Indexed OCR Text

Pages 221-240

البحث
قال الترمذي : حدثنا أحمد بن نصر النيسابوري وغير واحد قالوا :
نا أبومُسْهِر عن إسماعيل بن عبدالله بن سماعة عن الأوزاعي عن قرة
عن الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال قال رسول الله علوية :
((من حسن إسلام المرء تركه مالايعنيه)) هذا حديث غريب لانعرفه من
حديث أبى سلمة عن أبى هريرة عن النبي عَ لٍ إلا من هذا الوجه .
ثنا قتيبة نامالك بن أنس عن الزهري عن علي بن الحسين قال : قال
رسول الله عَةٍ: ((إن من حسن إسلام المرء تركه مالايعنيه)) هكذا
روى غير واحدٍ من أصحاب الزهري عن الزهري عن علي بن الحسين
عَّ اللّه نحو حديث مالك اهـ وبهذا يتضح أن قول المصنف
عن النبي
(رواه الترمذي وقال: حسن) إماسبق قلم أو أنه اطلع على نسخة
فيها هذا التحسين ، والله أعلم .
1
٩ - وعن المقدام بن معديكرب رضي الله عنه قال : قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم ((ماملأ ابن آدم وِعَاءً شرًّا من بطْن)) أخرجه
الترمذي وحسنه .
المفردات
ماملأ ابن آدم وعاء : أي ماأُتْرَعَ الإِنسان ظَرْفًا من الظروف .
شرا من بطن : أي أشد ضررا عليه من ملء بطنه .
(٢٢١)

البحث
قال الترمذي : حدثنا سويد نا عبدالله بن المبارك نا إسماعيل بن
عياش ثني أبوسلمة الحمصي وحبيب بن صالح عن يحيى بن جابر
الطائي عن مقدام بن معديكرب قال : سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول : ((ماملاً آدَمِيُّ وعاءً شرًّا من بطن ، بحسب ابن
آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لامحالة فَثَلُثُ لطعامه ، وثُلُثُ
الشرابه، وثُلُثْ لِنَفَسِهِ)) حدثنا الحسن بن عرفة نا إسماعيل بن عياش
نحوه وقال المقدام بن معديكرب عن النبي عَ ليه ، ولم يذكر سمعت
النبي صلى الله عليه وسلم . هذا حديث حسن صحيح اهـ .
مايفيده الحديث
١ - أن من أكبر أسباب سلامة الجسم من الأمراض هو عدم
الإفراط فى الطعام والشراب .
٢ - الترغيب فى الاقتصاد في الطعام والشراب.
٣ - شمول تعاليم الإسلام لما يسعد الناس فى أبدانهم وأرواحهم
ودنياهم وأخراهم .
١٠ - وعن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم : ((كل بني آدم خَطٌَّ، وخير الخَطَّائين التَّوَّبُون)) أخرجه
الترمذي وابن ماجه وسنده قوي .
(٢٢٢)

المفردات
كل بني آدم : أي جميع بني آدم يعنى من المكلفين، وقددل الدليل
على استثناء الأنبياء من هذا العموم فهم معصومون .
خطاء : أي يقع منه ما يخالف الصواب بكثرة ، وأفرد خطاء
لمراعاة لفظ كل ، وروى: ((خطاءون)) بالجمع لمراعاة معنى كل .
وخير الخطائين : أي وأفضل الذين يقعون في الخطأ .
التوابون : أي الراجعون إلى الله، المستغفرون لذنوبهم، الذين
لايصرون على خطيئتهم .
البحث
المصنف رحمه الله: (وسنده قوي) فيه نظر فقد وصفه
قول
الترمذي بالغرابة فقال بعد سياقه : هذا حديث غريب لانعرفه إلا من
حديث علي بن مسعدة عن قتادة اهـ كما أن الذهبي اعترض على
الحاكم فى تصحيحه وقال : بل فيه لين اهـ وقد أخرجه ابن ماجه من
طريق علي بن مسعدة أيضا عن قتادة عن أنس قال : قال رسول الله
عَّيٌ ((كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون)) اهـ
على أن الله تبارك وتعالى قدرغَّبَ عباده في التوبة وحضهم عليها،
ونهاهم عن القنوط من رحمته حيث قال : ((قل ياعبادي الذين أسرفوا
على أنفسهم لاتقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه
هو الغفور الرحيم)) وقدصحت الأخبار عن رسول الله عَ لٍ أن الله
(٢٢٣)

يفرح بتوبة العبد فرحا عظيما ، وقدقال الله تبارك وتعالى: ﴿إن الله
يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾
١١ - وعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((الصمت حكمة وقليل فاعله)) أخرجه البيهقي فى
الشُّعَبِ بسند ضعيف وصَحَّح أنه موقوف من قول لقمان عليه السلام
المفردات
الصمت : أي السكوت .
حكمة : أي فقه وإدراك ومعرفة بالحقائق .
وقليل فاعله : أي وقَّ من الناس من يتمكن منه ويتلبس به .
فى الشعب : أي فى كتابه شعب الإِيمان .
لقمان : المراد به هو لقمان الحكيم المذكور فى قوله تعالى: ﴿وإذ قال
لقمان لابنه وهو يعظه﴾ الآيات، وقداختلف فى
نبوته . وقدقيل : هو من السودان ، والله أعلم .
البحث
لقد وضع الله تبارك وتعالى أفضل المناهج للسان حتى يكون نطقه
حكمة وسكوته حكمة حيث يقول : ﴿لاخير فى كثير من نجواهم
إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك
ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما﴾ .
(٢٢٤)

باب الترهيب من مساوئ الأخلاق
ء
١ - عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات كماتأكل
النار الخَطَبَ)) أخرجه أبوداود، ولابن ماجه من حديث أنس نحوه .
المفردات
الترهيب : أي التخويف والتحذير .
من مساوئ الأخلاق : أي من الأخلاق السيئة الرديئة المكروهة
والخلق يطلق على الطبع والسَّجية والمروءة والدين
والصفة التي يتصف بها الإِنسان ويعامل بها غيره .
إياكم والحسد : أي احذروا الحسد واجتنبوه ولا تتخلقوا به ، والحسد
هو تمنى زوال النعمة عن الغير ..
فإن الحسد يأكل الحسنات : أي فإن الحسد لايبقى لصاحبه
حسنة من الحسنات .
كما تأكل النار الحطب : أي كما أن النار تقضي على الحطب إذا
اشتعلت فيه فكذلك الحسد يقضي على حسنات
الحاسد ويذهب بها .
نحوه : أي نحو حديث أبى هريرة عند أبى داود .
(٢٢٥)

البحث
هذا الحديث أخرجه أبوداود من طريق عثمان بن صالح ثنا أبوعامر
عبدالملك بن عمرو ، ثنا سليمان بن بلال عن إبراهيم بن أبى أسيد
عن جده عن أبى هريرة أن النبي عَّ له قال: ((إياكم والحسد فإن
الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب)) أو قال العُشْبَ اهـ
وجد إبراهيم بن أبى أسيد مجهول ، أما حديث أنس عند ابن ماجه
الذى أشار إليه المصنف فقدأخرجه ابن ماجه من طريق عيسى بن أبى
مَّ الّه قال :
عيسى الحناط عن أبى الزناد عن أنس أن رسول الله عدي
(الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، والصدقة تطفيء
الخطيئة كما يطفيء الماء النار ، والصلاة نور المؤمن ، والصيام جنة من
النار)) اهـ وعيسى بن أبى عيسى ضعيف على أنه قدجاء فى القرآن
الكريم وصحيح السنة ذم الحسد ، وأن ضرره كبير وشره مستطير
وضرره على الحاسد أشد من ضرره على المحسود ، فإن الحسد من أبرز
أمارات مرض قلب صاحبه ، وأنه معترض على ماأعطاه الله للمحسود
ولذلك يجب على العاقل أن يحاربه من نفسه إن أحس به فى قلبه
وهو من أخطر الأمراض الاجتماعية .
٢ - وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : ((ليس الشديد بالصُّرَعَةِ ، إنما الشديد الذي يملك نفسه
عند الغضب)) متفق عليه .
(٢٢٦)

المفردات
وعنه : أي وعن أبى هريرة رضي الله عنه .
ليس الشديد بالصُّرَعَةِ : أي ليس الإِنسان القوي هو الذي
يَصْرَعُ الناس ويغلبهم، والصُرَعَةُ بضم الصاد وفتح
الراء الذي يصرع الناس كثيرا ، وأما الصُّرعة
بسكون الراء فهو الذي يصرعه الناس كثيرا .
إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب : أي إنما الإِنسان
القوي هو الذي يتحكم فى نفسه عند دواعى
الغضب فلايثور ولايبطش بل يصبر ويحلم .
البحث
أورد البخاري ومسلم هذا الحديث بهذا اللفظ من طريق مالك عن
ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه وأورده
مسلم من طريق إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد عن عبدالله بن
مسعود بلفظ قال رسول الله عَ لَّهِ: ((فماتَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فيكم ؟))
قال : قلنا : الذي لايصرعه الرجال ، قال : ليس بذلك ، ولكنه
الذي يملك نفسه عند الغضب)) وفى لفظ لمسلم من طريق الزُّبَيْدِيِّ
عن الزهري أخبرني حُميد بن عبدالرحمن أن أباهريرة قال : سمعت
رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ليس الشديد بالصُرَعَةِ))
قالوا : فالشَّدِيدُ أَيُّمَ هو يارسول الله؟ قال: ((الذي يملك نفسه
عند الغضب)) وقدروى البزار بسند حسن من حديث أنس رضي الله عنه
(٢٢٧)

أن النبي عَدُ مر بقوم يصطرعون فقال: ((ماهذا؟)) قالوا : فلان
ما يصارع أحدا إلا صرعه ، قال: ((أفلاأدلكم على من هو أشد منه ؟
رجل كلمه رجل فكظم غيظه فغلبه ، وغلب شيطانه ، وغلب
شيطان صاحبه)) وسيأتي مزيد بحث لهذا عند الكلام على الحديث
الثاني عشر من أحاديث هذا الباب إن شاء الله تعالى .
مايفيده الحديث
١ - أن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو .
٢ - أن من يملك نفسه عند الغضب يحميه الله من شرور كثيرة
مُفسِدَة للدين والدنيا ..
٣ - أن الاندفاع وراء الغضب من مساوئ الأخلاق .
٤ - أن كظم الغيظ من محاسن الأخلاق .
*****
٣ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله
عَ ◌ّهِ: ((الظلم ظُلُمَاتٌ يوم القيامة)) متفق عليه.
المفردات
الظلم : أي تجاوز حد الاعتدال ووضع الأمور فى غير
مواضعها ، والاعتداء سواء كان على نفس أو عرض
أو مال ، وأعظم أنواع الظلم هو الشرك بالله
عزوجل ، على حد قوله تبارك وتعالى : إن الشرك
لظلم عظيم . وإنما يحدث الظلم بسبب ظلمة القلب
(٢٢٨)

ظلمات يوم القيامة : الظلمات جمع ظلمة ، والظَّلْمَةُ ذهاب النور
فيكون الظلم ظلمات على صاحبه لايهتدي يوم
القيامة سبيلا وقيل المراد بالظلمات الشدائد على حد
قوله تعالى: ((قل من ينجيكم من ظلمات البر
والبحر)» أي من شدائدهما على ماذهب إليه بعض
أهل العلم من أهل التفسير والتأويل، وقيل :
الظلمات هنا هي الأنكال والعقوبات التي يلقاها
الظالمون يوم القيامة .
البحث
لقدوصف الله تبارك وتعالى الحال الفظيعة التي يؤول إليها الظالمون
يوم القيامة حيث يقول : ﴿ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون
إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار ، مهطعين مقنعى رءوسهم
لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء O وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب
فيقول الذين ظلموا ربنا أخِّرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع
الرسل أو لم تكونوا أقسمتم من قبل مالكم من زوال O وسكنتم فى
مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم
الأمثال O وقدمكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم
لتزول منه الجبال O فلاتحسبن الله مُخْلِفَ وعده رسله إن الله عزیز
ذوانتقام O) وسيأتي مزيد بحث لهذا فى الكلام على حديث جابر
الذى يلى هذا الحديث إن شاء الله تعالى .
(٢٢٩)

مايفيده الحديث
١ - التحذير الشديد من الظلم بجميع أنواعه .
٢ - أن الظلم ظلمات يوم القيامة.
٤ - وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ بله اتقوا
الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، واتقوا الشُّحَّ فإنه أهلك من
كان قبلكم)) أخرجه مسلم .
المفردات
اتقوا الظلم : أي اجتنبوا التعدي على الحقوق .
فإن الظلم ظلمات يوم القيامة : أى لأن الظلم يجعل الظالم فى
ظلمات يوم القيامة .
واتقوا الشُّحَّ : أي واجتنبوا البخل وشدة الحرص .
فإنه أهلك من كان قبلكم : أي فإن الشح تسبب فى تدمير من
كان قبلكم من الأمم الغابرة .
البحث
لفظ هذا الحديث عند مسلم عن جابر بن عبدالله أن رسول الله
عَ ◌ّه قال: ((اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا
الشُّحَّ فإن الشح أهلك من كان قبلكم ، حَمَلَهُمْ على أن سفكوا
دماءهم ، واستحلوا محارمهم)) وقدوردت آيات كثيرة فى ذم البخل
(٢٣٠)
4

والشح وكان رسول الله عَةٍ يكثر الاستعاذة من الشح، وقد أشار
الله عزوجل إلى عظيم مرتبة من يسلم من الشح حيث يقول: ((ومن
يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)) .
مايفيده الحديث
١ - وجوب الابتعاد عن سائر أنواع الظلم .
٢ - وجوب اجتناب الشح ومحاربته فى النفس .
٣ - الحض على الاستقامة والسخاء .
٤ - أن الشح يؤدى إلى مفاسد كثيرة .
٥ - وعن محمود بن لبيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله
عَ لَّه: ((إن أُخْوَفَ ماأخاف عليكم الشرك الأصغر: الرياء)) أخرجه
أحمد بإسناد حسن .
المفردات
إن أخوف ماأخاف عليكم : أي إن أخوف شيء أخاف أن
تقعوا فيه .
الشرك الأصغر : أي أن تلاحظوا غير الله وتدخلوه مع الله في
عبادتكم .
الرياء : أي إن الشرك الأصغر هو الرياء ، وحقيقة الرياء
أن يعمل الإنسان عملا صالحا ليراه الناس ويثنوا
(٢٣١)

عليه ، فمقصوده الشهرة وإذاعة الصيت أما إذا عمل الإِنسان عملا
صالحا يبتغى به وجه الله وتحدث الناس عنه بلاقصد منه فإن هذا
لايضره وثوابه عند الله .
البحث
تقدم فى ص ١٢ أن الشرك نوعان : شرك أكبر وشرك أصغر فمن وقع فى الشرك
الأكبر خرج من الملة واعتبر مرتدا عن الإسلام وبانت منه زوجته المسلمة ،
ولا توارث بينه وبين قرابته من المسلمين ، وإن مات على شركه هذا
لايصلى عليه ، ولايدفن فى مقابر المسلمين ، وفيه يقول الله عزوجل :
﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين
من أنصار﴾ والشرك الأكبر هو اتخاذ نِدٌّ لله عزوجل فى ألوهيته أو
ربوبيته أو أسمائه الحسنى وصفاته العلى كعبادة الأصنام والأوثان وكالقول
بأن الله ثالث ثلاثة، وسؤال غير الله بمالايقدر عليه إلا الله ،
والسجود لغير الله وخوف السر من سواه والاستغاثة بالموتى ، واعتقاد
حلول الله فى بعض الأشخاص أو اتحاده بهم أو وحدته معهم . وأما
الشرك الأصغر فكالحلف بغير الله وقول القائل: ماشاء الله وشئت
والرياء ويسمى الشرك الخفي فمن وقع فى الشرك الأصغر لا يخرج من
الملة فلاتبين منه زوجته المسلمة ، وإن مات صلى عليه ويدفن فى
مقابر المسلمين ، ولاينتفى التوارث بينه وبين قرابته المسلمين ولا يخلد في
النار لكنه مع ذلك أكبر من الزنا والقتل والسرقة وشرب الخمر ،
ولا يغفره الله تعالى إلا بالتوبة منه كالشرك الأكبر حيث يقول عزوجل:
(٢٣٢)

﴿إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ومن يشرك
بالله فقدافترى إثما عظيما﴾ ويقول : ﴿إن الله لايغفر أن يشرك به
ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقدضل ضلالا بعيدا﴾
هذا وحديث محمود بن لبيد الذي ذكره المصنف هنا قدأخرجه أحمد
رحمه الله فى المسند فقال : ثنا يونس ثنا ليث عن يزيد يعنى ابن
الهاد عن عمرو عن محمود بن لبيد أن رسول الله عَ لٍ قال: ((إن
أخوف ماأخاف عليكم الشرك الأصغر)) قالوا : وما الشرك الأصغر
يارسول الله؟ قال: ((الرياء، يقول الله عزوجل لهم يوم القيامة إذا
جَزَى الناس بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون فى الدنيا فانظروا
هل تجدون عندهم جزاء ؟)) ثم ساق من طريق إبراهيم بن أبى العباس
ثنا عبدالرحمن بن أبى الزناد عن عمرو بن أبي عمرو عن عاصم بن
عمر الظفري عن محمود بن لبيد أن رسول الله عَ طله قال: ((إن
أخوف ماأخاف عليكم)) فذكر معناه ، ثم ساق من طريق إسحاق بن
عيسى ثنا عبدالرحمن بن أبى الزناد عن عمرو بن أبى عمرو عن عاصم
ابن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد قال: قال رسول الله عَّةٍ: إن
أخوف ماأخاف عليكم الشرك الأصغر)» قالوا : يارسول الله وما الشرك
الأصغر ؟ قال: ((الرياء)) إن الله تبارك وتعالى يقول يوم يجازى العباد
بأعمالهم : اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون بأعمالكم فى الدنيا فانظروا
هل تجدون عندهم جزاء ؟)) وقدأخرج المنذري حديث محمود بن لبيد
هذا فى الترغيب والترهيب ثم قال : رواه أحمد بإسناد جيد اهـ
(٢٣٣)

مايفيده الحديث
١ - أن الشرك ينقسم إلى شرك أكبر وشرك أصغر .
٢ - وأن الرياء من الشرك الأصغر .
٣ - وأن شرك الرياء هو أشد مايُخاف على هذه الأمة .
٤ - وأنه يجب الحذر من الوقوع فى الرياء وأن يحاربه الإِنسان
فى نفسه .
٦ - وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدَّثَ كَذَبَ ، وإذا
وَعَدَ أُخْلَفَ، وإذا اؤْتُمِنَ خَانَ)) متفق عليه ، ولهما من حديث
عبدالله بن عمرو ((وإذا خَاصَمَ فَجَرَ)).
المفردات
آية المنافق ثلاث : أي علامة المنافق الدالة على نفاقه ثلاث
خصال ، وحقيقة المنافق هو الذي يظهر الإِسلام
ويبطن الكفر ، مأخوذ من النافقاء وهي إحدى
جِحَرَةِ اليربوع يكتمها ويُظْهِرُ غيرها فإذا أتي من
جهة القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق وخرج
من النافقاء .
إذا حدث كذب : أي إذا أخبر لم يصدق فى خبره .
(٢٣٤)

وإذا وعد أخلف : أي وإذا صدر منه وعد لأحد لا ينجزه
ولایفی بوعده .
وإذا اؤتمن خان : أي وإذا استودعه أحد أمانة من مال أو عهد
أو غير ذلك ليحفظها له ضيعها ولم ينصح فيها .
ولهما : أي وللبخاري ومسلم .
وإذا خاصم فجر : أي وإذا صار بينه وبين أحد خصومة ومنازعة
ومجادلة فَسَقَ وَكَذَبَ وَكَذَّبَ وعصى وخالف وانبعث
فى الباطل ومال عن الحق .
البحث
حديث عبد الله بن عمرو عند الشيخين بلفظ: ((أربع من كُنَّ
فيه كان منافقا خالصا ، ومن كانت فيه خَصْلَةٌ منهن كانت فيه
خصلةٌ من النفاق حتى يدعها ، إذا اؤتمن خان ، وإذا حدَّثَ كَذَبَ ، وإذا
عَاهَدَ غَدَرَ ، وإذا خاصم فجر)) ولامعارضة بين حديث أبى هريرة
وحديث عبدالله بن عمرو لأن الإخبار بثلاث علامات لاينفى صحة
الإخبار بأربع علامات لأن كل علامة أمارة مستقلة فمن وجدت فيه
خصلة واحدة كانت فيه علامة واحدة ومن وجدت فيه خصلتان
كانت فيه علامتان وهكذا ، قال النووي : وقد أجمع العلماء على أن
من كان مصدقا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لايحكم عليه بكفر
ولاهو منافق يخلد في النار اهـ .
(٢٣٥)

مايفيده الحديث
١ - الترهيب من الكذب .
٢ - الترهيب من إخلاف الوعد .
٣ - الترهيب من خيانة الأمانة .
٤ - الترهيب من الفجور فى الخصومة .
٥ - أن هذه الخصال من الكبائر .
٦ - أن هذه الخصال الأربع من خصال المنافقين .
٧ - يخشى على من تَخَلَّقَ بهذه الصفات أن يطبع على قلبه وأن
يموت منافقا .
٨ - يجب على المسلم أن يتنزه عن صفات المنافقين .
*****
٧ - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله
عَ ◌ّه: ((سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وقِتَالُهُ كَفْرٌ)) متفق عليه.
المفردات
سباب المسلم : أي شَتم المسلم المستور الحال ولعنه ، والطعن في
عرضه من غير وجه شرعي .
فسوق : أي خروج عن طاعة الله .
وقتاله : أي واستحلال قتله بغير حق ، أو حمل السلاح عليه
ومقاتلته .
كفر : أى مروق من الدين أو جحود لحق الإخوة في الإِسلام .
(٢٣٦)

البحث
المقصود من هذا الحديث هو حماية عِرْض المسلم وظهره وصيانته
من الاعتداء عليه ، وقديطلق لفظ الكفر ويراد به جحود النعمة
فقدروى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال :
قال النبي عَّ ◌ُله: ((أريتُ النار فإذا أكثر أهلها النساء، يَكْفُرْنَ)) قيل:
أيكفرن بالله ؟ قال: ((يكفرن العشير ويكفرن الإحسان ، لوأحسنت
إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت : مارأيت منك خيرا
قط)) وقد أطلق الله تبارك وتعالى على الطائفتين المتقاتلتين من المسلمين
اسم المؤمنين فقال : ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا
بينهما﴾ ثم قال: ﴿فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن
الله يحب المقسطين O إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا
الله لعلكم ترحمون﴾ وسيأتي مزيد بحث لهذا عند الكلام على الحديث
العشرين من أحاديث هذا الباب إن شاء الله تعالى .
مايفيده الحديث
١ - التحذير الشديد من سب المسلم .
٢ - التحذير الشديد من قتال المسلم .
٣ - أن سب المسلم كبيرة من الكبائر .
٤ - وأن استحلال قتل المسلم خروج من الملة .
٥ - وأن مقاتلة المسلم جحود لحق الإخوة فى الإِسلام.
(٢٣٧)

٨ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث)) متفق عليه
المفردات
إياكم والظن: أي احذروا الظن، والمراد ظن السوء بالمسلم من غير
برهان، واتهامه بلابينة، وأصل الظن هو التردد
الراجح بين طرفي الاعتقاد الغير الجازم ، والظُّنة
بكسر الظاء هي التهمة ، والظّنين المتهم .
فإن الظن أكذب الحديث : قال الحافظ في الفتح : وأما وصف
الظن بكونه أكذب الحديث مع أن تعمد الكذب
الذي لايستند إلى ظن أصلا أشد من الأمر الذي
يستند إلى الظن فللإشارة إلى أن الظن المنهى عنه
هو الذي لايستند إلى شيء يجوز الاعتماد عليه ،
فيعتمد عليه ويجعل أصلا ويجزم به فيكون الجازم به
كاذبا ، وإنما صار أشد من الكاذب لأن الكذب فى
أصله مستقبح مستغنى عن ذمه بخلاف هذا فإن
صاحبه - بزعمه - مستند إلى شيء ، فوصف
بكونه أشد الكذب مبالغة فى ذمه والتنفير منه ،
وإشارة إلى أن الاغترار به أكثر من الكذب المحض
لخفائه غالبا ووضوح الكذب المحض اهـ وسمي الظن
(٢٣٨)

حديثا لكونه حديث نفس يثمر غالبا قولا وفعلا غير مطابق للواقع .
البحث
هذا طرف من حديث أخرجه البخاري من طريق همام بن منبه
عن أبى هريرة عن النبي عَ لٍ قال: ((إياكم والظن فإن الظن أكذب
الحديث ، ولا تحسسوا ، ولاتجسسوا ، ولا تحاسدوا ولا تدابروا ، ولا تباغضوا
وكونوا عباد الله إخوانا)) وأورده من طريق مالك عن أبى الزناد عن
الأعرج عن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله عَ لّه قال: ((إياكم
والظن فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تحسسوا ولاتجسسوا ولا تناجشوا ،
ولا تحاسدوا ، ولاتباغضوا ولاتدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا)) وأورده
مسلم من طريق مالك عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة أن
رسول الله عَبّ قال: ((إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث،
ولا تحسسوا ، ولا تجسسوا ، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ،
ولاتدابروا ، وكونوا عباد الله إخوانا)) قال الحافظ فى الفتح: (قوله:
إياكم والظن) قال الخطابي وغيره : ليس المراد ترك العمل بالظن الذى
تناط به الأحكام غالبا ، بل المراد ترك تحقيق الظن الذي يضر
بالمظنون به . وكذا مايقع فى القلب بغير دليل ، وذلك أن أوائل
الظنون إنما هي خواطر لا يمكن دفعها ومالايقدر عليه لايكلف به ،
ويؤيده حديث : تجاوز الله للأمة عما حدثت به أنفسها)) وقدتقدم
شرحه . وقال القرطبي : المراد بالظن هنا التهمة التي لاسبب لها كمن
يتهم " رجلا بالفاحشة من غير أن يظهر عليه ما يقتضيها، ولذلك
(٢٣٩)

عطف عليه قوله : ((ولا تجسسوا)) وذلك أن الشخص يقع له خاطر
التهمة فيريد أن يتحقق فيتجسس ويبحث ويستمع فنهي عن ذلك.
وهذا حديث يوافق قوله تعالى : ﴿اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض
الظن إثم ، ولا تجسسوا ولايغتب بعضكم بعضا﴾ فدل سياق الآية على
الأمر بصون عرض المسلم غاية الصيانة لتقدم النهي عن الخوض فيه
بالظن ، فإن قال الظانّ: أبحث لأتحقق ، قيل له : ((ولا تجسسوا))
فإن قال : تحققت من غير تجسس ، قيل له : ((ولايغتب بعضكم
بعضا)) اهـ ، هذا أمامن يُعَرِّضُ نفسه للتهم بأن يفعل أفعالا
مشبوهة كأن يدخل على امرأة مغيبة ليست من محارمه ونحو ذلك فهو
حري بأن يتهم ، كماأن الحذر من إنسان لايعد اتهاما له ، والله أعلم .
مایفیده الحدیث
١ - يجب الابتعاد عن ظن السوء بالمسلم المستور الحال .
٢ - لا يجوز للمسلم أن يتهم مسلما بلا برهان .
٣ - لاينبغي للمسلم أن يفعل ما يُعَرِّضُه للتهمة وسوء الظن .
*****
٩ - وعن معقل بن يسار رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله
عَ لّه يقول: ((مامن عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش
لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة)) متفق عليه .
المفردات
مَامِنْ عَبْدٍ : أي مامن إنسان .
(٢٤٠)