Indexed OCR Text
Pages 41-60
قالوا : نذر أن يمشي . قال : ((إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغنى)) أمره أن يركب ، وفي لفظ مسلم : وأمره أن يركب ، وفي لفظ لمسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عَ ةٍ أدرك شيخا يمشي بين ابنيه يتوكاً عليهما فقال النبي عَ لّه: ((ماشأن هذا؟)) قال ابناه: يارسول الله كان عليه نذر. فقال النبي عَ ةٍ: ((اركب أيها الشيخ فإن الله غنى عنك وعن نذرك)). مايفيده الحديث ١ - أن من نذر نذرا لايطيقه فإن كفارته كفارة يمين . ٢ - أن من نذرت أن تكشف حجاب نفسها عند الأجانب فإن عليها أن تحتجب وتكفر كفارة يمين . ٣ - أن الشريعة الإسلامية مبنية على التيسير . ١٣ - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: استفتى سعد بن عبادة رسولَ الله عَّ ◌ُله في نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه، فقال: ((اقْضِهِ عنها)) متفق عليه . المفردات استفتى : أي طلب الفتيا ورغب في معرفة الحكم الشرعي . سعد بن عبادة : هو سيد الخزرج سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن خزام بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف (٤١) ابن الخزرج الأنصاري أبوثابت ويقال أبوقيس رضي رضي الله عنه، وأمه عمرة بنت مسعود كانت لها صحبة وماتت في زمن رسول الله عَ ل وكان سعد ابن عبادة قدتعلم في الجاهلية الكتابة والعوم والرمي وكان من عادة سعد التي ورثها عن أبائه أنه ينادي على أطمهم : من أحب الشحم واللحم فليأت أطم دليم بن حارثة ، وكانت جفنة سعد تدور مع رسول الله عَ ◌ّله في بيوت أزواجه رضي الله عنهن. وكان سعد يحمل راية الأنصار في المواطن مع رسول الله عَ لِ وقدخرج إلى الشام بعد رسول الله عَ لَّه ومات بحوران سنة ١٤ أو ١٥ أو ١٦ رضي الله عنه. توفيت قبل أن تقضيه : أي ماتت أم سعد بن عبادة رضي الله عنه قبل أن تؤدي النذر الذي التزمت به . اقضه عنها : أى أَدِّهِ عنها . البحث أخرج البخاري هذا الحديث في (باب من مات وعليه نذر) من طريق شعيب عن الزهري عن عبيدالله بن عبدالله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن سعد بن عبادة الأنصاري استفتى النبي عَ ◌ّةٍ في نذر كان على أمه فتوفيت قبل أن تقضيه ، فأفتاه أن يقضيه عنها)) فكانت سُنَّة بَعْدُ اهـ قال الحافظ في الفتح في قوله : (فكانت سنة بعد) (٤٢) أ أي صار قضاء الوارث ماعلى المورث طريقة شرعية أعم من أن يكون وجوبا أو ندبا ولم أر هذه الزيادة في غير رواية شعيب عن الزهري فقدأخرج الحديث الشيخان من رواية مالك والليث وأخرجه مسلم أيضا من رواية ابن عيينة ، ويونس ومعمر وبكر بن وائل والنسائي من رواية الأوزاعي والإسماعيلي من رواية موسى بن عقبة وابن أبي عتيق وصالح بن كيسان كلهم عن الزهري بدونها ، وأظنها من كلام الزهري ويحتمل من شيخه اهـ وقدروى البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: أتى رجل النبي عَ لّه فقال له: إن أختي نذرت أن تحج وأنها ماتت، فقال النّبيّ عَ ◌ّه: (لوكان عليها دين أكنت قاضيه؟)) قال: نعم قال: فاقضِ الله فهو أحق بالقضاء)). مايفيده الحديث ١ -أن من مات وعليه نذر قضاه عنه وليه . ٢ - ينبغي للإنسان أن يعجل بالوفاء بماعليه من دين أو نذر . ١٤ - وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال : نذر رجل على عهد رسول الله عَّله أن ينحر إِبِلًا بِبُوَنَة، فَأَتَى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فسأله، فقال: ((هل كان فيها وَثَنٌ يُعْبَدُ ؟)) قال: لا . قال: ((فهل كان فيها عِيد من أعيادهم؟)) فقال : لا. فقال : ((أُوْفِ بنذرك ، فإنه لاوفاء لنذر في معصية الله، ولا في قطيعة رحم ، ولافيما لا يملك ابن آدم)) رواه أبوداود والطبراني واللفظ له ، وهو صحيح الإسناد وله شاهد من حديث كَرْدَمٍ عند أحمد . (٤٣) ٠ المفردات على عهد رسول الله عَ ليه: أي في زمن رسول الله عَ ليه. بُوانَة : هي بضم الباء وفتح الواو المخففة الممدودة بعدها نون قال أبوعبيد : هي موضع بين الشام وديار بكر ، وقال البغوي : أسفل مكة دون يلملم ، وقال المنذري : هضبة من وراء ينبع . فسأله : أي فاستفتاه في حكم الوفاء بنذره هذا . هل كان فيها وثن يعبد : أي هل كان ببوانة صنم من أصنام أهل الجاهلية يعبده الجاهلون ؟ . قال : لا : أي لم يكن فيها معبد لوثن من أوثان الجاهلين . فهل كان فيها عيد من أعيادهم : أي فهل كان بُيُوانة يوم يجتمع فيه أهل الجاهلية يرونه عيدا من أعيادهم ويحتفلون فيه، والعيد اسم لمايعود من الاجتماع العام على وجه معتاد عائد إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو بعود الشهر أو نحو ذلك . وله : أي ولحديث ثابت بن الضحاك . كَرْدَم : هو كَرْدَم بن سفيان الثقفي رضي الله عنه روی عن رسول الله عَلٍ وروت عنه ابنته ميمونة بنت كردم وهي من صغار الصحابة رضي الله عنهم وعبدالله ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما . (٤٤) البحث حديث أبي داود أخرجه من طريقّ داودبن رشيد ثنا شعيب بن إسحاق عن الأوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثير حدثني أبوقلابة حدثني ثابت ابن الضحاك قال: نذر رجل على عهد رسول الله عٍَّ أن ينحر إبلا ببوانة فأتى النبي عَ لّه فقال: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟)) قالوا: لا . قال: ((هل كان فيها عيد من أعيادهم؟)) قالوا: لا. قال رسول الله عَ لمه أوف بنذرك فإنه لاوفاء لنذر في معصية الله ولافيما لا يملك ابن آدم)) وقدصحح المصنف إسناد هذا الحديث هنا وصححه أيضا في تلخيص الحبير حيث قال : حديث أن رجلا نذر أن ينحر إبلا في موضع سماه فقال له رسول الله عَبي: ((هل فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد ؟)) قال: لا . قال: ((أوف بنذرك)) أبوداود من حديث ثابت بن الضحاك بسند صحيح اهـ وقال ابن تيمية رحمه الله في اقتضاء الصراط المستقيم : أصل هذا الحديث في الصحيحين ، وهذا الإِسناد على شرط الصحيحين وإسناده كلهم ثقات مشاهير اهـ أما شاهده المشار إليه عند أحمد من حديث كردم فقدقال أحمد في مسنده : حدثنا عبدالصمد حدثنا أبوالحُوَيْرِثِ حفص من ولد عثمان بن أبي العاص حدثني عبدالله بن عبدالرحمن ابن يعلى بن كعب عن ميمونة بنت كَرْدَم عن أبيها کَرْدَم بن سفيان الثقفي أنه سأل رسول الله عَّ عن نذر نذره في الجاهلية . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((أَلوَتَنِ أو لِنُصُبِ؟)) قال: لا. (٤٥) ولكن للّه قال: ((فَأَوْفِ اللّه بما جعلت له، انحر على بوانة به ، وأوف بنذرك)) اهـ وأبوالحويرث حفص قال الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة : قلت : عداده في أهل البصرة وهو مما فات الحاكم أباأحمد ذكره اهـ وقال الهيثمي في مجمع الزوائد : رواه أحمد وفيه من لايعرف اهـ أقول : ومادام حديث ثابت بن الضحاك ثابتا فلاحاجة إلى هذا الشاهد الضعيف . مایفیده الحدیث ١ - وجوب سد الذرائع المؤدية إلى الشرك بالله . ٢ - لا يجوز إحياء سنن أهل الجاهلية. - لا يجوز للمسلمين مشاركة المشركين في أعيادهم ٣ ٤ - من نذر نذرا في مكان يعظم فيه غير الله لايجوز الوفاء به - لا يجوز النذر لغير الله. ٦ - النذر لغير الله شرك ١٥ - وعن جابر رضي الله عنه أن رجلا قال يوم الفتح : يارسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس؟ فقال: ((صل ههنا)) فسأله، فقال: ((صل ههنا)) فسأله، فقال: فَشَأْنَكَ إذَنْ)) رواه أحمد وأبوداود وصححه الحاكم (٤٦) المفردات يوم الفتح : أي يوم فتح مكة . إن فتح الله عليك مكة: أي إن مَكَنَّكَ الله عزوجل من أهل مكة ودخلتها فاتحا . في بيت المقدس : أي في المسجد الأقصى . صل ههنا : أي صل في المسجد الحرام فإنه يكفيك في الوفاء بنذرك ولا يلزمك الذهاب إلى بيت المقدس . فسأله : أي فأعاد عليه السؤال والاستفتاء مرة أخرى . صل ههنا : أي صل في المسجد الحرام فإنه يكفيك في الوفاء بنذرك ولايلزمك الذهاب إلى بيت المقدس . فسأله: أي فكرر الرجل السؤال واستفتاء رسول الله عَبٍ مرة ثالثة . فشأنك إذن : أي أنت بالخيار إن شئت صل هنا في المسجد الحرام وإن شئت فاذهب إلى المسجد الأقصى وصل فيه مانذرت . البحث أورد أبوداود هذا الحديث في (باب من نذر أن يصلي في بيت المقدس) فقال : حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا حماد أخبرنا حبيب المعلم عن عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبدالله أن رجلا قام يوم الفتح فقال : يارسول الله إني نذرت لله إن فتح الله عليك مكة (٤٧) أن أصلي في بيت المقدس ركعتين ؟ قال : صل ههنا)) ثم أعاد عليه ، قال: ((صل ههنا)) ثم أعاد عليه، فقال: ((شَأْنَكَ إذن)) قال ابن حجر في تلخيص الحبير : وصححه أيضا ابن دقيق العيد في الاقتراح اهـ مایفیده الحديث ١ - أن من نذر أي يصلي في المسجد الأقصى يكفيه في الوفاء بنذره أن يصلي في المسجد الحرام . ٢ - أن من نذر أن يصلي في بقعة معينة يجوز له أن يصلي في غيرها من الأماكن المباحة ويكون بذلك قدأوفى بنذره . ١٦ - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي عَوبيٍ قال: ((لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام ومسجد الأقصى ومسجدي هذا)) متفق عليه واللفظ للبخاري . البحث تقدم هذا الحديث برقم ١١ من أحاديث باب الاعتكاف وقيام رمضان وسبق شرحه هناك ، والمقصود من إيراده هنا هو بيان جواز نذر صلاة في هذه المساجد لأنها تشد الرحال إليها بخلاف مالونذر أن يصلي بمسجد غير هذه المساجد الثلاثة ولايتأتي له الوفاء بنذره إلا بشد الرحال ، فإنه لايلزمه الوفاء بهذا النذر بل يصلي في أي مكان آخر لايحتاج إلى شد الرحال . (٤٨) مايفيده الحديث ١ - يجوز للإنسان أن ينذر الصلاة في أحد هذه المساجد الثلاثة المفضلة . ٢ - أن من نذر صلاة في موضع غير هذه المساجد الثلاثة ولايتأتى له ذلك إلا بشد الرحال لايلزمه الوفاء بذلك ولايحل له شد الرحال له . ١٧ - وعن عمر رضي الله عنه قال : قلت : يارسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام ؟ قال: ((فأوف بنذرك)) متفق عليه، وزاد البخاري في رواية ((فاعتكف ليلة)). المفردات في الجاهلية : أي قبل إسلام عمر رضي الله عنه فالمراد بالجاهلية هنا جاهلية عمر رضي الله عنه وهي حاله قبل إسلامه والأصل إطلاق الجاهلية على ماقبل بعثة صِّالله رسول الله عَب . أعتكف : أي أحتبس . ليلة : أي من غروب الشمس إلى طلوع الفجر . فأوف بنذرك : أي أُدِّ مانذرته واقضه . في رواية : أي في رواية أوردها البخاري في الاعتكاف من طريق (٤٩) سليمان عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر رضي الله عنه . فَاعتكف ليلة : أي فمكث عمر رضي الله عنه في المسجد الحرام ليلة . البحث أورد البخاري حديث عمر رضي الله عنه في كتاب الخُمس من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : يارسول الله إنه كان علىَّ اعتكاف يوم في الجاهلية ، فأمره أن يَفِىَ به، الحديث . وأورده في غزوة حنين من طريق معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : لما قفلنا من حنين سأل عمر النبي عَّ ◌ُلِّ عن نذر كان نَذَرَهُ في الجاهلية اعتكاف فأمره النبي عَ ◌ّه، وقال بعضهم : حماد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ورواه جرير بن حازم وحماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي عَ له وأورد لفظ حديث الباب في باب إذا نذر أو حلف أن لايكلم أنسانا في الجاهلية ثم أسلم ، وأورد في الاعتكاف من طريق سليمان عن عبيدالله بن عمر عن نافع عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : يارسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال له النبي عَّ له ((أَوْفٍ بنذرك)) فاعتكف ليلة ثم ساقه في الاعتكاف أيضا من طريق أبي أسامة عن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر (٥٠) أن عمر رضي الله عنه نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام قال: أُرَاه قال ليلة قال له رسول الله عَ له: (أوف بنذرك)) أما مسلم رحمه الله فقدأخرجه من طريق يحيى (وهو ابن سعيد القطان) عن عبيدالله قال: أخبرني نافع عن ابن عمر أن عمر قال : يارسول الله الح الحديث بلفظ حديث الباب . ثم ساق من طريق جرير بن حازم أن أيوب حدثه أن نافعا حدثه أن عبدالله بن عمر حدثه أن عمر بن الخطاب سأل رسول الله عَ لّه وهو بالجعرانة بعد أن رجع من الطائف فقال : يارسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوما في المسجد الحرام فكيف ترى ؟ قال: ((اذهب فَاعْتَكِفْ يوما)) الحديث . ثم ساقه من طريق معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: لما قفل النبي عَ لمِ من حنين سَأَلَ عمرُ رسول الله عَبٍ عن نذر كان نذره في الجاهلية اعتكاف يوم ثم ذكر بمعنى حديث جرير بن حازم اهـ . مايفيده الحديث ١ - أن من نذر نذرا خالصا من الشرك قبل أن يسلم ثم أسلم ينبغي له الوفاء بنذره . ٢ - مشروعية نذر الاعتكاف . (٥١) كتاب القَضَاء ١ - عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ لّه: ((الْقُضَاةُ ثلاثة اثنان فى النار وواحد في الجنة : رجل عرف الحقَّ فقضى به فهو في الجنة ، ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فَقَضَى للناس على جَهْلٍ فهو في النار)) رواه الأربعة وصححه الحاكم. المفردات القَضَاء : هو الحُكْم بين الناس والفصل في خصوماتهم ومنازعاتهم وأصل القضاء القطع والفصل ، يقال : قضى يقضي قضاء إذا حكم وفصل ، قال في لسان العرب : قال أبوبكر : قال أهل الحجاز : القاضي معناه القاطع للأمور المحكم لها اهـ ويطلق على إحكام الشيء والفراغ منه . بريدة : هو ابن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه . القضاة : جمع قاض وهو الذى يحكم بين الناس في دَعْوَاهم . ثلاثة : أي على ثلاثة أضرب وهم القاضي الجائر والقاضي الجاهل والقاضي العالم العادل . اثنان في النار : وهما القاضي الجائر والقاضي الجاهل . (٥٢) وواحد في الجنة : وهو القاضي العالم العادل . رجل عرف الحق فقضى به : أي قاض عَلِمَ الحُكْمِ الشَّرْعِيَّ في الدعوى المعروضة عليه فقضى بماعرف من الحق وَعَدَلَ في حكمه . ورجل عرف الحق فلم يقض به وجار : أي قاض علم الحكم الشرعي في الدعوى المعروضة عليه لكنه لم يحكم بمقتضى ماعرف من الحق بل مال في حكمه وقضى بغير الحق مع علمه به . ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل : أي وقاض جاهل لايعرف أحكام الشريعة . ومع ذلك انتصب للقضاء بين الناس مع عدم معرفته بقواعد الأحكام فهو يقضي علي غير بصيرة . البحث ذكر المصنف هنا أن هذا الحديث رواه الأربعة ، وقال بعد سياقه في تلخيص الحبير : أصحاب السنن والحاكم والبيهقي من حديث بريدة قال الحاكم في علوم الحديث : تفرد به الخراسانيون ورواته مراوزة ، قلت : له طرق غير هذه قدجمعتها في جزء مفرد اهـ وقال في الدراية في تخريج أحاديث الهداية : حديث بريدة : القضاة ثلاثة : اثنان في النار وواحد في الجنة ، الحديث أخرجه أبوداود وصححه الحاكم. هذا وقدخلت بعض نسخ الترمذي المطبوعة من هذا الحديث منها طبعة ديونيد (٥٣) مع أن الحافظ المزي عزاه في تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف للترمذي وحده عند ذكره سعد بن عبيدة السلمي عن عبدالله بن بريدة عن أبيه بريدة حيث قال: ت في الأحكام عن محمد بن إسماعيل عن الحسن بن بشر عن شريك عن الأعمش عنه به . ثم ذكر المزى بعد ذلك في ترجمة أبي هاشم الرُّمَّاني عن عبدالله بن بريدة عن أبيه بريدة ورمز له بأبي داود والنسائي وابن ماجه فقال : «في القضاء عن محمد ابن حسان السَّمّتي - س فيه (آداب القضاة لعله في الكبرى) عن إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني عن سعيد بن سليمان - ق في الأحكام عن إسماعيل بن توبة - ثلاثتهم عن خلف بن خليفة عنه به اهـ ولم يعلق الحافظ ابن حجر في النكت الظراف على الأطراف بشىء حول هذا الحديث . والحديث ليس في مجتبى النسائي ، وهو في أبي داود وابن ماجه على الوصف الذي ذكره الحافظ المزي رحمه الله . مایفیده الحدیث ١ - لا يجوز أن يُؤَلَّى القضاء إلا من عرف بالعلم . ٢ - لا يحل للجاهل أن ينتصب للقضاء . ٣ - الوعيد الشديد لمن قضى بغير علم وحكم بين الناس على جهل . ٤ - أن القضاء بغير علم من الكبائر . ٥ - الوعيد الشديد لمن عرف الحق وعدل عنه في الحكم . ٦ - أن الجور في القضاء من الكبائر . (٥٤) ٧ . - لفت الانتباه إلى خطورة منصب القضاء . ٨ . - بشارة القاضي العادل بالجنة . ٩ . - حض الإِسلام على توفير العدالة للأفراد والمجتمعات . ١٠ - وجوب صيانة الحقوق . ١١ - سمو الشريعة الإسلامية وشمولها لشئون المعاش والمعاد . ١٢ - الإِسلام دين العلم والمعرفة. ٢ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ وَلِىَ القضاء فقدذُبِحَ بغير سكّين)) رواه أحمد والأربعة وصححه ابن خزيمة وابن حبان . المفردات ولى القضاء : أي جُعِلَ قاضيا وانتصب للحكم بين الناس. فقدذُبحَ بغير سكين : أي فقد أرهق جسمه ونفسه كأنه عرَّض نفسه للموت البطيء لأنه بين عذاب الدنيا إن رشد ، وبين عذاب الآخرة إن فسد . البحث قال في تلخيص الحبير: حديث (( من جعل قاضيا بين الناس فقدذُبح بغير سكين)) أصحاب السنن والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة ، وله طرق ، وأعله ابن الجوزي فقال : هذا حديث لايصح ، وليس كما قال ، وكفاه قوة تخريج النسائي له ، وذكر الدارقطني الخلاف فيه على سعيد المقبري ، قال : والمحفوظ عن سعيد المقبري (٥٥) عن أبي هريرة اهـ وقال في الدراية : حديث من جُعِلَ على القضاء فكأنما ذبح بغير سكين ، الأربعة وأحمد وابن أبي شيبة والبزار من حديث أبي هريرة بلفظ : من جعل قاضيا فقدذَبح بغير سكين ، وصححه الحاكم والدارقطني ، وأخرجه ابن عدي من حديث ابن عباس بلفظ : من استقضى فقدذبح بغير سكين . وإسناده ضعيف اهـ **** ٣ - وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله عَ ةٍ: ((إنكم ستحرصون على الإِمارة ، وستكون ندامة يوم القيامة ، فنعم المُرْضِعَةُ وبئست الفاطمة)) رواه البخاري . المفردات وعنه : أي وعن أبي هريرة رضي الله عنه . ستحرصون على الإمارة : أي ستبذلون جهدكم في الحصول على الولاية وأن تكونوا حكاما للناس . وستكون ندامة يوم القيامة : أي وَسَتُسَبِّبُ لصاحبها الحسرة والحزن يوم القيامة يعني إن لم يعمل فيها بما ينبغي، ولاشك أن من طلبها وحصل عليها وكل إليها فلايكون مُعَانا ولا مُسَدَّدا ولامُؤْيَّدا ، ومن جاءته من غير طلب أعين عليها فيوفق في العمل فيها بماينبغي وَيُؤَيَّدُ ويُسَدَّدُ . فنعم المرضعة : أي فمَبَاديها تسرُّ وتدخل البهجة على نفس صاحبها بما تدره عليه من حصول الجاه والمال ونفاذ الكلمة وتحصيل اللذات الحسية والوهمية . (٥٦) وبئست الفاطمة : أي وعاقبتها الحسرة والندامة عند الانفصال عنها بموت أو غيره ومايترتب عليها من التبعات في الآخرة قال الحافظ في الفتح : تنبيه : ألحقت التاء في بئست دون نعم والحكم فيهما إذا كان فاعلهما مؤنثا جواز الإلحاق وتركه فوقع التفنن في هذا الحديث بحسب ذلك اهـ . البحث أورد البخاري هذا الحديث في (باب مايكره من الحرص على الإمارة) من طريق ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة باللفظ الذي ساقه المصنف ثم ساقه من طريق عبدالحميد وهو ابن جعفر عن سعيد المقبري عن عمر بن الحكم عن أبي هريرة موقوفا على أبي هريرة من قوله ، قال الحافظ في الفتح : وابن أبي ذئب أتقن من عبدالحميد وأعرف بحديث المقبري منه ، فروايته هي المعتمدة ، وعقبه البخاري بطريق عبدالحميد إشارة منه إلى إمكان تصحيح القولين فلعله كان عند سعيد عن عمر بن الحكم عن أبي هريرة موقوفا على مارواه عنه عبدالحميد وكان عنده عن أبي هريرة بغير واسطة مرفوعا ، إذ وجدت عند كل من الراويين عن سعيد زيادة ، ورواية الوقف لاتعارض رواية الرفع لأن الراوي قدينشط فيسند ، وقدلاينشط فيقف اهـ وقد جاء في حديث أبي ذر عند مسلم قال قلت : يارسول الله ألا تستعملني ؟ قال إنك ضعيف وإنها أمانة ، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها . هذا وقدروى (٥٧) البخاري ومسلم من حديث عبدالرحمن بن سمرة رضي الله عنه أن رسول الله عَ لٍ قال: يا عبدالرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أُعْطِيتَهَا عن مسألة وُكِلْتَ إليها ، وإن أُعْطِيتَهَا عن غير مسألة أُعِنْتَ عليها)) وهذا غاية التحذير من الحرص على طلب الولاية على الناس ، لأنه من طلبها لن يعينه الله ولن يسدده ولن يؤيده ، ومن عُيِّنَ فيها من غير إلحاح منه ولاحرص فإن الله عزوجل يعينه ويؤيده ويرشده ويسدده ويوفقه للعمل الصالح فيها ، ومن وكله الله إلى نفسه دمَّرها وجعل تدميره في تدبيره على حد قول الشاعر : إذا كان عَوْنُ الله للعبد مُسْعِفًا تَأَتَّى له من كل شيء مُرَادُهُ وإن لم يكن عَوْنٌ من الله للفتى فأول مايقضى عليه اجتِهَادُهُ ولذلك أُثِرَ أن رسول الله عَّ له كان يقول : ياحي ياقيوم يا بديع السموات والأرض ياذا الجلال والإكرام برحمتك أستغيث فأصلح لي شأني كله ، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ، إنك إن وكلتني إلى نفسي أو إلى أحد من خلقك وكلتني إلى عَجْز وضعف وفاقة ، هذا ولامعارضة بين هذا الحديث وبين ماذكره الله عزوجل في حق يوسف عليه السلام حيث قال : ﴿اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) وقوله تعالى عن سليمان ﴿هب لي ملكا﴾ فإنهما معصومان من الخطأ لايريدان إلا خير الناس ونفع العباد وهداية الأمة وإعلاء كلمة الله، ولقد كان رسول الله عَّ ◌ُّه لايولي هذا الأمر (٥٨) من سأله ولامن حرص عليه كما جاء في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عند البخاري ومسلم . مايفيده الحديث ١ - كراهية الحرص على طلب الولاية. ٢ - عظم مسئولية الولاة. ٣ - قديفرح الإِنسان في دنياه بمايضره في أخراه . ٤ - وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سمع رسول الله عَ لّه يقول: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)) متفق عليه . المفردات إذا حكم الحاكم : أي إذا أراد القاضي أن يفصل في القضية المعروضة عليه . فاجتهد : أي فَاسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ وَبَذَلَ جُهْدَهُ في طلب الحق ومعرفة الوجه الشرعي في المسألة وكان من أهل العلم العارفين بقواعد الحكم وأصول الفقه القادرين على الاستنباط . ثم أصاب : أي ثم أصدر حكمه ووفق للصواب فيه فجاء مطابقا للوجه المطلوب شرعا مصادفا لما في نفس الأمر من حكم الله . (٥٩) فله أجران : أي فثوابه عند الله مضاعف ، إذ يثيبه الله على اجتهاده ويثيبه على إصابته الحق . ثم أخطأ : أي ثم لم يوفق للصواب في المسألة ولم يصادف مافي نفس الأمر من حكم الله بعد أن بذل جهده واستفرغ وسعه في طلب الحق . فله أجر : أي فله نصيب من الثواب في نظير اجتهاده . البحث هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم من طريق يزيد بن عبدالله بن أسامة بن الهاد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن بسر بن سعيد عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص باللفظ الذي ساقه المصنف إلا أن في آخره عندهما زيادة قول يزيد : فحدثت بهذا الحديث أبابكر بن عمرو بن حزم فقال : هكذا حدثني أبوسلمة بن عبدالرحمن عن أبي هريرة ، هذا لفظ البخاري أما لفظ مسلم : فحدثت بهذا الحديث أبابكر بن محمد بن عمرو بن حزم فقال : هكذا حدثني أبوسلمة عن أبي هريرة . هذا ولانزاع عند أهل العلم أن القاضي إذا حكم بغير علم فهو آثم عاص حتى لوصادف الحق والله أعلم . مایفیده الحدیث ١ - الترغيب في ولاية القضاء لمن ألزم به وكان له أهلا . ٢ - أنه يجب على القاضي عند نظر القضية أن يبذل جهده (٦٠)