Indexed OCR Text
Pages 101-120
أطاق الصوم ومن لم يطق، ويجب على المولى أن يؤديها عن عبيده وإمائه المسلمين،
فعليه في رقيق التجارة صدقة الفطر، وزكاة التجارة فيه، وأخذ داود بظاهره فأوجبها
على العبد نفسه وجعل على السيد أن يمكنه من الاكتساب لها، واختلف أصحابنا على
وجهين في أنها هل وجبت على السيد ابتداء أو على العبد ثم تحمّلها السيد.
قوله وأمر أن تؤدّى قبل خروج الناس إلى الصلاة، هذا أمر استحباب، لجواز التأخير
عند الجمهور إلی قبل غروب الشمس يوم العيد.
١٢٩٥ - كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر،
أو صاعاً من أقط، أو صاعاً من زبيب.
قلت: رواه الشافعي والشيخان في الزكاة من حديث أبي سعيد الخدري.(١)
والأقط: بفتح الهمزة وكسر القاف، ويجوز اسكان القاف مع فتح الهمزة وكسرها،
لبن یابس غير منزوع الزبد.
والطعام في عرف الحجاز: اسم للحنطة خاصة، ويؤكد ذلك أنه في هذا الحديث قرنه
بباقي المذكورات، ولهذا ذهب الشافعي ومالك إلى أنه إذا أخرج الحنطة أخرج صاعاً
كغيرها من المذكورات، وقال أبو حنيفة: إذا أخرج الحنطة فعليه نصف صاع، لما صح
عن معاوية أنه كلم الناس على المنبر فقال: إني أرى أن مدّين من سمراء الشام تعدل
صاعاً من تمر.
قوله ﴿: أو صاعاً من كذا أو صاعاً من كذا، وهذه للتنويع دون التخيير ولهذا قال
جمهور العلماء: تتعين الفطرة من غالب قوت البلد، ولا يجوز العدول إلى ما هو دونه.
من الحسان
١٢٩٦ - قال في آخر رمضان: ((أخرجوا صدقة صومكم، فرض رسول الله ﴿ هذه
الصدقة صاعاً من تمر، أو شعير أو نصف صاع قمح، على كل حر أو مملوك ذكر أو أنثى
(١) أخرجه الشافعي (٢٥٢/١)، وأخرجه البخاري (١٥٠٦)، ومسلم (٩٨٥).
١٠١
صغير أو كبير)).
قلت: رواه أبو داود والنسائي(١) كلاهما هنا من حديث الحسن عن ابن عباس وقال
النسائي: لم يسمع الحسن من ابن عباس.
١٢٩٧ - فرض رسول الله # زكاة الفطر: طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة
للمساکین.
قلت: رواه أبو داود من حديث ابن عباس(٢) هنا، وقال فيه: من أداها قبل الصلاة
فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات، وأخرجه ابن
ماجه، ولم يضعفه أبو داود ولا المنذري.
واللغو: الكلام الباطل، والرفث: بفتح الفاء وبالثاء المثلثة، كل مايستحيى من ذكره
كالجماع ونحوه، وكان ابن عباس يرى تقييد ذلك بحضرة النساء.
باب من تحل له الصدقة
من الصحاح
١٢٩٨ - (ق١٨٣ /ب) مَرّ النبي # بتمرة في الطريق، فقال: ((لولا أني أخاف أن
تكون من الصدقة لأكلتها )).
قلت: رواه الشيخان وأبو داود هنا من حديث أنس بن مالك.(٣)
وفي الحديث بيان ماكان عليه 18# من الورع فإن هذه التمرة بمجرد الاحتمال لاتحرم،
لكن الورع تركها، وفيه أن التمرة ونحوها من محقرات الأموال، لا يجب تعريفها بل يباح
(١) أخرجه أبو داود (١٦٢٢)، والنسائي (٥٠/٥) وفيه انقطاع.
(٢) أخرجه أبو داود (١٦٠٩)، وابن ماجه (١٨٢٧) وإسناده حسن إن شاء الله.
(٣) أخرجه البخاري (٢٠٥٥)، ومسلم (١٠٧١)، وأبو داود (١٦٥٢).
١٠٢
أكلها. والتصرف فيها في الحال؛ لأن النبي ﴿ إنما تركها خشية أن يكون من الصدقة لا
لكونها لقطة وهذا الحكم متفق عليه.
١٢٩٩ - أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال النبي %: «
كِخْ كِخْ!)) ليطرحها، ثم قال: ((أما شعرت أنَّا لا نأكل الصدقة)).
قلت: رواه الشيخان هنا من حديث أبي هريرة.(١)
قال القاضي عياض (٢): يقال: كخ كخ بفتح الكاف وكسرها وتسكين الخاء المعجمة
ويجوز كسرها مع التنوين، وهي كلمة يزجر بها الصبيان عن المستقذرات فقال له كخ أي
اتركه وارم به. قال الداوودي: هي أعجميّة معرّبة، بمعنى بئس، وقد أشار البخاري إلى
هذا بقوله في ترجمته: باب من تكلم بالفارسية والرطانة (٣)، وفي الحديث أن الصبيان
يوقون ما يوقاه الكبار، وهذا واجب على الأولياء.
قوله ﴿: أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة، هذه اللفظة تقال للشيء الواضح التحريم
ونحوه، وإن لم يكن المخاطب عالماً به، وهذا أبلغ في الزجر عنه، وفيه: تحريم الزكاة
على رسول الله 8# وعلى آله وهم: بنو هاشم وبنو المطلب، وقال أبو حنيفة ومالك
هم: بنو هاشم خاصة، وقيل: هم قريش كلها، دليل الشافعي أن النبي 8 # قال: ((إن
بني هاشم وبني المطلب شيء واحد، وأما صدقة التطوع، فأصح أقوال الشافعي أنها
تحرم على رسول الله 8/، وتباح لآله، والثاني تحرم عليه وعليهم، والثالث تحل له
ولهم )).
١٣٠٠ - قال #: ((إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا
لآل محمد ».
(١) أخرجه البخاري (١٤٩١)، ومسلم (١٠٦٩).
(٢) إكمال المعلم (٦٢٤/٣).
(٣) في كتاب الجهاد، باب من تكلم بالفارسية والرطانة (٩٠/٤).
١٠٣
قلت: رواه مسلم(١) في الزكاة، وفيه قصة طويلة من حديث عبدالمطلب ابن ربيعة،
ولم يخرجه البخاري، ولا أخرج عن عبد المطلب بن ربيعة في كتابه شيئاً، وقد أخرج
تحريم الصدقة على آل محمد من حديث أبي هريرة.
وفيه دليل على أن الصدقة تحرم على آله وسلم سواء كانت بسبب العمل أو بسبب الفقر
والمسكنة وغيرهما، وهذا هو الصحيح عندنا.
ومعنى أوساخ الناس: أنها تطهر أموالهم ونفوسهم، قال تعالى: ﴿ خذ من أموالهم
صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) فهي كغسالة الأوساخ.
١٣٠١ - كان رسول الله ﴿﴿ إذا أتي بطعام سأل عنه: ((أهدية أم صدقة؟)) فإن قيل:
صدقة، قال لأصحابه: ((كلوا)) ولم يأكل، وإن قيل: هدية، ضرب بيده فأكل معهم.
قلت: رواه الشيخان هنا، من حديث أبي هريرة، وفيه دليل على تحريم صدقة التطوع
عليه وَل .(٢)
١٣٠٢ - كان في بريرة ثلاث سنن، إحدى السنن أنها عتقت، فخیرت في زوجها.
قلت: رواه البخاري في النكاح وفي الطلاق ومسلم في العتق من حديث عائشة.(٣)
- وقال رسول الله :48: ((الولاء لمن أعتق)).
قلت: رواه البخاري في النكاح وفي الطلاق ومسلم في العتق من حديث عائشة.(٤)
ودخل رسول الله ﴿ والبُرْمَة تفور بلحم، فُقّرب إليه خبز، وأُدْم من أدم البيت،
فقال: ((ألم أرَ بُرمةً فيها لحم ؟)) قالوا: بلى، ولكن ذلك لحم تصدق به على بريرة،
وأنت لا تأكل الصدقة، قال: ((هو عليها صدقة، ولنا هدية )).
قلت: رواه البخاري في النكاح مقطعاً وفي الطلاق ورواه مسلم بلفظ المصنف مجموعاً
(١) أخرجه مسلم (١٠٧٢).
(٢) أخرجه البخاري (٢٥٧٦)، ومسلم (١٠٧٧).
(٣) أخرجه البخاري في النكاح (٥٠٩٧)، وفي الطلاق (٥٢٧٩)، ومسلم (١٥٠٤).
(٤) أخرجه البخاري (٥٠٩٧)، ومسلم (١٥٠٤).
١٠٤
في حديث واحد في كتاب (ق١/١٨٤) العتق من حديث عائشة.(١)
وسيأتي في النكاح الكلام على تخيير المعتقة تحت عبد، وفي الحديث دليل على أن
الولاء يثبت للمعتق ولا يثبت لغيره، وأنه إذا تغير صفة الصدقة، تغير حكمها، فيجوز
للغني شراء من الفقير وأكلها إذا أهداها إليه وللها شمي وغيره ممن لا تحل له الزكاة
ابتداء. والله أعلم.
١٣٠٣ - کان رسول الله {# يقبل الهدية ويثيب عليها.
قلت: رواه أحمد في مسنده والبخاري في الهبة وأبو داود في البيوع والترمذي في البر
وفي الشمائل، كلهم من حديث عيسى بن يونس عن هشام عن أبيه عن عائشة.(٢)
قال أبو سليمان الخطابي(٣): كان رسول الله ﴿ يقبل الهدية ولا يأخذ الصدقة لنفسه،
وكان المعنى في ذلك أن الهدية إنما يراد بها ثواب الدنيا، فكان النبي ® يقبلها ويثيب
عليها فتزول المنة، وأما الصدقة فيراد بها ثواب الآخرة، فلم يجز أن تكون يد على يده في
ذات الله وفي الآخرة، ولأن الصدقة أوساخ الناس كما تقدم في الحديث فصانه الله تعالى
عنها، وأبدلها ماله من الفيء والغنيمة وهذا من الخطابي يوضح لنا القول بحرمة الصدقة
الواجبة والمندوية.
١٣٠٤ - قال النبي ﴿: ((لو دُعيت إلى كراعٍ لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع لقبلت)).
قلت: رواه البخاري في النكاح وفي الهبة، والنسائي في الوليمة من حديث الأعمش
(١) ذكر المؤلف هذه الأحاديث الثلاثة كأنها أحاديث مستقلة، مع أنها حديث واحد وأخرجه البخاري
بطوله في الطلاق بهذا اللفظ (٥٢٧٩)، ومسلم في العتق (١٤ /١٥٠٤) كما هو في المصابيح المطبوع،
حدیث واحد برقم (١٢٨٨).
(٢) أخرجه أحمد (٩٠/٦)، والبخاري (٢٥٨٥)، وأبو داود (٣٥٣٦)، والترمذي (١٩٥٣)، وفي
الشمائل (٣٥٠)، والبيهقي (١٨٠/٦)، والبغوي في شرح السنة (١٦١٠).
(٣) معالم السنن للخطابي (١٤٣/٣ - ١٤٤).
١٠٥
عن أبي حازم عن أبي هريرة.(١)
والكراع: بضم الكاف وبالراء والعين المهملتين وبينهما ألف، وهو مادون الركبة،
والذراع: بالذال المعجمة ذراع اليد والمراد به هنا ذراع الشاة.
١٣٠٥ - قال #: « ليس المسكين الذي يطوف على الناس، ترده اللقمة واللقمتان
والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنی یغنیه، ولا يُفطن به ڤيُتصدق عليه،
ولا یقوم فيسأل الناس )).
قلت: رواه الشيخان البخاري في التفسير (٢) ومسلم في الزكاة والنسائي فيهما وأبو
داود في الزكاة، كلهم من حديث شريك عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة.
ومعناه: المسكين: الكامل المسكنة، الذي هو أحق بالصدقة وأحوج إليها ليس هو
بهذا الطواف، بل هو الذي لا يجد غنى، ولا يفطن له، ولا يسأل، وليس معناه نفي
أصل المسكنة عن الطواف، بل معناه نفي كمال المسكنة.
من الحسان
١٣٠٦ - أن رسول الله 8 ، بعث رجلاً على الصدقة فقال لأبي رافع: اصحبنى كيما
تصيب منها فانطلق إلى النبي # فسأله فقال: ((إن الصدقة لا تحل لنا، وإن موالي القوم
من أنفسهم ».
قلت: رواه الثلاثة والإمام أحمد وصححه الترمذي كلهم من حديث أبي رافع، وأبو
رافع مولى رسول الله 8# واسمه: أسلم.(٣)
١٣٠٧ - قال #: ((لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرّة سَوِيّ )».
(١) أخرجه البخاري في الهبة (٢٥٦٨)، وفي النكاح (٥١٧٨)، والنسائي في الكبرى (٦٦٠٩).
(٢) أخرجه البخاري (١٧٩) ومسلم (١٠٣٩)، وأبو داود (١٦٣١)، والنسائي (٨٥/٥).
(٣) أخرجه أحمد (١٠/٦)، وأبو داود (١٦٥٠)، والترمذي (٦٥٧)، والنسائي (١٠٧/٥).
٠
١٠٦
قلت: رواه أبو داود(١) في الزكاة من حديث ريحان بن يزيد عن عبدالله ابن عمرو
رضي الله عنه عن النبي {# ، وفي رواية: لذي مرة قوي، وفي رواية: عن عبدالله بن
عمرو، قال: إن الصدقة لا تحل لقوي ولا لذي مرة سوي، ولهذا قال بعضهم: لم
يصح إسناده، وإنما هو موقوف على عبدالله ابن عمرو، وأخرجه الترمذي، وقال: لذي
مرة قوي، وقال: حديث حسن، وذكر. (ق١٨٤ /ب) أن شعبة لم يرفعه.
والمرة: بكسر الميم وفتح الراء المهملة المشدّدة: القوة والشدة، والسوي: الصحيح
الأعضاء، وقال الهروي: ولا لذي مرة سوي، أي ذو عقل وشدة، وقال غيره هي
هاهنا القدرة على الكسب، والعمل.
واختلف العلماء في جواز الصدقة لمن يجد قوة يقدر بها على الكسب، فقال الشافعي:
لا يحل له إذا كان الكسب لائقاً به، وقال أبو حنيفة: يجوز له أخذ الصدقة إذا لم يكن له
مائتا درهم فصاعداً.
١٣٠٨ - ويروى: (( لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب )).
قلت: رواه أبو داود والنسائي(٢) هنا من حديث عبدالله بن عدي بن الخيار قال:
أخبرني رجلان أنهما أتيا النبي 8# في حجة الوداع، وهو يقسم الصدقة، فسألاه منها،
فرفّع فينا البصر وخَفّضه، فرآنا جلدين، فقال: (( إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها
لغني ولا لقوي مکتسب )».
١٣٠٩ - قال #: ((لا تحل الصدقة لغني، إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل
عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو رجل له جار مسكين، فتصدّق على
المسكين، فأهدى المسكينُ للغني )».
قلت: رواه أبو داود هنا (٣) من حديث عطاء بن يسار أن النبي ﴿ قال: فذكره
(١) أخرجه أبو داود (١٦٣٤)، والترمذي (٦٥٢) وإسناده صحيح. وانظر: الإرواء (٨٧٧).
(٢) أخرجه أبو داود (١٦٣٣)، والنسائي (٩٩/٥) وإسناده صحيح.
(٣) أخرجه أبو داود (١٦٣٥) مرسلاً.
١٠٧
مرسلاً، وفي رواية له عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري (١) قال: قال رسول الله
: بمعناه، وفي رواية: عن زيد هو ابن أسلم، قال: حدثني الثبت عن النبي {. ،
وأخرجه ابن ماجه مسنداً، وقال ابن عبدالبر: قد وصل هذا الحديث جماعة من رواية
زید بن أسلم.
وفيه أن الغازي يأخذ الصدقة، وإن كان غنياً يستعين به في غزوه، وهو سهم سبيل
الله، قالت الحنفية لا يجوز أن يعطى الغازي من الصدقة، إلا أن يكون منقطعاً به،
والغارم الغني: هو الذي يحمل الحمالة في المعروف، وإصلاح ذات البين، والمهدى له إذا
ملكها خرجت عن أن تكون صدقة.
- ويروى: ((أو ابن السبيل )).
قلت: رواها أبو داود(٢) من حديث أبي سعيد الخدري.
١٣١٠ - أتيت النبي 8 فبايعته، فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال: ((إن
الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها هو، فجزّأها ثمانية
أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك )).
(١) أخرجه أبو داود (١٦٣٦)، وابن ماجه (١٨٤١)، ومالك في الموطأ (٢٦٨/١)، وأحمد (٥٦/٣)،
والحاكم (٤٠٧/١ - ٤٠٨)، والبيهقي (١٥/٧، ٢٢)، ورواه ابن خزيمة في صحيحه ح (٢٣٦٨) و
(٢٣٧٤)، وكلام ابن عبدالبر ذكره المنذري في مختصر سنن أبي داود (٢٣٥/٢)، والتمهيد (٩٦/٥-
٩٧)، والبغوي في شرح السنة (١٦٠٤)، = = وفصّل النووي القول في هذا الحديث في المجموع
(٢١٨/٦): وقال: هذا الحديث حسن أو صحيح. والموصول أرجح كما بينه الحاكم والبيهقي وابن
عبدالبر والمنذري وابن حجر وغيرهم، قال الحافظ: اختلف فيه على زيد بن أسلم عنه، فقال أكثر
أصحابه عنه هكذا، ورواه الثوري فقيل عنه هكذا، وقيل: عن عطاء: حدثني الثبت، وقيل: عن
عطاء، عن أبي سعيد الخدري، ورواه معمر، عن زيد بن أسلم عن عطاء، عن أبي سعيد من غير
خلاف فيه. راجع التلخيص الحبير (٢٣٧/٣)، والإرواء (٨٧٠).
(٢) أخرجه أبو داود (١٦٣٧).
١٠٨
قلت: رواه أبو داود(١) هنا من حديث زياد بن الحارث الصدائي، وفي سنده عبد
الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي وقد تكلم فيه غیر واحد.
باب من لا تحل له المسألة ومن تحل
من الصحاح
١٣١١ - تحمّلت حمالةً فأتيت رسول الله :﴿ أسأله فيها، فقال: ((أقم حتى تأتينا
الصدقة فنأمر لك بها)) ثم قال: (( يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا (ق١/١٨٥) لأحد
ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة، حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته
جائحة اجتاحت ماله، فحلت له المسألة، حتى يصيب قواماً من عيش، أو قال سداداً
من عيش، ورجل أصابته فاقة، حتى يقوم ثلاثة من ذوى الحجى من قومه: لقد أصابت
فلاناً فاقة، فحلت له المسألة، حتى يصيب قواماً من عيش - أو قال سداداً من عيش -
فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت يأكلها صاحبها سحتاً )).
قلت: رواه مسلم وأبو داود والنسائي كلهم في الزكاة من حديث قبيصة بن مخارق ولم
يخرجه البخاري ولا أخرج في كتابه عن قبيصة شيئاً.(٢)
١
والحمالة: بفتح الحاء المهملة وتخفيف الميم، هي الكفالة، والحميل والكفيل والضمين
والزعيم واحد، وتفسيرها هو: أن يقع بين القوم تشاجر بسبب دم، أو مال، فيتحمل
شخص مالاً لصاحب الدم أو المال، طلباً لتسكين الثائرة، والإصلاح بين الناس.
الجائحة: هي الآفات التي تستأصل المال كله، أو بعضه، من سيل أو حريق أو غير
ذلك. والقوام: بكسر القاف أي مايقوم به حاله، ويستغني به، والسداد: بالكسر كل
شيء سددت به خللاً، ومنه سداد القارورة، وسداد الثغر، وبالفتح إصابة الفضل
(١) أخرجه أبو داود (١٦٣٠) عبدالرحمن بن زياد الأفريقي ضعيف في حفظه، التقريب (٣٨٨٧).
(٢) أخرجه مسلم (١٠٤٤)، وأبو داود (١٦٤٠)، والنسائي (٨٩/٥).
١٠٩
والحجى: بكسر الحاء المهملة مقصور: العقل.
قوله {8/: حتى تقوم ثلاثة، قال النووي(١): هكذا هو في جميع نسخ مسلم، ((يقوم
ثلاثة )) وهو صحيح، أي يقومون بهذا الأمر، فيقولون: لقد أصابت فلاناً فاقة، وإنما
قال :﴿ ((من قومه)) لأنهم أهل الخبرة بباطنه، والمال مما يخفى في العادة، فلا يعلم إلا من
كان خبيراً بصاحبه، وإنما شرط الحجى تنبيهاً على أنه يشترط في الشاهد التيقظ، فلا
تقبل من مغفل، وأما اشتراط الثلاثة، فقال به بعض أصحابنا لظاهر الحديث، وقال
الجمهور: يقبل من عدلين، وحملوا الحديث على الاستحباب، وهذا محمول على من
عرف له مال فلا يقبل.
قوله: في تلفه والإعسار إلا ببينة، وأما من لم يعرف له مال فالقول قوله في عدم المال.
قوله :48: فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتاً، قال النووي(٢): هكذا في النسخ
من مسلم، ورواه غيره سحت، وهذا واضح، ورواية مسلم صحيحة، وفيه إضمار
أي: اعتقده سحتاً أو يؤكل سحتاً.
١٣١٢ - قال: ((من سأل الناس أموالهم تكثراً، فإنما يسأل جمراً، فليستقل أو
لیستکثر )).
قلت: رواه مسلم هنا من حديث أبي هريرة ولم يخرجه البخاري.(٣)
قال عياض (٤): معناه يعاقب بالنار، ويحتمل: أن يكون على ظاهره، وأن الذي يأكله
يصير جمراً یکوی بها کما ثبت في مانع الزكاة.
١٣١٣ - قال #: ((ما يزال الرجل يسأل الناس، حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه
مزعة لحم )).
(١) المنهاج (١٨٨/٧).
(٢) المصدر السابق.
(٣) أخرجه مسلم (١٠٤١).
(٤) إكمال المعلم (٥٧٥/٣).
١١٠
قلت: رواه الشيخان هنا من حديث ابن عمر.(١)
ومزعة لحم: بضم الميم وإسكان الزاي المعجمة أي قطعة لحم، قال القاضي (٢): معناه
يأتي يوم القيامة ذليلاً ساقطاً، لا وجه له عند الله تعالى، وقيل: هو على ظاهره فيحشر
ووجهه عظم لا لحم عليه عقوبة له، وعلامة بذنبه حين طلب وسأل بوجهه، كما
جاءت الأحاديث الأخرى بالعقوبات في الأعضاء التي كانت بها المعاصي، وهذا فيمن
سأل لغير ضرورة، وسؤالاً منهياً عنه.
١٣١٤- قال #: « لا تُلحفوا في المسألة، فو الله لا يسألني أحد منكم شيئاً فتخرج له
مسألته مني شيئاً، وأنا له كاره، فيبارك له فيما أعطيته )).
قلت: رواه مسلم هنا من حديث معاوية ولم يخرجه البخاري.(٣)
وتلحفوا: بضم التاء المثناة من فوق وبسكون اللام وكسر الحاء المهملة وبالفاء أي
يلحوا. قوله في المسألة، قال النووي (٤): كذا هو في بعض نسخ مسلم بالفاء وفي بعضها
بالباء و كلاهما صحيح.
١٣١٥ - قال# (ق١٨٥/ب): ((لأن يأخذ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة حطب على
ظهره فيبيعها، فیکف الله بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه )).
قلت: رواه البخاري في كتاب الزكاة من حديث الزبير(٥) ولم يخرج مسلم عن الزبير
في هذا شيئاً، وخرج عن أبي هريرة مثل معناه.
(١) أخرجه البخاري (١٤٧٤)، ومسلم (١٠٤٠).
(٢) إكمال المعلم (٥٧٤/٣).
(٣) أخرجه مسلم (١٠٣٨).
(٤) المنهاج (١٨٠/٧).
(٥) أخرجه البخاري (١٤٧٠)، ومسلم (١٠٤٢)، من حديث أبي هريرة. وأخرجه البخاري (١٤٧١) عن
الزبيربن العوام.
١١١
فيه الحث على الأكل من عمل اليد، وعلى الاكتساب بالمباحات كالحطب والحشيش
النابتين في الموات .
١٣١٦ - سألت رسول الله 8 فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال لي: «يا حكيم !
إن هذا المال خضر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف
نفس لم يُبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى ».
قال حكيم، فقلت: يا رسول الله ! والذي بعثك بالحق، لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً حتى
أفارق الدنيا.
قلت: رواه البخاري بهذا اللفظ هنا، وفي الوصايا من حديث حكيم بن حزام، ورواه
مسلم أيضاً هنا مختصراً إلى قوله: ((واليد العليا خير من اليد السفلى)).(١)
قوله: ﴿: ((إن هذا المال خضر)) بفتح الخاء المعجمة وكسر الضاد المعجمة، أيضاً
قوله: حلو: بضم الحاء المهملة وسكون اللام، وشبهه في الرغبة فيه، والميل إليه،
بالأخضر الحلو المستلذ، فإن الأخضر مرغوب فيه على انفراده، والحلو كذلك،
فاجتماعهما أشد، وفيه إشارة إلى عدم بقائه، فإن الأخضر أسرع الألوان استحالة
وتغيراً.
والسخاوة: والسخاء، الجود يقال سخى يسخو وسخي يسخى، والسخاوة هنا يجوز
أن تكون راجعة إلى الآخذ - وهو الأظهر - أي من أخذه في حال كون نفسه سخية به
لالكثرة، ويجوز أن يكون راجعة إلى الدافع أي من أخذه ممن يدفعه سخية به نفسه.
قوله 8#: ((كالذي يأكل ولا يشبع))، قيل: هو الذي به داء لا يشبع بسببه، وقيل:
المراد تشبيهه بالبهيمة الراعية. وأرزأ: بفتح الهمزة وسكون الراء المهملة وفتح الزاي
المعجمة ثم بالهمزة ومعنى لا أرزأ أحداً بعدك أي لا آخذ منه شيئاً، قاله في المشارق(٢).
(١) أخرجه البخاري (١٤٧٢)، ومسلم (١٠٣٥).
(٢) انظر: (٢٨٨/١).
١١٢
١٣١٧ - قال#: «اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا هي المنفقة،
والسفلى هي السائلة )».
قلت: رواه الشيخان وأبوداود والنسائي أربعتهم(١) هنا بهذا اللفظ، وقد روى أبو
داود(٢) أيضاً من حديث مالك بن نضلة بسند جيد، أن رسول الله {8﴿ قال: الأيدي
ثلاث: فيد الله العليا، ويد المعطي تليها ويد السائل السفلى، وروي عن الحسن
البصري: أن السفلى الممسكة المانعة، وذهبت المتصوفة إلى أن اليد العليا هي الآخذة
لأنها نائبة عن الله تعالى، وما جاء في الحديث الصحيح من التفسير مع فهم المقصد من
الحث على الصدقة أولى، قال أبو داود: واختلف على أيوب عن نافع في هذا الحديث
قال عبدالوارث: اليد العليا المتعففة، وقال أكثرهم عن حماد بن زيد عن أيوب: اليد
العليا المنفقة، وقال واحد يعنى حماد بن زيد المتعففة.(٣)
وفي الحديث ندب إلى التعفف عن المسألة، وحض على معالي الأمور وترك دنيها.
١٣١٨ - إن أناساً (ق١٨٦/أ) من الأنصار سألوا رسولَ الله :﴿ فأعطاهم، ثم سألوه
فأعطاهم، حتى نفذ ما عنده، فقال: « ما یکون عندي من خیر، فلن أدخره عنكم،
ومن يستعفف يُعفه الله، ومن يستغن يُغنه الله، ومن يتصبّر يُصَّبّره الله، وما أعطي أحد
عطاء خيراً وأوسع من الصبر)).
قلت: رواه الشيخان(٤) هنا من حديث أبي سعيد الخدري، ووقع في بعض نسخ
كتاب البخاري: ثم سألوه فأعطاهم ثلاث مرات، وفي بعضها: مرتان، كما في كتاب
مسلم.
ونفد بكسر الفاء وبالدال المهملة أي فني.
(١) أخرجه البخاري (١٤٢٩)، ومسلم (١٠٣٣)، وأبو داود (١٦٤٨)، والنسائي (٦١/٥).
(٢) برقم (١٦٤٩).
(٣) سنن أبي داود (٢٩٧/٢).
(٤) أخرجه البخاري (١٤٦٩)، ومسلم (١٠٥٣).
١١٣
والخير: المال، قال تعالى ﴿ وإنه لحب الخير لشديد﴾ أي لحب المال.
قوله: 34: ومن يستعفف يعفه الله، والاستعفاف: طلب العفاف، والتعفف: هو
الكف عن الحرام، والسؤال من الناس أي من طلب العفة، وتكلفها أعطاه الله إياها
ورزقه من حيث لايحتسب.
ويستغن: أي يطلب الغنى من الله، والغنى مقصور هو اليسار.
قوله: 14: وما أعطى أحد عطاء خير وأوسع من الصبر، قال النووي(١): هكذا هو في
نسخ مسلم خبر مرفوع، وتقديره: هو خير، كما وقع في رواية البخاري.
وفي هذا الحديث: الحث على التعفف والقناعة والصبر على ضيق العيش وغيره من
مکارہ الدنیا.
١٣١٩ - كان النبي # يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقر إليه مني، فقال: ((خذه
فتموله، وتصدق به، فما جاءك من هذا المال، وأنت غيرَ مُشرف ولا سائل، فخذه
ومالاً ، فلا تُتبعه نفسك)».
قلت: رواه الشيخان(٢) البخاري هنا، وفي الأحكام، ومسلم هنا من حديث عمر بن
الخطاب.
قوله ﴿﴿: فتموله، قال الجوهري(٣): يقال: تموّل الرجل إذا صار ذا مال.
وفي الحديث منقبة لعمر رضي الله عنه وبيان لفضله وزهده وإيثاره.
والمشرف إلى الشيء: هو المتطلع إليه الحريص عليه، قوله: ومالا فلا تتبعه نفسك،
معناه: مالم يوجد فيه هذا الشرط فلا تعلق النفس به.
واختلف العلماء فيمن جاءه مال، هل يجب عليه قبوله أم يندب ؟ على ثلاثة
(١) المنهاج (٢٠٥/٧).
(٢) أخرجه البخاري (١٤٧٣)، وفي الأحكام (٧١٦٣و٧١٦٤)، ومسلم (١٠٤٥).
(٣) الصحاح للجوهري (١٨٢٢/٥).
١١٤
مذاهب: قال النووي (١): الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور: أنه يستحب في غير
عطية السلطان، وأما عطية السلطان: فحرمها قوم، وأباحها قوم، وكرهها قوم،
والصحيح أنه إن غلب الحرام على ما في يد السلطان حرمت، وكذا أن أعطى من لا
يستحق، وإن لم يغلب الحرام فمباح، إن لم يكن في القابض مانع يمنعه من استحقاقه
الأخذ، وقالت طائفة: الأخذ واجب من السلطان وغيره، وقال آخرون: هو مندوب
في عطية السلطان دون غيره.
من الحسان
١٣٢٠ - قال رسول الله #: (( المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه، إلا أن يسأل
ذا سلطان، أو في أمر لا يجد منه بداً ».
قلت: رواه أبو داود والترمذي والنسائي كلهم هنا من حديث سمرة، قال
الترمذي(٢) : صحيح.
كدوح: بضم الكاف والدال المهملة وبالواو والحاء المهملة. هي الآثار من الخدش
والعض ونحوه، وقيل: الكدح أكثر من الخدش.
١٣٢١ - قال رسول الله #: ((من سأل الناس وله ما يغنيه، جاء يوم القيامة ومسألته
في وجهه خموش، أو خدوش، أو كدوح، قيل: يا رسول الله وما يغنيه، قال: (
خمسون درهماً أو قيمتها من الذهب ».
قلت: رواه الأربعة(٣) هنا من حديث ابن مسعود، وقال الترمذي: حسن، وقد تكلم
(١) المنهاج للنووي (١٨٩/٧ - ١٩٠).
(٢) أخرجه أبو داود (١٦٣٩)، والترمذي (٦٨١)، والنسائي (١٠٠/٥) وإسناده صحيح.
(٣) أخرجه أبو داود (١٦٢٦)، والترمذي (٦٥٠)، والنسائي (٩٧/٥)، وابن ماجه (١٨٤٠).
وحكيم بن جبير: ضعيف، رمي بالتشيع، التقريب (١٤٧٦)، وانظر قول الحافظ الذهبي في الكاشف
(٣٤٧/١ رقم ١١٩٧) وكلام الدارقطني في سننه (١٢٢/٢)، وانظر للتفصيل: تهذيب الكمال
١١٥
شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث، وقال النسائي: لا يعرف هذا الحديث إلا
من حديث حكيم بن جبير، وحكيم: ضعيف، وسئل شعبة عن حديث حكيم فقال:
أخاف النار، وقد كان يروي عنه قديماً، وقال الذهبي: حكيم بن جبير ضعفوه، وقال
الدار قطنى: متروك.
والخموش: هي الخدوش، وهو بضم الخاء المعجمة فيهما، وبالشين المعجمة في
أحدهما، يقال: خمشت المرأة وجهها تخمشه إذا خدشته بظفر أو حديدة، وكدوح:
تقدم تفسيره في الحديث قبله (ق١٨٦ /ب) ورأى بعضهم هذا الحديث حداً في غني تحرم
عليه الصدقة، وأبى ذلك آخرون وضعفوا الحديث.
وقال مالك والشافعي: لا حد للغني معلوماً، وإنما يعتبر حال الإنسان.
وقال الشافعي رضي الله عنه: قد يكون الرجل بالدرهم غنياً مع الكسب ولا يغنيه
الألف مع ضعفه في نفسه و کثرة عیاله.
١٣٢٢- قال #: ((من سأل وعنده مایغنیه، فإنما يستكثر من النار))، قالوا: يارسول
الله ! ومايغنيه؟، قال: ((قدر ما يغدّيه ويعشّيه)).
قلت: رواه أبو داود(١) هنا من حديث سهل بن الحنظلية، قال: قدم على رسول الله
* عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، فسألاه، فأمر لهما بما سألا، وأمر معاوية
فكتب لهما بما سألا، فأما الأقرع فأخذ كتابه فلفه في عمامته وانطلق، وأما عينية فأخذ
كتابه وأتى النبي # مكانه، فقال: يا محمد أتراني أحمل إلى قومي كتاباً لا أدري ما فيه ؟
كصحيفة المتلمّس، فأخبر معاوية بقوله رسول الله ﴿، فقال رسول الله 3 2: ((من سأل
وعنده ما يغنيه.)) الحديث. ولم يضعفه ولا المنذري.
والمتلمس: هو جرير بن عبد المسيح الضبعي الشاعر المشهور، جاهلي، هجا هو
(١٦٥/٧ - ١٦٨) لكن له متابعة من طريق زبيد بن الحارث الكوفي، أشار إليها الترمذي، راجع:
الصحيحة (٤٩٩).
(١) أخرجه أبو داود (١٦٢٩) وإسناده صحيح.
١١٦
وطرفة، عمرو بن هند ملك الحيرة، فكتب له ولطرفة بن العبد كتابين، أوهمهما أنه أمر
لهما بجوائز، وكتب له يأمره بقتلهما، والقصة مشهورة عند العرب وإن المتلمس لما علم
ما فيها رمى بها وهرب، فضربت العرب المثل بصحيفته، وأما طرفة فوافى
بصحيفته فقتل.
وقد اختلف الناس في تأويل مايغديه ويعشيه فقال بعضهم: من وجد غداء يومه
وعشاه، لم تحل له المسألة وقال آخرون: من وجد غداء وعشاء دائم الأوقات. فإذا كان
عنده ما يكفيه المدة الطويلة حرمت عليه المسألة، وقيل: هذا منسوخ بما تقدم من
الأحاديث، ولا شك أنه يجوز لصاحب الغداء والعشاء أن يسأل الجبة والكساء.
- وفي رواية: شبح لیلٍ ویومٍ .
قلت: رواها أبو داود أيضاً ، رواية من الحديث قبلها.
١٣٢٣ - قال #: ((من سأل منكم وله أوقية أو عدلها، فقد سأل إلحافاً )).
قلت: رواه أبو داود هنا (١) من حديث عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد أنه قال:
نزلت أنا وأهلي ببقيع الغرقد. (ق١/١٨٧) قال لي أهلي: اذهب إلى رسول الله {# فسله
لنا شيئاً نأكله فجعلوا يذكرون من حاجتهم فذهبت إلى رسول الله {# فوجدت عنده
رجلاً يسأله، ورسول الله ﴿ يقول: لا أجد ما أعطيك فتولى الرجل، وهو مغضب،
وهو يقول: لعمري إنك لتعطي من شئت، فقال رسول الله و18: ((يغضب علي أن لا
أجد ما أعطيه، من سأل منكم، وله أوقية أوعدلها، فقد سأل إلحافاً)) قال الأسدي:
فقلت: للقحة لنا خير من أوقية، والأوقية أربعون درهماً، قال: فرجعت ولم أسأله،
فقدم على رسول الله {# بعد ذلك شعير وزبيب، فقسم لنا منه، أو كما قال، حتى
أغنانا الله عز وجل. وأخرجه النسائي ولم يضعفه أبو داود ولا المنذري.
ويقيع الغرقد: بالباء الموحدة مدفن المدينة، والغرقد: من شجر العضاه، والعضاه
(١) أخرجه أبو داود (١٦٢٧)، والنسائي (٩٨/٥) وإسناده صحيح.
١١٧
شجر له شوك، وقيل: الطلح والسدر، وكان فيه غرقد فذهب، وهو بفتح الغين
المعجمة وسكون الراء المهملة وبعدها قاف ودال مهملة، وقد تقدم تفسير الأوقية في أول
باب ماتجب فيه الزكاة، قوله: أو عدلها: قال ابن الأثير: العِدْل، والعَدْل بالكسر
والفتح بمعنى واحد، وهو المثل. وقيل هو بالفتح ماعادله من جنسه، وبالكسر ماليس
من جنسه، وقيل بالعكس، وإلحافاً: بكسر الهمزة وسكون اللام وبالحاء المهملة والفاء،
يقال: ألحف في المسألة إذا بالغ فيها وألح.
١٣٢٤ - قال رسول الله #: «إن المسألة لا تحل لغني، ولا لذي مرة سوي، إلا لذي
فقر مدقع، أو غرم مفظع، ومن سأل الناس لیثري به ماله، كان خموشاً في وجهه يوم
القيامة، ورضفاً يأكله من جهنم، فمن شاء فليُقِلّ ومن شاء فليُكثر)).
قلت: رواه الترمذي(١) هنا من حديث حبشي بن جنادة السلولي، قال: سمعت
رسول الله / في حجة الوداع، وهو واقف بعرفة، وقد أتاه أعرابي فأخذ بطرف ردائه،
فسأله إياه فأعطاه وذهب، فعند ذلك حرمت المسألة فقال رسول الله لو3 2: ((إن المسألة لا
تحل .. )) وساقه، وسنده رجاله موثقون.
والمرة: بكسر الميم وبالراء المهملة وتاء التأنيث، هي القوة والشدة، والسوي:
الصحيح (ق١٨٧ /ب) الأعضاء .
وفقر مدقع: أي شديد يفضي بصاحبه إلى الدقعاء أي إلى التراب، وقيل: هو سوء
احتمال الفقر، ومفظع: بضم الميم وسكون الفاء وبالظاء المعجمة المشالة، وبالعين
المهملة هو الشديد الشنيع، ويثري: بالثاء المثلثة أي يكثر به ماله، والرضف: بالضاد
المعجمة، الحجارة المحماة.
١٣٢٥ - ويروى: ((إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع، أو ذي غرم
مفظع، أو لذي دم موجع )).
(١) أخرجه الترمذي (٦٥٣) وإسناده ضعيف، لأن فيه مجالد وهو ابن سعيد، وليس بالقوي، قد تغيّر في
آخر عمره، التقريب (٦٥٢٠)، وانظر: شرح السنة للبغوي (١٥٩٩)، والإرواء (٨٧٧).
١١٨
قلت: رواه الأربعة هنا من حديث أنس مطولاً(١) وقال الترمذي: حسن، لا نعرفه
إلا من حديث الأخضر بن عجلان، قال يحيى بن معين: صالح، وقال أبو حاتم الرازي:
یکتب حديثه.
والدم الموجع: هو ما يتحمله الإنسان من الدية فإن لم يتحملها وإلا قتل، فيوجعه
القتل.
١٣٢٦- قال #: « من أصابته فاقة فأنزلہا بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أو
شَك الله له بالغنى: إما بموت عاجل، أو غنى عاجل )).
قلت: رواه أبو داود والترمذي(٢) كلاهما هنا من حديث عبدالله بن مسعود وقال
الترمذي: حسن صحيح غريب.
وأوشك بفتح الهمزة وفتح الشين المعجمة ومعناه عند الخليل: أسرع.
باب الإنفاق وكراهية الإمساك
من الصحاح
١٣٢٧ - قال رسول الله -: ((لو كان لي مثل أحد ذهباً، لسرّني أن لا يمر عليّ ثلاث
لیال وعندي منه شيء، إلا شيء، أرصده لِدیْنٍ ».
قلت: رواه البخاري في الرقاق(٣) من حديث عبيدالله بن عبدالله عن أبي هريرة ورواه
(١) أخرجه أبو داود (١٦٤١)، والنسائي (٢٥٩/٧)، والترمذي (١٢١٨)، وابن ماجه (٢١٩٨) قال
الحافظ في التلخيص (٣٤/٢ رقم ١١٦٧) وأعله ابن القطان بجهل حال أبي بكر الحنفي ونقل عن
البخاري أنه قال: لا یصح حديثه. والأخضر بن عجلان، قال في التقريب (٢٩٣): صدوق. وأبو بكر
الحنفي: لا يعرف حاله، التقريب (٣٧٤٨)، وانظر: ميزان الاعتدال (١٦٨/١)، والإرواء (٨٦٧).
(٢) أخرجه أبو داود (١٦٤٥)، والترمذي (٢٣٢٦) وإسناده حسن لطرقه، راجع: الصحيحة (٢٧٨٧).
(٣) أخرجه البخاري (٢٣٨٩)، وفي التوحيد (٧٢٢٨)، ومسلم (٩٩١).
١١٩
أيضاً في التمني، بمثل معناه، من حديث معمر عن همام عن أبي هريرة ومسلم في الزكاة
من حديث أبي هريرة واللفظ للبخاري.
وأرصده: بضم الهمزة، وكسر الصاد، أي: أعده.
١٣٢٨ - قال: ((ما من يوم يصبح العباد فيه، إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما:
اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً )).
قلت: رواه الشيخان(١) هنا، والنسائي في عشرة النساء، ثلاثتهم من حديث أبي
الحباب واسمه سعيد بن يسار عن أبي هريرة، قال العلماء: وهذا في الإنفاق في
الطاعات، ومكارم الأخلاق وعلى العيال والضيفان والصدقات، ونحو ذلك، بحيث
لا يذم ولا يسمى سرفاً، والإمساك المذموم هو الإمساك عن هذا.
١٣٢٩ - قال لها: (ق١٨٨/أ) ((أنفقي، ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا
توعي فيوعي الله عليك، ارضخي ما استطعت )).
قلت: رواه الشيخان والنسائي ثلاثتهم في الزكاة وأعاده البخاري في الهبة أيضاً من
حديث أسماء بنت أبي بكر.(٢)
وأرضخي: همزته همزة وصل، وبالراء المهملة وبالصاد والخاء المعجمتين، من
الرضخ بسكون الضاد، وهو: العطية، وقيل: العطية القليلة.
ومعنى الحديث: الحث على النفقة في الطاعة، والنهي عن الإمساك والبخل، وعن
ادخار المال في الوعاء.
قوله : : ولا تحصى فيحصي الله عليك، وتوعى عليك هو من باب مقابلة اللفظ
باللفظ للتجنیس كما قال تعالى ﴿ ومكروا ومكر الله ﴾ ومعناه يمنعك كما منعت، ويقتر
عليك كما قترت، ويمسك فضله عنك كما أمسكت وقيل معنى: ولا تحصي أي لا تعديه
(١) أخرجه البخاري (١٤٤٢)، ومسلم (١٠١٠/٥٧)، والنسائي في الكبرى (٩١٧٨).
(٢) أخرجه البخاري (١٤٣٤)، وفي الهبة (٢٥٩١)، ومسلم (١٠٢٩)، والنسائي (٩١٩٥).
١٢٠