Indexed OCR Text
Pages 261-280
بثیب أو ثیب بیکر فإن حد الثيب غیر حد البکر فلكل واحد منهما حده الذي بينه الحديث الأول من أحاديث هذا الباب وكذلك قوله: ((الثيب بالثيب)). وإنما جاء التعبير بهذا الأسلوب لأن الغالب أن يكون زنى البكر بالبكر وزنى الثيب بالثيب. وأما قوله في الثيب ((جلد مائة والرجم)) فالظاهر أنه قدنسخ جلد الثيب قبل رجمه ، بدليل الحديث الأول من أحاديث هذا الباب فإنه لم يأمر بجلد التي زنى بها العسيف وإنما جعل حدها الرجم فقط كما أنه رجم ماعزا والغامدية والجهنية واليهودي و اليهودية ولم يثبت بخبر صحيح أنه جلدهم قبل الرجم . مايستفاد من ذلك ١ - أن حد الزاني البكر هو جلد مائة وتغريب عام . ٢ - وجوب الرجم للزاني الثيب حتى يموت . ٣ - أن هذا هو السبيل الذي وعد الله تبارك وتعالى بجعله للاتي يأتين الفاحشة من النساء ونسخ حبسهن في البيوت حتى الموت . ***** ٣ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى رجل من المسلمين رسولَ الله عَ ◌ِّ وهو في المسجد فناداه فقال : يارسول الله إني زنيت ، فأعرض عنه ، فتنحى تلقاء وجهه فقال : يارسول الله إني زنيت ، فأعرض عنه حتى ثَنَى ذلك عليه أربع مرات ، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((أبك جنون؟)) قال: لا. قال: ((فهل أحصنت ؟)) قال: نعم، فقال النبي عَّدٍ: ((اذهبوا به فارجموه)) متفق عليه. (٢٦١) المفردات أتَى رجلٌ من المسلمين : أى جاء رجل من أهل الإسلام وهو ماعز بن مالك الأسلمي رضي الله عنه . قيل : اسمه عريب ولقبه ماعز . وهو في المسجد: أى ورسول الله عَّ بالمسجد النبوي. إني زنيت : أى ارتكبت جريمة الزنا . فأعرض عنه: أى فنحيَّ رسول اللـه عَ له وجهه عن جهة الرجل الذي اعترف بالزنا إلى جهة أخرى . فتنحىَّ تلقاء وجهه : أى فتحول الرجل من الجانب الذي أعرض عنه النبي عَ ◌ّه إلى الجانب الذي أقبل عليه رسول الله عَ له . حتى ثَنَى ذلك عليه أربع مرات : أى حتى ردَّدَ وكرر الاعتراف عند رسول الله عَ ل أربع مرات. ((وثنى)) بفتح الثاء والنون المخففة من الثنى بمعنى التكرير والترديد والترجيع . فلما شهد على نفسه أربع شهادات : أی فلما أقر على نفسه بالزنا أربع مرات . دعاه رسول الله عَ له: أى ناداه رسول الله عَ ليه ليقبل عليه. فقال: « أبك جنون ؟ )) : أی فقال له رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم : هل أنت مصاب بمرض عقلي ؟ . قال: لا: أى قال الرجل للنبي عَ لّه: لست مجنونا. قال: فهل أحصنت: أى قال له رسول اللـه عٍَّ هل تزوجت وواقعت (٢٦٢) زوجتك ؟ . قال : نعم : أى قال الرجل : نعم تزوجت وصرت محصنا . اذهبوا به فارجموه : أى خذوه وارموه بالحجارة حتى يموت . البحث أخرج البخاري من حديث جابر بن عبدالله الأنصاري أن رجلا من أسلم أتى رسول الله عَّ فحدثه أنه قدزنى ، فشهد على نفسه أربع شهادات فأمربه رسول الله عَ لَّهِ فَرَّجِمَ وكان قدأُخْصِينَ. وقدروى البخاري ومسلم عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبدالرحمن ابن عوف وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة نحو حديث الباب الذي ساقه المصنف وفيه بعد قوله عَ ل: ((اذهبوا فارجموه)) قال ابن شهاب : فأخبرني من سمع جابر بن عبدالله يقول : فكنت فيمن رجمه ، فرجمناه بالمصلى فلما أذلقته الحجارة هرب فأدركناه بالحرة فرجمناه . وفي لفظ للبخاري من حديث جابر : أن رجلا من أسلم جاء النبي عَّ ◌َِّ فاعترف بالزنا فأعرض عنه النبي عَ المه حتى شهد على نفسه أربع مرات. قال له النبي عَّ له: ((أبك جنون؟)) قال: لا. قال: ((أحصنت؟)) قال: نعم، فأمر به فرجم بالمصلى ، فلما أذلقته الحجارة فَرَّ، فَأُدْرِكَ، فَرُجِمَ حتى مات ، فقال له النبي عَ ◌ّهِ خيرا ، وصلى عليه . وفي لفظ لمسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي عَ ◌ّم قال لماعز بن مالك: (( أحق ما بلغني عنك ؟ )) قال : ومابلغك عنى ؟ قال : مے (٢٦٣) ((بلغني أنك وقعت بجارية آل فلان)) قال: نعم، قال : فشهد أربع شهادات ثم أمر به فرجم. كما أخرج مسلم من حديث جابر بن سمرة قال: رأيت ماعز بن مالك حين جيء به إلى النبي عَه رجل قصير أعضلٌ ليس عليه رداء فشهد على نفسه أربع مرات أنه زنى فقال رسول الله عَ له: ((فلعلك؟)) قال: لا والله إنه قدزنى الأخِر قال: فرجمه، ثم خطب فقال: (( ألا كلما نفرنا غازين في سبيل الله خَلَفَ أحدُهم له نَبِيبٌ كنبيب التيس يمنح أحدهم الكثبة أما والله إن يُمْكِنِّي من أحدهم لَأنَكْلَنَّهُ عنه )) ومعنى قوله في حديث جابر بن سمرة ((الْأخر )) أى الأبعد قال ابن الأثير : الأخر بوزن الكبد هو الأبعد المتأخر عن الخير اهـ وقوله : له نبيب أى توقان وشدة شهوة وأصل النبيب صوت التيس عند السِّفاد ومعنى: يمنح أحدهم الكثبة أى يخدع المغيبة بقليل من مائه . ويمنح أى يعطي والكثبة هي القليل من اللبن وغيره . كما روى مسلم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه أن رجلا من أسلم يقال له ماعز بن مالك أتى رسول الله عَّ فقال: إني أصبت فاحشة فأقمه عليَّ ، فرده النبي عَّه مرارا، قال : ثم سأل قومه فقالوا : مانعلم به بأسا ، إلا أنه أصاب شيئا يرى أنه لا يخرجه منه إلا أن يقام فيه الحد . قال : فرجع إلى النبي عَ لِ فأمرنا أن نرجمه ، قال: فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد قال : فماأوثقناه ولاحفرنا له ، قال : فرميناه بالعظم ، والمدر ، والخزف، قال: فاشتد واشتددنا خلفه، حتى أتى عُرض الحرة (٢٦٤) فانتصب لنا فرميناه بجلاميد الحرة (يعني الحجارة) حتى سكت . قال: ثم قام رسول الله عَل خطيبا من العشيِّ فقال: ((أوَ كلما انطلقنا غُزَاة في سبيل الله تخلف رجل في عيالنا له نبيب كنبيب التيس ؟ عليَّ أن لاأوتي برجل فعل ذلك الا نكلت به . قال : فما استغفر له ولاسبه . وأخرج مسلم من طريق سليمان بن بريدة عن أبيه قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي عَ ةٍ فقال: يارسول الله طهرني فقال : ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه ، قال : فرجع غير بعيد ثم جاء فقال : يارسول الله طهرني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه)) قال: فرجع غير بعيد ثم جاء فقال: يارسول الله طهرني فقال النبي عَُّ مثل ذلك . حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : فيم أطهرك ؟ قال : من الزنى ، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أبه جنون؟)) فأخبر أنه ليس بمجنون ، فقال : ((أشرب خمرا؟))فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر. قال فقال رسول الله عَ له: ((أزنيت؟)) فقال: نعم. فأمر به فرجم الحديث . مايفيده الحديث ١ - أن الزنا وهو من أكبر الكبائر لايخرج الزاني من الإِسلام. ٢ - أن الإِقرار بالزنا أربع مرات . ٣ - لاعبرة بإقرار المجنون والسكران . (٢٦٥) ٤ - ينبغي درء الحد بقدر الاستطاعة . ٥ - وجوب رجم الزاني المحصن . ٦ - أنه لاجلد مع الرجم للزاني المحصن . ٧ - صيانة الأعراض والدماء . ٤ - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما أتى ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ((لعلك قَبَّلتَ أو غَمَزْتَ أَو نظرتَ؟ )) قال: لايارسول الله . رواه البخاري. المفردات لما أتى ماعز بن مالك إلى النبي عَةٍ: أى لماجاء ماعز بن ليقر أمامه بالزنا حتى يقام صَّاللّه مالك إلى النبي عليه عليه الحد . قال له: أى قال رسول الله عَ ل لماعز رضي الله عنه. لعلك قبَّلْتَ أو غمزت أو نظرت ؟ : أى لعلك لم يقع منك الزنا الحقيقي وهو المسافحة وإنما أطلقتَ الزنا على القبلة أو الغمز أو النظر إذ أن زنا الفم التقبيل وزنا العين النظر، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه والحد إنما يجب بالوقاع والفجور والمسافحة . والغمز هو الإشارة كالرمز بالعين والحاجب ، ويطلق على الجس واللمس (٢٦٦) بالید أيضا البحث روى البخاري في صحيحه من طريق ابن عباس عن أبي هريرة عن النبي عَ لٍ: إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا ، أدرك ذلك لامحالة ، فزنا العين النظر ، وزنا اللسان المنطق، والنفس تَمَنَّى وتشتهي ، والفرج يصدق ذلك كله ويكذبه . وقدأخرجه مسلم أيضا من طريق ابن عباس عن أبي هريرة عن النبي عَبج بلفظ البخاري إلا أنه قال: ((فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق)) وقال: ((والفرج يصدق ذلك أو يكذبه )) كما أخرجه مسلم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي عَ لّه قال: كُتِبَ على ابن آدم نَصيبه من الزنا مدرك ذلك لامحالة ، فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع ، واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش ، والرجل زناها الخطا ، والقلب يَهوى ويتمنى ، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه اهـ ولما أُطْلِقَ لفظُ الزنا على هذه الأعمال ، وأقر ماعز على نفسه بالزنا سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله ((لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت؟)) احتياطا لصيانة دمه ، وتأكيدا لصحة إقراره ، وسلامته ، وليدرأ الحد مااستطاع ، فصلوات الله عليه وسلامه ورحمته وبركاته . مایفیده الحدیث ١ - أن النظر إلى امرأة لاتحل قديسمى زنا ولكنه لاحد فيه وكذلك الغمز والتقبيل (٢٦٧) ٢ - أنه يجب على الحاكم أن لايعاجل المقر بالزنا بإقامة الحد عليه حتى يتأكد من صحة إقراره . ٣ - حرص الشريعة الإسلامية على صيانة الدماء والأعراض . ٥ - وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خطب فقال: ((إن الله بعث محمدا بالحق ، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل الله عليه آية الرجم ، قرأناها ، ووعيناها ، وعقلناها ، فرجم رسول الله عَ لّه ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمانٌ أن يقول قائل : مانجد الرجم في كتاب الله ، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله ، وإن الرجم حق في كتاب الله على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة ، أو كان الحبل ، أو الاعتراف)) متفق عليه المفردات خطب : أى تحدث إلى الناس يوم الجمعة من فوق منبر رسول الله عَ ◌ّه في أول خطبة جمعة خطبها بعد أن قدم من الحج سنة ثلاث وعشرين ، وقبل استشهاده رضي الله عنه بزمن قليل . بعث محمدا بالحق: أى أرسل محمدا عَّةٍ بالدين الثابت القيم . الكتاب : أى القرآن وبيانه . (٢٦٨) ٠ آية الرجم : أى آية فيها حكم رجم المحصن من الرجال والنساء سواء كانوا شبابا أو شيوخا ، ولم ينقل لنا بالتواتر لفظ الآية التى أشار إليها عمر رضي الله عنه ولاشك أنه لاتثبت القرآنية إلا بالنقل المتواتر أما مانقل آحادا فلاتثبت به القرآنية . ولاشك أنه قدنسخ اللفظ الذي أثبت حكم الرجم وبقي الحكم ثابتا بإجماع أهل السنة والجماعة الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله عَ ليه وخلفائه الراشدين رضي الله عنهم . قرأناها : أى تلونا آية الرجم عند نزولها وقبل نسخ لفظها . ووعيناها : أى وحفظنا المراد منها . وعقلناها : أى وضبطناها ضبطا ، وفهمناها فهما . فرجم رسول الله عَ له: أى ونفذ رسول الله عَ له حكم الرجم في الزاني المحصن والزانية المحصنة إذ رجم ماعزاوالغامدية والجهنية والتي زنى بها العسيف واليهودي واليهودية . ورجمنا بعده: أى ونفذنا نحن حكم الرجم بعد رسول الله عزدية ولم ينكره أحد من أصحاب رسول الله عَ لّه. فأخشى إن طال بالناس زمان : أى فأخاف إن تقادم العهد وتطاول الزمان على الناس بعد رسول الله عَ ليه . أن يقول قائل : مانجد الرجم في كتاب الله : أى أن يدعى (٢٦٩) إنسان أن الرجم غير مشروع لأنه ليس بموجود في القرآن نصا . وقدوقع ما توقعه الخليفة الراشد الملهم المحدث عمر رضي الله عنه فقد أنكر الرجم بعض أهل الأهواء وزعموا أنه ليس بموجود في القرآن . فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله : أى فينحرفوا عن الصراط المستقيم بإنكار حد من حدود الله تعالى التي شرعها وأنزل حكمها . وإن الرجم حق في كتاب الله : أى وإن الرجم ثابت قدجاء في القرآن في قوله تعالى: ((أو يجعل الله لهن سبيلا)) فهو السبيل الذي ذكره الله عزوجل مجملا وبينه رسول الله عَ ◌ّم بأنه جلد البكر ورجم الثيب إذا أحصن من الرجال والنساء : أى كان رجلا بالغا عاقلا حرا قدتزوج تزويجا صحيحا وجامع زوجته أو كانت امرأة حرة بالغة عاقلة قدتزوجت تزويجا صحيحا وجامعها زوجها . إذا قامت البينة : أى إذا ثبت الزنا بشهادة أربعة من الشهداء الذین یثبت بشهادتهم حد الزنا . أو كان الحبل : أى أو كانت المرأة وجدت حبلى من غير زوج ولم تدع أنها استكرهت أو كانت نائمة أو نحو ذلك (٢٧٠) ولم تدع أية شبهة تدرأ عنها الحد . أو الاعتراف : أى أو إقرار من زنى على نفسه إقرارا صحيحا خاليا من الشبهات . البحث أخرج البخاري رحمه الله هذا الحديث مطولا في ((باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت)) من طريق ابن شهاب عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال : كنت أُقْرِئٍ رجالا من المهاجرين منهم عبدالرحمن بن عوف ، فبينما أنا في منزله بمني ، وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها إذا رجع إلىّ عبدالرحمن فقال : لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم فقال : يا أمير المؤمنين ، هل لك في فلان يقول : لو قدمات عمر لقد بايعت فلانا ؟ فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فَلتة فتمت ، فغضب عمر ، ثم قال : إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فَمُحَذِّرُهُمْ هؤلاء الذين يريدون أن يغْصِبُوهُم أمورهم ، قال عبدالرحمن : فقلت : يا أمير المؤمنين ، لاتفعل ، فإن الموسم يجمع رَعَاعَ الناسِ وَغَوْغَاءَهُم ، فإنهم هم الذين يغلبُون على قربك حين تقوم في الناس ، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يُطَيِّرُهَا عنك كلَّ مُطَيِّر، وأن لايعوهَا ، وأن لايَضَعُوهَا على مواضعها، فأمهل حتى تقْدَمَ المدينة ، فإنها دار الهجرة والسُّنَّة ، فَتَخْلُصَ بأهْلِ الفِقه وأشراف الناس ، فتقول ماقلتَ مُتَمَكِّناً، فَيَعي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها، فقال عمر: أما والله إن شاء الله لأقومن بذلك أوَّل مَقَاعٍ أقومُهُ بالمدينة. قال ابن عباس (٢٧١) فقدمنا المدينة في عقِبٍ ذي الحجة ، فلما كان يومُ الجمعة عَجَّلْنَا الرَّواحَ حين زاغت الشمس حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيل جالسا إلى ركن المنبر ، فجلست حوله تَمَسُّ رُكْبَتِي رُكْتَهُ ، فلم أَنشَبْ أَن خرج عمر بن الخطاب ، فلما رأيته مقبلا قلت لسعيد بن زيد بن عمروبن نفيل : لَيَقُولَنَّ العَشِيَّةَ مَقَالَةً لم يَقُلْهَا مُنذُ استُخْلِفَ . فأنكر عَلَيَّ وقال : ماعَسَيتَ أن يقول مالم يقل قبله ؟ فجلس عمر على المنبر فلما سكت المؤذنون قام فأثنى على الله بماهو أهله ، ثم قال : أمابعد فإني قائل لكم مقالة قدقُدِّرَ لي أن أقولها ، لاأدري لعلها بين يدى أجلي، فمن عقلها ووعاها فَلْيُحَدِّثْ بِهَا حيث انتهت به راحلته ومن خَشِىَ أن لا يَعْقِلَهَا فلاأحِلُّ لأحد أن يكذب عليَّ . إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق ، وأنزل عليه الكتاب ، فكان مما أنزل الله آية الرجم ، فقرأناها وعقلناها ووعيناها رجم رسول الله عَل ورجمنا بعده ، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل : والله مانجد آية الرجم في كتاب الله ، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله ، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء ، إذا قامت البينة، أو كان الحَبَّلُ ، أو الاعتراف ثم إنا كنا نقرأ من كتاب الله : أن لاترغبوا عن آبائكم ، فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن أَبائكم أو إن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم ، ألا ثُمَّ إن رسول الله عَ لِّ قال: لاتُطْرُوني كما أَطْرِيَ عيسى بن مريم، وقولوا : عبدالله ورسوله)) ثم إنه بلغني أن قائلا منكم يقول : والله (٢٧٢) لومات عمر بايعتُ فلانا ، فلا يَغْتَرَّنَّ امرؤ أن يقول : إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت ، أَلَّا وإنها قدكانت كذلك ، ولكنَّ الله وَقَى شَرَّهَا ، وليس منكم مَنْ تُقْطَعُ الأَعْنَاقُ إليه مثل أبي بكر ، من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلايبايَعُ هو ولا الذي بَايعَهُ تَغِرّةَ أن يقتلا ، وإنه قدكان من خبرنا حين توفى الله نبيَّهُ عَ ◌ّ إلا أن الأنصار خَالَفُونًا، واجتمعوا بِأَسْرِهِم في سقيفة بني ساعدة ، وخالف عنا عليّ والزبير ومن معهما ، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر ، فقلت لأبي بكر : ياأبابكر انطَلِقْ بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار ، فانطلقنا نريدهم ، فلما دَنَوْنَا منهم لَقِيَنَا منهم رجلان صالحان فذكرا ماتَمَالَى عليه القوم فقالا : أين تريدون يامعشر المهاجرين ؟ فقلنا : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار ، فقالا : لاعليكم أن لاتَقْرَبُوهُمْ، اقْضُوا أَمْرَكُمْ ، فقلت : والله لَنَآتِيَنَّهُمْ ، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة ، فإذا رجل مُزَمَّلْ بين ظَهْرَانَيْهِمْ ، فقلت : من هذا ؟ فقالوا : هذا سعد ابن عُبادة ، فقلت : ماله ؟ قالوا : يُوعَكُ ، فلما جَلَسْنَا قليلا تَشْهَّدَ خَطِيبُهُمْ، فأثنى على الله بماهو أهله، ثم قال: أمابعد فَتَحنُ أنصار الله وكتيبة الإِسلام ، وأنتم معشر المهاجرين رهط ، وقددفَّتْ دافة من قومكم فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا ، وأن يَحْضُّنُونا من الأمر فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت زَوَّرْتُ مَقَآلَة أعجبتني أريد أن أُقَدِّمَهَا بين يدى أبي بكر ، وكنت أداري منه بعض الحدِّ ، فلما أردت أن أتكلم ، قال أبو بكر : على رِسْلِكِ ، فكرهت أن أُغْضِبَهُ ، فتكلم أبوبكر فكان هو أُحْلَمَ مني وأوقَرَ ، والله ماترك من (٢٧٣) كلمة أعجبتني في تزويري، إلا قال في بَدِيهَتِهِ مِثْلَهَا أو أَفْضَلَ منها حتى سَكَتَ فقال: ((ماذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل ، ولن يُعْرَفَ هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش ، هم أوسط العرب نَسّباً وداراً ، وقدرَضِيت لكم أحد هذين الرجلين ، فَبَائِعُوا أَيَّهُمَا شئتم ، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا فلم أُكْرَهْ مما قال غيرها . كان والله أنْ أَقَدَّمَ فَتُضْرَبَ عُنُقِي لايُقَرِّبُني ذلك من إثم أحبَّ إليَّ من أن أَتَأْمُّرَ على قوم فيهم أبوبكر ، اللهم إلا أن تُسَوَّلَ إليَّ نفسي عند الموت شيئا لاأجدُه الآن، فقال قائلُ الأنصار : أنا جُذَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ ، وعُذَيْقُهَا المُرَجَّبُ ، منا أمير ومنكم أمير يامعشر قريش، فَكَثِّرَ اللَّغَطُ ، وارتفعت الأصوات ، حتى فَقْتُ من الاختلاف فقلت : ابسط يدك ياأبابكر ، فبسط يده فَبَايَعْتُهُ وبايعه المهاجرون ، ثم بايعته الأنصار ، ونَزَونَا على سعد بن عبادة ، فقال قائل منهم : قتلتم سعد بن عبادة ، فقلت: قَتَلَ الله سعد بن عبادة ، قال عمر: وإنا والله ماوجدنا فيما حَضَرْنَا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر ، خشينا إِن فَارَقْنَا القومَ ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا ، فإما بايعناهم على مانرضى وإما تخالفهم فيكون فسادا ، فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين فلايُتَابَعُ هو ولا الذي بَايَعَهُ تَغِرَّةَ أَن يُقْتَلَا . اهـ هذا وقدروى البخاري من طريق سلمة بن كهيل قال : سمعت الشعبي يحدث عن علي رضي الله عنه حين رجم المرأة يوم الجمعة وقال: قدرجمتها بسنة رسول الله عَ ◌ّه . وقدوهم المجد (٢٧٤) ٠ ابن تيمية في المنتقى فنسب إلى البخاري أنه أخرج حديث الشعبي عن على بلفظ : أن عليا رضي الله عنه حين رجم المرأة ضربها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة وقال : جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم اهـ وليس في البخاري الجمع بين الرجم والجلد في حديث الشعبي عن علي والله أعلم . مایفیده الحديث ١ - ثبوت الرجم على الزاني المحصن وأنه حق من عند الله تعالى ٢ - أن الرجم قدجاء في آية نسخت وبقي حكمها الذي أثبته بعد نسخها رسول الله عَ ليه ٣ - أنه لايطعن على ثبوت حكم الرجم أحد من أهل السنة والجماعة . ٤ - أن إجماع أصحاب رسول الله عَبٍ على ثبوت حكم الرجم. ٥ - أن ذهاب بعض أهل الأهواء من الجاهلين إلى إنكار الرجم هو ما توقعه الخليفة الراشد المُلْهَمُ المحدَّثُ أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه . ٦ - لا يجوز أن يثبت في المصحف شيء منسوخ التلاوة. ٧ - حرص أصحاب رسول الله عَ لله على تثبيت أصول الشريعة وحدودها وأحكامها . ٨ - أن من وجدت حبلى بلازوج ولم تدع شبهة في أسباب حملها يثبت عليها الحد . ٩ - أنه إذا قامت البينة على محصن بأنه زنى فإنه يرجم . ١٠ - أنه إذا اعترف المحصن على نفسه بالزنا رجم. (٢٧٥) ٦ - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا زنت أَمَةُ أَحدكم فتبين زناها فَلْيَجْلِدْهَا الحدَّ، ولا يُثَرِّبُ عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحدَّ ولا يُثَّرِّبْ عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فَلْيَبِعْهَا ولوبحَبْل من شَعَر )) متفق عليه وهذا لفظ مسلم . المفردات إذا زنت أمة أحدكم : أى إذا ارتكبت مملوكة أحدكم جريمة الزنا . فتبين زناها : أى فتحقق منها الزنا وثبت بالبينة أو الاعتراف . فليجلدها الحد : أى فليعمل على إقامة حد الزنا عليها الثابت بقوله تعالى في حق الإِماء . ﴿ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾ والمراد بالفاحشة في الآية الزنا والمراد بالمحصنات فيها الحرائر والذي يمكن تنصيفه من الحد هو الجلد فتجلد الأمة خمسین جلدة إذا زنت . ولا يُثَّرِّبْ عليها : أى ولايُعَنِّفْهَا ولا يُعَيِّرْهَا بعد إقامة الحد عليها . فالتثريب اللوم والتعنيف والتعبير والتوبيخ . ثم إن زنت فليجلدها الحد : أى ثم إن وقع منها الزنا مرة ثانية فليعمل على إقامة الحد عليها . فليبعها ولو بِحَبْل من شَعَر : أى فليبعها ولوبثمن بخس ، إذ أن (٢٧٦) مثلها لايحرص عليه ، ولعلها إذا بيعت بسبب تكرير الزنا منها ترتدع وتبتعد عن معاودة ارتكاب هذه الجريمة . البحث ليس المراد من بيع الأمة إذا تكرر زناها هو التخلص منها ولويبلوى غيره بها إذ أن المعلوم من قواعد الشريعة أنه لا يحل للمسلم أن يبيع شيئا معيبا دون أن يبين للمشتري مافيه من العيب ، والمفهوم من قوله عليه السلام: ((ولويحبل من شعر)) أن البائع يبين عيبها للمشتري ولذلك يكون ثمنها زهيدا إذ أن بعض الناس قديكون أقدر على صيانة أمته من الوقوع في الجريمة أكثر من غيره وأن يكون أقدر على إعفافها من . البائع . وذكر الحبل من الشعر إنما هو للمبالغة في الحرص على عدم معاشرة من عرفت بالفسق من الإِماء مع عجزه عن صيانتها ، إذ أن حبل الشعر لايكون ثمنا لأمة وإنما هو على حد قوله صلى الله عليه وسلم: ((من بنى لله مسجدا ولوكمفحص قطاة)) لأن قدر المفحص لايتمكن أحد من اتخاذه مسجدا . وقدأورد البخاري رحمه الله هذا الحديث في باب ((إذا زنت الأمة)) من طريق مالك عن ابن شهاب عن عبيدالله بن عبدالله عن أبي هريرة وزيد بن خالد رضي الله عنهما أن رسول الله عَ له سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن قال : إذا زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولوبضفير)) ثم قال البخاري ((باب لايُثَرِّبُ على الأمة إذا زنت ولاتُنْفَى )) ثم ساق من طريق الليث عن سعيد المقبري (٢٧٧) عن أبي هريرة أنه سمعه يقول: قال النبي عَبّةٍ ((إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يُثَرِّبْ ثم إن زنت فليجلدها ولايثرب، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولوبحبل من شعر)) وأخرجه مسلم من طريق الليث عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أنه سمعه يقول : سمعت رسول الله عَدُ يقول: ((إذا زنت أمة أحدكم)). الحديث باللفظ الذي ساقه المصنف . ثم أخرج مسلم من طريق مالك عن ابن شهاب عن عبيدالله بن عبدالله عن أبي هريرة أن رسول الله بّ سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن قال: ((إن زنت فاجلدوها)) الحديث باللفظ الذي سقته عن البخاري من رواية أبي هريرة وزيد بن خالد رضي الله عنهما ، هذا وليس قوله في حديث مالك عند البخاري ومسلم: ((ولم تحصن )) دليلا على أن الأمة إذا زنت بعد الزواج يتغير هذا الحكم في حقها لأن قوله تعالى: ﴿ فإذا أُحصنَّ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ماعلى المحصنات من العذاب صريح في أن حدها بعد الإِحصان هو نصف عذاب الحرائر ، والذي يتنصف من عذاب الحرائر هو الجلد لاالرجم كما أشرت في مفردات حديث الباب . فتكون الآية أثبتت حد الأمة الزانية بعد الإحصان ويكون حديث مالك قدأثبت حد الأمة الزانية قبل الإحصان وهو عين حد الأمة المحصنة والله أعلم . مايفيده الحديث ١ - أن من ارتكب ذنبا وأقيم عليه الحد ثم ارتكبه مرة أخرى أقيم (٢٧٨) عليه الحد كذلك ٢ - أنه لايليق بمسلم أن يخالط من عرف بالفسق . ٣ - أن مفارقة غير العفيف قدتردعه وتتسبب في صلاح حاله . ٤ - أن الأمة إذا زنت فحدها الجلد سواء كانت بكرا أم ثيبا. ٥ - أنه لايحل لمسلم أن يبيع شيئا معيبا دون أن يبين للمشتري مافيه من العيب ٧ - وعن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أقيموا الحدود على ماملكت أيمانكم)) رواه أبوداود وهو في مسلم موقوف . المفردات أقيموا الحدود : أى نفذوا العقوبات المقدرة شرعا على ماملكت أيمانكم : أى على أُرِقَّائِكُمـ البحث قال في تلخيص الحبير : حديث روى أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((أقيموا الحدود على ماملكت أيمانكم)) أبو داود والنسائي والبيهقي من حديث علي ، وأصله في مسلم موقوف من لفظ على في حديث . وغفل الحاكم فاستدركه اهـ أماحديث مسلم الموقوف على عَلِيِّ رضي الله عنه الذي أشار إليه المصنف فقد قال مسلم : حدثنا (٢٧٩) محمد بن أبي بكر الْمُقَدَّمِىُّ حدثنا سليمان أبوداود حدثنا زائدة عن السُّدِّي عن سعد بن عُبَيْدَةَ عن أبي عبدالرحمن قال : خطب عليّ فقال : ياأيها الناس أقيموا على أرقائكم الحدَّ، من أحْصَنَ منهم ومن لم يُحْصِنْ، فإن أَمَّةً لرسول الله عَ لِّ زنت فأمرني أن أجلدها فإذا هي حديث عهد بنفاس ، فخشيت إن أنا جلدتها أن أقتلها ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((أحسنت)) وحدثناه إسحاق بن إبراهيم أخبرنا يحيى بن آدم حدثنا إسرائيل عن السُّدِّي بهذا الإسناد ولم يذكر ((من أحصن منهم ومن لم يحصن)) وزاد في الحديث: ((اثْرُكُهَا حتى تماثل)) اهـ وقوله: تماثل أصله تتماثل أى تقارب البرء . مايفيده الحديث ١ - أن الأمة إذا زنت وجب إقامة الحد عليها سواء كانت متزوجة أو غير متزوجة . ٢ - أن حد المماليك هو الجلد مطلقا ٣ - أنه يجب على السيد أن يحرص على إقامة الحد على رقيقه إذا زنى ٤ - أن الذي يأمر بإقامة الحد هو الإِمام أو نائبه. ٨ - وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة أتت النبي عَ ◌ّه وهي حُبْلَى من الزنا، فقالت : يانبى الله أصبت حَداً، فأقمه عليَّ، فدعا رسول الله عٍَّ ولِيَّهَا، فقال: ((أُحْسِنْ إليها، فإِذا وَضَعَتْ فَأَتِنِي بها )) ففعل، فأَمَرَّ بها فَشُكَّتْ (٢٨٠)