Indexed OCR Text

Pages 81-100

وقدذكرت في بحث الحديث الأول من أحاديث باب قتال الجاني وقتل
المرتد أن البخاري أخرجه من طريق عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما
بهذا اللفظ أيضا . وذكرت هناك ما يتعلق بهذا الحديث .
٥ - وعن عبدالله بن خباب رضي الله عنه قال: سمعت أبي
يقول: سمعت رسول الله عَ ◌ّمِ يقول: ((تكون فِتَنٌ فكن فيها
ياعبدالله المقتول ولاتكن القاتل)) أخرجه ابن أبي خيثمة والدارقطني
وأخرج أحمد نحوه عن خالد بن عُرفطَةً .
المفردات
عبدالله بن خباب : هو عبدالله بن خباب بن الأرت حليف بني
زهرة روى عن أبيه وعن أبيِّ بن كعب . قيل : ولد
على عهد النبي عَ لٍ ، قال في تهذيب التهذيب :
قال أبونعيم: أدرك النبي عَ لمِ مختلف في صحبته له
رؤية ولأبيه صحبة وقال الغلابي : قتل سنة (٣٧)
وكان من سادات المسلمين اهـ وقد وثقه العجلي
وقال ثقة من كبار التابعين اهـ وقدذكرت في كتاب
(الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة) أن الخوارج لما
اتجهوا إلى النهروان وأمروا عليهم عبدالله بن وهب
الراسبي رأوا وهم في طريقهم إلى النهروان رجلا يهرب
(٨١)

منهم قدعلق في عنقه مصحفا فأحاطوا به وقالوا له :
من أنت ؟ قال : أنا عبدالله بن خباب بن الأرت
صاحب رسول الله عَبٍّ فقالوا له : حدثنا حديثا
سمعته من أبيك عن رسول الله عَ لّه فقال: سمعت
أبي يقول: قال رسول الله عَ لَّه ستكون فتنة
القاعد فيها خير من القائم ، والقائم خير من الماشي
والماشي خير من الساعي ، فمن استطاع أن يكون
مقتولا فلايكونن قاتلا قالوا : قالوا : فماتقول في أبي
بكر وعمر فأثنى عليهما خيرا ، قالوا : فما تقول في
عثمان وعلي ؟ فأثنى عليهما خيرا ، قالوا : فما تقول
في التحكيم ؟ قال : أقول إن عليا أعلم بكتاب الله
منكم ، وأشد توقيا على دينه ، وأنفذ بصيرة ،
فقربوه إلى شاطيء النهر وذبحه رجل منهم يقال له
مسمع بن قدلي ، ثم دخلوا بيته وبقروا بطن أم
ولده . رحمه الله ورضي عنه .
أبي : يعني خباب بن الأرت رضي الله تعالى عنه.
تكون فتن : أى توجد وتحدث فتن وبلايا بين المسلمين .
ياعبدالله : أى يامسلم.
ولاتكن القاتل : أى احرص على أن لاتنغمس في الفتن ولاتكن
من مشعلى نارها حتى ولوقتلت ، وإياك أن تقاتل فيها
(٨٢)

أو تَقتل مسلما .
ابن أبي خيثمة : قال الذهبي في تذكرة الحفاظ : أحمد بن أبي
خَيْئَمَة زهير بن حرب الحافظ الحجة الإِمام أبوبكر
ابن الحافظ النسائي ثم البغدادي صاحب التاريخ
الكبير ، سمع أباه وأبانعيم وهوذة بن خليفة وقطبة بن
العلاء وعقان ومسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل
وخلقا كثيرا . حدث عنه البغوي وابن صاعد ومحمد
ابن مخلد وإسماعيل الصفار وأبوسهل القطان وأحمد
ابن كامل وآخرون . قال الدارقطني : ثقة مأمون
وقال الخطيب : ثقة عالم متقن حافظ بصير بأيام
الناس راوية للأدب أخذ علم الحديث عن أحمد بن
حنبل وابن معين اهـ توفي سنة ٢٧٩ هـ
عن ٩٤ سنة .
خالد بن عُرْفُطَة : هو خالد بن عُرفُطة بن أبرهة - ويقال أبرة -
ابن سنان القضاعي العذري ، له صحبة . قال
الطبراني : كان خليفة سعد بن أبي وقاص على
الكوفة . وقد اختلف في وفاته فقيل سنة ٦١ هـ
وقيل بعدها والله تعالى أعلم .
البحث
قال الدارقطني نا عبيدالله بن عبدالصمد بن المهتدي نا أحمد
(٨٣)

ابن محمد بن رشدين ، نا زكريا بن يحيى الحميري نا الحكم بن
عبدة عن أيوب السختياني عن حميد بن هلال العدوي عن أبي
الأحوص قال : لما كان يوم النهروان كنا مع علي بن أبي طالب رضي
الله عنه دون النهر فجاءت الحرورية حتى نزلوا من ورائه ، قال
علي : لاتحركوهم حتى يحدثوا حدثا ، فانطلقوا إلى عبدالله بن خباب
فقالوا : حَدِّثْنَا حديثا حدثك به أبوك سمعه من رسول الله صلى الله
عليه وسلم . قال حدثني أبي أنه سمع رسول الله عَ ليلةٍ قال :
((تكون فتنة القاعد فيها خير من القائم ، والقائم خير من الساعي))
فقدموه إلى النهر فذبحوه كما تذبح الشاة فأتى علي رضي الله عنه
فأخبر فقال : الله أكبر نادوهم أن أخرجوا إلينا قاتل عبدالله بن
خباب . فقالوا : كلنا قتله . ثلاث مرات . فقال علي رضي الله
عنه : دونكم القوم ، فمالبث أن قتلهم علي وأصحابه ، وذكر باقي
الحديث اهـ وقال الإِمام أحمد : ثنا عبدالرحمن بن مهدي ثنا حماد بن
سلمة عن علي بن زيد عن أبي عثمان عن خالد بن عرفطة قال : قال
لي رسول الله عَّ ياخالد: ((إنها ستكون بعدي أحداث وفتن
واختلاف فإن استطعت أن تكون عبدالله المقتول لاالقاتل فافعل)) اهـ
وقدذكر الله تبارك وتعالى في قصة ابنى آدم عن الصالح منهما أنه
قال: ((لئن بسطت إليَّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك
لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين)) .
مايستفاد من ذلك
١ - أنه لايحل لمسلم أن يحرص على قتل مسلم حتى ولو عند
(٨٤)

عن نفسه .
٢ - ينبغي للمسلم اجتناب مايحدث من الفتن بين المسلمين
والتباعد عنها
٦ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول : لواطلع في بيتك أحدٌ ولم تأذن له فخذفته بحصاة
ففقات عينه ما كان عليك من جُناح)) متفق عليه واللفظ للبخاري وفي
رواية للنسائي («فلادية ولاقصاص)).
البحث
تقدم هذا الحديث في باب قتال الجاني وقتل المرتد وقدتقدم بحثه
هناك . وقدقال المصنف هنا : وفي رواية للنسائي ، وقال هناك : وفي
لفظ لأحمد والنسائي وصححه ابن حبان . وقدسقط ذكر هذا
الحديث في هذا الموضع من بعض نسخ بلوغ المرام .
٧ - وعن حرام بن محيصة عن أبيه رضي الله عنه أن ناقة للبراء
دخلت حائط رجل فأفسدت فقضى رسول الله عَ ليه: على أهل
الأموال حفظها بالنهار وعلى أهل المواشي حفظها بالليل . أخرجه
أبوداود والنسائي وصححه ابن حبان وفي إسناده اختلاف
(٨٥)

البحث
تقدمت قصة ناقة البراء في الحديث الرابع من أحاديث باب قتال
الجاني وقتل المرتد وتم بحث هذا الحديث هناك وقدقال هناك عن
حديث البراء رواه أحمد والأربعة إلا الترمذي وصححه ابن حبان
وأسقط هنا ذكر ابن ماجه . وقدسقط ذكر هذا الحديث في هذا
الموضع من بعض نسخ بلوغ المرام أيضا . والله أعلم .
(٨٦)

كتاب الجهاد
١ - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((من مات ولم يَغْزُ، ولم يُحَدِّثْ نَفْسَهُ به، مات
على شُعْبَةٍ من نفاق)) رواه مسلم .
المفردات
الجهاد : الجهاد بكسر الجيم أصله في اللغة المشقة وشرعا هو
بذل الجهد في قتال الكفار . قال الحافظ في الفتح :
ويطلق أيضا على مجاهدة النفس والشيطان والفُسَّاق ،
فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم أمور الدين ثم على
العمل بها ، ثم على تعليمها ، وأما مجاهدة الشيطان
فعلى دفع مايأتي به من الشبهات ومايزينه من
الشهوات وأما مجاهدة الكفار فتقع باليد والمال
واللسان والقلب ، وأما مجاهدة الفساق فباليد ثم
اللسان ثم القلب اهـ
ولم يغز : أى ولم يخرج مجاهدا لقتال الكفار وإعلاء كلمة الله،
والغزو القصد إلى القتال .
ولم يُحَدِّثْ نفسه به : أى ولم يَنْوِ الجهاد في سبيل الله بأن
يكلم نفسه في الخروج للجهاد ويعزم على ذلك
ويستعد له .
(٨٧)

على شعبة من نفاق : أى على خصلة من خصال المنافقين فهم
لا يحبون الجهاد ولايفكرون في الخروج له ، وکثیرا
ما كانوا يتخلفون عن رسول الله عَ به، حتى أَطْلِقَ
عليهم لَفْظُ (المُخَلَّفِين))
البحث
أخرج مسلم هذا الحديث من طريق شيخه محمد بن عبدالرحمن
ابن سهم الأنطاكي عن عبدالله بن المبارك بلفظ : ولم يحدث به
نفسه ، ثم قال مسلم : قال ابن سهم : قال عبدالله بن المبارك
فَتُرَى أن ذلك كان على عهد رسول الله عَوبيٍ اهـ وقدروى البخاري
ومسلم في صحيحيهما واللفظ للبخاري من حديث زيد بن خالد
الجهني رضي الله عنه أن رسول الله عَ لّه قال: ((من جَهَّزَ غازيا في
سبيل الله فقد غزا ، ومن خَلَفَ غازيا في سبيل الله بخير فقد غزا))
ولفظ مسلم : ((من جَهَّزَ غازيا في سبيل الله فقد غزا، ومن خَلَفَهُ
في أهله بخير فقد غزا)) وقوله ((فقدغزا)) أى كان له مثل أجر الغازي في
سبيل الله ، وإن لم يغز حقيقة .
مايفيده الحديث
١ - وجوب الجهاد في سبيل الله تعالى للقادر عليه .
٢ - أنه يجب على المسلم أن يحرص على الجهاد في سبيل الله .
٣ - أن ترك الجهاد وعدم الحرص عليه عند دواعيه من الكبائر .
(٨٨)

٢ - وعن أنس رضي الله عنه أن النبي عَ ◌ٍّ قال: ((جاهدوا
المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)) رواه أحمد والنسائي وصححه
الحاكم .
المفردات
جاهدوا : أى قاتلوا .
المشركين : أى الوثنيين .
بأموالكم : أى ببذل أموالكم في سبيل الله .
وأنفسكم : أى والخروج بأنفسكم للقتال في سبيل الله.
وألسنتكم : أى بالتحريض على الجهاد والدعوة لكسر شوكة
الكافرين ولإقامة الحجة عليهم ودحض شبهتهم .
البحث
--
أخرج النسائي هذا الحديث من طريق عمرو بن علي قال حدثنا
عبدالرحمن قال : حدثنا حماد بن سلمة عن حميد عن أنس قال :
قال رسول الله عَ ليه: ((جاهدوا بأيديكم وألسنتكم وأموالكم)) وقال
المجد ابن تيمية في المنتقي : وعن أنس قال : قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم ((جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم)) رواه
أحمد وأبوداود والنسائي . قال الشوكاني في نيل الأوطار : وحديث أنس
سكت عنه أبوداود والمنذري ورجال إسناده رجال الصحيح وصححه
النسائي اهـ
(٨٩)

وقد حض الله تبارك وتعالى في مواضع كثيرة من كتابه الكريم على
جهاد المشركين بالنفس والمال فقال عزوجل ﴿لايستوي القاعدون من
المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ،
فضَّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلّا وعد
الله الحسنى وفضَّل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما.
درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما﴾ وقال عزوجل
﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم
درجة عند الله وأولئك هم الفائزون﴾ وكما قال عزوجل: ﴿انفروا خفافا
وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن
كنتم تعلمون﴾ وقال عزوجل: ﴿لكن الرسول والذين آمنوا معه
جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وألئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون ،
أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز
العظيم﴾ وقال عزوجل: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم
يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون﴾
مايستفاد من ذلك
١ - فضل المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم .
٢ - أن اللسان قديفعل في الأعداء فعل السنان .
٣ - إتاحة الفرصة أمام جميع المؤمنين للمشاركة في فضل الجهاد.
(٩٠)

٣ - وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قلت : يارسول الله
على النساء جهاد ؟ قال: ((نعم جهاد لاقتال فيه: الحج والعمرة))
رواه ابن ماجه وأصله في البخاري .
المفردات
على النساء جهاد : أى هل يجب على النساء الخروج في سبيل الله.
نعم جهاد لاقتال فيه : أى عليهن خروج في سبيل الله وجهاد ،
لكنه خالٍ من مقاتلة الكفار .
الحج والعمرة : أى جهادهن الحج والعمرة .
البحث
قال ابن ماجه : حدثنا أبوبكر بن أبي شيبة ثنا محمد بن فضيل
عن حبيب بن أبي عمرة عن عائشة بنت طلحة عن عائشة رضي الله
عنها قالت : قلت : يارسول الله على النساء جهاد ؟ قال: ((نعم ،
عليهن جهاد لاقتال فيه : الحج والعمرة)) وأما أصله الذي في البخاري
فقد أخرجه البخاري في باب فضل الحج المبرور من طريق حبيب بن
أبي عمرة أيضا عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين رضي
الله تعالى عنها أنها قالت : يارسول الله نَرَى الجهاد أفضل العمل
قال: ((لكن أفضل الجهاد حج مبرور)) قال الحافظ في الفتح :
اختلف في ضبط لكن فالأكثر بضم الكاف خطاب للنسوة قال
القابسي : وهو الذي تميل إليه نفسي ، وفي رواية الحموي لكن
(٩١)

بكسر الكاف وزيادة ألف قبلها بلفظ الاستدراك . والأول أكثر فائدة
لأنه يشتمل على إثبات فضل الحج وعلى جواب سؤالها عن الجهاد ،
وسماه جهادا لمافيه من مجاهدة النفس اهـ وقدساقه البخاري كذلك في
باب حج النساء من طريق حبيب بن أبي عمرة عن عائشة بنت
طلحة عن عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها قالت : قلت :
يارسول الله ألانغزو أو نجاهد معكم ؟ فقال: ((لكن أحسن الجهاد
وأجمله الحج ، حج مبرور)) وأخرجه في باب جهاد النساء من طريق
معاوية بن إسحاق عن عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين رضي
الله تعالى عنها قالت: استأذنتُ النبيَّ عَّه في الجهاد فقال:
((جهادكن الحج)) ثم ساقه من طريق حبيب بن أبي عمرة عن عائشة
بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين عن النبي عَ له: سأله نساؤه عن
الجهاد فقال: (نعم الجهاد الحج))
مایفیده الحدیث
١ - أن الجهاد في سبيل الله ليس قاصرا على الخروج للقتال .
٢ - وأن أفضل جهاد النساء الحج والعمرة .
٣ - حرص نساء رسول الله عَ له على إعزاز كلمة الله وإذلال
أعداء الله .
٤ - وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: جاء رجل
إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد ، فقال :
(٩٢)

((أَحَيُّ والداك؟)) قال: نعم، قال: ((ففيهما فَجَاهِد)) متفق عليه .
ولأحمد وأبي داود من حديث أبي سعيد نحوه، وزاد: ((ارْجِعْ
فاسْتَأْذِنْهُمَا فإن أَذِنَا لك وإلا فَبِّهُمَا)).
المفردات
عبدالله بن عمرو : هو عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله
تعالى عنهما وقدوقع في بعض نسخ سبل السلام :
عبدالله بن عُمر وهو سبق قلم .
رجل : قال الحافظ في الفتح : يحتمل أن يكون هو جاهمة
ابن العباس بن مرداس .
يستأذنه في الجهاد : أى يطلب منه الإذن بالخروج لقتال المشركين
أحيّ والداك : أى هل أبوك وأمك على قيد الحياة ؟
نعم : أى والداى على قيد الحياة .
ففيهما فجاهد : أى خصهما بجهاد النفس في رضاهما ، وابذل
جهدك في الإِحسان إليهما وطاعتهما ماداما لم يأمراك
بمعصية الله .
نحوه : أى نحو حديث عبدالله بن عمرو رضى الله عنه .
وزاد : أى أبوسعيد يعني الخدري رضي الله عنه.
فاستأذنهما : أى فاطلب من والديك الإِذن لك بالخروج لقتال
المشركين .
(٩٣)

فإن أذنا لك : أى فإن رَّصَا لك في الخروج للجهاد فاخرج .
وإلا فبرهما : أى وإن لم يأذنا لك في الخروج فالزمهما وأحسن
صحبتهما ، واجتهد في برهما وطاعتهما مالم يأمراك
بمعصية الله .
البحث
هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبدالله بن عمرو
ابن العاص رضي الله تعالى عنهما باللفظ الذي ساقه المصنف وفي
لفظ لمسلم من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى
عنهما قال: أقبل رجل إلى نبى الله عَ لّه فقال: أبايعك على الهجرة
والجهاد أبتغي الأجر من الله. قال: ((فهل من والديك أحدٌ حَيٌّ؟))
قال : نعم بل كلاهما ، قال : ((فتبتغي الأجر من الله ؟)) قال نعم :
قال : ((فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما)) أما حديث أبي سعيد
الذي أشار إليه المصنف فلفظه عند أبي داود : أن رجلا هاجر
إلى النبي صلى الله عليه وسلم من اليمن فقال : هل لك أحد
باليمن ؟ فقال: أبواي، فقال: ((أذنا لك)) فقال: لا . قال :
((ارجع إليهما فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد وإلا فَبِرَّهُمَا))
وقد صححه ابن حبان .
مایفیده الحديث
١ - وجوب استئذان الوالدين في الخروج للجهاد .
٢ - فضل برالوالدين .
٣ - أن الجهَاد قديطلق على غير القتال في سبيل الله.
(٩٤)

٥ - وعن جرير البَجَلِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : أنا بريء من كل مسلم يقيم بين المشركين))
رواه الثلاثة وإسناده صحيح ورجح البخاري إرساله .
المفردات
جرير البَجَلي : هو أبوعمرو أو أبوعبدالله جرير بن عبدالله بن
جابر (وهو السَّليل بفتح السين) بن مالك ابن نضر
ابن ثعلبة بن جشم بن عويف البجلي القسري ،
أسلم قبل حجة الوداع ، وثبت في الصحيحين أن
النبي عَ ◌ّعٍ قال له في حجة الوداع: ((استنصت
الناس)) وقدروى الشيخان عن جرير رضي الله تعالى
عنه قال : ماحجبني رسول الله صلى الله
عليه وسلم منذ أسلمت ولارآني إلا تبسم ،
وشكوت إليه أني لاأثبت على الخيل فضرب بيده
في صدري وقال: ((اللهم اجعله. هاديا مهديا))
وقال عبدالملك بن عمير : رأيت جرير بن عبدالله
وكأن وجهه شقة قمر ، وقال له عمر بن الخطاب
رضي الله عنه : نعم السيد كنت في الجاهلية
ونعم السيد أنت في الإِسلام وقدبعثه رسول الله
صِّلالله
. فهدم ذاالخلصة وتوفى رضي الله تعالى عنه
سنة ٥١ هجرية وقيل غير ذلك والله أعلم .
(٩٥)

بريء : أى خالص من عهدته فقد انقطعت بيننا العصمة
ولم يبق بيني وبينه عُلقة .
يقيم : أى يعيش .
بين المشركين : يعني في أرض الشرك .
رواه الثلاثة : أى أبوداود والترمذي والنسائي .
البحث
ذكر المصنف هنا أن هذا الحديث رواه الثلاثة ، وأسقط في
التلخيص النسائي وذكر مكانه ابن ماجه فقال : حديث أنه صلى الله
عليه وسلم قال: ((أنا بريء من كل مسلم مع مشرك)) أبوداود
والترمذي وابن ماجه من حديث جرير ، وفيه قصة، وصحح
البخاري وأبوحاتم وأبوداود والترمذي والدارقطني إرساله إلى قيس بن أبي
حازم ، ورواه الطبراني بلفظ المصنف موصولا اهـ وقال المجد ابن تيمية
في المنتقي: وعن جرير بن عبدالله أن رسول الله عَ ل بعث سرية
إلى خثعم ، فاعتصم ناس بالسجود فأسرع فيهم القتل ، فبلغ ذلك
النبي عَ لِّ فأمر لهم بنصف العقل وقال : أنا بريء من كل مسلم
يقيم بين أظهر المشركين ، قالوا يارسول الله ولم ؟ قال: لاتتراءى
ناراهما)) رواه أبوداود والترمذي اهـ قال الشوكاني في نيل الأوطار .
وحديث جرير أخرجه ابن ماجه ورجال إسناده ثقات ولكن صحح البخاري
وأبوحاتم وأبوداود والترمذي والدارقطني إرساله إلى قيس بن أبي حازم اهـ
وقد أخرجه أبوداود من طريق هناد بن السري ثنا أبو معاوية عن
(٩٦)

إسماعيل عن قيس عن جرير بن عبدالله ثم قال أبوداود بعد أن ساقه
باللفظ الذي ذكره صاحب المنتقي : قال أبوداود : رواه هشيم ومعمر
وخالد الواسطي وجماعة لم يذكروا جريرا اهـ .
وقدأخرجه الترمذي بنفس سند أبي داود ولفظه ثم قال : حدثنا
هناد ثنا عبدة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم مثل
حديث أبي معاوية ولم يذكر فيه (عن جرير) وهذا أصح ثم قال
الترمذي : وأكثر أصحاب إسماعيل قالوا : عن إسماعيل عن قيس بن
أبي حازم أن رسول الله عَ ليه بعث سرية ، ولم يذكروا فيه عن جرير
ثم قال وسمعت محمدا يقول : الصحيح حديث قيس عن النبي صلى
الله عليه وسلم مرسل اهـ
٦ - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله
حَ لٍّ: ((لاهجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية)) متفق عليه.
المفردات
لاهجرة بعد الفتح : أى لايهاجر المسلم من مكة إلى المدينة بعد
الفتح أى فتح مكة ، وكان فتح مكة في رمضان
من السنة الثامنة للهجرة . والهجرة من الهَجْر وهو
الترك ، والمراد هنا هو الانتقال من مكة إلى المدينة
أماخروج المسلم من دار الكفر إلى دار الإِسلام إذا
(٩٧)

كان عاجزا عن القيام بشعائر دينه فهي باقية إلى
يوم القيامة .
ولكن جهاد ونية : أى ولكن مفارقة الوطن للجهاد في سبيل الله
وكذلك بسبب نية صالحة كالخروج في طلب العلم
والفرار بالدين من الفتن فإنها لاتزال باقية .
البحث
تمام هذا الحديث عند الشيخين: ((وإذا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا)) ومعنى
((وإذا استنفرتم فانفروا)) أى وإذا أمركم الإِمام بالخروج إلى الجهاد ونحوه
من الأعمال الصالحة فاخرجوا وسارعوا . قال الحافظ في الفتح : قال
الخطابي وغيره : كانت الهجرة فرضا في أول الإِسلام على من أسلم
لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع ، فلما فتح الله مكة
دخل الناس في دين الله أفواجا ، فسقط فرض الهجرة إلى المدينة
وبقى فرض الجهاد والنية على من قام به أونزل به عدو انتهى ، وكانت
الحكمة أيضا في وجوب الهجرة على من أسلم ليسلم من أذى ذويه
من الكفار فإنهم كانوا يعذبون من أسلم منهم إلى أن يرجع عن دينه
وفيهم نزلت ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالى أنفسهم قالوا : فيم
كنتم ؟ قالوا : كنا مستضعفين في الأرض ، قالوا : ألم تكن أرض الله
واسعة فتهاجروا فيها﴾ الآية . وهذه الهجرة باقية الحكم في حق من
أسلم في دار الكفر وقدر على الخروج منها ، وقدروى النسائي من
طريق بهز بن حكيم بن معاوية عن أبيه عن جده مرفوعا : ((لايقبل الله من
مشرك عملا بعد ماأسلم أو يفارق المشركين)) وهذا محمول على من لم يأمن
(٩٨)
٠٠

على دينه اهـ وفي تأكيد وجوب الهجرة قبل الفتح نزل قوله تبارك
وتعالى : ((والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شيء حتى
يهاجروا)) هذا وسيأتي مزيد بحث في تأكيد عدم انقطاع الهجرة من
بلاد الشرك عند الكلام على الحديث الثامن من أحاديث هذا الباب .
إنشاء الله تعالى .
مايفيده الحديث
١ - نسخ وجوب الهجرة من مكة إلى المدينة بعد فتح مكة سنة
ثمان من الهجرة .
٢ - أنه لاهجرة من مكة بعد الفتح .
٣ - أن الجهاد في سبيل الله والخروج لقصد الأعمال الصالحة
لن ينقطع إلى يوم القيامة .
******
٧ - وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال
رسول الله عَوبي: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في
سبيل الله)) متفق عليه .
المفردات
من قاتل : أى من جاهد ونصب نفسه لمقاتلة الكفار .
لتكون كلمة الله هي العليا : أى وكان قصده من مقاتلة الكفار
إعلاء كلمة الله وإعزاز شرع الله ورفعة دين الله
حتى يسيطر شرع الله على أرض الله .
(٩٩)

فهو في سبيل الله : أى فهو المجاهد حقا ، الموصوف بأنه يقاتل
في سبيل الله ، الموعود بثواب الغزاة المجاهدين .
البحث
هذا الحديث وقع جوابا لسؤال ، وقد أورده البخاري بعدة ألفاظ
منها ماأخرجه في كتاب العلم عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال :
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يارسول الله
ما القتال في سبيل الله ؟ فإن أحدنا يقاتل غَضَباً، ويقاتل حَمِيَّةً ،
فرفع إليه رأسه ، قال : ومارفع إليه رأسه إلا أنه كان قائما فقال :
((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله عزوجل))
وقد أخرجه في فرض الخُمس عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال :
قال أعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم: الرجل يقاتل للمغنم ،
والرجل يقاتل لِيُذْكَرَ ويقاتل لِيُرَى مكانه ، من في سبيل الله ؟ فقال:
((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)) وفي لفظ
في الجهاد عن أبي موسى رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي
عَ ◌ّه فقال: الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل
ليرى مكانه ، فمن في سبيل الله ؟ قال: ((من قاتل لتكون كلمة
الله هي العليا فهو في سبيل الله)) وأورده في كتاب التوحيد عن أبي
موسى رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي عَ لٍ فقال: الرجل
يقاتل حمية ويقاتل شجاعة ويقاتل رياء فأى ذلك في سبيل الله ؟ قال :
((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله))
(١٠٠)