Indexed OCR Text

Pages 1-20

شعر
بلوغ المرامَ مِن جَمْعْ أَدَلَةَ الأَخْكَام
للحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه اللّه
تأليف
عَبْد القادر سيّ احمد
عضو هيئة التدريس بقسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
والمدرس بالمسجد النبوى الشريف
الجزء التاسع

الطّبعَة الأوْا
١٩٨٣ م
١٤٠٣ هـ
:
طبع في:
مطابع الرشيد، بالمدينة المنورة
هاتف: ٨٣٦٨٣٨٢

بسم الله الرحمن الرحيم
باب حد القذف
١ - عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نَزَلَ عُذرِى قام
رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر ، فذكر ذلك ، وتلا
القرآن ، فلما نزل أَمَرَ برجلين وامرأة فَضرِبُوا الحَدَّ . أخرجه أحمد
والأربعة وأشار إليه البخاري .
المفردات
حد القذف : أى العقوبة المقدرة على من يرمى محصنا بالزنا ،
والقذف لغة هو الرمي مطلقا وشرعا هو رمي المحصن
بالزنا مع العجز عن الإِثبات شرعا .
لما نزل عُذْرِي : أى لما أنزل الله تعالى في سورة النور براءتي مما
رماني به أهل الإفك الذين يَرْأُسُهُمْ عبدالله بن أُبَّ
ابن سلول رأس المنافقين عليه لعنة الله ، وكان
عبدالله بن أُبَّ لعنة الله عليه قدرمى أم المؤمنين
الصديقة بنت الصديق عائشة رضي الله تعالى عنها
بارتكاب الفاحشة وأخذ يذيعها ، فأنزل الله براءتها
في سورة النور من قوله عزوجل ﴿إن الذين جاءوا
بالإِفك عصبة منكم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أولئك
مُبَرَّعُونَ مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم﴾
قام رسول الله عَ الله على المنبر: أى وقف رسول الله عَ ليه
(٣)

خطيبا على منبر مسجده عبد .
فذكر ذلك : أى فذكر ماافتراه رأس المنافقين عبدالله بن أُبَّ
وَرَوَّجَهُ ضد الحصان الرزان الطيبة الطاهرة عائشة
رضي الله تعالى عنها .
وتلا القرآن: أى وقرأ على الناس ماأنزل الله على رسول الله عَوبية.
في كتابه الكريم من براءة أم المؤمنين عائشة رضي
الله تعالى عنها .
فلما نزل : أى فلما انتهى من خطبته ونزل من فوق المنبر .
أمر برجلين وامرأة فضربوا الحد: أى أمر رسول الله عَ لَّه بأن
يُجْلَد رجلان وامرأة حد القذف ثمانين جلدة .
وقدوردت في رواية عند أبي داود تسميتهم : حسان
ابن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بن جحش رضي
الله تعالى عنهم .
وأشار إليه البخاري : أى وأشار البخاري إلى ضرب الرامين في
كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيحه .
البحث
هذا الحديث مداره عند أحمد والأربعة على محمد بن إسحاق
وقد عنعنه ، ومحمد بن إسحاق معروف بالتدليس فلايقبل حديثه إذا
كان معنعنا . قال الحافظ في الفتح : قلت : ووقع التصريح بتحديثه في
بعض طرقه اهـ أقول : إن هذه الرواية التي أشار إليها الحافظ وجاء فيها أن
(٤)

ابن إسحاق قال : حدثني . إنما هي من رواية أحمد بن عبدالجبار
عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال حدثني عبدالله بن أبي بكر
يعني ابن محمد بن عمرو بن حزم الح وأحمد بن عبدالجبار هو أحمد
ابن عبدالجبار بن محمد بن عمير بن عطارد بن حاجب بن زرارة
العطاردي أبوعمر الكوفي قال في تهذيب التهذيب : قال ابن أبي حاتم :
كتبت عنه وأمسكت عن الرواية عنه لكثرة كلام الناس فيه ، وقال
مطين : كان يكذب وقال أبوأحمد الحاكم : ليس بالقوي عندهم تركه
ابن عقدة ، وقال ابن عدي : رأيت أهل العراق مجمعين على ضعفه ،
وكان ابن عقدة لايحدث عنه ، وذكر أن عنده قمطرا على أنه لايتورع
أن يحدث عن كل أحد اهـ وشيخه يونس بن بكير هو يونس بن
بكير بن واصل الشيباني أبوبكر ويقال أبوبكير الجمال الكوفي مختلف
فيه ، وإن كان مسلم قدروى له فقد أشرت فيما مضى إلى أن
البخاري أو مسلما قد يخرج للشيخ حديثا لأنه موثق فيه في هذا
الموضع ، ولا يخرج له في موضع آخر لضعفه فيه . وقال الآجري عن
أبي داود : ليس هو عندي بحجة كان يأخذ كلام ابن إسحاق فيوصله
بالأحاديث ، وقال النسائي : ليس بالقوي وقال مرة : ضعيف ، أقول :
ليس بمثل هذا السند يُنَالُ من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى
عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم ، والواقع أن الناس عند مارميت
الصديقة بنت الصديق بالإِفك كانوا أربعة أقسام : قسم وهم أكثر
الناس ، حَمَوْا أسماعهم وألسنتهم فسكتوا ولم ينطقوا إلا بخير
(٥)

ولم يصدقوا ولم يكذبوا . وقسم سارع إلى التكذيب وهو أبوأيوب
الأنصاري وأم أيوب رضي الله تعالى عنهما فقد وصفوه عند سماعه
بأنه الإِفك وبَرَّعوا عائشة ممانسبت إليه في الحال . أما القسم الثالث
فكانوا جملة من المسلمين لم يصدقوا ولم يكذبوا ولم ينفوا . ولكنهم
يتحدثون بما يقول أهل الإفك وهم يحسبون أن الكلام بذلك أمر هَيِّن
لايعرضهم لعقوبة الله لأن ناقل الكفر ليس بكافر وحاكى الإِفك ليس
بقاذف ومن هؤلاء حمنة بنت جحش وحسان بن ثابت ومسطح بن
أثاثة أما القسم الرابع فهم الذين جاءوا بالإِفك وعلى رأس هؤلاء عدو
الله عبدالله بن أبي بن سلول رأس المنافقين لعنه الله وهو الذي تولي
كبره وقدأشار الله عزوجل إلى فضل القسم الثاني من هذه الأقسام
وأنه كان ينبغي لجميع المسلمين أن يقفوا هذا الموقف فقال: ﴿لولا
إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا : هذا إفك
مبين﴾ وأما القسم الثالث فقد أشار الله عزوجل إلى أنه ما كان ينبغي
لهم أن يتحدثوا بمثل هذا الحديث حيث يقول : ((إذ تلقونه بألسنتكم
وتقولون بأفواهكم ماليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله
عظيم ، ولولا إذ سمعتموه قلتم : مايكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك
هذا بهتان عظيم)) وقدأثبت الله عزوجل لأهل هذا القسم فضائلهم
التي عملوها حيث أثبت لمسطح هجرته وإيمانه عندما حلف أبوبكر
أنه لن ينفق على مسطح ولن يتصدق عليه وهو من ذوي قرابته فقال
عزوجل : ﴿ولايأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا
(٦)

أولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله ، وليعفوا وليصفحوا ألا
تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم﴾ أما القسم الرابع وهم
جماعة عبدالله بن أبي الذين جاءوا بالإِفك واخترعوا هذا الكذب فقد
أشار الله إلى موتهم على الكفر ، وأنه لن يقبل منهم توبة ، وأنه أنزل
عليهم لعنته في الدنيا والآخرة حيث قال : ﴿إن الذين يرمون
المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم ،
يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون . يومئذ
يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هوالحق المبين﴾ وحسان هو
شاعر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذي كان يقول له
رسول الله عَ ةٍ: ((قل وروح القدس معك)) ويقول: ((اللهم أيده
بروح القدس)) وهو القائل في عائشة رضي الله تعالى عنها :
حصانٌ رزانٌ ماتُزَنُّ بِرِبِبَةٍ وتصبح غَرْثَي من لحوم الغوافل
عقيلة حي من لؤي بن غالب
كرام المساعي مجدهم غير زائل
حليلة خير الخلق دينا ومنصبا نبي الهدى والمكرمات الفواضل
وطَهَّرَهَا من كل سوء وباطل
مهذبة قدطَيَّبَ الله خيمها
فإن كنت قدقلت الذي قدزعمتموا
فلارفعت سوطى إليَّ أناملي
لآل رسول الله زَيْن المحافل
فکیف وۇُدِّي ماحييت ونصرتي
وقد أثر عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت : ماتمثلت بقول حسان
لأبي سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب :
وعند الله في ذاك الجزاء
هَجَوْتَ محمدا فَأَجَبْتُ عنه
لعرض محمد منكم وقاء
فإن أبي ووالده وعرضي
(٧)

فشركما لخيركما الفداء
أتشتمه ولست له بكف؛ٍ
وبحري لاتكدره الدلاء
لساني صارم لاعيب فيه
إلا رجوت له الجنة
أما ماذكر المصنف أن البخاري أشار إليه فهو ماقاله البخاري من
كلامه هو دون أن يسوق له أى سند في كتاب الاعتصام بالكتاب
والسنة من صحيحه في باب قول الله تعالى: ﴿ وشاورهم في
الأمر﴾ قال : وشَاوَرَ عليًّا وأسامة فيما رمى أهل الإفك عائشة فسمع
منهما حتى نزل القرآن فجلد الرامين ولم يلتفت إلى تنازعهم ولكن
حكم بماأمره الله اهـ قال الحافظ في الفتح : وأما جلده الرامين
فلم يأت فيه بإسناد ثم قال : وأما قوله فجلد الرامين فلم يقع في شيء من
طرق حديث الإفك في الصحيحين ولا أحدهما اهـ والله تعالى أعلم .
٢ - وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أوَّلُ لعان كان
في الإسلام أن شريك بن سحماء قذفه هلال بن أمية بامرأته ،
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((البينةً وإلا فحدّ في
ظهرك )) الحديث ، أخرجه أبويعلى، ورجاله ثقات ، وفي البخاري
نحوه. من حديث ابن عباس .
المفردات
قذفه هلال بن أمية بامرأته : أى رماه هلال بن أمية بأنه زنى بامرأته.
البينة : أى أقم البينة وأت بأربعة شهداء على ما تقول .
(٨)

وإلا فحد في ظهرك : أى وإلا جُلدت وضُرِبَ ظهرك ثمانين جلدة .
الحديث : أى أكمل الحديث .
نحوه : أى نحو حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.
البحث
قال أبويعلى رحمه الله تعالى: حدثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي
حدثنا مخلد بن الحسين عن هشام عن ابن سيرين عن أنس بن مالك
رضي الله عنه قال : لأول لعان كان في الإسلام أن شريك بن سحماء
قذفه هلال بن أمية بامرأته، فرفعته إلى رسول الله عَ لّه فقال رسول الله
عَ لّهِ: ((أربعة شهود وإلا فحد في ظهرك)) فقال: يارسول الله إن الله
يعلم أني لصادق ولینزلن الله عليك مايبرئ به ظهري من الجلد ، فأنزل
الله آية اللعان ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ إلى آخرالآية، قال فدعاه النبي
سَّ لهم فقال: ((اشهد بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا))
فشهد بذلك أربع شهادات ثم قال له في الخامسة : ((ولعنة الله عليك إن
كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا)) ففعل ، ثم دعاها رسول الله
عَّةٍ، فقال: ((قومي فاشهدي بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماك به من
الزنا)) فشهدت بذلك أربع شهادات ، ثم قال لها في الخامسة : ((وغضب
الله عليك إن كان من الصادقين فيما رماكِ به من الزنا)) قال: فلما
كانت في الرابعة أوالخامسة سكنت سكتة حتى ظنوا أنها ستعترف ، ثم
قالت لاأفضح قومي سائر اليوم فمضت على القول ، ففرق رسول الله
عَ له بينهما وقال: «انظروا فإذا جاءت به جعدا حمش الساقين فهو
لشريك بن سحماء ، وإن جاءت به أبيض سبطا ، ضيق العينين فهو
(٩)

الهلال بن أمية)) فجاءت به جعدا حمش الساقين ، فقال رسول الله
عَّةٍ: ((لولا مانزل فيهما من كتاب الله لكان لي ولها شأن)) اهـ
أما ماأخرجه البخاري من حديث ابن عباس فلفظه : أن هلال بن
أمية قذف امرأته عند النبي عَ لّه بشريك بن سحماء فقال النبي
عَّ اله: ((البينة أو حد في ظهرك)) فقال: يارسول الله إذا رأى أحدنا
على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي عَ له يقول:
((البينة وإلا حد في ظهرك)) فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني
لصادق ، ولينزلَنَّ الله مايبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل وأنزل
عليه ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ فقرأ حتى بلغ ﴿إن كان من
الصادقين﴾ فانصرف النبي عَ ◌ّ فأرسل إليهما فجاء هلال فشهد
والنبي عَةُ يقول : ((إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما
تائب ؟)) ثم قامت فشهدت فلما كان في الخامسة وقفوها وقالوا : إنها
موجبة . قال ابن عباس : فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ،
ثم قالت : لاأفضح قومى سائر اليوم فمضت فقال النبي عَ ةِ: ((أبصروها
فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خديج الساقين فهو
مَ له: ((لولا
لشريك بن سحماء)) فجاءت به كذلك فقال النبي
مامضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن)) اهـ
مایفیده الحدیث
١ - أن من رمى امرأته بالزنا ولم يأت بأربعة شهداء لإِثبات
ما يقول جُلدَ ثمانين جلدة وهي حد القذف .
(١٠)

٢ - أنه إذا لم يستطع إثبات مارمى به امرأته وتلاعنا سقط عنه حد القذف
٣ - دقة نظام الإِسلام في التفریق بین رمي الزوج زوجته وبین من رَمی غیر
الزوجة من المحصنات .
٣ - وعن عبدالله بن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: لقد أدركت
أبابكر وعمر وعثمان ومن بَعْدَهُمْ فلم أرهم يضربون المملوك في القذف إلا
أربعين)) رواه مالك والثوري في جامعه .
المفردات
عبدالله بن عامر بن ربيعة رضي الله تعالى عنه : تقدمت ترجمته في
مفردات الحديث السابع من أحاديث باب الصداق ،
ووهم الصنعاني في سبل السلام فحسبه عبدالله بن عامر
قارئ أهل الشام فقال : في قوله : ((وعن عبدالله بن عامر
ابن ربيعة)) هو أبو عمران عبدالله بن عامر القارئ الشامي
كان عالما ثقة حافظا لمارواه ، في الطبقة الثانية من التابعين،
أحد القراء السبعة روى عن واثلة بن الأسقع وغيره وقرأ
القرآن على المغيرة بن شهاب المخزومي عن عثمان بن عفان
ولد سنة إحدى وعشرين من الهجرة ومات سنة ثمانى عشرة
ومائة اهـ ولم يتفطن الصنعاني لقوله : أدركت أبابكر وعمر
وعثمان الخ إذ كيف يدرك أبابكر من ولد سنة ٢١ هجرية .
(١١)

والواقع أن راوي هذا الحديث هو عبدالله بن
عامر بن ربيعة العنزي المولود في عهد رسول الله
عَ لِّ أحد الفقهاء كما تقدم في ترجمته في باب
الصداق . أما عبدالله بن عامر قارئٍّ أهل الشام
الذي يقول فيه الشاطبي :
وأما دمشق الشام دار ابن عامر
فتلك بعبدالله طابت مُحَلَّلَا
فهو عبدالله بن عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة
اليحصبي المقريّ الدمشقي أبوعمران وقيل أبوعبيدالله
وقيل أبوعامر وقيل أبونعيم وقيل أبوعثمان وقيل أبوسعيد
وقيل أبو محمد وقيل غير ذلك في كنيته . وهو المولود
سنة إحدى وعشرين والله أعلم .
يضربون المملوك في القذف إلا أربعين : أى يجلدون الرقيق إذا رمى
محصنا بالزنا أربعين جلدة لاغير وهي نصف حد
الحر إذا قذف محصنا .
رواه مالك : أى في الموطأ .
والثوري في جامعه: أى ورواه الثوري في جامعه والثوري هو
أبوعبدالله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري
الكوفي . قيل هو نسبة لثور بن عبد مناة بن أدبن
طابخة . وقيل من ثور همدان قال في تهذيب التهذيب:
(١٢)

والصحيح الأول ، روى عن أبيه وأبى إسحاق الشيباني
وأبى إسحاق السبيعي وعبدالملك بن عمير وعبدالرحمن
ابن عابس بن ربيعة وغيرهم ، كما روى عنه خلق
لايحصون منهم بعض شيوخه كابن إسحاق وجعفر بن
برقان وخصيف بن عبدالرحمن وغيرهم ، وشعبة ومالك
والأوزاعي وغيرهم من أقرانه . قال شعبة وابن عيينة
وأبوعاصم وابن معين وغير واحد من العلماء : سفيان
أميرالمؤمنين في الحديث وقال ابن المبارك : كتبت عن
ألف ومائة شيخ ماكتبت عن أفضل من سفيان اهـ
وقد ولد رحمه الله تعالى سنة سبع وتسعين وتوفي بالبصرة
سنة إحدى وستين . وكان ثقة مأمونا عابدا ثبتا . رحمه
الله تعالى ورضي عنه .
البحث
أخرج مالك هذا الحديث في الموطأ فقال : عن أبي الزناد أنه قال :
جلد عمر بن عبدالعزيز عبدا في فرية ثمانين قال أبوالزناد : فسألت
عبدالله بن عامر بن ربيعة عن ذلك فقال : أدركت عمر بن الخطاب
وعثمان بن عفان ، والخلفاء هلم جرا . فمارأيت أحدا جلد عبدا في فرية
أكثر من أربعين . قال البيهقي : ورواه الثوري عن أبي الزناد عبدالله بن
ذكوان حدثني عبدالله بن عامر بن ربيعة قال : لقد أدركت أبابكر وعمر
وعثمان ومن بعدهم من الخلفاء فلم أرهم يضربون المملوك في القذف إلا
(١٣)

أربعين اهـ قال الموفق : أجمع أهل العلم على وجوب الحد على العبد
إذا قذف الحر المحصن اهـ وحديث الباب يؤيده قول الله عزوجل في
حق الأمة إذا زنت : ﴿فإذا أُحْصِنَّ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف
ما على المحصنات من العذاب﴾ والله أعلم.
مايفيده الحديث
١ - أن حد العبد أو الأمة نصف حد الحر الذي يقبل
التنصيف وهو الجلد .
٢ - أن حد الرقيق إذا قذف محصنا هو أربعون جلدة .
٤ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ((من قذف مملوكه يُقامُ عليه الحد يوم القيامة إلا
أن يكون كما قال)) متفق عليه .
المفردات
من قذف مملوكه : أى من رمى عبده أو أمته بالزنا من غير برهان
يقام عليه الحد يوم القيامة : أى كان لله في ظهر هذا القاذف
حدٌّ يوم القيامة وهو حد القذف .
إلا أن يكون كما قال : أى إلا أن يكون هذا المملوك قدارتكب
الفاحشة فإنه لاشئَّ على مالكه فيما قال .
البحث
لفظ هذا الحديث عند البخاري من طريق ابن أبي نُعْمٍ عن
(١٤)

أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت أباالقاسم صلى الله عليه وسلم
يقول: ((من قذف مملوكه وهو بريّ مما قال جُلدَ يوم القيامة، إلا أن
يكون كما قال)) وأخرجه مسلم من طريق عبدالرحمن بن أبي نعم
حدثني أبوهريرة قال : قال أبوالقاسم صلى الله عليه وسلم ((من قذف
مملوكه بالزنا يُقامُ عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال)) اهـ
مايفيده الحدیث
١ - أن السيد إذا قذف عبده بالزنا لم يُحد للقذف في الدنيا .
٢ - التحذير من قذف المملوك بالزنا إذا كان بريئا .
(١٥)

باب حَدِّ السَِّقَةِ
١ - عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله عَ ليه:
((لاتُقْطَعُ يَدُ السارق إلا في رُبع دينار فصاعدا)) متفق عليه، واللفظ
لمسلم ، ولفظ البخاري : ((تقطع يدالسارق في ربع دينار فصاعدا))
وفي رواية لأحمد : ((اقْطَعُوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو
أدنى من ذلك))
المفردات
حد السرقة : أى العقوبة المقدرة في السرقة ، والسرقة بفتح السين
وكسر الراء ويجوز إسكانها ويجوز كسر أوله وسكون
ثانيه : هي لغة الأخذ خفية ، وشرعا هو أخذ مال
محروز قيمته ربع دينار فصاعدا على وجه الخفية
وليس للآخذ حق فيه ولاشبهة . قال الحافظ في
الفتح : ويقال لسارق الإِبل الخارب بخاء معجمة ،
وللسارق في المكيال مطفف ، وللسارق في الميزان
مخسر ، في أشياء أخرى ذكرها ابن خالويه في كتاب
(ليس) قال المازري ومن تبعه : صان الله الأموال
بإيجاب قطع سارقها ، وخص السرقة لقلة ماعداها
بالنسبة إليها من الانتهاب والغصب ، ولسهولة إقامة
(١٦)

البينة على ماعدا السرقة بخلافها ، وشدد العقوبة فيها
ليكون أبلغ في الزجر ، ولم يجعل دية الجناية على
العضو المقطوع منها بقدر مايقطع به حماية لليد ،
ثم لما خانت هانت ، وفي ذلك إشارة إلى الشبهة
التي نسبت إلى أبي العلاء المعرى في قوله :
يَدِّ بِخَمْسٍ مِئِينٍ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ
مَابَالُهَا قُطِعَتْ فِي رُبْع دينار
فأجابه القاضي عبدالوهاب المالكي بقوله :
صيانة العضو أغلاها وأرخصها.
صيانةُ المال فافهم حكمة الباري
وشرح ذلك أن الدية لوكانت ربع دينار لكثرت
الجنايات على الأيدي ، ولوكان نصاب القطع
خمسمائة دينار لكثرت الجنايات على الأموال ،
فظهرت الحكمة في الجانبين ، وكان في ذلك صيانة
من الطرفين اهـ وفي رواية أخرى لبيت القاضي
عبدالوهاب المالكي ، وقيل هو لعلم الدين السخاوي:
عز الأمانة أغلاها وأرخصها
ذُلُّ الخيانة فافهم حكمة الباري
ومن قول القاضي عبدالوهاب في الرد على شبهة أبي العلاء
المعرى : لما كانت أمينة كانت ثمينة ، ولما خانت هانت .
(١٧)

إلا في ربع دينار فصاعدا : أى إلا إذا سرق شيئا قيمته ربع دينار
فأكثر ، فلا تقطع يد من سرق أقل من ربع دينار .
وفي رواية لأحمد : أى من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن
حزم عن عمرة عن عائشة رضي الله تعالى عنها .
فيما هو أدنى من ذلك : أى فيما قيمته أقل من ربع دينار .
البحث
أورد البخاري من طريق ابن شهاب عن عمرة عن عائشة : قال
النبي صلى الله عليه وسلم: ((تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا)) ثم
رواه من طريق ابن شهاب عن عروة بن الزبير وعمرة عن عائشة عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((تُقْطَعُ يَدُ السارق في ربع دينار)
ثم أخرجه من طريق محمد بن عبدالرحمن الأنصاري عن عمرة بنت
عبدالرحمن حدثته أن عائشة رضي الله عنها حدثتهم عن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: ((يُقْطِعُ في ربع دينار)) أما مسلم فقد أورده
باللفظ الذي ذكره المصنف عنه من طريق ابن شهاب عن عروة
وعمرة عن عائشة رضي الله عنها وساقه من طريق الزهري عن عمرة
عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع
السارق في ربع دينار فصاعدا)) وساقه من طريق سليمان بن يسار عن
عمرة أنها سمعت عائشة تحدث أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: ((لاتُقْطَعُ الْيَدُ إلا في ربع دينار فما فوقه)) وساقه من
صَلىالله
طريق أبي بكر بن محمد عن عمرة عن عائشة أنها سمعت النبي
(١٨)

يقول: ((لاتقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا)) هذا وإذا
سقط القطع عمن سرق أقل من ربع دينار فإنه لايسقط عنه التعزير
الرادع له عن المعاودة .
مايفيده الحديث
١ - أن السارق لاتقطع يده إلا إذا كان المال المسروق ربع دينار فصاعدا.
٠٠٪
٢ - أن من سرق أقل من ربع دينار لاتقطع يده
*****
٢ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه
وسلم قطع في مِجَنٌّ ثمنه ثلاثة دراهم)) متفق عليه .
المفردات
مِجَنُّ : قال الحافظ في الفتح : المجن بكسر الميم وفتح الجيم مِفْعَل
من الاجتنان وهو الاستتار مما يحاذره المستتر ،
وكسرت ميمه لأنه آلة في ذلك . اهـ وقديكون المجن
حَجَفَةً أو ترسا ، والحجفة بفتح الحاء والجيم ثم فاء
هي الدرقة وقدتكون من خشب أو عظم وتغلف
بالجلد أو غيره . والترس مثل الحجفة إلا أنه يطارق
فيه بين جلدين قال الحافظ في الفتح : وقيل
هما بمعنى واحد اهـ
ثمنه ثلاثة دراهم .: أى قيمة المجن كانت ثلاثة دراهم
(١٩)

البحث
لامعارضة بين حديث عائشة رضي الله تعالى عنها : ((لا تقطع يد
السارق إلا في ربع دينار فصاعدا)) وبين هذا الحديث فإن ربع دينار
صرفه ثلاثة دراهم على أساس أن الدينار اثنا عشر درهما ، وقد روى
البخاري رحمه الله تعالى حديث ابن عمر هذا من عدة طرق بهذا
اللفظ فأخرجه من طريق مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر
وأخرجه من طريق جويرية عن نافع عن ابن عمر وأخرجه من طريق
عبيدالله عن نافع عن ابن عمر ، وأخرجه من طريق موسى بن عقبة
عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما . كما أخرجه مسلم من
طريق يحيى بن يحيى عن مالك عن نافع عن ابن عمر بلفظ : أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع سارقا في مِجَنٍّ قيمته
ثلاثة دراهم . ثم قال مسلم : حدثنا قتيبة بن سعيد وابن رمح عن
الليث بن سعد ح وحدثنا زهير بن حرب وابن المثنی قالا : حدثنا
يحيى (وهو القطان) ح وحدثنا ابن نمير حدثنا أبي ح وحدثنا أبوبكر
ابن أبي شيبة حدثنا على بن مُسْهِر كلهم عن عبيدالله ح وحدثني
زهير بن حرب حدثنا إسماعيل (يعني ابن عُلَيَّةَ) ح وحدثنا أبوالربيع
وأبوكامل قالا : حدثنا حماد ح وحدثني محمد بن رافع حدثنا
عبدالرزاق أخبرنا سفيان عن أيوب السختياني وأيوب بن موسى
وإسماعيل بن أمية ح وحدثني عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي أخبرنا
أبونُعَيْم حدثنا سفيان عن أيوب وإسماعيل بن أمية وعبيدالله وموسى بن
(٢٠)