Indexed OCR Text

Pages 221-240

فقد خاطب الله تعالى الأولياء فكأنه قال: لاتنكحوا أيها الأولياء
مولياتكم للمشركين ووجه الاستدلال من قوله تعالى: ﴿ وأنكحوا الأيامى
منكم ﴾ أن الخطاب إما للأولياء أو للسلطان وعليه فلا ولاية للمرأة على
نفسها في النكاح . وأما الاستدلال بحديث عائشة رضي الله عنها فهو
في قولها: ((فلما بعث محمد عدّله بالحق هدم نكاح الجاهلية كلها إلا
نكاح الناس اليوم)) يعنى الذي بدأت الحديث بذكره وفيه: ((يخطب
الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته)) وأما الاستدلال بحديث عائشة الثاني
فمن قولها في تفسير الآية : فيعضلها لمالها ولا ينكحها غيره فلو كانت
لاتحتاج في العقد إلى وليِّ ماتأتىَّ له أن يعضلها، وأما الاستدلال
بالحديث الثالث فإن عمر رضي الله عنه هو ولى حفصة رضي الله عنها
وقد عرضها على الرجل الصالح وفيه التصريح بقوله : إن شئت أنكحتك
حفصة . وأما الاستدلال بحديث معقل بن يسار رضي الله عنه وفيه
سبب نزول قوله تعالى: ﴿ ولا تعضلوهن﴾ وهو ظاهر في أن الولي
هو الذي يتولى عقد النكاح ولاسيما قوله تعالى في الآية ﴿ أن ينكحن
أزواجهن ﴾ فهو ظاهر في أن العضل يتعلق بالأولياء قال الحافظ في
الفتح : وهى أصرح دليل على اعتبار الولى ، وإلا لما كان لعضله معنى
ولأنها لو كان لها أن تزوج نفسها لم تحتج إلى أخيها ومن كان أمره إليه
لايقال إن غيره منعه منه وذكر ابن المنذر أنه لايعرف عن أحد من الصحابة
خلاف ذلك اهـ وسيأتى مزيد بحث لهذا عند الكلام على الحديث الثاني
عشر والرابع عشر والخامس عشر من أحاديث هذا الباب . هذا وليس اشتراط
الولى في صحة العقد قاضیا على اختیار المرأة ورضاها ، بل لا بد من رضا
(٢٢١)

المرأة بمن تتزوج كما سيأتي عند الكلام على الحديث الثالث عشر
والحديث الرابع عشر من أحاديث هذا الباب إن شاء الله تعالى .
مايستفاد من ذلك
١ - أنه لانكاح إلا بولي .
٢ - وأنه لايحل للولي أن يعضل موليته .
٣ - وأن اشتراط الولي في العقد ليس قاضيا على اختيار المرأة
ورضاها بالزوج الذي تريد .
١٢ - وعن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله عَ ليه:
((أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ، فإن دخل بها فلها
المهر بما استحل من فرجها ، فإن اشْتَجَرُوا فالسلطان وَلِىُّ مِن لاوَلِىَّ لها .
أخرجه الأربعة إلا النسائي وصححه أبوعوانة وابن حبان والحاكم .
المفردات
نكحت : أى تزوجت :
بغير إذن وليها : أى بغير رضا أقرب عصبتها إليها وقيامه بإجراء العقد .
فنكاحها باطل : أى فزواجها غير صحيح .
فإن دخل بها : أى فإن اختلى بها الذي تزوجته بدون إذن وليها وتمكن منها .
فلها المهر بما استحل من فرجها : أى فإنها تستحق المهر كاملا بسبب
دخوله بها واستباحته لفرجها .
فإن اشتجروا : أي فإن تنازع الأولياء في إجراء العقد أو عدم إجرائه وامتنعوا
(٢٢٢)

من العقد عليها بسبب هذا النزاع
فالسلطان ولى من لا ولى لها : أى فإن عضل الأولياء انتقلت الولاية
عليها للسلطان لأنه ولي من لاولي لها من
في
من ترغب
النساء فيزوجها السلطان
الزواج منه .
البحث
قال البخاري في صحيحه: باب السلطان ولي لقول النبى عَطية :
(( زوجناكها بما معك من القرآن)) وساق حديث سهل بن سعد في
قصة المرأة التي جاءت تهب نفسها للنبى عليه، وهو الحديث التاسع من
أحاديث هذا الباب . قال الحافظ في الفتح : وقد وقع التصريح بأن
السلطان ولىٌّ في حديث عائشة المرفوع: (( أيما امرأة نكحت بغير إذن
وليها فنكاحها باطل)) الحديث . وفيه : والسلطان ولي من لاولى لها .
أخرجه أبوداود والترمذي وحسنه وصححه أبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان
والحاكم لكنه لما لم يكن على شرطه استنبطه من قصة الواهبة . وعند
الطبراني من حديث ابن عباس رفعه : لانكاح إلا بولى ، والسلطان ولى
من لاولى له ، وفي إسناده الحجاج بن أرطأة وفيه مقال ، وأخرجه سفيان
في جامعه ومن طريقه الطبراني في الأوسط بإسناد آخر حسن عن ابن
عباس: بلفظ (( لانكاح إلا بولي مرشد أو سلطان)) اهـ وقال في
تلخيص الحبير : حديث عائشة : أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن
وليها فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل ، فإن دخل بها
(٢٢٣)

فلها المهر لما استحل من فرجها ، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من الاولي
له . الشافعي وأحمد وأبوداود والترمذي وابن ماجه وأبوعوانة وابن حبان
والحاكم من طريق ابن جريج ، عن سليمان بن موسى عن الزهري عن
عروة عنها ، وأعل بالإِرسال . قال الترمذي : حديث حسن وقد تكلم
فيه بعضهم من جهة أن ابن جريج قال : ثم لقيت الزهري فسألته عنه
فأنكره ، قال : فَضَعَّفَ الحديث من أجل هذا ، لكن ذكر عن يحيى
ابن معين أنه قال : لم يذكر هذا عن ابن جريج غير ابن علية وضعف
يحيى رواية ابن علية عن ابن جريج انتهى . وحكاية ابن جريج هذه
وصلها الطحاوي عن ابن أبي عمران عن يحيى بن معين عن ابن علية
عن ابن جريج ، ورواه الحاكم من طريق عبدالرزاق عن ابن جريج سمعت
سليمان سمعت الزهرى ، وعد أبوالقاسم بن مندة عدة من رواه عن ابن
جريج فبلغوا عشرين رجلا ، وذكر أن معمرا وعبيدالله بن زحر تابعا ابن
جريج على روايته إياه عن سليمان بن موسى ، وأن قرة وموسى بن عقبة
ومحمد بن إسحاق وأيوب بن موسى وهشام بن سعد وجماعة تابعوا
سليمان بن موسى عن الزهري قال : ورواه أبومالك الجنبي ونوح بن
دراج ومندل وجعفر بن برقان وجماعة عن هشام بن عروة عن أبيه عن
عائشة ، ورواه الحاكم من طريق أحمد عن ابن علية عن ابن جريج وقال
في آخره : قال ابن جريج : فلقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث
فلم يعرفه ، وسألته عن سليمان بن موسى فأثنى عليه . قال : وقال
ابن معين : سماع ابن علية من ابن جريج ليس بذاك ، قال : وليس
(٢٢٤)

أحد يقول فيه هذه الزيادة غير ابن علية ، وأعل ابن حبان وابن عدي
وابن عبدالبر والحاكم وغيرهم الحكاية عن ابن جريج ، وأجابوا عنها على
تقدير الصحة بأنه لايلزم من نسيان الزهري له أن يكون سليمان بن
موسى وهم فيه، وقد تكلم عليه أيضا الدارقطني في جزء ((من حدث
ونسى)) والخطيب بعده ، وأطال في الكلام عليه البيهقي في السنن وفي
الخلافيات ، وابن الجوزي في التحقيق ، وأطال الماوردي في الحاوي في
ذكر مادل عليه هذا الحديث من الأحكام نصا واستنباطا فأفاد اهـ
هذا وقد أطلق الحافظ في الفتح تصحيح حديث عائشة رضى الله عنها
حيث قال : وهو حديث صحيح .
مايستفاد من ذلك
١ - أنه لانكاح إلا بولي .
٢ - وأن السلطان ولي من لاولي لها .
٣ - وأن المرأة إذا زوجت نفسها بدون إذن وليها فزواجها غير
صحيح ويفرق بينهما .
٤ - وأنه إذا دخل عليها الذي تزوجها بهذا العقد فلها المهر كاملا
بما استحل من فرجها .
٥ - وأنه إذا عضل الأولياء انتقلت الولاية للسلطان .
٦ - وأن الإِسلام يحمي حرمة المرأة ويقيها من قالة السوء
*
١٣ - وعن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله عَ له قال:
(٢٢٥)

(( لاتنكح الأيم حتى تستأمر ، ولاتنكح البكر حتى تستأذن )) قالوا :
يارسول الله عَ له وكيف إذنها؟ قال: ((أن تسكت)) متفق عليه .
المفردات
لاتُنْكُح : أى لاتُزَوَّجُ.
الأيّم : تُطْلَقُ الأيم على الثيب وهى التي فارقها زوجها بموت أو
طلاق وانقضت عدتها ، وهذا المعنى هو المراد
هنا لمقابلتها في الحديث بالبكر . وقد تطلق الأيم
على كل امرأة لا زوج لها بكرا كانت أم
ثيبا وعلى كل رجل لا زوجة له بكرا كان أم سبق له
الزواج . ومنه قول الشاعر :
فإن تنكحي ننكح وإن تتأيمي
وإن كنت أفتى منكموا أتأيم
وقول الشاعر :
ومن أيِّمٍ قد أنكحتها رماحنا
وأخرى على عم وخال تلهف
حتى تستأمر : أى حتى يطلب منها أن تأمر وليها بالعقد على من
ترغب الزواج به فتأمر بذلك وتصرح برضاها .
: هى التي لم يسبق لها زواج ولا وطء وهى
البكر
من كانت بكارتها بها .
(٢٢٦)

تستأذن : أى يطلب الإذن منها ليعقد وليها النكاح على من
ترغب في الزواج منه .
وكيف إذنها : أى وما طريقة إستئذانها لأنها قدتستحي فلاتصرح
بالإِذن ؟ فكيف الحصول على إذنها ؟
أن تسكت : أى يكفي في إذنها سكوتها وعدم ظهور معارضتها .
وإنما جعل السكوت إذنا في حق البكر لأنها
قدتستحي أن تفصح . قال ابن المنذر : يستحب
إعلام البكر أن سكوتها إذن اهـ هذا ولا شك أن
السكوت قد تظهر معه أمارات الكراهية وعدم الرضا
كما قد يظهر معه الرضا وأمارات الفرح ، فالمقصود من
السكوت هنا هو ما لم تظهر معه أمارات الكراهية
وعدم الرضا لأن الأصل المقصود هو طلب
رضاها وموافقتها .
البحث
ساق البخاري رحمه الله هذا الحديث تحت باب لاينكح الأب وغيره
البكر و الثيب إلا برضاهما ثم ساق من حديث عائشة رضى الله عنها
أنها قالت: يارسول الله إن البكر تستحي، قال: ((رضاها صمتها))
وفي لفظ: ((إذنها صماتها)) وفي لفظ: ((سكاتها إذنها)) كما بوب
البخاري رحمه الله فقال : باب إذا زوَّج الرجل ابنته وهي كارهة فنكاحه
مردود وساق من طريق القاسم بن محمد عن عبد الرحمن ومُجْمَع
(٢٢٧)

ابنى يزيد بن جارية عن خنساء بنت خِدَام الأنصارية أن أباها زوَّجها
وهى ثيب فكرهت ذلك فأتت رسول الله عَ ليه فردَّ نكاحها وفي لفظ
للبخاري من حديث عائشة رضى الله عنها أورده في كتاب الإِكراه من
صحيحه قالت : قلت يارسول الله يُستأمر النساء في أبضاعهن قال :
((نعم)) قلت : فإن البكر تستأمر فتستحي فتسكت قال: ((سُكاتها إذنها)
وقد وهم الحافظ في التلخيص فنسب هذا الحديث لمسلم وهو ليس
فيه وإنما هو في البخاري . فقد قال في التلخيص عند كلامه على
حديث (( لاتنكحوا اليتامى حتى تستأمروهن . قال : وفي الباب عن
عائشة بلفظ : تستأمر النساء في أبضاعهن . الحديث . أخرجه مسلم اهـ .
وقد ساق مسلم رحمه الله حديث الباب ثم ساق حديث عائشة رضى
الله عنها بلفظ: سألتْ رسول الله عَ لّه عن الجارية يُنْكِحُهَا أَهْلُهَا
أَتُسْتَأْمَرُ أم لا ؟ فقال لها رسول الله عَّهِ: ((نعم تُستأمَرْ)) فقالت
عائشة: فقلت له: فإنها تستحي فقال رسول الله عَ ليه: ((فذلك
إذنها إذا هى سكتت)) اهـ والمراد بالجارية في هذا الحديث هى البكر
دون الثيب وهذا ظاهر الدلالة على حماية الإِسلام لمشاعر المرأة وأنها
لا تُزَوَّجُ من تكره ولا تتزوج إلا بمن ترضى ، وأنه لايحل للولي أن يجعلها
سلعة يزوجها من شاء بغير رضاها . فالولي شرط في صحة العقد كما
أن رضا المرأة شرط في صحة العقد فإن رغبت الزواج من كفء وعضل
وليها انتقلت الولاية للسلطان وإن رغبت في غير كفء كان ذلك إشارة
سفه فيها ووليها يمنع ذلك حرصا على مصلحتها . والله أعلم .
(٢٢٨)

وسيجىء مزيد بحث لهذا في الحديث الذي يلي هذا الحديث إن شاء الله
تعالى . هذا والمراد بالبكر التي تستأذن هى من كانت في سن الرشد أما
من كانت دون سن الرشد والتمييز فإن استئذانها كعدمه فلأبيها أن يزوجها
دون استئذان وقد زوج أبوبكر رضى الله عنه النبى معَ ةٍ عائشة رضى الله
عنها وهى بنت ست سنين أو سبع سنين .
مایفیده الحدیث
١ - أنه لابد من رضا المرأة بمن يريد وليها أن يزوجها منه
٢ - أنه لابد في الثيب من صريح موافقتها على الزواج .
٣ - أن البكر تستأذن .
٤ - وأنه يكفي في إذنها أن تسكت .
٥ - إذا اقترن السكوت بما يدل على عدم الموافقة والرضا لايعتبر هذا
السكوت إذنا .
٦ - لابد من الولي في عقد نكاح المرأة .
٧ - إذا كانت المرأة راضية بالكفء الخاطب وعضلها الولي
انتقلت الولاية للسلطان .
٨ - إذا رغبت المرأة في غير كفء كان لوليها الحق في منع زواجها منه .
٩ - إذا كانت البكر صغيرة لم تبلغ سن الرشد فلأبيها تزويجها
دون استئذانها .
١٤ - وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى علويةٍ قال :
((الثيب أحق بنفسها من وليها ، والبكر تُسْتَأْمُرُ وإِذنها سُكُوتُهَا)).
(٢٢٩)

رواه مسلم وفي لفظ: (( ليس للولي مع الثيب أمر ، واليتيمة
تستأمر )) رواه أبوداود والنسائي وصححه ابن حبان .
المفردات
الثيب : هى التي زالت بكارتها بوطء .
أحق بنفسها من وليها : قال النووي : واعلم أن لفظة أحق هنا
للمشاركة ، معناه أن لها في نفسها في النكاح
حقا ولوليها حقا وحقها أوكد من حقه فإنه لو أراد
تزويجها كفؤا وامتنعت لم تجبر ، ولو
أرادت أن تتزوج كفوا فامتنع الولي أُجْبر فإن أَصَرَّ
زوَّجَها القاضي فدل على توكيد حقها ورحجانه اهـ .
تستأمر : هو هنا بمعنى تستأذن .
وإذنها سُكُوتُها : أى ودليل رضاها بالزواج هو عدم معارضتها .
وفي لفظ : أى من حديث ابن عباس لكنه من رواية
أبي داود والنسائي .
ليس للولي مع الثيب أمر : أى لابد من رضا الثيب بتصريحها بالرضا
والقبول فإذا لم تصرح بالقبول لايزوجها الولي ولا يحتم عليها .
واليتيمة تستأمر : أى ومن مات أبوها فوليها بعد أبيها لايزوجها إلا
بعد استثمارها يعني استئذانها. وإطلاق اليتيمة باعتبار
ما كان إذاليتيم من بنى آدم من مات أبوه قبل البلوغ .
(٢٣٠)

البحث
أخرج مسلم حديث ابن عباس رضى الله عنهما بعدة ألفاظ منها
ماساقه المصنف . ومنها : أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
((الأيم أحق بنفسها من وليها ، والبكر تُسْتَأْذَنُ في نفسها وإذنها
صُمَاتُهَا)) وفي لفظ: ((الثيب أحق بنفسها من وليها، والبِكْر
يستأذنها أبوها في نفسها وإذنها صُمَاتُهَا)) وربما قال :
((وصَمْتُها إقرارها)) أما حديث ابن عباس عند أبي داود والنسائي
فقد قال فيه الحافظ في التلخيص : حديث ليس للولي مع الثيب أمر .
أبو داود والنسائي وابن حبان من حديث معمر عن صالح بن كيسان
عن نافع بن حبيب عن ابن عباس وزاد : واليتيمة تُسْتَأْمَرُ وإذنها إقرارها
ورواته ثقات قاله أبو الفتح القشيري ، ويقال : إن معمرا أخطأً فيه
يعني أن صالحا إنما حمله عن عبد الله بن الفضيل عن نافع بن جبير ،
وهو قول الدار قطني اهـ .
مايفيده الحديث
:
١ - أن للثيب حقا في رفض النكاح أو قبوله و لوليها حقا .
وحقها أوكد من حقه .
٢ - إذا رغب الولى في تزويج الثيب من كفء فامتنعت لم تجبر .
٣ - لوأرادت أن تتزوج كفؤا فامتنع الولي أجبر فإن أصر على
الامتناع زوَّجها القاضي .
******
(٢٣١)

١٥ - وعن أبي هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله
عَ لِ: ((لا تُزَوِّجُ المرأةُ المرأةَ، ولا تزوج المرأة نفسها)) رواه ابن ماجه
والدار قطني ورجاله ثقات .
المفردات
لاتزوج المرأة المرأة : أى ليس للمرأة ولاية في تزويج غيرها من النساء .
ولا تزوج المرأة نفسها : أى وليس للمرأة حق تزويج نفسها .
البحث
تقدمت الأدلة الظاهرة على أنه لانكاح إلا بولي ، وهو يتضمن أن المرأة لا
ولاية لها في النكاح لا لنفسها ولا لغيرها . وقد تقدم أن اشتراط الولي في النكاح
إنما هو لحماية حرمة المرأة وصيانتها من قالة السوء . وقد تقدم بحث هذا في
الحديث العاشر والثاني عشر من أحاديث هذا الباب . أما حديث أبي هريرة
هذا فقد رواه الدارقطني من عدة طرق بعدة ألفاظ فرواه من طريق جميل بن
الحسن أبي الحسن الجهضمي نا محمد بن مروان العقيلي نا هشام بن حسان
عن محمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عَ له: ((لا تزوج المرأة المرأة
ولا تزوج المرأة نفسها فإن الزانية هى التي تزوج نفسها اهـ وجميل بن الحسن
الأزدي العتكي الأهوازي روى عنه ابن خزيمة وابن أبي داود وغيرهما وروى عنه
هذا الحديث ابن ماجه وابن خزيمة ووثقه ابن حبان وتكلم فيه غيره وقال ابن
الجوزي : لايعرف . وقال ابن عدي: لاأعلم له حديثا منكرا وطعن فيه عَبْدَانُ
كما في الخلاصة . وقد أخرجه الدارقطني كذلك من طريق مسلم بن أبي مسلم
(٢٣٢)

الجرمي نا مخلد بن الحسين عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال : قال
رسول الله عَّه: ((لاتنكح المرأة المرأة، ولاتنكح المرأة نفسها، إن
التي تنكح نفسها هى البغي)) قال ابن سيرين : وربما قال أبو هريرة :
هى الزانية اهـ قال ابن الجوزي في مسلم بن أبي مسلم الجرمي :
لايعرف وقال ابن أبي حاتم : هو من الثقات ووثق يحيى بن معين رواية
مخلد بن الحسين عن هشام بن حسان . وقد أخرجه الدار قطني من
طريق عبدالسلام ( هو ابن حرب ) عن هشام عن ابن سيرين عن أبي
هريرة رفعه قال : لاتنكح المرأة المرأة ولاتنكح المرأة نفسها . وقال
أبو هريرة : وكان يقال : الزانية تنكح نفسها اهـ وقال الحافظ في تلخيص
الحبير: (( لا تنكح المرأة المرأة ولا نفسها، إنما الزانية التي تنكح نفسها)) ابن ماجه
والدارقطني من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة ، وفي لفظ : كنا نقول: إن
التي تزوج نفسها هى الزانية . ورواه الدارقطني أيضا من طريق أخرى
إلى ابن سيرين فبين أن هذه الزيادة من قول أبي هريرة ، ورواه البيهقي
من طريق عبدالسلام بن حرب عن هشام عنه بها موقوفا ومن طريق
محمد بن مروان عن هشام مرفوعا قال : ويشبه أن يكون عبدالسلام
حفظه فإنه ميز المرفوع من الموقوف اهـ
مايستفاد من ذلك
١ - أنه ليس للمرأة ولاية في تزويج غيرها من النساء .
٢ - وليس للمرأة حق تزويج نفسها .
(٢٣٣)

١٦ - وعن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما: قال ((نهى
رسول الله عَ ◌ّ عن الشِّغار)) والشِّغار أن يزوج الرجل ابنته على أن
يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق . متفق عليه . واتفقا من وجه
آخر على أن تفسير الشغار من كلام نافع .
المفردات
الشِّغار : أى عن نكاح الشغار وأصل الشغار يدور
على معنى الرفع وعلى معنى الخلو فمن الأول قولهم :
شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول، ومن الثاني قولهم :
شغر البلد إذا خلا . والناس يقولون : وظيفة شاغرة
أى خالية ممن يشغلها . والمراد هنا أن يزوج
الآخر
یزوجه
الرجل موليته للآخر على أن
تفسیره
جاء
موليته وليس بينهما صداق كما
عن نافع رحمه الله. والمناسبة بين المعنى اللغوي
والمعنى الاصطلاحي ظاهرة، لما في المعنى
الاصطلاحي من خلو الزواج عن المهر وجعل البضع
بدلا منه .
: بينت الرواية الأخرى
والشغار الخ
هذا التفسير من كلام نافع
· عليها أن
المتفق
واتفقا من وجه آخر : أى واتفق البخاري ومسلم في إخراج الرواية
(٢٣٤)

الأخرى التي تنص على أن تفسير الشغار في الحديث
هو من كلام نافع وليس من كلام ابن عمر ولا من
كلام رسول الله عَ لّه ، والرواية الأخرى هذه من
طريق عبيدالله بن عمر عن نافع .
البحث
أخرج البخاري حديث الباب من طريق مالك عن نافع عن ابن
عمر رضى الله عنهما في كتاب النكاح وأخرجه في كتاب ترك الحيل من
صحيحه فقال : حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيدالله قال
حدثني نافع عن عبدالله رضى الله عنه أن رسول الله عَي نهى عن
الشغار . قلت لنافع : ما الشغار ؟ قال : يَنْكح ابنةَ الرجل ويُنْكِحُهُ
ابنتَه بغير صداق، وينكح أخت الرجل ويُنْكِحُه أخته بغير صداق اهـ
وأخرج مسلم حديث الباب من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر ثم
قال : وحدثني زهير بن حرب ومحمد بن المثنى وعبيدالله بن سعيد قالوا : حدثنا
يحيى عن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر عن النبى عَ ◌ٍّ بمثله غير أن في
حديث عبيدالله قال : قلت لنافع ما الشغار . وهذه الرواية المتفق عليها من
طريق عبيدالله يعني ابن عمر عن نافع تنص على أن تفسير الشغار في الحديث
هو من كلام نافع وليس من كلام ابن عمر ولا من الحديث المرفوع . وأكثر
الرواة لهذا الحديث لم ينسبوا التفسير لأحد قال الحافظ في الفتح : ولهذا قال
الشافعي فيما حكاه البيهقي في المعرفة: لاأدري التفسير عن النبى عدّ له أو عن
ابن عمر أو عن نافع أو عن مالك ، ونسبه محرز بن عون وغيره لمالك ، قال
(٢٣٥)

الخطيب: تفسير الشغار ليس من كلام النبى عَ دٍ وإنما هو قول مالك
وصل بالمتن المرفوع وقد بين ذلك ابن مهدي والقعنبي ومحرز بن عون ثم
ساقه كذلك عنهم ، ورواية محرز بن عون عند الإسماعيلي والدارقطني في
((الموطآت)) وأخرجه الدارقطني أيضا من طريق خالد بن مخلد عن مالك
قال : سمعت أن الشغار أن يزوج الرجل الح وهذا دال على أن التفسير
من منقول مالك لا من مقوله اهـ وقد أخرج مسلم هذا الحديث أيضا
من طريق ابن نمير وأبي أسامة عن عبيدالله عن أبي الزناد عن الأعرج
عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله عَ ل عن الشغار. زاد ابن نمير
والشغار أن يقول الرجل للرجل : زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي أو
زوجني أختك وأزوجك أختي . قال القرطبي : تفسير الشغار صحيح
موافق لما ذكره أهل اللغة فإن كان مرفوعا فهو المقصود وإن كان من.
قول الصحابي فمقبول أيضا لأنه أعلم بالمقال وأقعد بالحال اهـ قال ابن
عبدالبر : أجمع العلماء على أن نكاح الشغار لايجوز اهـ ولاشك أن هذا
النوع من النكاح فيه فساد كبير ففيه افتيات على النساء وتضييع
لحقوقهن في الصداق ، وجعلهن كالسلع المتبادلة، مع ماجرب من سرعة
انهيار هذا النوع من النكاح ، والإسلام من أهم مقاصده رفع الضيم
عن عبادالله من الرجال والنساء وإشعار الناس بأن المرأة إنسان لها
ما للإِنسان وعليها ما على الإِنسان ، على حد قوله تعالى: (( ولهن مثل
الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم))
(٢٣٦)

مايفيده الحديث
١ - تحريم نكاح الشغار .
٢ - لا يجوز لولي المرأة أن يضيع حقوقها.
١٧ - وعن ابن عباس رضى الله عنهما أن جارية بِكْرًا أتت النبى
عَ ◌ّه فذكرت أن أباها زَوَّجَهَا وهى كارهة، فَخَيَّها رسول الله عَ لَه .
رواه أحمد وأبوداود وابن ماجه وأُعِلّ بالإِرسال .
المفردات
جارية : أى شابة
بكرا : أى ليست بثيب .
وهى كارهة : أى وهى غير راضية بهذا الزواج .
فخيرها رسول الله عَ له: أى فقضى لها رسول الله عَ لّه أنها
بالخيار إن شاءت أمضت الزواج وإن شاءت ردته وألغته .
البحث
هذا الحديث أخرجه أحمد في مسنده وأبوداود والنسائي وابن ماجه
والدارقطني من طريق حسين بن محمد عن جرير بن حازم عن أيوب عن
عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما أن جارية بكرا . الحديث .
وحسين بن محمد هو المروزي أحد الثقات المخرج له في الصحيحين . لكن قال
البيهقي : أخطأ فيه جرير بن حازم على أيوب السختياني ، والمحفوظ عن
(٢٣٧)

أيوب عن عكرمة عن النبى عَّه مرسلا . وقد رواه أبوداود عن محمد
ابن عبيد عن حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة مرسلا . وقال ابن
أبي حاتم في علله : سألت أبي عن حديث حسين فقال : هو خطأ
إنما هو كما رواه الثقات حماد بن زيد وابن علية عن أيوب عن عكرمة
عن النبى عَ ◌ِّ مرسلا وهو الصحيح . فقلت : الوهم ممن ؟ فقال :
ينبغي أن يكون من حسين فإنه لم يروه عن جرير بن حازم غيره . قال
أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي في التعليق المغني على
الدار قطني : قال في التنقيح : قال الخطيب البغدادي : قد رواه
سليمان بن حرب عن جرير بن حازم أيضا كما رواه حسين فبرأت
عهدته ثم رواه بإسناده قال : ورواه أيوب بن سويد هكذا عن الثوري
عن أيوب موصولا ، وكذلك رواه مُعَمَّر بن سليمان عن زيد بن حبان
عن أيوب انتهى ، قال ابن القطان في كتابه : حديث ابن عباس
صحيح اهـ وقال الحافظ في التلخيص : رجاله ثقات ثم ذكر اختلاف
الرواة في وصله وإرساله ثم قال : وإذا اختلف في وصل الحديث
وإرساله حكم لمن وصله على طريقة الفقهاء اهـ . هذا وقد تقدم
الحديث المتفق عليه : ولاتنكح البكر حتى تستأذن ..
مايستفاد من ذلك
١ - أنه لايجوز تزويج البكر بمن تكره .
*******
١٨ - وعن الحسن عن سمرة رضى الله عنه عن النبى عَوبيٍ قال :
صِّلالله
(٢٣٨)

((أيما امرأة زوَّجها وليَّان فهى للأول منهما)) رواه أحمد والأربعة وحسَّنه الترمذي.
المفردات
زوَّجها وليان: أى زوجها أحد أوليائها لرجل . وزوَّجها وليُّ آخر من
أوليائها لرجل آخر .
فهى للأول منهما: أى فهى زوجة للزوج الأول الذي زوجه الولي الأول .
البحث
هذا الحديث من رواية الحسن عن سمرة وقد تقدم البحث فيها ، وقال
الحافظ في التلخيص : حديث إذا أنكح الوليان فالأول أحق . ويروي أيما
امرأة زوجها وليان فهى للأول منهما. أحمد والدارمي وأبوداود والترمذي
والنسائي من حديث قتادة عن الحسن عن سمرة باللفظ الثاني ، حسَّنه
الترمذي وصححه أبوزرعة وأبوحاتم والحاكم في المستدرك ، وذكره في النكاح
بألفاظ توافق اللفظ الأول ، وصحته متوقفة على ثبوت سماع الحسن من
سمرة فإن رجاله ثقات لكن قد اختلف فيه علي الحسن ، ورواه الشافعي
وأحمد والنسائي من طريق قتادة أيضا عن الحسن عن عقبة بن عامر قال
الترمذي : الحسن عن سمرة في هذا أصح ، وقال ابن المديني : لم يسمع
الحسن من عقبة شيئا ، وأخرجه ابن ماجه من طريق شعبة عن قتادة عن
الحسن عن سمرة أو عقبة بن عامر اهـ ومعنى هذا الحديث صحيح إن
عقد وليان في درجة واحدة في وقتين مختلفين فإن نكاح الأول صحيح ،
ونكاح الثاني باطل لأنه لم يصادف محلا، ولا نزاع في هذا عند أهل العلم، أما
إذا عقدا في وقت واحد فعقدهما باطل . والله أعلم .
(٢٣٩)

١٩ - وعن جابر رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((أيما عبدٍ تزوج بغير إذن مواليه أو أهله فهو عاهر))
رواه أحمد وأبوداود والترمذي وصححه وكذلك ابن حبان .
المفردات
بغير إذن مواليه : أى بغير رضا سادته .
أو أهله : شك من الراوي والمراد بأهله مواليه وسادته
عاهر : أى زان
البحث
نسب المصنف هنا إلى الترمذي تصحيح هذا الحديث ونسب إليه في
التلخيص أنه حسنه فقد قال الحافظ في التلخيص : حديث : أيما مملوك
أنكح بغير إذن مولاه فهو عاهر . ويروي : فنكاحه باطل . أحمد
وأبوداود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه من حديث ابن عقيل عن
جابر باللفظ الأول ، وأخرجه ابن ماجه من رواية ابن عقيل عن ابن
عمر وقال الترمذي : لايصح إنما هو عن جابر ، وأبوداود من حديث
العمري عن نافع عن ابن عمر باللفظ الثاني وتعقبه بالتضعيف وبتصويب
وقفه . ورواه ابن ماجه من حديث ابن عمر بلفظ ثالث : أيما عبد
تزوج بغير إذن مواليه فهو زان . وفيه مندل بن علي وهو ضعيف ،
وقال أحمد بن حنبل : هذا حديث منكر ، وصوب الدارقطني في العلل
وقف هذا المتن على ابن عمر ، ولفظ الموقوف أخرجه عبدالرزاق عن
(٢٤٠)