Indexed OCR Text
Pages 121-140
الحاجة إلى الحازي فيعطيه حلواناً ويقول له: اقعد حتى أخط لك، وبين يدي الحازي
غلام ومعه ميل، ثم يأتي إلى أرض رخوة فيأمر غلامه أن يخط فيها خطوطاً كثيرة
بالعجلة لئلا يلحقه العدد ثم يرجع فيمحو منها على مهل، فإن بقي منها خطان، فهما
علامة النجاح، فالحازي يمحو، ويقول الغلام للتفاؤل: إبْنَيْ عيان، فيقول الحازي:
إبْنَيْ عيان أسرعا البيان، وإن بقي خط واحد فهو علامة الخيبة(١)، وكانت الكهانة
ثلاثة أضرب (٢) أحدها: يكون للإنسان ولي من الجن يخبره بما يسترقه من السمع من
السماء، وهذا القسم بطل من حين بعث نبينا محمد 8# ، الثاني: أن يخبره بما طرأ وما
خفي عنه مما قرب أو بعد ولا يتعدى وجوده ونفت المعتزلة هذين الضربين وأحالوهما
ولا استحالة ولا بعد ولكنهم يصدقون ويكذبون، والنهي عن تصديقهم عام،
والثالث: المنجمون وهذا الضرب يخلق الله تعالى فيه لبعض الناس قوة ما لكن الكذب
فيه أكثر، ومن هذا الفن: العيافة: وهو الذي يستدل على أمور بأسباب وقد يعضد
بالزجر والطرق والنجوم وكلها كهانة نهى عنها الشرع(٣).
قوله: (( كنا نتطير، قال: ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلايصدنكم)) معناه أن
كراهة ذلك يقع نفوسكم في العادة فلا ترجعوا عما كنتم عزمتم عليه قبل ذلك )) وقد
صح عن النبي # أنه قال: ((إذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات
إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك)). رواه أبو داود (٤).
قوله /: ((كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق فذاك)) ليس معناه الإذن في الخط
مطلقاً، بل إن علم موافقته لذلك الذي كان يفعله النبي جاز وإلا فلا، ونحن لا نعلم
الموافقة فلا يجوز لأن الجواز معلق بمعرفة الموافقة، واعلم أن التكهن وإتيان الكهان
وتعلم الكهانة والتنجيم والضرب بالرمل والشعر والحصي وتعليم هذه كلها حرام
(١) انظر: النهاية لابن الأثير (٤٧/٢)، والبغوي في شرح السنة (١٨٣/١٢ - ١٨٤).
(٢) انظر هذا التقسيم في: إكمال المعلم (١٥٣/٧)، والمنهاج للنووي (٣٢/٥).
(٣) انظر: معالم السنن (٢١٢/٤)، وشرح السنة للبغوي (١٨٢/١٢)، والمنهاج للنووي (٣٢٠/١٤).
(٤) أخرجه أبو داود (٣٩١٩)، وانظر: مختصر المنذري (٣٧٩/٥).
١٢١
وأخذ العوض عنه حرام(١).
٣٦٨٢- قالت: سأل أناس رسول الله # عن الكهان؟ فقال لهم رسول الله : «
ليسوا بشيءٍ))، قالوا: يا رسول الله ! فإنهم يحدّثون أحياناً بالشيء يكون حقاً ؟ قال
رسول الله 8: ((تلك الكلمة من الحق، يخطفها الجني، فيقُرّها في أذن ولیه قرّ
الدجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة )».
قلت: رواه الشيخان في الطب من حديث عائشة وذكره البخاري في مواضع أخر (٢)،
قوله {#: ((ليسوا بشيء)) معناه بطلان قولهم: وأنه لا حقيقة له، وفيه جواز إطلاق
هذا اللفظ على ما كان باطلاً.
قوله: ((يخطفها)) بفتح الطاء على المشهور وفيه لغة قليلة كسرها، ومعناه استرقه
وأخذه بسرعة.
قوله: ((من الجن)) هكذا هو بالجيم والنون كما قاله النووي (٣) أي الكلمة المسموعة
من الجن أي التي تصح مما نقله الجن.
وفي المشارق(٤) أنه روي هكذا، وروي من الحق: بالحاء والقاف.
قوله: ((فيقرها)) هو بفتح الياء وضم القاف وتشديد الراء، قوله: ((قر)) بفتح القاف
قال أهل اللغة: ((القر)) ترديد الكلام في أذن المخاطب حتى يفهمه، والدجاجة: بالدال
الدجاجة المعروفة، قال الخطابي(٥): وفيه رواية أخرى ((لقر الزجاجة ويشهد لها رواية
البخاري ((يقرها في أذنه كما يقر القارورة)).
(١) انظر المصادر السابقة.
(٢) أخرجه البخاري (٦٢١٣)، ومسلم (٢٢٢٨).
(٣) المنهاج (١٤/ ٣٢٣).
(٤) انظر: مشارق الأنوار (١٥٧/١ - ١٥٨).
(٥) انظر: أعلام الحديث للخطابي (٢٢١٨/٣).
١٢٢
والدجاجة: واحدة الدجاج بفتح الدال للذكر والأنثى لأن الهاء إنما دخلت على أنه
واحد من الجنس مثل حمامة قاله الجوهري(١).
والكذبة: بفتح الكاف وكسرها والذال ساكنة فيهما(٢).
٣٦٨٣- قالت: سمعت رسول الله # يقول: ((إن الملائكة تنزل في العنان - وهو
السحاب - فتذكر الأمر قضي في السماء فتسترق الشياطين السمع فتسمعه، فتودیه إلى
الکھان، فیکذبون معها مائة (ق٧٥/ب) كذبةٍ من عند أنفسهم ». (ق٧٥/ب).
قلت: رواه البخاري في باب ذكر الملائكة من كتاب بدء الخلق من حديث عائشة
ترفعه(٣). والعنان: بفتح العين المهملة وقد فسره في الحديث.
٣٦٨٤ - قالت: قال رسول الله : ﴿: ((من أتى عرّافاً، فسأله عن شيءٍ لم تقبل له
صلاة أربعين ليلةٌ)).
قلت: رواه مسلم في الطب من حديث صفية بنت أبي عبيد، عن بعض أزواج
النبي : (٤)، وذكر الحميدي(٥) هذا الحديث في مسند حفصة زوج النبي﴾ وذكر أن
أبا مسعود الدمشقي أخرجه في مسندها، قال: ولعله قد عرف أنه من حديث حفصة أو
أن بعض الرواة قد نسبه إليها، ولم يخرج البخاري هذا الحديث.
والعراف: هو الذي يدعي معرفة الشيء بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها
كالمسروق من ذا الذي سرقه ومعرفة مكان الضالة ونحو ذلك من الأمور، ومعنى عدم
قبول صلاته أنه لا ثواب له فيها وإن كانت مجزئة في سقوط الفرض (٦).
(١) انظر: الصحاح للجوهري (٣١٣/١).
(٢) انظر: المنهاج للنووي (٣٢٣/١٤ - ٣٢٤).
(٣) أخرجه البخاري (٣٢١٠).
(٤) أخرجه مسلم (٢٢٣٠).
(٥) انظر: الجمع بين الصحيحين للحميدي (٢٤٦/٤) رقم (٣٤٧٧).
(٦) انظر: المنهاج للنووي (٣٢٦/١٤).
١٢٣
٣٦٨٥- قال: صلى لنا رسول الله 8# صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماءٍ كانت من
الليل، فلما انصرف، أقبل على الناس فقال: ((هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا: الله
ورسوله أعلم، قال: ((أصبح من عبادي مؤمنٌ بي، وكافرٌ، فأما من قال: مطرنا
بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: بنوء كذا وكذا فذاك
کافر بي مؤمن بالکوکب ».
قلت: رواه الشيخان في الاستسقاء ومسلم في الإيمان وأبو داود في الطب والنسائي في
الصلاة وفي اليوم والليلة، ومالك في الاستسقاء بالنجوم من الموطأ، وأبو حاتم
والشافعي كلهم من حديث زيد بن خالد الجهني يرفعه.(١)
وقال الشافعي(٢): هذا محمول على ما كانت العرب عليه من إضافة المطر إلى النوء فإن
النوء وقت مخلوق لا يملك شيئاً، أما من قال: مطرنا بنوء كذا على معنى (( مطرنا في وقت
نوء كذا)» فإنما ذاك كقوله مطرنا في شهر كذا فلا يكون كفراً، والنوء واحد الأنواء وهي
الكواكب الثمانية والعشرون التي هي منازل القمر يسقط منها عند مضي كل ثلاثة عشرة
يوماً نجم في المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر في مقابله من المشرق من ساعته ويكون
انقضاء السنة مع انقضاء هذه الثمانية والعشرين، وأصل النوء النهوض فسمي الكوكب نوءاً
لأنه إذا سقط الساقط بالمغرب ناء الطالع بالمشرق يقول ناء ينوء نوءاً، فنوأ الثريا الكوكب
الذي ينوء عند سقوطها أي ينهض ويظهر، وقيل: أراد بالنوء الغروب وهو من الأضداد.
والحديبية: يروى بالتخفيف والتشديد.
٣٦٨٦ - عن رسول الله ﴿ قال: (( ما أنزل الله من السماء من بركةٍ، إلا أصبح فريقٌ
من الناس بها كافرين، يُنزل الله الغيث، فيقولون: بكوكب كذا وكذا )».
قلت: رواه مسلم في الاستسقاء من حديث أبي هريرة.(٣)
:
(١) أخرجه البخاري (٨٤٦)، ومسلم (٧١)، وأبو داود (٣٩٠٦)، والنسائي (١٦٤/٣)، ومالك في الموطأ
(١٩٢/١)، وأحمد (١١٧/٤)، وابن حبان (١٨٨)، والبغوي (١١٦٩).
(٢) انظر كلام الشافعي في الأم (٢٥٢/١)، ونقله عنه كذلك الحافظ في الفتح (٥٢٣/٢).
(٣) أخرجه مسلم (٧٢).
١٢٤
من الحسان
٣٦٨٧ - أن النبي ﴿ قال: ((من اقتبس علماً من النجوم، اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد )).
قلت: رواه أبو داود في الطب، وابن ماجه في [الأدب(١) ] كلاهما من حديث عبدالله
بن عباس یرفعه، وسکت علیه أبو داود.(٢)
وعلم النجوم المنهي عنه هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم الحوادث والكوائن التي لم
تقع، وستقع في مستقبل الزمان، ويزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في
منازلها واجتماعها وافتراقها، فأما علم النجوم الذي يدرك من طريق المشاهدة والحس
الذي يعرف به الزوال وجهة القبلة فغير داخل فيما نُهي عنه(٣).
٣٦٨٨- قال رسول الله 8: ((من أتى كاهناً فصدّقه بما يقول، أو أتى (ق٧٦/أ)
امرأته حائضاً، أو أتى امرأته في دبرها، فقد برئ مما أنزل على محمد ﴿)).
قلت: رواه أبو داود في الطب، والترمذي وابن ماجه كلاهما في الطهارة، والنسائي في
عشرة النساء أربعتهم من حديث حماد بن سلمة عن حكيم الأثرم عن أبي تميمة طريف
بن مجالد عن أبي هريرة يرفعه، قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث الأثرم، وضعف
محمد هذا الحديث من جهة إسناده، انتهى كلام الترمذي. (٤)
وأخرجه البخاري في تاريخه الكبير عن موسى بن إسماعيل.
(١) في الأصل بياض بمقدار كلمة، واستدركتها من ابن ماجه.
(٢) أخرجه أبو داود (٣٩٠٥)، وابن ماجه (٣٧٢٦). وإسناده صحيح رجاله ثقات.
(٣) هذا كلام الخطابي في معالم السنن (٢١٢/٤ - ٢١٣).
(٤) أخرجه أبو داود (٣٩٠٤)، والترمذي (١٣٥)، وابن ماجه (٦٣٩)، والنسائي في الكبرى (٩٠١٧).
وقد ضعفه البخاري في التاريخ الكبير (١٦/٣ - ١٧) وذلك لانقطاعه، أبو تميمة الهجيمي واسمه طريف
بن مجالد لا يعرف له سماع من أبي هريرة، وكذلك حكيم الأثرم وثقه ابن المديني وأبو داود وقال
النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في " الثقات" وقال البخاري بعد أن ساق له هذا الحديث:
لا يتابع عليه، وقال ابن عدي: يعرف بهذا الحديث وليس له غيره إلا اليسير وضعفه البغوي فيما نقله
المناوي في " الفيض" وقال الذهبي: ليس إسناده بالقائم. انظر: العلل الكبير للترمذي (٧٦)، وشرح
السنة للبغوي (١٢/ ١٨١)، وإرواء الغليل (٢٠٠٦).
١٢٥
كتاب الرؤيا
من الصحاح
٣٦٨٩- قال عليه السلام: ((لم يبق من النبوة إلا المبشرات))، قالوا: وما المبشرات ؟
قال: ((الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له )).
قلت: رواه البخاري في الرؤيا من حديث أبي هريرة (١)، ومسلم(٢) فيها من حديث
ابن عباس إلا قوله: « يراها المسلم أو ترى له » وهذه الزيادة لم أقف عليها في البخاري
ولا في مسلم في هذا الحديث لكن روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله 198:
(( رؤيا المسلم يراها أو ترى له جزءاً من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)).(٣)
وفي لفظ: ((الرؤيا الصالحة))، وفي لفظ: ((رؤيا الرجل الصالح))، ورواه البخاري
أيضاً ولم يقل ((أو ترى له)) ولا قال في حديث أبي هريرة (( الرجل الصالح )) وروى
مالك في الموطأ(٤) عن عطاء بن يسار أن رسول الله :﴿ قال: ((لم يبق بعدي من النبوة
إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات ؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له )).
وقد رواه في شرح السنة (٥) مستقيماً فروى من طريق البخاري عن أبي هريرة يرفعه: ((
لم يبق من النبوة إلا المبشرات)) قالوا: وما المبشرات؟ قال: ((الرؤيا الصالحة))
مقتصراً على ذلك ثم قال وروي عن عبادة بن الصامت قال: سألت رسول الله :﴿ عن
قوله سبحانه وتعالى: ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا﴾ قال: هي الرؤيا الصالحة يراها
(١) أخرجه البخاري (٦٩٩٠).
(٢) أخرجه مسلم (٤٧٩).
(٣) أخرجه مسلم (٢٢٦٣) و(٢٢٦٤).
(٤) (٩٥٧/٢).
(٥) انظر: شرح السنة للبغوي (٢٠٢/١٢ - ٢٠٣).
١٢٦
المؤمن أو ترى له، قال: ويروى مثله عن أبي الدرداء مرفوعاً، انتهى. فيلخص أن الذي
أورده المصنف في المصابيح هو لفظ الموطأ المرسل عن عطاء.
٣٦٩٠ - قال#: ((الرؤيا الصالحة جزء من ستةٍ وأربعين جزءاً من النبوة)).
قلت: رواه الشيخان في الرؤيا من حديث أنس يرفعه، واللفظ لمسلم(١)، قال عبدالحق
الأشبيلي: ذكر أبو مسعود الدمشقي أنه روى مسلم من حديث ابن عمر أن النبي ◌َ﴾آ
قال: ((الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءاً من النبوة )) قال أبو مسعود: أخرجه مسلم
في كتاب الرؤيا من حديث الضحاك ابن عثمان عن نافع عن ابن عمر (٢)، قال
الحميدي(٣): ولم أجده في كتاب مسلم ولم يخرج البخاري قوله {8#: ((الرؤيا الصالحة
جزء من سبعين جزءاً من النبوة)) وفي رواية: ((رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزاً
من النبوة))، وفي رواية: (( رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة
وفي رواية: ((الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءاً من النبوة)»(٤) كما قدمناها، وفي
رواية: (( رؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءاً من النبوة)).
فحصل ثلاث روايات المشهورة: (( ستة وأربعين)) والثانية: (( خمسة وأربعين))
والثالثة: (( سبعين)).
قال النووي(٥): وفي غير مسلم من رواية ابن عباس ((من أربعين جزءاً)) وفي رواية:
((تسعة وأربعين))، وفي رواية العباس: ((من خمسين)) وفي رواية ابن عمر:
((من ستة وعشرين))، ومن رواية عبادة: ((من أربع وأربعين)).
(١) أخرجه البخاري (٦٩٨٣)، ومسلم (٢٢٦٤).
(٢) أخرجه مسلم (٢٢٦٥).
(٣) الجمع بين الصحيحين للحميدي (٣٠٠/٢ رقم ١٥٠٢) وفيه قول أبي مسعود هذا. و (٦١١/٢ رقم
٢٠١٣).
(٤) أخرجه أحمد (٢٢٣/٢)، وابن حبان (٦٠٤٤).
(٥) المنهاج (٢١/١٥).
١٢٧
قال القاضي(١): ((أشار الطبري إلى أن هذا الاختلاف راجع إلى اختلاف حال الرائي،
فالمؤمن الصالح تكون رؤياه جزءاً، من ستة وأربعين جزءاً، والفاسق من سبعين جزءاً،
وقيل: الخفي منها جزء من سبعين، والجلي من ستة وأربعين، قال الخطابي(٢) وغيره:
(ق٧٦/ب) قال بعض العلماء: أقام # يوحى إليه ثلاثاً وعشرين سنة منها عشر سنين
بالمدينة وثلاث عشرة بمكة، وكان قبل ذلك ستة أشهر، يرى في المنام الوحي وهي جزء
من ستة وأربعين جزءاً.
قال المازري(٣): وقدح بعضهم في هذا فإنه لم يثبت أن أمد رؤياه ﴿ قبل النبوة ستة
أشهر وبأنه رأى بعد النبوة منامات كثيرة فلتضم إلى الأشهر الستة وحينئذ تتغير النسبة،
قال المازري: وهذا الاعتراض الثاني باطل لأن المنامات الموجودة بعد الوحي بإرسال
الملك منغمرة في الوحي فلم تحسب، قال الخطابي: هذا الحديث توكيد لأمر الرؤيا
وتحقيق منزلتها قال وإنما كانت جزءاً من أجزاء النبوة في حق الأنبياء دون غيرهم، وكان
الأنبياء صلوات الله وسلامه علیھم یوحی إلیهم في منامهم کما یوحى إليهم في اليقظة،
قال الخطابي: وقال بعض العلماء: معنى الحديث يأتي على موافقة النبوة لا أنها جزء
باق من النبوة(٤).
٣٦٩١ - قال: ((من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي )).
قلت: رواه الشيخان في الرؤيا من حديث أبي هريرة يرفعه(٥)، وقال مسلم: ((لا
يتمثل بي )).
٣٦٩٢ - قال : ((من رآني، فقد رأى الحق )).
(١) انظر: إكمال المعلم للقاضي (٢١٣/٧).
(٢) انظر: أعلام الحديث للخطابي (٢٣١٥/٤ - ٢٣١٦).
(٣) انظر: المعلم بفوائد مسلم المازري (١١٧/٣ - ١١٨) وفيه فوائد أخرى مهمة.
(٤) انظر هذا الكلام في: المنهاج للنووي (٣٠/١٥ - ٣٢).
(٥) أخرجه البخاري (٦٩٩٣)، ومسلم (٢٢٦٦).
١٢٨
قلت: رواه الشيخان في الرؤيا من حديث أبي قتادة يرفعه.(١)
٣٦٩٣ - وقال : ((من رآني في المنام، فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي)).
قلت: رواه الشيخان في الرؤيا من حديث أبي هريرة واللفظ للبخاري.(٢)
٣٦٩٤ - قال #: «الرؤيا الصالحة من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم ما
يحب، فلا يحدث به إلا من يحب، وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها، ومن شر
الشيطان، وليتفل ثلاثاً ولا يحدث بها أحداً فإنها لن تضره )).
قلت: رواه الجماعة هنا إلا أبا داود فإنه في الأدب من حديث أبي قتادة يرفعه.(٣)
قال المازري(٤): مذهب أهل السنة في حقيقة الرؤيا أن الله تعالى يخلق في قلب النائم
اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان، وهو سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء، ولا يمنعه
نوم ولا يقظة، فإذا خلق هذه الاعتقادات فكأنه جعلها علماً على أمور أخر يخلقها في
ثاني الحال، أو كان قد خلقها، فإذا خلق في قلب النائم الطيران وليس بطائر فأكثر ما
فيه أنه اعتقد أمراً على خلاف ما هو، فيكون ذلك الاعتقاد علماً على غيره، كما يكون
خلق الله سبحانه وتعالى الغيم علماً على المطر، فالجميع خلق الله تعالى ولكن يخلق
الرؤيا والاعتقادات التي جعلها علماً على ما يسر بغير حضرة الشيطان، وخلق ما هو
علم على ما يضر بحضرة الشيطان، فنسبت إلى الشيطان مجازاً لحضوره عندها، وأنه لا
فعل له حقيقة، وهذا معنى قوله ﴾ ((الرؤيا من الله والحلم من الشيطان)) لا على أن
الشيطان يفعل شيئاً، والرؤيا: اسم للمحبوب والحلم اسم للمكروه، انتهى كلام
المازري.
(١) أخرجه البخاري (٦٩٩٦)، ومسلم (٢٢٦٧).
(٢) أخرجه البخاري (٦٩٩٣)، ومسلم (٢٢٦٦).
(٣) أخرجه البخاري (٦٩٨٦)، ومسلم (٢٢٦١)، والترمذي (٢٢٧٧)، وابن ماجه (٣٩٠٩)، والنسائي
في الکبری (٧٦٢٧)، وأبو داود (٥٠٢١).
(٤) انظر: المعلم بفوائد مسلم المازري (١١٦/٣)، وانظر كذلك: إكمال المعلم (٢٠٥/٧).
١٢٩
وقال النووي بعد نقله عن المازري ما ذكرناه(١): وقال غير المازري إضافة الرؤيا
المحبوبة إلى الله إضافة تشريف بخلاف المكروهة وإن كانتا جميعاً من خلق الله تعالى
وتدبيره وبإرادته ولا فعل للشيطان فيها، لكنه يحضر المكروهة ويرتضيها، ويسر بها،
وسيأتي في الحديث بعده كيفية ما يفعل إذا رأى ما يكرهه.
قوله * في الرؤيا المحبوبة الحسنة: ((لا يخبربها إلا من يحب))، لأنه إذا أخبر بها من لا
يحب دعاه ذلك إلى تفسيرها بمكروه فقد يقع على تلك الصفة وإلا فيحصل له في الحال
حزن ونكد، (ق٧٧/أ) وقوله / في المكروهة: ((لا يحدث بها أحداً)) لأنه ربما فسرها
تفسيراً مكروهاً على ظاهرها وكان ذلك محتملاً، فوقعت كذلك بتقدير الله تعالى(٢).
٣٦٩٥ - قال #: ((إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها، فليبصق عن يساره ثلاثاً،
ولیستعذ بالله من الشيطان ثلاثاً، وليتحول عن جنبه الذي كان عليه )).
قلت: رواه مسلم والنسائي وابن ماجه ثلاثتهم في الرؤيا، وأبو داود في الأدب كلهم
من حديث جابر، ولم يخرج البخاري عن جابر في هذا شيئاً.(٣)
وفي رواية: ((فلينفث عن يساره ثلاثاً)) وفي رواية: ((فليتغل))، قال النووي(٤): وأكثر
الروايات فلينفث، قال: ولعل المراد بالجميع: النفث وهو نفخ لطيف بلا ريق، ويكون
التفل والبصق محمولان عليه مجازاً.
وقوله : ((فإنها لا تضره)) أي أن الله تعالى جعل هذا سبباً لسلامته من مكروه
يترتب عليها، كما جعل الصدقة وقاية للمال وسبباً لدفع البلاء، قال: فينبغي أن يجمع
بين هذه الروايات ويعمل بها كلها، فإذا رأى ما يكرهه، نفث عن يساره ثلاثاً قائلاً:
((أعوذ بالله من الشيطان ومن شرها)) وليتحول إلى جنبه الآخر وليصل ركعتين،
(١) انظر هذا الكلام في: المنهاج للنووي (٢٤/١٥ - ٢٥).
·(٢) انظر: المنهاج للنووي (٢٨/١٥).
(٣) أخرجه مسلم (٢٢٦٢)، والنسائي في الكبرى (٧٦٥٣)، وابن ماجه (٣٩٠٨)، وأبو داود (٥٠٢٢).
(٤) انظر: المنهاج للنووي (٢٦/١٥ - ٢٧).
١٣٠
.
فيكون قد عمل بجميع الروايات، فإن اقتصر على بعضها أجزأه في دفع ضررها بإذن الله
تعالى كما صرحت به الأحاديث(١).
قال القاضي عياض(٢): وأمر بالنفث ثلاثاً طرداً للشيطان الذي حضر رؤياه المكروهة،
تحقيراً له واستقذاراً، وخصت به اليسار لأنها محل الأقذار واليمين ضدها.
٣٦٩٦- أن النبي {# قال: «إذا اقترب الزمان، لم تکد تكذب رؤیا المؤمن، ورؤيا
المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، وما كان من النبوة، فإنه لا يكذب » قال
محمد بن سیرین: وأنا أقول هذه، قال: وکان یقال: الرؤیا ثلاث: حديث النفس،
وتخويف الشيطان، ویشری من الله، فمن رأى منكم شيئاً يكرهه، فلا يقصه على
أحدٍ، وليقم فليصل، قال: وكان يكره الغُلّ في النوم، وكان يعجبه القيد، ويقال:
القید ثبات في الدین.
وأدرج بعضهم الکل في الحديث.
قلت: رواه البخاري في الرؤيا من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة(٣)، قال
البخاري (٤): رواه قتادة ويونس وهشام وأبو هلال عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن
النبي # وأدرجه بعضهم كله في الحديث، وحديث عوف أبين، وقال يونس: لا أحسبه
إلا عن النبي 148# في القيد. وأخرجه مسلم أيضاً من حديث أيوب عن محمد عن أبي
هريرة عن النبي 8#: ((إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب وأصدقكم رؤيا
أصدقكم حديثاً، ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءاً من النبوة، والرؤيا
ثلاث: فرؤيا الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا بما يحدث المرء
نفسه، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل، ولا يحدث بها الناس، قال: وأحب
(١) انظر: المصدر السابق (٢٦/١٥)، وإكمال المعلم (٢٠٦/٧ - ٢٠٧).
(٢) انظر: إكمال المعلم للقاضي (٢٠٧/٧)، والمنهاج للنووي (٢٦/١٥).
(٣) أخرجه البخاري (٧٠١٧)، ومسلم (٢٢٦٣).
(٤) انظر كلام الإمام البخاري في صحيحه (٣٧/٨) تحت رقم (٧٠١٧).
١٣١
القيد وأكره الغل، والقيد: ثبات في الدين، فلا أدري هو في الحديث أو قاله ابن سیرین.
وفي حديث معمر عن أيوب نحوه، وقال فيه: قال أبو هريرة: (( فيعجبني القيد وأكره
الغل )» والقید ثبات في الدین.
والذي ظهر من الروايات جميعها أن ذكر القيد والغل من قول أبي هريرة أدرج في
الحديث(١)، قال أبو داود(٢): ((اقترب الزمان))، إذا اقترب الليل والنهار يستويان هذا
آخر كلامه، وقد قيل: هو اقتراب الساعة ويؤيده ما جاء في بعض الروايات ((إذا كان
آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب )»، ويحتمل أن يراد: اقتراب الموت عند علو
السن، فإن الإنسان في ذلك الوقت غالباً يميل إلى الخير والعمل به، ويقلّ تحديثه نفسَه
بغير ذلك، كذا قاله المنذري(٣)، وعندي فيه نظر لقوله {8}: (( يشيب ابن آدم وتشيب
منه خصلتان: الحرص وطول الأمل )).
٣٦٩٧ - ((قال: جاء رجل إلى النبي ﴾ (ق٧٧/ب) فقال: رأيت في المنام كأن رأسي
قطع، قال: فضحك النبي # وقال: (( إذا لعب الشيطان بأحدکم في منامه، فلا يحدث
به الناس ».
قلت: رواه مسلم في الرؤيا من حديث جابر يرفعه، ولم يخرج البخاري عن جابر في
هذا شيئاً. (٤)
٣٦٩٨ - قال رسول الله #: «رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم، كأنا في دار عقبة بن
رافع، وأتيت برطب من رطب ابن طاب، فأولت أن الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في
الآخرة، وأن دیننا قد طاب )).
(١) ذهب الحافظ في الفتح إلى أن ذلك مدرج في الحديث (٢٦٠/١٢ - ٢٦١). وانظر كذلك المنهاج للنووي
(٣٢/١٥).
(٢) انظر: سنن أبي داود (٢٨٣/٥).
(٣) انظر: مختصر سنن أبي داود للمنذري (٢٩٨/٧).
(٤) أخرجه مسلم (٢٢٦٨)، والنسائي في الكبرى (٧٦٤٤)، وأبو داود (٥٠٢٥).
١٣٢
قلت: رواه مسلم والنسائي كلاهما في الرؤيا، وأبو داود في الأدب ثلاثتهم من حديث
أنس(١) . .
و ((رطب بن طاب)) رطب معروف في المدينة، ويقال له أيضاً: ((عذق ابن أبي طالب)).
٣٦٩٩- ((في رؤيا النبي #: رأيت امرأة سوداء ثائرة الرأس، خرجَتْ من المدينة حتى
نزلت مَهْيعة، فتأولتها: أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة، وهي الجحفة )).
قلت: رواه البخاري والترمذي كلاهما في الرؤيا من حديث عبدالله ابن عمر. (٢)
٣٧٠٠ - عن النبي # قال: « رأيت في المنام اني هاجرت من مكة إلى أرض بها نخل،
فذهب وهَلي إلى أنها اليمامة، أو هَجَر، فإذا هي المدينة يثرب، فرأيت في رؤياي هذه
أني هزَزْت سيفاً، فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب [من ] المؤمنين يوم أحد، ثم
هززته أخرى، فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين)).
قلت: أخرجه الشيخان (٣) في الروايات من حديث أبي موسى بزيادة في آخره وهي: ((
ورأيت فيها أيضاً بقراً والله خير، فإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد، وإذا الخير ما جاء
الله به من الخير بعد، وثواب الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر)) إلا أن عند البخاري
عن أبي موسى أري عن النبي8 بالشك، وعند مسلم عنه عن النبي { # بغير شك،
وقد جاء في بعض الروايات ((ورأيت بقراً)) وبهذه الزيادة يفهم تأويل الرؤيا بما ذكر((
فنحر البقر)) هو قتل الصحابة رضي الله عنهم الذين قتلوا بأحد، قاله النووي (٤).
قال القاضي(٥): وضبطنا هذا الحرف على جميع الرواة " خير" برفع الهاء والراء على
الابتداء والخبر، قال: ومعناه ما جاء الله به بعد بدر الثانية من تثبيت قلوب المؤمنين لأن
(١) أخرجه مسلم (٢٢٧٠)، وأبو داود (٥٠٢٥)، والنسائي في الكبرى (٧٦٤٤).
(٢) أخرجه البخاري (٧٠٣٩)، والترمذي (٢٢٩٠).
(٣) أخرجه البخاري (٧٠٣٥)، ومسلم (٢٢٧٢).
(٤) المنهاج (٤٧/١٥)، وانظر: إكمال المعلم (٢٣١/٧).
(٥) انظر: إكمال المعلم (٢٣٢/٧).
١٣٣
الناس جمعوا لهم وخوفوهم فزادهم إيماناً، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا
بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء﴾، وتفرق العدو عنهم هيبته لهم.
قال القاضي(١): قال أكثر شراح الحديث: معناه ثواب الله خير أي صنع الله بالمقتولين
خير لهم من بقائهم في الدنيا، قال القاضي: والأولى قول من قال: والله خير من جملة
الرؤيا، وكلمة ألقيت إليه وسمعها في الرؤيا عند رؤياه البقر بدليل تأويلها بقوله {7﴾.((
وإذا الخير ما جاء الله به )).
والوهل: بفتح الهاء ومعناه: وهمي واعتقادي، وهجر: مدينة معروفة وهي قاعدة
البحرين، وهي معروفة.
وسمى # المدينة يثرب، وهو اسمها في الجاهلية، وجاء النهي عنه، فقيل: هذا قبل
النهي، وقيل لبيان الجواز، وأن النهي للتنزيه لا للتحريم، وقيل: خوطب به من
يعرفها به.
وهززت وهززته: قال النووي في شرح مسلم (٢): وقع في معظم النسخ بالزايين
فيهما، وفي بعضها: هزيت وهزته بزاي واحدة مشددة وإسكان التاء وهي لغة صحيحة.
٣٧٠١- قال رسول الله #: « بينا أنا نائم، أُتیت بخزائن الأرض، فوضع في كفّي
سواران من ذهب، فكُبرا عليّ، فأوحي إلي أن انفخهما، فنفختهما، فذهبا،
فأولتهما: الكذابين اللذين أنا بينهما، صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة )).
قلت: رواه البخاري في المغازي وفي علامات النبوة، ومسلم والترمذي والنسائي
ثلاثتهم في الرؤيا، كلهم من حديث أبي هريرة (٣)، ولكن الرواية في الصحيحين،
موضع في (يدي) بدل ( كفي ) كذا رواه صاحب جامع (ق٧٨/أ) الأصول (٤)،
(١) المصدر السابق (٢٣١/٧ - ٢٣٢).
(٢) المنهاج (٤٦/١٥ - ٤٧).
(٣) أخرجه البخاري (٤٣٧٥)، ومسلم (٢٢٧٤)، والترمذي (٢٢٩٢)، والنسائي في الكبرى (٧٦٤٩).
(٤) انظر: جامع الأصول لابن الأثير (١١ / ٨٠١).
١٣٤
وكذلك الشيخ في "شرح السنة" (١) والإمام عبدالحق الإشبيلي في " الجمع بين
الصحيحين ".
والسوار: بكسر السين وضمها وأسوار بضم الهمزة ثلاث لغات.
قوله : فأوحى إلى أن أنفخهما هو بالخاء المعجمة.
قوله في المصابيح: أتيت بخزائن الأرض: قال العلماء: هذا محمول على سلطانها
وملكها، وفتح بلادها، وأخذ خزائن أموالها، وقد وقع ذلك كله ولله الحمد، وهو من
المعجزات(٢).
- وفي رواية: فقال: ((أحدهما: مسيلمة صاحب اليمامة، والعنسي صاحب صنعاء )).
قلت: رواها الشيخان أيضاً من حديث أبي هريرة (٣).
٣٧٠٢ - قالت: رأيت لعثمان بن مظعون في النوم عيناً تجري، فقصصتها على رسول
الله ﴿ فقال: ((ذاك عمله يُجرى له)).
قلت: رواه البخاري في التعبير وفي كتاب الشهادات في باب القرعة في المشكلات
مطولاً(٤) فقال: عن أم العلاء وكانت ممن بايعت رسول الله 8# قالت: طارلنا عثمان
بن مظعون في السكنى حين أقرعت الأنصار على سكنى المهاجرين فاشتكى فمرّضناه
حتى توفي ثم جعلناه في أثوابه فدخل علينا رسول الله ﴿ فقلت رحمة الله عليك أبا
السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله فقال لي: (( وما يدريك؟)) قلت: لا أدري
والله، فقال رسول الله 8#: ((أما عثمان فقد جاءه اليقين إني لأرجو له الخير من الله،
والله ما أدري وأنا رسول الله ﴿ ما يفعل به ولا بكم)) قالت أم العلاء: فوالله لا أزكي
(١) شرح السنة (٣٢٩٧).
(٢) انظر: المنهاج للنووي (١٥ /٥٠).
(٣) أخرجها البخاري (٣٦٢١)، ومسلم (٢٢٧٤).
(٤) أخرجه البخاري في مواضع منها: في كتاب التعبير (٧٠١٨)، وفي الشهادات (٢٦٨٧)، وفي الجنائز
(١٢٤٣).
١٣٥
١٠
أحداً بعده قالت: ورأيت لعثمان بن مظعون عيناً تجري فجئت رسول الله { ﴿ فذكرت
بذلك له فقال: ذلك عمله یجری له.
ورواه النسائي في الرؤيا(١)، ولم يخرج هذا الحديث مسلم بل ولا أخرج عن أم العلاء
في كتابه شيئاً، ولم يخرج عن أم العلاء من أصحاب الكتب الستة غير البخاري
والنسائي.
وقول أم العلاء: ((طار لنا عثمان)) أي: جعل لنا وحوى سهمنا.
٣٧٠٣ - قال: ((كان النبي ® إذا صلّى، أقبل علينا بوجهه، فقال: ((من رأى منكم
الليلة رؤيا ؟)) قال: فإن رأى أحد قصّها، فيقول ما شاء الله، فسألنا يوماً، فقال: ((هل
رأى أحدٌ منكم رؤيا ؟)) قلنا: لا، قال: ((لكني رأيت الليلة رجلين، أتياني فأخذا
بيديّ، فأخرجاني إلى أرض مقدسة، فإذا رجل جالس، ورجل قائم بيده كَلّوب من
حدید، يدخله في شدقه فیشقه، حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك،
ويلتئم شدقه هذا، فيعود فيصنع مثله، قلت: ما هذا ؟ قالا : انطلق، فانطلقنا حتى أتينا
على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر، أو صخرة، يشدخ بها
رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر، فانطلق إليه ليأخذه، فلا يرجع إلى هذا، حتى يلتئم
رأسه، وعاد رأسه كما كان، وعاد إليه فضربه، فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق،
فانطلقنا حتى أتينا إلى نقب مثل التنور، أعلاه ضيق، وأسفله واسع، تتوقد تحته نار،
فإذا أوقدت ارتفعوا، حتى يكادوا أن يخرجوا منها، وإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها
رجال ونساء عُراة، فقلت: ما هذا ؟ قالا: انطلق، فانطلقنا، حتى أتينا على نهر من
دم، وفيه رجل قائم، وعلى شطّ النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في
النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه، فرده حيث كان، فجعل كلما جاء
ليخرج رمی في فيه بحجر، فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ قالا: انطلق، فانطلقنا،
حتى انتهينا إلى روضة خضراء، فيها شجرة عظيمة، وفي أصلها شيخ وصبيان، وإذا
(١) أخرجه النسائي في الكبرى (٧٦٣٤).
١٣٦
رجل قريب من الشجرة، وبين يديه نار يوقدها، فصعدا بي الشجرة، فأدخلاني داراً
وسط الشجرة، لم أر قط أحسن منها، فيها (ق٧٨/ب) رجال شيوخ وشبان ونساء
وصبيان، ثم أخرجاني منها، فصعدا بي الشجرة، فأدخلاني داراً هي أفضل وأحسن،
فيها شيوخ وشبان، فقلت لهما: إنكما قد طوفتماني الليلة، فأخبراني عما رأيت ؟
قالا: نعم، أما الرجل الذي رأيته يشق شدقه، فكذّاب يحدث بالكذبة، فتُحمل عنه
حتى تبلغ الآفاق، ڤيُصنع به ما ترى إلى يوم القيامة، والذي رأيته يُشدخ رأسه، فرجل
علمه الله القرآن، فنام عنه بالليل، ولم يعمل بما فيه بالنهار، يُفعل به ما رأيت إلى يوم
القيامة، والذي رأيته في النقب فهم الزناة، والذي رأيته في النهر، آكل الربا، والشيخ
الذي رأيته في أصل الشجرة، إبراهيم عليه السلام، والصبيان حوله، فأولاد الناس،
والذي يوقد النار، مالك خازن النار، والدار الأولى التي دخلت، دار عامة المؤمنين،
وأما هذه الدار، فدار الشهداء، وأنا جبريل، وهذا ميكائيل، فارفع رأسك، فرفعت
رأسي، فإذا فوقي مثل السحاب - وفي رواية: مثل الربابة البيضاء - ، قالا: ذاك
منزلك، قلت: دعاني أدخل منزلي، قالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله فإذا
استکملته أتیت منزلك ».
قلت: رواه البخاري بطوله في كتاب الجنائز وله لفظ آخر ذكره في كتاب القدر، ولم
يخرج منه مسلم إلا قوله: كان رسول الله 8 إذا صلى الصبح أقبل علينا بوجهه فقال:
((هل رأى منكم أحد البارحة رؤيا)»، لم يزد مسلم على هذا وزاد البخاري باقي
الحديث بطوله.(١)
والكلوب: بفتح الكاف وتشديد اللام: حديدة معوجة الرأس.
والشدق: بكسر الشين وسكون الدال المهملة: جانب الفم.
والفهر: الحجر بملء الكف، وقيل الحجر مطلقاً.
والشدخ: بالشين والخاء المعجمتين، وهو الكسر، والشدخ: كسر الشيء
(١) أخرجه البخاري (٧٢٤٨) (١٣٨٦) مطولاً ومختصراً، ومسلم (٢٢٧٥).
١٣٧
الأجوف(١). والربابة: السحابة التي يركب بعضها بعضاً.
من الحسان
٣٧٠٤ - قال رسول الله : ((رؤيا المؤمن جزء من ستةٍ وأربعين جزءاً من النبوة،
وهي على رِجل طائر، ما لم يحدّث بها، فإذا حدث بها وقعت - وأحسبه قال - لا
يحدّث إلا حبيباً أو لبيباً)).
قلت: رواه الترمذي بهذا اللفظ هنا من حديث أبي رزين العقيلي واسمه لقيط بن عامر
بن صبرة وقال فيه: حديث حسن صحيح إلا قوله: وأحسبه قال إلى آخره فإنه رواها ولم
يتعرض لتصحيحها، ورواه ابن ماجه كما رواه الترمذي مع بعض اختلاف في اللفظ.(٢)
ومعنى قوله {ل: ((على رجل طائر)) أنها إذا كانت محتملة لوجهين ففسرت بأحدهما
وقعت على تلك الصفة، قالوا: وقد يكون ظاهر الرؤيا مكروهاً ويفسر به بمحبوب،
وعليه قوله في المصابيح.
- وفي رواية: ((الرؤيا على رجل طائر، ما لم تُعَبّرْ، فإذا عُبِّرت وقعت - أحسبه قال
: ولا تقصها إلا على واد أو ذي رأي ».
قلت: هذه الرواية رواها أبو داود في الأدب من حديث أبي رزين يرفعه.(٣)
٣٧٠٥- قالت: سئل رسول الله 8 عن ورقة؟ فقالت له خديجة: إنه كان صدّقك،
ولكن مات قبل أن تظهر؟ ، فقال رسول الله :﴿: (( أريتُه في المنام، وعليه ثياب بيض،
ولو كان من أهل النار ؟ لكان عليه لباسٌ غير ذلك )).
(١) انظر: النهاية لابن الأثير (٤٥١/٢).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٢٧٨ - ٢٢٧٩) وقال: حسن صحيح. وابن ماجه (٣٩١٤)، في إسناده وكيع بن
عدس، انفرد بالرواية عنه يعلى بن عطاء وهو العامري، وقال ابن القطان: مجهول الحال. وترجم له
الحافظ في التقريب (٧٤٦٥) وقال: مقبول. وقال البغوي في شرح السنة (٢١٣/١٢): هذا حديث
حسن.
(٣) أخرجها أبو داود (٥٠٢٠).
١٣٨
قلت: رواه الترمذي هنا من حديث عثمان بن عبدالرحمن عن الزهري عن عروة عن
عائشة وقال: حديث غريب، وعثمان بن عبدالرحمن ليس عند أهل الحديث بقوي،
انتهى كلام الترمذي، وعثمان هذا هو القرشي الزهري الوقاصي. قال يحيى بن معين:
كان يكذب وقال علي بن المديني: ضعيف جداً.(١)
٣٧٠٦ - أن النبي # قال ذات يوم: ((من رأى منكم رؤيا ؟)) فقال رجل: أنا رأيت:
كأن ميزاناً نزل من السماء، فوزنت (ق٧٩/أ) أنت وأبو بكر، فرجحت أنت بأبي بكر،
ووزن أبو بكر وعمر، فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان، فرجح عمر، ثم رفع
الميزان، فرأيت الكراهية في وجه رسول الله ﴾ .
قلت: رواه أبو داود في السنة، والترمذي في الرؤيا كلاهما من حديث الحسن عن أبي
بكرة، وقال الترمذي: حديث حسن.(٢)
٣٧٠٧- أنه رأى فيما يرى النائم أنه سجد على جبهة النبي # فأخبره، فاضطجع له،
وقال: (( صدق رؤياك )» فسجد على جبهته.
قلت: رواه النسائي في الرؤيا من حديث عمارة بن خزيمة بن ثابت ابن الفاكهة عن أبيه
وقد وثق النسائي عمارة بن خزيمة، ومن حديث عمارة بن عثمان بن حُنَيْف عن
خزيمة، ومن حديث الزهري عن ابن خزيمة عن عمه أخي خزيمة نحوه. (٣)
وخزيمة بضم الخاء وفتح الزاي المعجمتين.
(١) أخرجه الترمذي (٢٢٨٨). وعثمان بن عبدالرحمن هو الوقاصي قال الحافظ في " التقريب"
(٤٥٢٥): متروك وكذبه ابن معين. وأخرجه الحاكم (٣٩٣/٤) وصححه، وتعقبه الذهبي بقوله: "
قلت: عثمان وهو الوقاصي متروك ".
(٢) أخرجه أبو داود (٤٦٣٤)، والترمذي (٢٢٨٧). وفي إسناده الحسن البصري وقد عنعن.
(٣) أخرجه النسائي في الکبری (٧٦٣٠)، وأحمد (٢١٥/٥) وإسناده صحيح. وفي إسناده اختلاف وروي
من طريق عمارة بن خزيمة بن ثابت أن أباه قال رأيت في المنام ... الحديث نحوه فأسقط عمه من بينه وبين
أبيه وروى أحمد (٢١٦/٥) إلا أنه قال: عن عمارة بن خزيمة عن عمه وكان من أصحاب النبي 348 أن
خزيمة بن ثابت رأى ... الحديث نحوه. كما ذكر المؤلف رحمه الله.
١٣٩
كتاب الأدب
باب السلام
تـ
من الصحاح
٣٧٠٨ - قال رسول الله : «خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعاً، فلما
خلقه قال له: اذهب فسلم على أولئك النفر، - وهم نفر من الملائكة جلوسٌ - ،
فاستمع ما يحيّونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فذهب فقال: السلام عليكم، فقالوا:
السلام عليك ورحمة الله، قال: فزادوه ورحمة الله، قال: فكل من يدخل الجنة على
صورة آدم، طولُه ستون ذراعاً، فلم يزل الخلق ینقص بعده حتى الآن )).
قلت: رواه الشيخان البخاري في خلق آدم وفي الاستئذان، ومسلم في صفة الجنة
كلاهما من حديث معمر عن همام عن الزهري يرفعه.(١)
قال أبو سليمان الخطابي(٢) في قوله 48: ((خلق الله آدم على صورته)) الهاء: مرجعها
إلى آدم ◌َ﴿، فالمعنى: أن ذرية آدم خلقوا أطواراً، فكانوا في مبدأ الخلق نطفة، ثم
علقة، ثم مضغة ثم صاروا أطواراً أجنة إلى أن تتم مدة الحمل، فيولدون أطفالاً
وينشؤون صغاراً إلى أن يكبروا، وآدم ◌َ﴿ لم يكن خلقه على هذه الصفة، ولكنه أول ما
تناولته الخلقة وجد خلقاً تاماً طوله ستون ذراعاً.
وقال بعضهم(٣): من فوائده أن الحية لما أخرجت من الجنة شوهت خلقتها وإن آدم
كان مخلوقاً في الأول على صورته التي كان عليها بعد الخروج من الجنة لم تشوه صورته
ولم تُغير خلقه، وفي هذا الحديث دليل قوي لما قاله الشاشي من أصحابنا أنه إذا تلاقى
(١) أخرجه البخاري في خلق آدم (٣٣٢٦)، وفي الاستئذان (٦٢٢٧)، ومسلم (٢٨٤١).
(٢) أعلام الحديث للخطابي (٢٢٢٧/٣ - ٢٢٢٨).
(٣) انظر: شرح السنة للبغوي (٢٥٥/١٢).
١٤٠