرجه مسلم (٢٠٢)، والنسائي في الكبرى (١١٢٦٩).
٣٤

تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحواً ليس فيها سحاب ؟ قالوا: لا، يا رسول الله
قال: « ما تضارون في رؤية الله يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما إذا كان يوم
القيامة أذن مؤذن: لتتبع کل أمة ما كانت تعبد، فلا یبقی أحد کان یعبد غیر الله من
الأصنام والأنصاب، إلا يتساقطون في النار، حتى لم يبق إلا من کان یعبد الله - من بر
وفاجر - : أتاهم رب العالمين، قال: فماذا تتنظرون ؟ يتبع كل أمة ماكانت تعبد،
قالوا: ياربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم ».
قلت: رواه البخاري في تفسير سورة النساء وفي التوحيد ومسلم في الإيمان من حديث
أبي سعيد الخدري.(١)
وتضارون: روي بتشديد الراء وتخفيفها والتاء مضمومة فيهما وقد تقدم تفسير ذلك في
آخر أحاديث الصحاح في الباب الذي قبل هذا.
- وفي رواية أبي هريرة: «فيقولون: هذا مكاننا حتی یأتینا ربنا، فإذا جاء رينا
عرفناه)).
وفي رواية أبي سعيد: «فيقول: هل بينكم وبينه آية تعرفونه بها ؟ فيقولون: نعم،
فيكشف عن ساق، ولا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه، إلا أذن الله له
بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً، إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما
أراد أن يسجد، خر على قفاه، ثم يُضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة،
ويقولون: اللهم سِلّم سلّم، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح،
وکالطير، وکاجاويد الخيل، والركاب: فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومکردس في
نار جهنم، حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده، ما من أحد منكم
بأشد مناشدة في الحق - قد تبين لكم - من المؤمنين: لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في
النار، يقولون: ربنا كانوا يصومون معنا، ويصلون ويحجون، فيقال لهم: أخرجوا من
عرفتم، فتحرم صورهم على النار، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا مابقي فيها
(١) أخرجه البخاري في التوحيد (٧٤٣٩)، والتفسير (٤٥٨١)، ومسلم (١٨٣).
٣٥

أحد ممن أمرتنا به، فيقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دینار من خير فأخرجوه،
فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال (١٧٤ /ب) نصف
دينار من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه
مثقال ذرة من خير فأخرجوه، فيخرجون خلقاً كثيراً، ثم يقولون: ربنا لم نذر فيها
خيراً، فيقول الله: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم
الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيُخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط، قد عادوا
حُمَماً فيُلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له: نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في
حميل السيل، فيخرجون كاللؤلؤ، في رقابهم الخواتم، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء
الرحمن، أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدّموه، فیقال لهم: لكم ما
رأيتم ومثله معه )).
قلت: حديث أبي سعيد هذا من قوله: أن ناساً قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا إلى
آخر الرواية الثالثة وهي قوله: لكم ما رأيتم ومثل معه، رواه الشيخان مع زيادة فيه
اختصرها المصنف رضي الله عنهم واعترض الشيخ بين رواية أبي سعيد برواية أبي
هريرة، فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، وهي رواها
الشيخان أيضاً في حديث طويل عن أبي هريرة بمثل معنى حديث أبي سعيد (١).
قوله #: فيكشف عن ساق ضبط يكشف بضم الياء وفتحها، وفسر ابن عباس
وجمهور أهل اللغة: الساق هنا بالشدة أي يكشف عن شدة وأمر مهول، قالوا: وهذا
مثل تضربه العرب لشدة الأمر، ولهذا يقولون: قامت الحرب على ساق، وأصله أن
الإنسان إذا وقع في شدة يقال: شمر ساعده، وكشف عن ساقه، للاهتمام به، وقيل:
(١) أخرجه البخاري (٧٤٣٩) و (٨٠٦)، ومسلم (١٨٢) و (١٨٣).
٣٦

المراد بالساق هنا نور عظيم وورد ذلك في حديث عن النبي 8* قال ابن فورك (١) :
ومعنى ذلك ما يتجدد للمؤمنين عند رؤية الله تعالى من الفوائد والألطاف (٢).
قال الخطابي: وهذه الرؤية التي في هذا المقام يوم القيامة غير الرؤية التى في الجنة
لكرامة أولياء الله تعالى، وإنما هذه للامتحان وقد استدل بعض العلماء بهذا الحديث وأنه
تعالى أمرهم بالسجود وفيهم من لايستطيعه على جواز تكليف مالا يطاق. قال
(٤) : وهذا باطل لأن هذا السجود إنما هو امتحان وليس بتكليف.
النووي
وطبقة: بفتح الطاء والباء قال الهروي وغيره: الطبق فقار الظهر أي صار فقاره طبقة
واحدة كالصحفة فلا يقدر على السجود.
قوله ﴿ل: فناج مسلم إلى آخره، يعني أنهم ثلاثة أقسام، قسم يسلم ولا يناله شيء
فيخلص، وقسم يكردس ويلقى فيسقط في جهنم.
ومكردس هو بالسين المهملة قال القاضي عياض : كذا هو عند أكثر الرواة أي
الموثق الملقى في النار أو الملقى على غيره بعضهم على بعض في النار، قال: ورواه
بعضهم بالشين المعجمة ومعناه السوق.
(١) انظر: مشكل الحديث لابن فورك (ص: ١٩٠ - ١٩٣).
(٢) ذكرت بأن علماء أهل السنة والجماعة یرون إثبات جمیع الصفات التي جاءت في كلام الله أو في كلام
رسوله# ، من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل كما قال السلف رحمهم الله:
أمرّوها كما جاءت، فتأويل الساق إلى نور وغيره باطل، لأن السياق لا يدل على ما ذهب إليه المؤلف.
وكذلك الرؤية ثابتة للمؤمنين كما دلت عليه ( وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة﴾ وقال الحسن في
قوله سبحانه ( كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ قال: يكشف الحجاب، فينظر إليه المؤمنون
والكافرون ثم يحجب عنه الكافرون وينظر إليه المؤمنون كل يوم غدوة وعشية، انظر: تفسير ابن كثير
(٣٧٣/٨).
(٣) انظر: أعلام الحديث للخطابي (٥٢٣/١ - ٥٢٤).
(٤) انظر: المنهاج للنووي (٣٥/٣ - ٣٦).
(٥) انظر: إكمال المعلم (١/ ٥٥٢ - ٥٥٣).
٣٧

قوله # : ما من أحدمنكم بأشد مناشدة في الحق وقد تبين لكم من المؤمنين لله يوم
القيامة لإخوانهم الذین في النار.
الحق: أي في الأمر الحق وقد تبين لكم حال من الحق أي في أمر حق مبينا لكم، ومن
المؤمنين متعلق بأشد، ولله متعلق بالمناشدة ولإخوانهم أي لأجل إخوانهم، فالمؤمنون
هم المناشدون، والله تعالى هو المناشد معه، ولإخوانهم هم المناشد فيهم، ويوم القيامة
ظرف لأشد تقديره مامن أحد ناشد مناشدة يوم من المؤمنين لله لأجل إخوانهم الذين
هم في النار.
وفيقبض قبضة من النار (ق ١٧٥ / أ) معناه يجمع جماعة.
وعادوا: أي صاروا، وليس بلازم في عاد أن يصير إلى حال كان عليها قبل ذلك.
والحمم: بضم الحاء وفتح الميم المخففة وهو الفحم الواحد حممة.
والنهر: فيه لغتان بفتح الهاء وهو الأجود وإسكانها.
والأفواه: جمع فوهة، قال النووي ١١: بضم الفاء وتشديد الواو المفتوحة
وهو جمع سمع من العرب على غير قياس، وأفواه الأنهار أولها.
والخواتم: جمع خاتم بفتح التاء وكسرها. والحبة: بكسر الحاء المهملة بذور البقول
وحب الرياحين، وقيل هو نبت صغير ينبت في الحشيش، فأما الحبة: بالفتح فهي الحنطة
والشعير ونحوهما وليس بمراد هنا (٢).
وحميل السيل: هو بفتح الحاء ما يجيء به السيل من طين أو غثاء أو غيره فعيل بمعنى
مفعول، فإذا نقعت فيه حبة واستقرت على شط مجرى السيل، فإنها تنبت في يوم وليلة.
٤٤٧٠ - قال : ((إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يقول الله تعالى: من
كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فأخرجوه، فيخرجون قد امتحشوا وعادوا
(١) انظر: المنهاج للنووي (٤٠/٣).
(٢) انظر: إكمال المعلم (١ / ٥٤٦ - ٥٥٣)، وشرح السنة (١٧٦/١٥ - ١٧٩)، والمنهاج (٣٢/٣ - ٤١).
٣٨

حُمماً، فيُلْقَون في نهر الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ألم تروا أنها
تخرج صفراء ملتوية)).
قلت: رواه الشيخان كلاهما في الإيمان وترجم عليه البخارى باب تفاضل الإيمان. (١)
وامتحشوا: قال في المشارق (١) : ضبطه أكثرهم بضم التاء وكسر الحاء المهملة على مالم
يسم فاعله وضبطه بعضهم بفتحهما أيضاً.
قال: في شرح السنة(١) : أي احترقوا والمحش احتراق الجلد وظهر العظم.
٤٤٧١- أن الناس قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ ... فذكر معنى
حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، غير كشف الساق، وقال: ((ويضرب
الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ إلا
الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلّم سلّم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك
السعدان، لا يعلم قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبَّق
بعمله، ومنهم من يخردل ثم ينجو، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده، وأراد أن
يخرج من النار من أراد أن يخرجه ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله، أمر الملائكة أن يخرجوا
من كان يعبد الله، فيخرجونهم ويعرفونهم بآثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل
أثر السجود، فكل ابن آدم تأكله النار، إلا أثر السجود، فيخرجون من النار قد
امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة، فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، ويبقى
رجل بين الجنة والنار، وهو آخر أهل النار دخولاً الجنة، مقبل بوجهه قبل النار،
فيقول: يارب اصرف وجهي عن النار، قد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها، فيقول:
هل عسيت إن فعل ذلك بك أن تسأل غير ذلك ؟ فيقول: لا، وعزتك، فيعطي الله ما
شاء من عهد وميثاق، فيصرف الله وجهه عن النار، فإذا أقبل به إلى الجنة، رأي
(١) أخرجه البخاري (٢٢)، ومسلم (١٨٤).
(٢) انظر: مشارق الأنوار (١/ ٣٧٤).
(٣) انظر: شرح السنة للبغوي (١٧٧/١٥).
٣٩

بهجتها، سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم قال: يارب قدمني عند باب الجنة، فيقول
الله تبارك وتعالى: أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لا تسأل غير الذي كنت سألت ؟
فيقول: يارب لا أكون أشقى خلقك، فيقول: فما عسيت إن أعطيت ذلك أن تسأل
غيره ؟، فيقول: لا، وعزتك لا أسأل غير ذلك، فيعطي ربه ما شاء من عهد وميثاق،
فيقدمه إلى باب، الجنة فإذا بلغ بابها، فرأي زهرتها وما فيها من النضرة والسرور،
فسكت ما شاء الله أن يسكت، فيقول: يارب أدخلني الجنة، (١٧٥ /ب) فيقول الله
تبارك وتعالى: ويلك يا ابن آدم ما أغدرك ! أليس قد أعطيت العهود والميثاق أن لاتسأل
غير الذي أعطيت ؟ ! فيقول: يارب لا تجعلني أشقى خلقك، فلا يزال يدعو، حتى
يضحك الله منه، فإذا ضحك منه أذن له في دخول الجنة فيقول له: تمنّ، فيتمنى حتى
إذا انقطع أمنيته قال الله تعالى: تمن من كذا وكذا أقبل يذكره ربه حتى إذا انتهت به الأ
ماني، قال الله تعالی: لك ذلك ومثله معه )).
قلت: رواه البخاري في الصلاة في فضل السجود وفي التوحيد وفي غير موضع ومسلم
في الإيمان وألفاظهما متقاربة المعنى من حديث أبي هريرة. (١)
والكلاليب: جمع كلوب بفتح الكاف وضم اللام المشددة وهو حديدة معطوفة الرأس
يعلق عليها اللحم ویرسل في التنور.
والسعدان: بفتح السين وإسكان العين المهملتين وهو نبت له شوكة عظمية مثل الحسك
من كل الجوانب.
وتخطف الناس: هو بفتح الطاء ويجوز كسرها، يقال: خطف بفتح الطاء وكسرها
وبالفتح أكثر، والكسر أفصح، ويجوز أن يكون معناه: تخطفهم بسبب أعمالهم
القبيحة، ويجوز أن يكون معناها تتخطفهم على قدر أعمالهم.
قوله / : فمنهم من يوبق بعمله هو بالباء الموحدة أي يهلك.
(١) أخرجه البخاري (٨٠٦) (٦٥٧٣) (٦٥٧٤) (٧٤٣٧) (٧٤٣٨)، ومسلم (١٨٢).
٤٠