Indexed OCR Text

Pages 301-320

١
٢٩٧
وإِذا كان أَحدهما يدل على مدلوله بالوضع الشرعي ، والآخر باللغوي ،
وكلُّ واحدٍ منهما مستعمل في الشرع: فالعملُ باللفظ اللغوي أَولى، إِلا
إذا استعاره الشارع في معنى وصار عرفاً له ، حتى صار الأوَّلُ (١) مهجوراً
شرعاً فالشرعيُّ أَولى .
واختلفوا (٢) في أَن كثرة طُرُق الحديث من أَمارات الترجيح أم لا ؟
ذهب عامَّةُ الحنفية وبعضُ الشافعية إلى الثاني، وقالوا : لا تترجّحُ
إحدى الشهادتين على الأُخرى بكثرة العَدَد، ما لم يَخْرُج عن حيّز
الآحاد إلى حيِّز التواتر أَو الشهرة .
وذهب أَكثَرُ الشافعيَّة وأَبو عبدالله الجُرجاني من أصحابنا وأَبو الحسن
الكرخي في رواية إِلى الأَول. وفي ((مسلَّم الثبوت)) مع شرحه لوليّ الله
اللكنوي : لا ترجيحَ بكثرة الرواية عند أبي حنيفة وأبي يوسف ،
خلافاً لأكثر العلماءِ كالأئمة الثلاثة ومنهم محمد ، فيَترجح بكثرة
الأَدلَّةِ والرواةِ عندهم وإِن لم تَبلغ الشهرةَ . اهـ .
وأَما فِقْهُ الراوي فقال الحازمي(٣): الوجهُ الثالثُ والعشرون من
وجود الترجيح أن يكون رُواهُ أَحد الحديثين مع تساويهم في الحفظ
(١) أي اللغوي .
(٢) من أول هذا المقطع إلى قوله في ص ٢٩٩ ( ... لابن أمير حاج) استدركه
المؤلف في آخر الجزء الثاني من كتابه ((إنهاء السكن)) ليُلحق هنا،
فألحقتُه .
(٣) في (( الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الأخبار)) ص ٩ .

٢٩٨
والإتقان فقهاءَ عارفين باجتناءِ الأَحكام من مُثْمِراتِ الألفاظ ، فالاسترواح
إلى حديث الفقهاءِ أَولى .
وحَكَّى عليُّ بِن خَشْرَم قال : قال لنا وكيع : أَيُّ الإِسنادَينِ أَحبُ
إليكم : الأعمشُ عن أَبي وائل عن عبد الله، أَو سفيانُ عن منصور
عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله ؟ فقلنا: الأَعمش عن أبي وائل عن
عبد الله، فقال: يا سبحان الله! الأَعمشُ شيخ وأبو وائل شيخ ، وسفيان
فقيه ومنصور فقيه وإِبراهيم فقيه وعلقمة فقيه ، وحديثٌ تتداوَلُه الفقهاءُ
خير من أن تتداوله الشيوخ. رواه الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) (١).
وفي: ((التدريب))(٢): ثالثُها - أَي من وجوه الترجيح - فِقْهُ الراوي،
سواء كان الحديث مروياً بالمعنى أَو باللفظ، لأَن الفقيه إِذا سَمِع ما
يمتنع حَمْلُه على ظاهره بحَثَ عنه ، حتى يَطَّع على ما يزول به الإِشكال ،
بخلاف العامي . اهـ .
وفي ((شرح مسلَّم الثبوت)) (٣): بخلاف غير الفقيه، فإِنه لا
يقدر على ذلك ، فيَنقل القدرَ المسموع ، وهذا بعينه يقتضي ترجيح
الأَفقه على من هو أَدْنَى منه في الفقه ، فتُرجَّحُ روايةٌ من هو أكثر فقهاً
(١) ص ١١. وقال ابن الأثير في ((جامع الأصول)) ١ : ٦٢ بعد ذكره
سؤالَ وكيع هذا: ((فهذا من طريق الفقهاء رُباعيّ إلى ابن مسعود ،
وثُنائي من طريق المشايخ، ومع ذلك قُدّمَ الرّباعيّ لأجل فقه رجاله)).
(٢) ص ٣٨٩ .
(٣) أي للشيخ ولي الله اللكنوي أيضاً، كما في ((الأجوبة الفاضلة)) ص٢١١.

٢٩٩
على من ليس بتلك المرتبة . اهـ .
وفي ((فتح القدير)) (١) بعد ذِكرٍ مناظرة أبي حنيفة مع الأوزاعي
رحمهما الله تعالى: فرجَّح أبو حنيفة بفقه الرواة ، كما رجَّح الأوزاعي
بُعُلِّ الإِسناد . وهو - أَي الترجيح بفقه الرواة - المذهَبُ المنصورُ عندنا.
اهـ . ومِثْلُه في ((حَلْبَة المُجَلِّي شرح مُنْيَة المُصَلِّي))(٢) لابن أَمير حاج (٣).
(١) ١ : ٢١٩ .
(٢) وقع اسمُ هذا الكتاب في الأصل هنا، وفي أصل ((الأجوبة الفاضلة))
ص ١٩٧ و ٢١٢ وفي حاشية ابن عابدين ((ردّ المحتار)) مراراً كثيرة
هكذا : ((حلية المجلي شرح منية المصلي)). وهو تحريف عما أثبتُّهُ ،
كما حقّقتُهُ مطوّلاً فيما علّقتُهُ على ((الأجوبة الفاضلة)) ص ١٩٧ -
٢٠١، عن نسخة منقولة عن نسخة المؤلف ، ومقروءة عليه ، وعليها
خَطّه في مواضع كثيرة فانظره .
(٣) والمناظرة التي جرت بين أبي حنيفة والأوزاعي ، المشهورةُ بين
الفقهاء : أنه اجتمع هو والأوزاعي في دار الحنّاطين بمكة ، فقال
الأوزاعي لأبي حنيفة : ما بالكم لا ترفعون أيديكم في الصلاة عند
الركوع وعند رفع الرأس منه ؟ فقال أبو حنيفة : لأنه لم يصح عن
رسول اللّه مع الفم فيه شيء .
فقال : كيف لم يصح وقد حدّثني الزهري عن سالم عن أبيه عن
رسول اللّه ◌َ له أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وعند
الركوع، وعند الرفع منه . فقال أبو حنيفة : حدّثنا حَمّاد عن
إبراهيم عن علقمة والأسود عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله البائع
كان لا يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة ، ثم لا يعود بشيء من ذلك .
فقال الأوزاعي : أُحدّثك عن الزهري عن سالم عن أبيه ، وتقول :

٣٠٠
والمستلزِمُ لمجازٍ واحد أولى من المستلزِم لمجازين ،
والدالُّ على مدلوله بالمطابقة أولى من الدال عليه بالالتزام .
والدال بدلالة الاقتضاء أولى من الدال بالمفهوم .
حدّثنا حمّاد عن إبراهيم ؟ فقال أبو حنيفة : كان حمّاد أفقه من
الزهري ، وإبراهيم أفقه من سالم ، وعلقمة ليس بدون ابن عمر في
الفقه وإن كانت لهُ صُحبة وله فَضْلُ الصحبة، فالأسوَدُ له فضلٌ
كبير، وعبدُ اللّه عبدُ اللّه، فسكت الأوزاعي.
قال العلامة اللكنوي في ((الأجوبة الفاضلة)) ص ٢١٣: ((ق).
اشتهر بين العوامّ أن هذه المناظرة لا سَنّدَ لها لا صحيحاً ولا ضعيفاً،
حتى إنّ صاحب ((دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحيب)) قال
فيها ص ٢٠٥ : إن هذه الحكاية معلّقة، ولم أرَ من أسندَها ، ومن
عنده السنّدُ فليأتٍ به . اهـ .
وليس كذلك ، فقد أسندها أبو محمد عبد الله بن محمد بن يعقوب
الحارث الحارثيُّ البخاري المعروف بالأستاذ ، تلميذُ أبي حفص
الصغيرِ ، ابن أبي حفص الكبير ، تلميذ الإمام محمد بن الحسن ، في
(( مسنده)) بقوله : حدّثنا محمد بن إبراهيم بن زياد الرازي، حدّثنا
سليمان بن الشاذكوني ، قال : سمعتُ سفيان بن عيينة يقول : اجتمع
أبو حنيفة والأوزاعي في دار الحنّاطين بمكة ... إلى آخر ما مرّ ذكره .
كما نقله السيد مرتضى الزبيدي الحُسَيْني في كتابه ((عقود الجواهر
المنيفة في أدلة الإمام أبي حنيفة)) ١ : ٦٠ - ٦١ .
وقد أسندها عن الحارثي الإمامُ الموفق المكي في ((مناقب الإمام
الأعظم )) ١ : ١٣٠، والحارثي إمام حافظ مشهور ، ذكره الذهبي
في ((تذكرة الحفاظ)) ص ٨٥٤، في ترجمة (القاسم بن أصبغ )،
فليراجع ، والله تعالى أعلم . (ش ) .

٣٠١
والدال بمفهوم الموافقة أولى من الدال بمفهوم المخالفة .
والدالُّ بالمنطوق أولى من الدالِّ بغير المنطوق .
والترجيحُ العائد إِلى الحكم والمدلولِ، قد يكون بالأَهميَّة بأَن يكون
الحكمُ المفاد بأَحدهما أَهمَّ في نظر الشارع من الحكم المستفاد من الآخر ،
فالأَهُمُّ أرجح من غيره، كالحكم التكليفي يترجح على الحكم الوضعي .
والثابتُ بالاقتضاء - لأَجل صدق الكلام وكونِه معقولاً - يترجَّح
على الثابت بالاقتضاءِ، لأَجل وقوعه مشروعاً، فإن الصدق أَهم .
والنهيُ يترجح على الأَمر، فإِنَّ دفع المفسدة أهم من جلب المنفعه
والتحريم يترجَّحُ على غيره من الأَحكام لذلك، وقيل: تترجّحُ
الإِباحةُ لأَنّه عِلَّ كان يحب التخفيف على أمته، وهو مختار الشيخ
الأَكبر صاحب ((الفتوحات)) قُدِّس سِرُّه، والمختارُ: الأَوَّلُ، لكونه أَهم
وفيه الاحتياط .
والحكم الأَثقل أولى من الأَخف، لأَن الغالب على الظنِّ تأخّرُه عن
الأَخف ، فإِن ابتداءً الشرع كان بالتخفيف ، ثم نزلت الأحكام بالتدريج.
ومُثبِت دَرْءِ الحدود أَولى من مُوجِبِه، لأَن الدرةَ أَهم .
وموجبُ الطلاق والعتاق يترجَّح على ما ينفيهما، لأُن مُوجِبَهما في
١٤
قوة المحرَم .
والحكمُ المعلَّل - أَي المذكور مع العلة - يترجح على غير المعلل .
والحكمُ المحتاجُ إِلى التخصيص أولى من المحتاج إلى التأويل، لأَن

٣٠٢
التخصيص أكثر بالنسبة إلى التأويل .
والموافقُ للقياس أولى من المخالف له .
والنفيُ يترجح على الإثباتِ فيما الغالبُ فيه الشهرة ولم يشتهر .
وما عمِلَ به الخلفاءُ الراشدون أولى مما عمل به غيرهم .
والترجيحُ العائد إِلَى السَّنَد والرواية ( يكون بفقهِ الراوي وقوةٍ ضبطه
وورعه . ولا ترجيح عندنا بعلو الإِسناد وقلة الوسائط)، خلافاً للشافعية .
( ولا باعتياد الرواية عند شمس الأئمة)، لأَن الاعتياد لا دخل له في
الصدق ولا في الضبط ، فکم من معتادِین یتساهلون بل يكذبون، و کم
ممن لا اعتياد له بالرواية يهتم بشأن الحديث .
ويكون الترجيح بعلمه بالعربية ، فالعارفُ بالعربية أولى من الجاهل
بها .
والمحدِّثُ عن الحفظ أولى من الراوي عن الكتاب .
ويكون بكون الراوي من أكابر الصحابة فقهاً ودرايةً .
والمباشِرُ لما رواه أولى من غير المباشر .
والأَقْربُ إلى النبي صَ لِّ حالَ سماعه أولى من الأَبعد .
ومتقدِّمُ الإِسلام أولى من المتأخر، إلا أن يكون المتقدِّم لم يَسمع بعد
إِسلامه، وصرَّح المتأخر بسماعه بنفسه فالمتأخر أولى .
ومن تحمَّل بعد بلوغه أولى ممن تحمَّل الرواية في زمن الصِّبا
وكذا من تحمَّل بعد الإِسلام أولى ممن تحمَّل قبله أيضاً .
والحكمُ الواردُ بعد الهجرة أولى من الوارد قبل الهجرة .

--
٣٠٣
ومن لا يلتبسُ اسمُه بضعيف أولى ممن يلتبس اسمه بأحد من
الضعفاء .
والمسنَدُ أَولى من المرسَل .
والمصرَّحُ به بالسماع والوصل أولى من المعنَعَن إِذا كان من مدلِّس .
م
ومقطوعُ الرفع أُرجح مما اختُلِفَ في رفعه إلا ما ليس للرأي فيه
مجال ، فالوقف هناك كالرفع .
وروايةُ الذكور أولى من رواية الإناث في غير أحكام النساء .
والحديثُ المسنَدُ إلى كتاب من كتب المحدِّثين أولى من الثابت
بطريق الشهرة ( على الألسنة) .
( والخبرُ المتواتر والمشهورُ أولى من الاحاد، وهذا ظاهر) .
ومرسَلُ التابعي أولى من مراسيل من بعده .
وما كان راويه مشهورَ العدالة والنَّسب أولى مما ليس راويه كذلك .
ومن كثُرَ مزُوه أولى ممن قَلَّ مُعدِّلوه . وكذا من كان تزكيته بصريح
المقال، أَولى ممن كان تزكيته بالرواية عنه، أَو الحكمِ بشهادته ، والتزكيةُ
بالحكم بشهادته أولى من التزكية بالرواية عنه .
والترجيحُ بأمر خارج يكون بأمور :
منها : أن يكون أحدهما قد عَمِلَ به بعض الأُمة فهو أولى مما لم يعمل
به أحد .
ومنها : أن يكون أحدهما موافقاً لدليل آخر من كتاب أو سنة أَو

٣٠٤
إجماع أو قياس أَو عقل أَو حِسُّ، والاخرُ على خلافه ، فالموافق أُولى .
وإِذا كانا كلاهما دانَّين على الحكم والعلة ، إِلا أَن دلالة أَحدهما على
العلية أَقوى فهو أَولى .
وإِذا كانا عامًّين إِلا أَن أَحدهما قد اتُّفِقَ على العمل به في صورة
بخلاف الآخر، فما اتُّفق على العمل به أولى عندنا ، خلافاً للشافعية .
وإِذا كان أحدهما قد قُصِدَ به بيانُ الحكم المختلف فيه، فهو أولى
ما لم يُقصد به بيان ذلك الحكم .
والأَقْربُ إِلى الاحتياط وبراءةٍ الذمَّة أولى من الأَبعد منه .
والحديثُ الذي عَمِلَ به راويه أولى مما لم يعمل به راويه .
وإِذا ذكَرَ أَحدُ الراويين سببَ ورود ذلك النص دُونَ الآخَر ، فالذاكرُ
للسبب أولى .

الفصل التاسع
في تراجم أثمتنا الثلاثة
ترجمة الإمام الأوّلِأَبِي ضيفة
أَما أَبو حنيفة فما أَدراك ما أَبو حنيفة! إِمام الأئمة ، سِراج الأُمة ،
كاشف الغُمَّة، ذو مناقب جَمَّة، طبّق علمُه الشرق والغرب من ديار
الإِسلام ، وفاز بفضل التابعيَّة في عصره من بين الأَنام ، أَذعَن لإِمامته
واعترف بجلالته أَجلَّةُ العلماءِ الأَعلام ، وأثنى عليه بسعة العلم وجودة
الحفظ ودقة الفهم جماعةٌ من المعدِِّين وفئةٌ من المحدِّين(١)، مع وصفهم
إِياه بالزهد والورَع التام ، والقبول العامٌّ من الخواصِ والعوام .
(١) قال الذهبي في ((العبر))١: ٢١٤ ((وكان أبو حنيفة النعمان بن ثابت
من أذكياء بني آدم ، جمع الفقه والعبادة والورع والسخاء . ومولده
سنة ثمانين - وهو أحد أقوال ثلاثة في ولادته - رأى أنساً ، وتوفي
سنة خمسين ومئة )) .

٣٠٦
ولنذكر ها هنا نُبَذاً من أَحواله العليَّة ، وقدراً ضرورياً من مناقبه
الجليّة، تبركاً وتيمُّناً لا تزكيةً وتعديلاً، فإِنه رضي الله عنه أَجلُّ وأُرفع
من ثناءِ القاصرين مَقاماً وأحسنُ مَقِيلاً ، ومن أراد البسط في معرفة أَحواله
ومناقبه، ودرجته في العلم لاسيما في الحديث، فليراجع رسالتنا ((إِنجاء
الوطن عن الازدراءِ بإِمام الزمن )). ونحن نلخِّصها لك هاهنا ، وكلُّ
قولٍ عزوناه في هذا الفصل إلى أحد ، ولم نذكر مأخذه أنه مِن أَيّ کتاب
وفي أَيُّ صفحة منه، فإِنه مذكور في ((إِنجاء الوطن)) مع ذكر المأخذ
مقيدًا بالصفحات ، فلينتبه لذلك ، وإِنما فعلنا ذلك رَوْماً للاختصار .
ثوت تابعية الإمام أبي حنيفة
· اعلم أن جمهور المحدثين على أَن الرجل بمجرد اللُّقي والرؤية يصير
تابعياً ، ولا يُشترط أَن يَصحب الصحابيَّ مدة، وقال الحافظ في
((شرح النخبة)) : هذا هو المختار .
وإِمامنا الأَعظم قد ثَبَتَتْ رؤيتُه لبعض الصحابة، واختُلِفَ في
روايته عنهم ، قال الإِمام علي القاري : والمعتمدُ ثبوتها .
وقد صرَّح برؤيته الأنس وكونِه تابعياً على المختار جمعٌ عظيم من
المحدِّينَ وأَهلِ العلم بالأخبار: منهم ابن سعد صاحب ((الطبقات))،
والحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ))، والحافظ ابن حجر في جواب

٣٠٧
فُنيا قد رُفعت إِليه في ذلك(١)، والحافظ العراقي، والدار قطني، والإمام
أَبو معشر عبد الكريم بن عبد الصمد الطبري المقرىءُ الشافعي - وأثبتَ
روايته عن الصحابة أيضاً(٢) -، والحافظُ السيوطي -وحكَمَ بعدم
بُطلانِ الروايةِ أَيضاً -، والحافظ أبو الحجّاج المِزِّي، والحافظ الخطيب
البغدادي ، والحافظ ابن الجوزي ، والحافظ ابن عبد البر ، والحافظ
السمعاني في ((كتاب الأنساب)) له ، والإمام النووي ، والحافظ عبد الغني
المقدسي، والإِمام الجزَري، والتَّرْبِشْتي، وصاحب (( كشف الكشاف))(٣)
وصاحبُ ((مرآةَ الجَنان)) الإِمام اليافعي ، والعلامة ابن حجر المكي
الشافعي ، والعلامة أحمد القسطلاني حيث عدَّه من التابعين، والعلامة
الأَزْنيقي في ((مدينة العلوم))، والعلامة بدر الدين العيني الحنفي .
فأَبو حنيفة تابعي بلا ريب ، ومندرِجٌ في قوله تعالى: ﴿والَّذِينَ
أَنَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عنه﴾ (٤).
(١) وقد أوردها السيوطي في ((تبييض الصحيفة)) ص ٤ - ٥ .
(٢) انظر أسماء الصحابة الذين سَمِحَ منهم أبو حنيفة في (( الجواهر المضية
في طبقات الحنفية)) للقرشي ١ : ٢٨ .
(٣) هو سراجُ الدين عمر بن رسلان البُلْقِيني ، شيخ الإسلام في عصره ،
وشيخ الحافظ ابن حجر توفي سنة ٨٠٥ . وجاء اسمٌ كتابه هذا في
((كشف الظنون)) ٢: ١٤٧٩ هكذا: ((الكشاف على الكشاف)).
(٤) من سورة التوبة : ١٠٠ .
.
1
i

٣٠٨
أبو حنيفة إمام ثقّة حافِظُللحديث نكرمن
وثنَاءُ المَحَدّثِين ◌َعَلَيْه
قال السمعاني في ((الأنساب)): واشتغل ( أبو حنيفة ) بطلب العلم
وبالَغَ فيه حتى حصل له ما لم يحصل لغيره ، ودخل يوماً على المنصور
وعنده عيسى بن موسى ، فقال للمنصور : هذا عالم الدنيا اليوم. اهـ .
وذكَرَ مكي بن إبراهيم (١) أبا حنيفة فقال: كان أعلم أهل زمانه (٢)
وقال أبو يوسف القاضي ما رأيت أعلم بتفسير الحديث من أبي حنيفة .
اهـ . وقال يزيد بن هارون(٣): أدركت ألف رجل، وكتبتُ عن أَكثرهم،
(١) هو من تلامذة أبي حنيفة ومن كبار شيوخ البخاري، وأكثرُ ((ثلاثيات
البخاري)) من طريقه. قال الإمام أبو يعلى الخليلي فيه: ثقة متفق عليه،
كما في ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) للحافظ ابن حجر ١٠ : ٢٩٥ .
وتزكيةُ مكيّ للإمام أبي حنيفة تزكية من خالطه وعرفه .
(٢) وسيأتي قريباً في كلام المؤلِّف في ص ٣١٠ بيانُ المراد من لفظة (العلم)
في ذلك الزمان ، فانظره لزاماً . والخبر المذكور نقله الحافظ المِزّي
في ((تهذيب الكمال)) كما في ((تهذيب التهذيب)) للحافظ ابن حجر
١٠ : ٤٥١ .
(٣) هو كما قال الحافظ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) في ترجمته ١١ :
٣٦٦ - ٣٦٩ (( أحَدُ الأعلام الحُفَّاظ المشاهير. روى عنه أحمد بن.
حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، ويحيى بن معين ، وعلي بن المديني
وخلائق كثيرون . قال أبو حاتم فيه : ثقة إمام صدوق لا يُسأل عن

٣٠٩
ما رأيتُ فيهم أَفقه ولا أَورع ولا أعلم من خمسة (١)، أَوَّلُهم أَبو حنيفة.
ذكره ابن عبد البر في كتاب ((جامع بيان العلم)).
وروى الخطيب عن شداد بن حكيم قال : ما رأيتُ أَعلم من أَبي
حنيفة . وعن محمد بن سعد الكاتب : سمعتُ عبد الله بن داود الخُرَيبي
يقول : يجب على أَهل الإِسلام أَن يَدْعُوا اللهَ تعالى لأبي حنيفة في صلاتهم،
قال: وذَكَر حِفْظَه عليهم السَّنَن والفقه .
وروى الإمام أبو جعفر الشيزاماريُّ عن شَقيق البلخي قال : كان
الإِمام أبو حنيفة من أَورع الناس، وأَعلمِ الناس، وأُعبدِ الناس . وعن
إبراهيم بن عكرمة المخزومي قال : ما رأيتُ عالماً أَورع ولا أَزهد ولا
أَعلم من أبي حنيفة . وعن عبد الله بن المبارك قال: دخلتُ الكوفة
مثله . وكان قد كُفّ في آخر عمره ، قال له الحسن بن عرفة :
ما فعلَتْ تلك العينان الجميلتان؟ قال: ذهَبَ بهما بكاءُ الأسحار .
وقال يعقوب بن شيبة : ثقة وكان يُعَدّ من الآمرين بالمعروف والناهين
عن المنكر )». انتهى .
وتزكيةُ هذا الإمام : ( يزيد بن هارون ) للإمام أبي حنيفة : تزكيةُ
من عاشره ، وكتب عنه ، وتلقّ منه ، وخبَرّ حديثه ، وعرفه حقّ
المعرفة عن قرب ومشاهدة . فهي مقدمة على جرح من لم يره ولم يلتق
به ، وإنما نُقِلٍ له عنه نقل مشوّه ، أو داخله تعصّب عليه لسبب
مَقِيت، كما سيأتي بسْطُه قليلاً بعد قليل في ص ٣١٨-٣١٩.
(١) واربطْ بهذا الثناء العظيم من شيخ المحدّثين (يزيد بن هارون) ما
سيأتي في كلام المؤلف في ص ٣١٠ من بيان معنى (العلم ) عندهم
في ذلك العصر .

٣١٠
فسأَلتُ علماءَها وقلتُ : من أَعلمُ الناس في بلاد كم هذه ؟ فقالوا كلُّهم
الإِمامُ أَبو حنيفة . اهـ.
وروى الحافظ ابن خُسْرُو بسنده عن محمد بن سلمة قال : قال خَلَف
ابن أيوب: صار العِلمُّ من الله تعالى إلى محمد عَّمه ، ثم إلى أصحابه ،
ثم إلى التابعين، ثم صار إلى أبي حنيفة وأصحابه . اهـ .
ولا يخفى أن العلم في ذلك الزمان لم يكن إلا عِلمَ الحديث والقرآن،
فَأَعلَمُ الناس حنيئذٍ من كان أَعلمَهم بالقرآن والحديث .
وأَجْمَعَتِ الأُمَّةُ على كون أبي حنيفة فقيهاً مجتهداً إِماماً كبيراً في
الفقه . وروى الخطيب عن محمد بن بِشْر قال : كنت أَختلف إلى أبي
حنيفة وإلى سفيان - الثوري -، فآتّي سفيان فيقول : من أين جئت ؟
فأَقول: من عند أبي حنيفة، فيقول: لقد جئتَ من عند أَفقه أَهل
الأَرض . وعن حُجْر ابن عبد الجبار قال: قيل للقاسم بن معن بن
عبد الرحمن المسعودي: تَرضى أن تكون من غلمان أبي حنيفة (١)؟
فقال: ما جَلَسَ الناسُ إِلى أَحدٍ أَنفعَ مُجَالَسةً مِن أبي حنيفة .
وقال محمَّد بن مُزاحِم: سمعت ابن المبارك يقول: أَفقَهُ الناس
أَبو حنيفة، ما رأيتُ في الفقه مثلَه . وقال أيضاً: لولا أن الله تعالى أعانني
(١) تمام الخبر كما في: ((الانتقاء)) لابن عبد البر ص ١٣٤ (( قيل للقاسم
ابن مَعْن : أنت ابنُ عبد الله بن مسعود ، ترضى أن تكون من
غلمان أبي حنيفة ؟ فقال ... )).

٣١١
بأَبي حنيفة وسفيان (١) كنت كسائر الناس(٢). وقال أَبو نُعَيم (٣):
كان أبو حنيفة صاحبَ غوص في المسائل . وقال يحيى بن معين : سمعتُ
(١) أي سفيان الثوري المحدث الفقيه الإمام .
(٢) يعني أن الله تعالى أنقذه بأبي حنيفة وسفيان الثوري من الحيرة والاضطراب
الذي يقع للراوي عند تعارض الأحاديث واختلاف الروايات، فكانا
رضي الله عنهما يُريانه وجه التوفيق بينها ، وأيّها المقدّم على ما
سواه ، ويُبيّنان له معانيها .
وقد وقع هذا لغير واحد من رواة الحديث ، فما كان يُنقذُهم
من ذلك إلا الفقهاءُ المحدّون الذين جمعوا بين معرفة الرواية وحُسن
الدراية. حكى القاضي عياض في (( ترتيب المدارك)» في ترجمة (عبد
الله بن وهب القرشي المصري تلميذ مالك رضي الله عنه ) ٢٣١:٣
و ٢٣٦ ما يلي: ((قال يوسف بن عدي : أدركتُ الناس فقيهاً غيرَ
محدّث، ومحدثاً غيرَ فقيه، خلا عبدَ اللّه بن وهب، فاني رأيتُه
فقيهاً محدثاً زاهداً. قال ابنُ وهب : لولا أن اللّه أنقذني بمالك والليث
لضّلِلْتُ ! فقيل له : كيف ذلك ؟ قال : أكثرتُ من الحديث فَحيّرني
فكنتُ أَعرِضُ ذلك على مالكٍ والليث ، فيقولان لي : خذ هذا ،
ودَعْ هذا)) . انتهى .
ورواه الحافظ ابن عبد البر في ((الانتقاء)) ص ٢٧-٢٨ بنحو هذا،
وعلّق عليه شيخنا المحقق الكوثري رحمه الله تعالى بقوله: (( ولفظُ
ابن عساكر بسنده إلى ابن وهب : لولا مالك بن أنس والليثُ بن سعد
لهلكتُ ! كنتُ أظنّ أن كل ما جاء عن النبي ◌ِ ◌ّلْمِ يُفعَلُ به. وفي
رواية : لضَّلِلْتُ . يعني لاختلاف الأحاديث ، كما يقع لكثير من
الرواةِ البعيدين عن الفقه ، غير المميزين ما قارَنَ العمَلُ به عما سواه)).
(٣) هو الفضل بن دُكَيْن، شيخُ البخاري، وقد ملأ ((صحيحه) . بحديثه.

٣١٢
يحيى القطان يقول: لا نَكذبُ الله، ما سمعنا أحسنَ رأياً من رأي أَبي
حنيفة ، وقد أَخذنا باكثر أقواله (١) .
(١) قال الإمام الكشميري في كتابه العظيم ((فيض الباري على صحيح البخاري))
تحت قول البخاري في كتاب العلم في (باب ما كان النبي عد اله
يَتخوّلُهم بالموعظة) ١٦٩:١ (( حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى،
قال حدثنا شعبة ... )) .
قال رحمه الله تعالى: ((يحيى هذا هو يحيى بن سعيد القطان، إمامٌ
الجرح والتعديل ، وأوّلُ من صنَّفَ فيه ، قالَهُ الذهبي .
وكان يفتي بمذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وتلميذُه وكيعُ بن
الجراح تلميذ الثوري ، وهو أيضاً حنفي ، ونقتَلَ ابن معين أن يحيى
القطان سُئل عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى فقال : ما رأينا أحسَنَ
منه رأياً ، وهو ثقةً، ونُقِلَ عن ابن معين : إني لم أسمع أحداً يجرحُ
على أبي حنيفة رحمه الله تعالى .
فعُلِمَ أن الإمام الهُمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى لم يكن مجروحاً إلى
زمن ابن معين رحمه الله تعالى. ثم وقعتْ وقعةُ الإمام أحمد رحمه
الله تعالى - مسألة خلق القرآن - وشاع ما شاع، وصارت جماعةُ
المحدثين فيه فِرَقاً ، وإلا فقَبْلَ تلك الوقعة توجد في السلف جماعة
تُفتي بمذهبه)). انتهى .
قال عبد الفتاح : وقد أشرتُ إلى بعضهم ممن جاء ذكره عرضاً في
ترجمة الإمام أبي حنيفة هذه ، وقد ترجم شيخنا المؤلف لطائفة كبيرة
منهم في كتابه (( إنجاء الوطن)) ٥٩:١-٨٨ .
وقال الإمام الكشميري أيضاً في مقدمة ((فيض الباري)» ص ٥٨ :
(( واعلم أن البخاري مجتهد ولا ريب فيه ، وما اشتهر أنه شافعي
فلموافقته إياه في المسائل المشهورة ، وإلا فموافقته للإمام الأعظم ليس
...

٣١٣
وقال الربيع وحرملة : سمعنا الشافعي يقول : الناسُ عِيال في الفقه
على أبي حنيفة. اهـ. من ((التهذيب)).
أقل مما وافق فيه الشافعي . وكونُه من تلامذة الحُمَيدي لا ينفع ،
لأنه من تلامذة إسحاق بن راهويه أيضاً ، وهو حنفي ، فعَدُّه شافعياً
باعتبار الطبقة ليس بأولى من عدّه حنفياً)). انتهى .
ولقد أحسن صُنعاً أيّما إحسان شيخنا العلامة المحدّث المحقق اللوذعي
الشيخ محمد بدر عالم تلميذ الإمام الكشميري رحمهما الله تعالى، إذ
أشار في ختام كلامه عن عمله الجليل في خدمة (( فيض الباري)) ،
إلى جملة من المسائل والأبواب التي وافق فيها البخاريّ رحمه اللّه تعالى
مذهبَ الحنفية، وإليك نصّ كلمته رحمه الله تعالى في ذلك من
الجزء ٤٥:٤ . قال :
((فهرس الأبواب التي وافق فيها البخاريُّ أئمة الحنفية في الفروع
المختلفة ، إما صراحةً ، أو بناءً عليه ، والنوعُ الثالث ما يتردّدُ فيه
النظر ، وإنما ذكرتُه في عداد الموافقة لكونه محتمَلَ كلامه . ولم
أعطِفْ إلى عَدَ موافقته فيما اتَّفق عليه الأئمة ، واكتفيتُ بذكر
موافقاته من النوع الأول فقط ، فراجع تفصيله من تلك الأبواب .
وأرجو من الله سبحانه أن أكون أنا انتهجتُ هذا المنهج وابتكرتُ
هذا المسلك ، ولا فخر ، وإنما أردتُ به نعياً على تحامل القوم الذين
يزعمون أنْ لا حَظَّ للحنفية في باب الحديث ، تلك أمانيهم، فليعلموا
أن مثل البخاري قد وافق فقةَ الحنفية في كثير من الأبواب ، ولو
ادّعى أحد أن موافقاته ليست بأقل مما خالفه فيه ، لم يكذب إن شاء
اللّه تعالى، فهذه أنموذجة لذلك، ومن شاء فليحسُب ولا يَرهَب)).
؟ ثم ساق طائفة من تلك الأبواب كنموذج لما أشار إليه .

٣١٤
. وذكر الإِمام الإِسفرائيني بسنده إِلى علي بن المديني سمعتُ عبد الرزاق
يقول : قال مَعْمر: ما أعرفُ أَحداً بعد الحسن ( البصري) يتكلم في الفقه
أَحسن منه . وعن أَبي حيَّان التوحيدي قال: الملوك عيالُ عمر إِذا ساسوا،.
والفقهاءُ عِيالُ أبي حنيفة إِذا قاسوا. اهـ. ذكره القاري في ((المناقب))
وذكر السيوطي عن النضر بن شُمَيل يقول: كان الناس نِياماً في الفقه
حتى أيقظهم أَبو حنيفة بما فتَّقه وبيَّنَه . اهـ .
ولا يخفى أَن الفقه لا يتيسر بدون حفظ الأحاديث والآثارِ وأَقوالٍ
الصحابة والتابعين واختلافاتِهم، ومعرفةِ الناسخ والمنسوخ من السنن
وغيرها، فلما أَجمعوا على كون أبي حنيفة أَفقهَ الناس فقد التزموا كونه
حافظاً للأحاديث جامعاً لمقدار عظيم منها .
قال ابن خلدون المؤرخ: ويَدُلُّ على أَنه ( أَي أبا حنيفة) من كبار
المجتهدين في علم الحديث اعتمادُ مذهبه بينهم، والتعويلُ عليه واعتبارُهُ
ردّاً وقبولاً. اهـ .
وقد عدَّه الذهبي في حُفَّاظ الحديث، وذكَّرَه في ((تذكرته)) التي
قال في ديباجتها: هذه تذكرة بأَسماء معدَّلي حَمَلة العلم النبوي ومن
يُرجَع إلى اجتهادهم في التصحيح والتزييف والتوثيق والتضعيف. اهـ .
فَعُلِمَ منه أَن أَبا حنيفة كان حافظاً معدَّلاً حاملاً للعلم النبوي، يُرجَع إلى
اجتهاده في تصحيح الأحاديث وتضعيفها وتوثيقِ الرجال وتزييفها .

٣١٥
وروى الخطيب عن إسرائيل بن يونس أَنه قال : نِعْمَ الرجل
النعمان (١) ، ما كان أَحفظَه لكل حديث فيه فقه، وأَشدَّهُ فحصاً عنه،
وأَعلمَه بما فيه من الفقه. اه (٢). وقال ابن القيم في ((إِعلام الموقعين)):
قال يحيى بن آدم(٣): كان نُعمانُ(١) جمَعَ حديث بلده كله، فنظَرَ إِلى
آخِرٍ ما قُبِضَ عليه النبي مَلَهُ. اهـ(٤).
وقال يحيى بن مَعِين: ما رأيتُ أَحدًا أُقدِّمُه على وكيع، وكان يُفتي
برأي أبي حنيفة، وكان يحفظ حديثَه كلَّه، وكان قد سمع من أبي حنيفة
حديثاً كثيراً . اهـ . وفيه دلالة على كون الإِمام مُكثِراً في الحديث لا
مُقِلاَّ فيه .
وقال سفيان بن عيينة : أَوَّلُ من أُقعدني للحديث ، وفي رواية : أَوَّلُ
من صيَّرَني مُحدِّثاً أَبو حنيفة، قدِمْتُ الكوفة فقال أبو حنيفة: إِن هذا
(١) وهو الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت رضي الله عنه .
(٢) قال شيخنا المؤلف حفظه الله تعالى في ((إنجاء الوطن))١: ١٠ ((قلتُ:
وإسرائيل بن يونس من رجال الجماعة ، ثقة متقن ، فكفى به موثّقاً
للإمام، مع التصريح بكونه أحفَظَ لأحاديث الأحكام )).
(٣) هو من شيوخ شيوخ البخاري وحديثُه في ((صحيحه)). وقد عاصر
أبا حنيفة بالكوفة ، إذ روى عن فِطر بن خليفة الكوفي المتوفى سنة
١٥٣ أو ١٥٥ .
(٤) وقد توطن الكوفة نحو ١٥٠٠ صحابي ، بينهم نحو ٧٠ بدرياً، فضلاً
عن باقي بلاد العراق. انظر ((فقه أهل العراق وحديثهم )) الكوثري
ص ٤٢ .

٣١٦
أَعلم الناس بحديث غَمْرو بن دينار، فاجتَمَعوا عليَّ فحدَّثْتُهم. اه (١
وقال محمد بن سَمَاعَة: إِن الإِمام ذكَر في تصانيفه(٢) نيفاً وسبعين.
أَلفَ حديث، وانتَخَبَ الآثار من أربعين ألف حديث . اهـ .
قلتُ : ويدل على صحة هذا القول ما رَوَى عنه أَصحابُه كمحمد بن
الحسن في كتبه الستة المعروفة بـ((ظاهر الرواية)) وغيرِها المعروفة:
بـ ((النوادر))، وكأبي يوسف في ((أَماليه)) و(( كتاب الخَراج)) له، وكعبد
الله بن المبارك في كتبه، ووكيعٍ وغيرِهم من أَصحابه مسائلَ كثيرةً
لا يُحصَى عَدَدُها ولا يُستقصَى أَمَدُها، فإِذا لخَّصتَ منها ما يوافق
الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة صراحةً ودلالةً، سوى ما استنبطه.
باجتهاده لَتجدَنَّها نحوَ ذُلكَ إِن شاءَ الله تعالى .
فهذه المسائل كلها أَحاديث(٣)، رواها الإِمام بطريق الإفتاء دون
التحديث، فإِنَّ موافقةَ اجتهاده لهذا القدر العظيم من الأحاديث والآثار
من دون اطلاعه عليها : بعيدةٌ جداً .
(١) قال شيخنا المؤلف في ((إنجاء الوطن)) ١١:١ ((قلت: وسفيان بن.
عيينة أحد الأئمة الأعلام ، رئيس المحدثین وشيخ الإسلام ، وهو يقول:
أوّلُ من أقعدني للحديث وصيّرني محدثاً: أبو حنيفة . وفيه دليلٌ.
عظيم على جلالة أبي حنيفة في علم الحديث واعتماد الناس على قوله
في تعديل الرجال ، فلم يكن رضي الله عنه محدّثاً فقط ، بل كان ممن
يجعل الرجالَ محدّثين)).
(٢) أي في مسائله التي أملاها على أصحابه (ش ) .
(٣) (( وإنما لم يقل فيها الإمام أبو حنيفة: قال رسول الله صلالم الشدّة تحرّيه.
وتوقيه. ولذا رواها ... )) قاله شيخنا في ((إنجاء الوطن)) ١٣:١ .