Indexed OCR Text
Pages 41-60
آدم خلق من تراب من غير أب ولاأم فقد خلقت حواء من ضلعه ، من غير أم . كما خلق الله تعالى عيسى با النفخ في أمه مريم من غير أب وقد أغرب النووي فقال في قوله : ((إن المرأة خلقت من ضلع)): فيه دليل لما يقوله الفقهاء أو بعضهم أن حواء خلقت من ضلع آدم قال الله تعالى: (( خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها )) وبين النبى عَ لّ أنها خلقت من ضلع)) وقد جعل الحافظ في الفتح هذا القول من غرائب النووي إذ قال الحافظ رحمه الله في قوله : فإنهن خلقن من ضلع)): وكأن فيه إشارة إلى ماأخرجه ابن إسحاق في (المبتدأ )) عن ابن عباس أن حواء خلقت من ضلع آدم الأقصر الأيسر وهو نائم وكذا أخرجه ابن أبي حازم وغيره من حديث مجاهد ، وأغرب النووي فعزاه للفقهاء أو بعضهم )) اهـ وليس لقائل أن يقول : إن المراد تشبيه المرأة في اعوجاج طبيعتها بالضلع الأعوج بدليل مارواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله عَ له قال: ((المرأة كالضلع)) أقول: إنه لامعارضة بين حديث : خلقن من ضلع . وحديث : المرأة كالضلع لأن تشبيه الشىء بأصله أمر شائع ذائع في اللغة العربية فإنك تقول للرجل : أنت من أبيك وتقول له : أنت كأبيك. وقال الحافظ في الفتح في قوله (( خلقن من ضلع )) وهذا لا يخالف الحديث الماضي من تشبيه المرأة بالضلع بل يستفاد من هذا نكتة التشبيه وأنها عوجاء مثله لكون أصلها منه اهـ هذا والمقصود من هذا الحديث العظيم هو حث الأزواج على حسن معاملة الزوجات (٤١) والصبر على ماقد يقع منهن من الأذى في غير عفافهن ، وهو عامل مهم من عوامل تثبيت أركان الأسرة في الإِسلام وصيانة الحياة الزوجية من أسباب الانهيار لما جُرِّبَ من شدة انسياق المرأة وراء عواطفها ، بخلاف الرجل الذي هو المسئول الأول في البيت وله القوامة فيه ، وعليه تبعات هذه القوامة وقد أشار رسول الله عَ لّه إلى أن المرأة المؤمنة لاتخلوا من خير فإن كره الرجل منها خلقا رضى منها خلقا آخر ففي لفظ لمسلم من حديث أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله سَ لِّ قال: لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضى منها آخر أو قال : غيره . وقوله في أول هذا الحديث : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلايؤذي جاره )) ثم قوله: ((واستوصوا بالنساء خيرا)) قال الحافظ في الفتح : هما حديثان يأتي شرح الأول منهما في كتاب الأدب، وقد أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن حسين بن علي الجعفي شيخ شيخ البخاري فيه فلم يذكر الحديث الأول، وذكر بدله: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإذا شهد امرؤ فليتكلم بخير أوليسكت )) والذي يظهر أنها أحاديث كانت عند حسين الجعفي عن زائدة بهذا الإِسناد فربما جمع وربما أفرد ، وربما استوعب وربما اقتصر اهـ هذا وقد روى البخاري رحمه الله هذا الحديث في باب المداراة مع النساء)) من طريق الأعرج عن أبي هريرة بلفظ: أن رسول الله عَ طله قال: ((المرأة كالضُّلْع إن أقمتها کسرتها وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عِوَجٌ . وساقه في باب الوصاة بالنساء من طريق أبي حازم عن أبي هريرة رضى الله عنه (٤٢) عن النبى عَ ◌ّ باللفظ الذي ساقه المصنف. أما مسلم رحمه الله فقد ساقه بعدة ألفاظ فرواه من طريق ابن المسيب عن أبي هريرة رضى الله عنه بلفظ قال: قال رسول الله عَ ◌ّه: ((إن المرأة كالضلع، إذا ذهبت تقيمها كسرتها وإن تركتها استمتعت بها وفيها وج)) وأخرجه من طريق الأعرج عن أبي هريرة بلفظ قال : قال رسول الله عَو ◌ٍّ : إن المرأة خلقت من ضلع ، لن تستقيم لك على طريقة ، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج ، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها)) وأخرجه من طريق أبي حازم عن أبي هريرة عن النبى عَّةٍ بلفظ: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فإذا شهد أمرا فليتكلم بخير أو ليسكت ، واستوصوا بالنساء ، فإن المرأة خلقت من ضلع ، وإن أعوج شىء في الضلع أعلاه . إن ذهبت تقيمه كسرته ، وإن تركته لم يزل أعوج ، استوصوا بالنساء خيرا )) اهـ ما يفيده الحديث ١ - تحريم أذى الجار ولاسيما الزوجة. ٢ - وجوب الإِحسان إلى الزوجات . ٣ - ينبغي للزوج أن يصبر على ماقد يبدر من زوجته من أذى مادام لم يتصل بعفافها . ٤ - أن المرأة قد يسبق لسانها بأذى لزوجها رغما عنها وهى لاتريد أن تؤذيه . ٥ - حرص الإسلام على صيانة الأسرة من أسباب الانهيار . (٤٣) ٦ - قوامة الرجل على المرأة . ** *** ٤ - وعن جابر رضى الله عنه قال: كنا مع النبى عَادٍ في غزاة فلما قدمنا المدينة ذهبنا لندخل، فقال: ((أَمْهِلُوا حتى تدخلوا ليلا ( يعني عِشَاءً ) لكى تمتشط الشَّعِثَةُ، وتستحد المُغِيبَةُ)) متفق عليه . وفي رواية للبخاري : إذا أطال أحدكم الغَيْبَةَ فلا يَطْرُقْ أهله ليلا)) المفردات كنا : يريد جابر رضى الله عنه أنه كان في جملة من أصحاب رسول الله عَّةٍ ورضى الله عنهم. في غزاة : أى في غزوة والمراد بها هنا غزوة تبوك . فلما قدمنا المدينة : أى اقتربنا من المدينة المنورة قافلين . ذهبنا لندخل : أى تهيأنا لدخول المدينة المنورة . أمهلوا : أى تريثوا ولا تَتَعَجَّلُوا في الدخول على زوجاتكم . حتى تدخلوا ليلا : أى حتى يكون وصولكم إلى أهلكم عِشَاء كما جاء مفسرا في الحديث فالمراد من الليل هنا أوله في وقت العشاء . تمتشط : أى ترتب الشعر بالمشط وتجعله على هيئة حسنة فالامتشاط هو استعمال المشط . الشَّعِئَةُ : بفتح الشين وكسر العين بعدها ثاء هى التي لم تدهن (٤٤) شعرها ولم تمشطه فاغبر وتلبد وتوسخ . وكان من عادات النساء أن تتشعث المرأة إذا سافر زوجها فتترك شعرها دون تمشيط أو دهان . وتستحد المُغِيبَةُ : أصل الاستحداد هو استعمال الحديدة في شعر العانة وهو إزالته بالموسى والمراد هنا إزالته بأى مزيل كان . والمُغِيبَةُ بضم الميم وكسر الغين وإسكان الياء هى التي غاب عنها زوجها . ويقال للتي حضر زوجها مُشْهِد بلاهاء . وفي رواية للبخاري : أى من حديث جابر رضى الله عنه . الغَيْبَة : بفتح الغين هى الغياب في السفر . بخلاف الغيبة بكسر الغين فهى ذكرك أخاك بالعيب في ظهر الغيب وليست مرادة هنا . بل المراد الأول . يطرق : قال الحافظ في الفتح : قال أهل اللغة : الطُّروق بالضم المجىء بالليل من سفرأو من غيره على غفلة. ويقال لكل آت بالليل طارق اهـ ثم قال في موضع آخر : وقال بعض أهل اللغة : أصل الطروق الدفع والضرب وبذلك سميت الطريق لأن المارة تدقها بأرجلها، وسمي الآتي بالليل طارقا لأنه يحتاج غالبا إلى دق الباب ، وقيل أصل الطروق : السكون ومنه أطرق رأسه ، فلما كان (٤٥) الليل يُسكن فيه سمي الآتي فيه طارقا اهـ ويظهر أن هذا الاستعمال هو الغالب وقد يقال لمن يأتي على غفلة ولو كان بالنهار طارقا ، ولذلك يقال في الاستعاذة : ونعوذ بك من شر كل طارق يطرق بليل أو نهار إلا طارقا يطرق بخير يارحمن . ولذلك جاء في لفظ حديث البخاري : ((فلايطرق أهله ليلا)) مما يشعر باستعمالها للقادم المفاجىء بليل أو نهار . البحث هذا الحديث أيضا من وصايا رسول الله عَةٍ في الحرص على الإِحسان إلى الزوجات وحسن معاشرتهن ، والعمل على صيانة الحياة الزوجية من أسباب الانهيار ، وهو من أمثلة رفق الإِسلام بالمرأة ومراعاة شعورها مما لا نظير له في غير دين الإِسلام ، هذا الدين العظيم الذي رفع المرأة من الحضيض التي كانت فيه في الجاهلية الأولى ، والتي لاتزال فيه في الجاهلية الأخيرة كذلك . وفي كل مجتمع لايستمسك بدين الإسلام ، وهو رد على هؤلاء الببغاوات من مقلدة أعداء الإسلام الداعين إلى مايسمونه بتحرير المرأة وهم لايريدون سوى تحريرها من كل خلق كريم ووقوعها في كل رجس أثيم . وقد أورد البخاري رحمه الله هذا الحديث عن جابر رضى الله عنه بلفظ قال : كان النبى عَ ل يكره أن يأتي الرجل أهله طروقا. وباللفظ الذي ساقه المصنف في الرواية الأخرى عنه وساقه أيضا من طريق مسدد عن هشيم (٤٦) عن سيَّار عن الشعبي عن جابر قال: كنت مع رسول الله عَ له في غزوة ، فلما قفلنا تَعَجَّلْتُ على بعير قَطُوفٍ ، فلحقني راكب من خلفي، فالتفت، فإذا أنا برسول الله عَ ◌ّه قال: ((ما يُعْجِلُكَ؟)) قلت: إني حديث عهد بعرس، قال: ((فبكرا تزوجت أم ثيبا ؟)) قلت: بلى ثيبا. قال: ((فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك)) قال : فلما قدمنا ذهبنا لندخل، فقال: (( أمهلوا حتى تدخلوا ليلا - أى عشاء - لكى تمتشط الشعثة وتستحد المُغِيبَة)) قال : وحدثني الثقة أنه قال في هذا الحديث ((الكَيْسَ الكيس ياجابر)) يعني الولد اهـ وقوله هنا : حدثني الثقة المراد بالثقة هنا هو هشيم شيخ مسدد ، ثم ساقه البخاري أيضا من حديث جابر رضى الله عنه بلفظ : أن النبى عَو ◌ٍّ قال: ((إذا دخلت ليلا فلا تدخل على أهلك حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة)) قال: قال رسول الله عَ ليه: ((فعليك بالكيس الكيس )) وساقه أيضا بلفظ عن جابر رضى الله عنه قال : كنا مع النبى عٍَّ في غزوة فلما قفلنا كنا قريبا من المدينة ، تعجلت على بعير لى قَطوف، فلحقني راكب من خلفي، فنخس بعيري بعنزة كانت معه ، فسار بعيري كأحسن ماأنت راءٍ من الإِبل ، فالتفت فإذا أنا برسول الله عَ لّله فقلت: يارسول الله إني حديث عهد بعرس قال: ((أتزوجت؟)) قلت نعم. قال: (( أبكرا أم ثيبا ؟ قال: قلت بل ثيبا. قال: ((فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك؟)) قال : فلما قدمنا ذهبنا لندخل، فقال: (( أمهلوا حتى تدخلوا ليلا - (٤٧) أى عشاء - لكى تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة)) وقد تقدمت بعض ألفاظ حديث البخاري أيضا في بحث الحديث الخامس من أحاديث البيوع . أما مسلم رحمه الله فساقه من طريق يحيى بن يجى عن هشيم عن سيار عن الشعبي عن جابر بن عبدالله رضى الله عنهما قال: كنا مع رسول الله عَ ◌ّةٍ في غزاة فلما أقبلنا تعجلت على بعير لي قطوف فلحقني راكب خلفي فنخس بعيري بِعَنَزَّةً كانت معه ، فانطلق بعيري كأجود ماأنت راء من الإِبل ، فالتفتُّ فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((مايعجلك ياجابر؟)) قلت : يارسول الله إني حديث عهد بعرس فقال: (( أبكرا تزوجتها أم ثيبا؟)) قال: قلت: بل ثيبا. قال: ((هلا جارية تلاعبها وتلاعبك)) قال فلما قدمنا المدينة ذهبنا لندخل، فقال: ((أمهلوا حتى ندخل ليلا - أى عشاء - كى تمتشط الشعثة ، وتستحد المغيبة)) قال: وقال: ((إذا قدمت فالكيسَ الكيس)) وفي لفظ لمسلم قال: قال: ((أما إنك قادم، فإذا قدمت . فالكيسَ الكيس)) وفي لفظ له عن جابر رضى الله عنه قال قال رسول الله عَ له: ((إذا قدم أحدكم ليلا فلايأتين أهله طروقا حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة)) وفي لفظ له من حديث جابر قال: نهى رسول الله عَّ إذا أطال الرجل الغيبة أن يأتى أهله طروقا . وفي لفظ له من حديث جابر رضى الله عنه قال: نهى رسول الله عَ لٍ أن يطرق الرجل أهله ليلا يتخونهم أو يلتمس عثراتهم . قال سفيان : لاأدري هذا في الحديث (٤٨) أم لا يعني أن يتخونهم أو يلتمس عثراتهم . وقوله في الحديث ((على بعير لى قطوف)) القطوف بفتح القاف هو البطىء في المشي . هذا ولامعارضة بين قوله في الحديث: (( أمهلوا حتى تدخلوا ليلا )) وبين رواية البخاري: ((فلايطرق أهله ليلا)) فإن المراد بالليل في الحديث الأول هو أوله وهو وقت العشاء كما جاء مفسرا في نفس الخبر . والمراد بالليل المنهي عن الدخول على الأهل فيه هو ماكان بعد ذلك مما تكون المرأة فيه قد نامت غالبا وقد بين رسول الله عَ له الحكمة في النهي عن الطروق ليلا وهو عدم مفاجأة المرأة حتى تتهيأ لزوجها بإزالة شعثها والاستعداد له حتى لاتقع عينه منها على شىء قد ينفره منها . وعلى هذا فإذا أخبر الزوج زوجته بوقت وصوله قبل أن يصل بوقت كاف تتمكن فيه من التهيؤ له جاز له أن يدخل عليها بلاحرج في ليل أو نهار قال في الفتح وقد صرح بذلك ابن خزيمة في صحيحه ثم ساق من حديث ابن عمر قال قدم النبى عٍَّ من غزوة فقال : لا تطرقوا النساء وأرسل من يؤذن الناس أنهم قادمون اهـ كما أنه لاينبغي له أن يفاجئها بوصوله حتى ولوكان بالنهار لنفس الحكمة التي أشار إليها رسول الله عَ ليه . وقد أورد مسلم من حديث أنس رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لايطرق أهله ليلا وكان يأتيهم غدوة أو عشية . مايفيده الحديث ١ - استحباب أن تتزين المرأة لزوجها . (٤٩) ٢ - كراهة مفاجأة الرجل المسافر زوجته بالحضور عندها دون علم سابق لها بوقت وصوله . ٣ - استحباب التلطف في معاملة النساء . ٤ - الحض على ما يجلب التحابب بين الزوجين . ٥ - تكريم الإسلام للمرأة . ٦ - الحض على قضاء حاجة الزوج من زوجته . ٧ - الحض على قضاء حاجة الزوجة من زوجها . ٨ - حض الزوجين على طلب الولد . ٩ - الحظر من تحديد النسل . ١٠ - الاحتراز من تتبع عورات المسلمين . ١٢ - كراهية مباشرة المرأة في حالة لاتكون متهيئة فيها لزوجها . ١٣ - أن ما أمرت به الشريعة من إزالة الشعر من بعض مواضع الجسم ليس داخلا في النهي عن تغيير خلق الله . ١٤ - الحض على الابتعاد عما يسىء الظن بالمسلم . ١٥ - لاينبغي للزوج أن يعمل مع زوجته عملا تظن منه أنه ينسبها للخيانة . ٥ - وعن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه قال : قال رسول الله عَبٍ: ((إن شر الناس عند الله منزلةً يوم القيامة الرجلُ يُفْضِي إلى امرأته وتُفْضِي إليه ثم يَنْشُرُسرَّها)) أخرجه مسلم. (٥٠) المفردات شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة : أى أسوأ بني آدم مكانة عند الله في الدار الآخرة . يفضي إلى امرأته وتفضي إليه : أشار في القاموس إلى أن قولهم : أفضى إلى امرأته بمعنى واقعها أو خلابها . وظاهر قوله : يفضي إليها وتفضي إليه يفيد أن المراد أنه يُوقفها من سره وتوقفه من سرها على مالايطلع عليه عادة سواهما مما يحصل بين الزوج وزوجته . ثم ينشر سِرّها : أى ثم يفضحها ويذيع مامن حقه أن يبقى مستورا بينهما . البحث هذا الحديث العظيم مثلٌ آخر من أمثلة تربية الزوجين على صيانة أسرارهما ومحافظة الزوج على ماقد يقع عليه من مستور زوجته ، ومحافظة الزوجة على ماقد تقع عليه من مستور زوجها ، وفيه تنمية للمروءة بينهما مما يعمل على صيانة البيوت الإسلامية من أسباب الانهيار وأنه لا يحل لأحد الزوجين أن يذكر لأحد مايكون بينه وبين زوجه ولاسيما فيما يتصل بحالة الاستمتاع بينهما ، ومايتصل بذلك ، وقد ساق المصنف هذا الحديث في البلوغ هنا بلفظ ((إن شر الناس) ولكن الذي في مسلم هو: (( إن من أشر الناس)) ولعل المصنف ذكر الرواية بالمعنى . ولعل الذي حمله على ذلك هو مايدعيه أهل النحو (٥١) من أنه لا يجوز أن يقال : أشر ، وأخير وإنما يقال : هو خير منه كما يقال : هو شر منه . قال النووى نقلا عن القاضي : وقد جاءت الأحاديث الصحيحة باللغتين جميعا وهى حجة في جوازهما جميعا وأنهما لغتان اهـ وقد روى مسلم رحمه الله عقب هذا الحديث في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها )) وفي لفظ : إن أعظم الأمانة . وهو إشعار بان مايفضي به الرجل إلى امرأته وتفضي به إليه هو أمانة في أعناقهما لايحل لهما بحال أن يخونا فيها بإفشاء هذا السر الذي يكون بينهما . هذا . أما ماقد يضطر إليه الرجل أو تضطر إليه المرأة من وصف مايكون بينهما عندالحاكم فإن ذلك يجوز بقدر الضرورة ، كما مر في بحث الحديث رقم ٣٠ من كتاب النكاح من قصة المرأة التي طلقها زوجها ثلاثا فتزوجت بعده ولم تجد عنده شيئا فوصفته لرسول الله عَ ل بأنه ليس معه إلا مثل هدبة الثوب ولم ينكر عليها رسول الله عَ ةٍ . هذا وقد حرمت الشريعة الإسلامية كذلك على المرأة أن ترى امرأة أجنبية فتصفها لزوجها أو لغيره دون قصد شرعي لما في ذلك من المفاسد ، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث عبدالله بن مسعود رضى الله عنه قال: قال النبى عَ ◌ّله: ((لا تباشر المرأة المرأة فَتَنْعَتَهَا لزوجها كأنه ينظر إليها)) وإذا كانت الشريعة تحرم على المرأة أن تنعت امرأة أجنبية لزوجها (٥٢) كأنه ينظر إليها فإنها تحرم عليها أن تنعتها لغير زوجها من باب أولى إلا لقصد شرعي كما أشرت . والله أعلم مايفيده الحديث ١ - تحريم إنشاء المرأة سر زوجها وما يكون بينهما لغير قصد شرعي . ٢ - تحريم إفشاء الرجل سر زوجته ومايكون بينهما لغير قصد شرعي . ٣ - أن إفشاء هذا السر من الكبائر . ٤ - حرص الإسلام على صيانة البيوت الإِسلامية من أسباب الانهيار ٥ - الحض على حسن العشرة بين الزوجين . ٦ - وعن حكيم بن معاوية عن أبيه رضى الله عنه قال : قلت : يارسول الله ما حق زوج أحدنا عليه؟ قال: ((تُطْعِمُهَا إذا أكلتَ، وتكسوها إذا اكتسيتَ ، ولا تضرب الوجهَ، ولا تُقَبِّحْ، ولا تَهْجُرْ إلا في البيت)) رواه أحمد وأبوداود والنسائي وابن ماجه وعلق البخاري بعضه ، وصححه ابن حبان والحاكم . المفردات حكيم بن معاوية : هو حكيم بن معاوية بن حيدة بن معاوية بن قشير ابن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة القشيري أبوبهز من الثالثة ، وقد تقدمت ترجمة بهز في الحديث السادس من كتاب الزكاة . وقد علق البخاري له ولأبيه (٥٣) في غير موضع من صحيحه وقال في كتاب الغسل في باب من اغتسل عريانا وقال بهز عن أبيه عن جده عن النبى عَّ : الله أحق أن يستحيا منه من الناس اهـ عن أبيه : هو معاوية بن حيدة القشيري أحد أصحاب رسول الله عَّ ◌ُلله ورضى الله عنهم. ماحق زوج أحدنا عليه : أى ماذا يثبت للزوجة على زوجها من الحق . تُطْعِمُهَا إذا أكلت : أى تطعمها من طعامك وتعطيها حاجتها من الأكل الذي يتيسر لك بالمعروف . وتكسوها إذا اكتسيت : أى وتقدم لها من الكسوة التي تتيسر لك ماتحتاجها بالمعروف . ولا تضرب الوجه : أى وإذا ضربتها تأديبا فاجتنب أن تصيب وجهها . ولا تقبح: أى ولا تسمعها كلاما تكرهه ولا تقل لها : قَبَّحَكِ الله، ولاتعب حديثها ، ومنه قوله في حديث أم زرع : ((فعنده أقول فلا أقبح )) ولا تهجر إلا في البيت : أى لايكن هجرك لامرأتك إلا في المنزل إن أردت تأديبها بالهجران ، امتثالا لقوله تعالى: (( واهجروهن في المضاجع)) قال الحافظ في الفتح : واختلف أهل التفسير في المراد بالهجران ، فالجمهور على أنه ترك الدخول عليهن والإِقامة عندهن على ظاهر الآية وهو من الهجران وهو (٥٤) البعد ، وظاهره أنه لايضاجعها وقيل : المعنى يضاجعها ويوليها ظهره ، وقيل يمتنع عن جماعها ، وقيل يجامعها ولا يكلمها، وقيل ((اهجروهن)) مشتق من الهُجر بضم الهاء وهو الكلام القبيح ، أى أغلظوا لهن في القول . وقيل مشتق من الهجار وهو الحبل الذي يشد به البعير يقال : هجر البعير إذا ربطه ، فالمعنى أوثقوهن في البيوت واضربوهن قاله الطبري وقواه واستدل له ، ووهاه ابن العربي فأجاد اهـ وأضم رأيى إلى رأى ابن العربي والحافظ ابن حجر في توهين هذا التفسير الأخير لمعنى الهجران الذي قواه الطبري ، وهو قمن بالرد والهجر . وعلق البخاري بعضه : أى قال البخاري في صحيحه في باب هجرة النبى عَ ب٣ نساءه في غير بيوتهن . قال : ويُذكر عن معاوية بن حيدة رفعه: ((غير أن لاتهجر إلا في البيت)) والأول أصح اهـ ويعني بقوله : والأول أصح هو حديث أنس الذي قبل هذا الباب عند البخاري أن النبى معَ لّهِ آلى من نسائه شهرا وقعد في مشرُبة له )) إذ هو دليل على جواز الهجر في غير البيت . وهو أصح سندا من حديث معاوية ابن حكيم القشيري عن أبيه رضى الله عنه . (٥٥) البحث قال الحافظ في الفتح في قوله ((رفعه ولاتهجر إلا في البيت)): في رواية الكشميهني («غير أن لاتهجر إلا في البيت)» وهذا طرف من حديث طويل أخرجه أحمد أبوداود والخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) وابن منده في ((غرائب شعبة)) كلهم من رواية أبي قزعة سويد عن حكيم بن معاوية عن أبيه وفيه: (( ماحق المرأة على الزوج ؟ قال : (( يطعمها إذا طعمْ ، ويكسوها إذا اكتسى ، ولايضرب الوجه ، ولايقبح ، ولايهجر إلا في البيت)) اهـ وأبوقزعة سويد هوسويد بن حجير - بضم الحاء وفتح الجيم على التصغير - الباهلي البصري قال الحافظ في التقريب : ثقة من الرابعة وأشار إلى أنه من رجال مسلم . ولاشك أن حديث حكيم بن معاوية عن أبيه أقرب إلى ظاهر قوله تعالى: ((واهجروهن في المضاجع)) وأما ماأشار إليه البخاري بقوله : والأول أصح يعني حديث أنس الذي أشرت إليه في مفردات هذا الحديث فإن حديث أنس أصح إسنادا من حديث حكيم بن معاوية عن أبيه لكن هذا لايدل على أن حديث معاوية القشيري ليس بصحيح . وحديث أنس يدل على جواز الهجران في غير البيت وحديث معاوية القشيري يدل على أولوية الهجران في البيت . وقد أشار بعض أهل العلم إلي أن هذا الأمر قد يختلف باختلاف أحوال النساء فبعضهن يربيه ويؤدبه الهجران في البيت وبعضهن يربيه الهجران في غير البيت . والحكيم من الرجال هو من يراعي المصلحة ومايتأتى به (٥٦) التأديب . قال الحافظ في الفتح : قال المهلب : هذا الذي أشار إليه. البخاري كأنه أراد أن يستن الناس بما فعله النبى عَلٍ من الهجر في غيرٍ البيوت رفقا بالنساء ، لأن هجرانهن مع الإقامة معهن في البيوت الم لأنفسهن وأوجع لقلوبهن ، بمايقع من الإعراض في تلك الحال ، ولما في الغيبة عن الأعين من التسلية عن الرجال ، قال : وليس ذلك بواجب لأن الله قد أمر بهجرانهن في المضاجع فضلا عن البيوت ، وتعقبه ابن المنير بأن البخاري لم يرد مافهمه ، وإنما أراد أن الهجران يكون في البيوت وفي غير البيوت وأن الحصر المذكور في حديث معاوية بن حيدة غير معمول به بل يجوز الهجر في غير البيوت كما فعل النبى صلى الله عليه وسلم اهـ ثم قال الحافظ : والحق أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال فربما كان الهجران في البيوت أشد من الهجران في غيرهما، وبالعكس اهـ وقال البخاري في صحيحه : باب مايكره من ضرب النساء وقولِ الله تعالى ((واضربوهن)) أى ضربا غير مُبَرِّح. وأراد رحمه الله أن قوله تعالى ((واضربوهن)) ليس لاستحباب ضرب النساء بل إنما هو للجواز عند الضرورة بل فيه مايكره كراهة تنزيه أو يكره كراهة تحريم . وقد جاء في حديث عمروبن الأحوص أنه شهد حجة الوداع مع رسول الله صلی الله علیه وسلم فذکر حدیثا طويلا وفيه: (( فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربا غير مبرح )) الحديث قال الحافظ في الفتح : أخرجه أصحاب السنن وصححه الترمذي واللفظ له اهـ . وقد روى مسلم في صحيحه من حديث جابر رضى الله عنه الذي وصف فيه حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر في خطبته في عرفة أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((فاتقوا (٥٧) (٦١) الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن أن لايوطئن فُرُشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مُبَرِّح ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف)) مايستفاد من ذلك ١ - وجوب نفقة الزوجة وكسوتها على زوجها . ٢ - وأن نفقة الزوجة على زوجها بقدر سعته . ٣ - جواز تأديب المرأة . ٤ - لاينبغي للرجل تقبيح زوجته . ٥ - لاينبغي للرجل أن يضرب وجه زوجته ٦ - يجوز للزوج أن يهجر زوجته بالقدر الذي يراه مناسبا لتأديبها . ***** ٧ - وعن جابر بن عبدالله رضى الله عنهما قال: كانت اليهود تقول : إذا أتى الرجل امرأته من دُبُرها في قُبُلها كان الولد أحول فنزلت: ((نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم)) متفق عليه واللفظ لمسلم . المفردات إذا أتى الرجل امرأته : أى واقعها . (٥٨) من دبرها : أى وهى باركة . في قبلها : أى في فرجها . كان الولد أحول : أى جاء الولد الذي يثمره هذا الوطء أحول أى به ميلان في بياض العين وسوادها والحَوَل عيب بخلاف الحَوَر وهو اتساع بياض العين مع اتساع سوادها وقد وصف الله تبارك وتعالى نساء الجنة بالحور حيث يقول: (( حور عين)) نساؤكم : أى زوجاتكم .. حرث لكم : الحرث محل الإِنبات والمراد به في المرأة موضع النسل وهو الفرج إذ الموضع الآخر لاينبت إلا الغائط ونحوه . وموضع الحرث معروف في الأنثى بالفطرة التي فطر الله خلقه عليها حتى الحيوانات العجماوات والوحوش المفترسة لاتعرف غيره في هذا السبيل ، ولذلك استمرت الخليقة الحيوانية وتكاثرت في الأرض. فأتوا حرثكم : أى واقعوا زوجاتكم في موضع الحرث وهو الفرج . أنّى شئتم : أى على أي جهة كانت المرأة سواء كانت مقبلة أو مدبرة أو باركة أو مستلقية أو مضطجعة أو واقفة أو على جنب مادام الإِتيان في موضع الحرث وهو الفرج . (٥٩) البحث قد سقت في بحث الحديث الأول من أحاديث هذا الباب لفظ هذا الحديث عند الشيخين رحمهما الله وذكرت هناك مانقله الحافظ رحمه الله في تلخيص الحبير من رواية آدم عن شعبة عن محمد بن المنكدر سمعت جابر بن عبدالله يقول في قول الله عزوجل: ((فأتوا حرثكم أنى شئتم)) يقول كيف شئتم في الفرج يريد بذلك موضع الولد للحرث ، يقول : انت الحرث كيف شئت اهـ وقال الإِمام أحمد : نا عفان نا وهيب نا عبدالله بن عثمان بن خثيم عن عبد الرحمن بن سابط قال : دخلت على حفصة ابنة عبد الرحمن فقلت : إني سائلك عن أمر وأنا أستحي أن أسألك ، قالت : فلا تستحي ياابن أخي ، قال : عن اتيان النساء وكانت اليهود تقول : إنه من جَبَى امرأته كان ولده أحول ، فلما قدم المهاجرون المدينة نكحوا في نساء الأنصار فجبوهن ، فأبت امرأة أن تطيع زوجها ، وقالت: لن نفعل ذلك، حتى آتى رسول الله عَ لّم فدخلت على أم سلمة فذكرت لها ذلك ، فقالت : اجلسي حتى يأتي رسول الله عَّ له فلما جاء رسول الله عَ طله استحيت الأنصارية أن تسأله، فخرجت، فحدثت أُّ سلمة رسولَ الله عَ ◌ّ فقال: ((ادع الأنصارية)) فدعيت ، فتلا عليها هذه الآية ﴿نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ صماما واحدا اهـ وقد أورد مسلم حديث الباب أيضا عن جابر رضى الله عنه بلفظ : أن يهود كانت تقول إذا أوتيت (٦٠)