Indexed OCR Text
Pages 201-220
وابن حبان من طريق محمد بن مسلمة رضي الله عنه . محمد بن مسلمة : هو محمد بن مَسْلَمَةَ بن سلمة بن خالد بن عدى بن مَجْدَعَةَ بن حارثة بن الحارث بن الخزرج ابن عمرو وهو النَّبِيت بن مالك من الأوس . وقد أسلم محمد بن مسلمة رضي الله عنه بالمدينة على يد مصعب بن عمير وذلك قبل إسلام أسيد بن الحضير وسعد بن معاذ رضي الله عنهم . وقد آخى رسولُ اللـه عَّه بين محمد بن مسلمة وأبي عبيدة ، وقد شهد محمد بدرا وأحدا وثبت مع رسول الله عَ لّه يومئذ حين ولَّى الناس، وشهد الخندق والمشاهد كلها مع رسول الله عَ ليه ماخلا تبوك فإن رسول الله عَ ل استخلفه على المدينة حين خرج إلى تبوك ، واشترك في قتل كعب بن الأشرف لعنه الله. وبعثه رسول الله عَ ◌ٍّ أميرا على عدد من السرايا ، وقد اعتزل رضي الله عنه الفتن كلها . وتوفى بالمدينة في صفر سنة ست وأربعين وهو ابن سبع وسبعين سنة رضي الله عنه . تزوج امرأة : أى أراد الزواج منها . قال لا: أى قال الرجل لرسول الله عَ لّه: لم أنظر إليها . (٢٠١) البحث يحرص الإسلام على أن يكون بناء الأسرة على قواعد سليمة راسخة . كما يحرص الإسلام أن يكون الود والمحبة والوئام والائتلاف من أهم عناصر تكوين البيت السعيد ولذلك نبَّه المسلم عند اختيار الزوجة أن يتخير المرأة الصالحة ذات الدِّين ، النابتة في المنابت الحسنة ، وأن يكون على عِلم بهيئتها العامة وما فيها من صفات خاصة ، حتى لايفاجأ منها بشىء يكرهه ، ولذلك ندب المسلم إلى أن ينظر إلى المرأة قبل أن يتزوجها قال البخاري في صحيحه : باب النظر إلى المرأة قبل التزويج . وساق من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله عَ لّه: ((أريتُكِ في المنام يجىء بك المَلكُ فِي سَرَقةٍ من حرير فقال لي : هذا امرأتك فكشفت عن وجهك الثوب ، فإذا أنت هى ، فقلت : إن يك هذا من عندالله يُمضِهِ )) اهـ وحديث أبي هريرة عند مسلم الذي عَّ اله فأتاه رجل صِّىالله أشار إليه المصنف : لفظه قال : كنت عند النبي فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار فقال له رسول الله عَ له: ((أنظرت إليها ؟)) قال: لا. قال: ((فاذهب فانظر إليها فإن في أعين الانصار شيئا )) ونظر الإِنسان إلى من يريد التزوج منها يكون برؤية قوامها وهيئتها العامة وكذلك وجهها وكفيها ولعل في حديث عائشة عند البخاري المذكور هنا (( فكشفت عن وجهك الثوب)) وكذلك في حديث أبي هريرة عند مسلم: ((فإن في أعين الأنصار شيئا)) مايؤيد ذلك. وليس بلازم أن يكون طريق رؤية الرجل لمن يريد أن يتزوجها أن يجلس معها أو (٢٠٢) يعلن لها أنه يرغب في رؤيتها للزواج منها فإن هذا قد تأباه نفوس كريمة وقد يُستغَلُّ استغلالاسيئا ، بل يمكن أن تحصل الرؤية بطريق المفاجأة أو الغفلة أو نحو ذلك . قال النووي في شرح مسلم : وحكى القاضى عن قوم كراهته ، وهذا خطأ مخالف لصريح هذا الحديث ومخالف لإجماع الأمة على جواز النظر للحاجة عند البيع والشراء والشهادة ونحوها اهـ . وأما مافسر به بعض الناس قول رسول الله عَ ليه في حديث جابر : أن ينظر منها إلى مايدعوه إلى نكاحها )) بأنه ينظر إلى جميع بدنها فهو تفسير فاسد كاسد ، وقول عاطل باطل ، قال النووي : هذا خطأ ظاهر منابذ لأصول السنة والإجماع اهـ هذا وقد وصف المصنف رحمه الله حديث جابر هنا بأن رجاله ثقات وقال في الفتح : وسنده حسن ، وقال في تلخيص الحبير: حديث جابر أن رسول الله عَ لّه قال: «إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل )) قال : فخطبت جارية فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها مادعاني إلى نكاحها فتزوجتها. الشافعى وأبوداود والبزار والحاكم من حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن واقد بن عبدالرحمن عنه ، ورواه أحمد من هذا الوجه وفيه : أنها من بنى سلمة ، وأعله ابن القطان بواقد ابن عبدالرحمن ، وقال : المعروف واقد بن عمرو . قلت : رواية الحاكم فيها واقد بن عمرو وكذا هو عند الشافعي وعبدالرزاق اهـ وفيه أيضا محمد بن إسحاق وقد عنعن . أما الشاهد الذي أشار المصنف إلى أنه أخرجه الترمذي والنسائى من حديث المغيرة فلفظه: (( أنه خطب امرأة (٢٠٣) فقال له النبي عَّم: ((انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)) أى أن تدوم الألفة والمودة بينكما . قال في التلخيص عن حديث المغيرة : ذكره الدارقطني في العلل ، وذكر الخلاف فيه ، وأثبت سماع بكر بن عبدالله المزني من المغيرة اهـ أما الشاهد الآخر الذي أخرجه ابن ماجه وابن حبان من حديث محمد بن مسلمة رضي الله عنه فقد رواه ابن ماجه من طريق حفص بن غياث عن حجاج عن محمد بن سليمان عن عمه سهل بن أبي حثمة عن محمد بن مسلمة قال: (( خطبت امرأة فجعلت أتخبأ لها حتى نظرت إليها في نخل لها ، فقيل له : أتفعل هذا وأنت صاحب رسول الله عَ ليه؟ فقال: سمعت رسول الله عَّةٍ يقول: ((إذا ألقى الله في قلب امرىء خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها)) قال في الزوائد : في إسناده حجاج وهو ابن أرطأة الكوفى ضعيف ومدلس ورواه بالعنعنة لكن لم ينفرد به حجاج فقد رواه ابن حبان في صحيحه بإسناد آخر اهـ وقد أخرجه البيهقي وقال : هذا الحديث إسناده مختلف فيه ومداره على الحجاج بن أرطأة اهـ هذا وفي بعض النسخ بلوغ المرام وسبل السلام وابن ماجه ((محمد بن سلمة)) وهو خطأ ظاهر ، صوابه : محمد بن مسلمة . فهو الذي يروى عنه سهل ابن أبي حثمة وهذا الحديث من روايته عنه . والله أعلم . مايستفاد من ذلك ١ - استحباب نظر الرجل إلى المرأة التي يريد الزواج منها قبل العقد ٢ - لا يجوز للرجل أن يختلى بالمرأة التي يريد الزواج منها قبل أن (٢٠٤) يعقد عليها . ٣ - لا يجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة إذا لم يكن في نيته الزواج منها ٤ - أنه لاعيب على من حاول أن ينظر إلى المرأة التي يريد الزواج منها مادامت محاولته مشروعة ولا تجلب له سوءا . *** : ٨ - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله عَ ليه (( لا يخطبْ أحدُكم على خِطْبَة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له)) متفق عليه . واللفظ للبخاري . المفردات لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه : أى لايتقدم أحدكم لطلب الزواج من امرأة قد سبقه وتقدم لخطبتها رجل قبله . حتى يترك الخاطب قبله : أى حتى يتنازل الخاطب الأول الذي خطبها قبله ويدع خطبتها . أو يأذن له : أى أو حتى يسمح الخاطب الأول للخاطب الثاني في التقدم لخطبتها برضىً من نفسه . البحث هذا الحديث من الأحاديث الداعية إلى منع أي تشويش بين قلوب المسلمين ، حتى يقوم المجتمع المسلم على قواعد متينة من التحابب والتعاطف والتراحم ليصيروا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ، (٢٠٥) وقد ساقه البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ : نهى النبي عَ ةٍ أن يبيع بعضكم على بيع بعضٍ، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب )) وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي عَّ له بلفظ: (( ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يَنْكِح أو يَتْرُك)) وقد أخرجه مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي عَ لِ قال: (( لايبع بعضكم على بيع بعض ولا يخطب بعضكم على خطبة بعض)) وفي لفظ : لايبع الرجل على بيع أخيه ، ولا يخطب على خطبة أخيه إلا أن يأذن له)) وأخرجه من حديث أبي هريرة بلفظ: أن النبي عَ لِّ نهى أن يبيع حاضر لباد أو يتناجشوا أو يخطبَ الرجلُ على خطبة أخيه . وفي لفظ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله عَ لّه: ((لاتناجشوا، ولا يبع المرء على بيع أخيه ، ولا يبع حاضر لباد، ولا يخطب المرء على خطبة أخيه)) وفي لفظ له وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يَسُمِ المسلم على سَوم أخيه . ولا يخطب على خطبته)) وأخرجه مسلم من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله عَّ له قال: المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه حتى يذر )) هذا ولا شك أن الخاطب الأول إذا رُدَّ ورُفِضَت خطبته جاز لمن شاء أن يتقدم للخطبة لأنه حينئذ لايكون خاطبا على خطبة أخيه إذ لا وجود لها وقتئذ والله أعلم . (٢٠٦) مایفیده الحديث ١ - تحريم خطبة الرجل المرأة التي تقدم إليها خاطب قبله حتى يأذن له الخاطب الأول أو يترك خطبتها . ٢ - أن الخاطب الأول إذا رُدَّتْ خِطبتُه جاز للخاطب الآخر أن يتقدم للخِطبة . ٣ - يجب على المسلم أن يحرص على مافيه سلامة صدور المسلمین. ٩ - وعن سهل بن سعد الساعدى رضي الله عنهما قال : جاءت امرأة إلى رسول الله عَ لّه فقالت : يارسول الله جئت أهب لك نفسى فنظر إليها رسولُ الله عَّه فِصَعَّدَ النظر فيها وصَوَّه: ثم طَأْطَأُ رسولُ الله عَّ رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جَلَسَتْ ، فقام رجل من أصحابه ، فقال : يارسول الله إن لم تكن لك بها حاجةٌ فَزَوِّجْنِيهَا، قال: ((فهل عندك من شيء؟)) فقال : لا والله يارسول الله، فقال: ((اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا ؟ )) فذهب ثم رجع فقال: لا والله ماوجدت شيئا ، فقال رسول الله عَ: ((انظر ولو خاتماً من حديد)) فذهب ثم رجع فقال : لا والله يارسول الله ولا خاتماً من حديد. ولكن هذا إزارى - قال سهل : ماله رداء - فلها نصفه، فقال رسولُ الله عَلَّه : (( ما تصنع بإزارك ؟ إن لَبِسْتَهُ لم يكن عليها منه شيء، وإن لَبِسَتْهُ لم يكن عليك منه شيء )) فجلس الرجل حتى إذا طال مَجْلِسُه قام فرآه (٢٠٧) فرآه رسول الله عَ لّهِ مُوَلِّياً، فَأَمَرَ به فَدُعِىَ، فلما جاء قال: ((ماذا معك من القرآن ؟ )) قال: معى سورة كذا وسورة كذا عَدَّدَها ، فقال: ((تقرؤهن عن ظهر قلبك؟)) قال: نعم . قال : اذهب فقد مَلَّكْتُكَهَا بما معك من القرآن )) متفق عليه ، واللفظ لمسلم ، وفي رواية قال له : (( انطلق فقد زَوَّجْتُكَهَا فَعَلِّمْهَا من القرآن )» وفي رواية للبخاري: ((أُمْلَكْنَاكَها بما معك من القرآن )» ولأبي دواد عن أبي هريرة قال: ((ما تحفظ؟)) قال: سورة البقرة والتي تليها، قال: ((قم فعلمها عشرين آية)). المفردات امرأة : قيل هي خولة بنت حكيم أو ليلى بنت الخطيم وقيل أم شريك إلا أن ابن سعد ذكر في الطبقات أن أم شريك لما وهبت نفسها للنبي ولم يتزوجها رفضت أن تتزوج غيره حتى ماتت رضي الله عنها . وقال الحافظ في الفتح : لم أقف على اسمها . أهب لك نفسى : أى أتزوجك من غير عوض . فصَعَّدَ النظر فيها وصَوَّبه : أى رفع البصر إليها وخفضه بمعنى أنه نظر أعلاها وأسفلها وتأملها . ثم طأطأ رسول الله عَ لّه رأسه: أى خفض رأسه وصمت عَ لّه حياء من مواجهتها بالرد أو انتظارا للوحى أو تفكرا في جواب يناسب المقام كما قال الحافظ في الفتح . أنه لم يقض فيها شيئا جلست : أى أنه لم يبتَّ في أمرها بالقبول (٢٠٨) أو الرد في الحال قعدت تنتظر ماقد بيث في أمرها أو يجيئها من الفَرَج من عند الله . فقام رجل من أصحابه : قال الحافظ في الفتح : ولم أقف على اسمه. إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها : أى إن لم تكن لك رغبة في في نكاحها فأنكحنيها . فهل عندك من شيء : أى ألك مال تجعله صداقا لها ؟ لاوالله يارسول الله: أى ليس عندي مال أجعله صداقاً لَهَا واللهِ یارسول الله . اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا : أى اذهب إلى أهل دارك وجماعتك فابحث عندهم لعلك تجد لديهم مَالًا تجعله صداقا لها. انظرولو خاتما من حديد : أى ابحث عن شيء تجعله صداقا للمرأة ولو كان الذي تجده خاتما من حديد فإنه يكفى في صداقها. ولا خاتما من حديد : أى ذهبت وبحثت عن شيء ولوكان خاتما من من حديد فلم أجد شيئا ولا حتى خاتما من حديد وذكر خاتم الحديد لأنه أقل مايمكن أن يتمول بخلاف خاتم الذهب أو خاتم (الماس) أو خاتم الفضة فإن قيمته فوق ذلك بكثير . ولكن هذا إزارى فلها نصفه : أى يكون إزاري بيني وبينها أُمَلِّكُهَا نصفه . (٢٠٩) قال سهل ما لَه رداء : أى قال سهل بن سعد الراوى لهذا الحديث : لم يكن له إزار ورداء بل إزار فقط . والإِزار مايلبسه الإِنسان ليستر من سرته إلى ركبته وهو يقوم مقام ((السروال)) وأما الرداء فهو مايكون فوق الكتفين والظهر والصدر وهو يقوم مقام القميص . ما تصنع بإزارك : يعنى ما تصنع المرأة بملكية نصف إزارك لأنه لا يُنْتَفَعُ به إلا بجملته لأنه لوشقه بينه وبينها لم يسترهَا نصفه ولم يستره نصفه . فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام : أي فجلس الرجل جلوسا طويلا ، ولما طال مجلسه قام . مُؤَلِّياً : أى مدبرا منصرفا . فَدُعى : أى فنودى وطُلِبَ . فلما جاء : أى فلما رجع . ماذا معك من القرآن : أى ماذا تحمل من كتاب الله عزوجل في صدرك . معى سورة كذا وسورة كذا عَدَّدها : أى أحفظ سورة كذا وسورة كذا وقد بيَّنها وفصَّلها لكن الراوى لم يبينها . تقرؤهن عن ظهر قلبك : أى أتحفظهن وتقرؤهن دون حاجة إلى النظر في المصحف وتضبطهن في صدرك ؟ (٢١٠) قال نعم : أى أضبطهن في صدري وأقرؤهن من قلبى . اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن : أى انطلق فقد زوجتكها بما معك من القرآن أى فعلمها مامعك من القرآن كما بينت ذلك الرواية الأخرى . وفي رواية قال له : أى في رواية لمسلم من طريق زائدة بن قدامة عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال له صِّلى الله رسول الله فعلِّمها من القرآن : أى فأقرئها وعلمها ودَرِّس لها من القرآن ماحفظت . وفي رواية للبخاري : أى من طريق أبي غسان عن أبي حازم عن سهل بن سعد . ولأبي داود عن أبي هريرة : أى وفي رواية لهذا الحديث عند أبي داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . قال : ما تحفظ : أى ما تضبط في قلبك من سور القرآن ؟ والتي تليها : يعنى سورة آل عمران. قم فعلمها عشرين آية : أى درِّس لها عشرين آية مما تحفظ من القرآن . البحث أورد البخاري رحمه الله هذا الحديث في مواضع شتى من صحيحه مختصرا ومطولا واستنبط رحمه الله منه قواعد كثيرة وقد أورده في الوكالة (٢١١) وفي فضائل القرآن وفي النكاح وفي اللباس وفي التوحيد ، وعنون له في النكاح بعناوين منها باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح وباب النظر إلى المرأة قبل التزويج ، وباب إذا كان الولي هو الخاطب . وباب السلطان ولى ، وباب إذا قال الخاطب للولي زوجنى فلانة فقال : قد زوجتك بكذا وكذا جاز النكاح وإن لم يقل للزوج : أرضيت أو قبلت ؟ وباب التزويج على القرآن وبغير صداق . قال الحافظ في الفتح : قوله (باب التزويج على القرآن وبغير صداق) أى على تعليم القرآن وبغير صداق مالىٌّ عَيْنِيٍّ ويحتمل غير ذلك كما سيأتى البحث فيه . ثم قال الحافظ : وهذا الحديث مداره على أبي حازم سلمة بن دينار المدنى وهو من صغار التابعين ، حَدَّث به كبار الأئمة عنه مثل مالك وقد تقدمت روايته في الوكالة وقبل أبواب هنا، ويأتى في التوحيد ، وأخرجه أيضا أبو داود والترمذي والنسائى والثوري كما ذكرته ، وحماد بن زيد وروايته في فضائل القرآن ، وتقدمت قبل أبواب هنا أيضا، وأخرجها مسلم ، وفضيل بن سليمان ومحمد بن مطرف أبي غسان وقد تقدمت روايتهما قريبا في النكاح ولم يخرجهما مسلم ، ويعقوب بن عبدالرحمن الاسكندراني وعبدالعزيز بن أبي حازم وروايتهما في النكاح أيضا ، ويعقوب أيضا في فضائل القرآن وعبدالعزيز يأتى في اللباس وأخرجها مسلم ، وعبدالعزيز بن محمد الدراوردي وزائدة بن قدامة وروايتهما عند مسلم ، ومعمر وروايته عند أحمد والطبراني ، وهشام بن سعد وروايته في صحيح أبي عوانة والطبراني ، ومبشر بن مبشر وروايته عند الطبراني ، (٢١٢) وعبد الملك بن جريج وروايته عند أبي الشيخ في كتاب النكاح ، وقد روى طرفا منه سعيد بن المسيب عن سهل بن سعد أخرجه الطبراني ، وجاءت القصة أيضا من حديث أبي هريرة عند أبي داود باختصار والنسائى مطولا ، وابن مسعود عند الدارقطني ، ومن حديث ابن عباس عند أبي عمر بن حيوة في فوائده ، وضميرة جد حسين بن عبدالله عند الطبراني وجاءت مختصرة من حديث أنس كما تقدم قبل أبواب ، وعند الترمذي طرف منه آخر ، ومن حديث أبي أمامة عند تمام في فوائده ومن حديث جابر وابن عباس عند أبي الشيخ في كتاب النكاح اهـ . مایفیده الحدیث ١ - جواز عرض المرأة الراغبة في الزواج نفسها على الرجل الصالح . ٢ - جواز النظر إلى المرأة قبل التزويج لمن يرغب في الزواج منها . ٣ - أن السلطان وليّ وله حق تزويج المرأة. ٤ - جواز التزويج على تعليم بعض القرآن لغير القادر على دفع صداق مالى . ٥ - وجوب الصداق في النكاح وأنه لابد منه . ٦ - استحباب تعيين الصداق عند العقد . ٧ - يجوز أن يكون الصداق خاتما من حديد . ٨ - أن الخطبة في النكاح للاستحباب . ٩ - جواز الحلف وان لم يكن على الحالف يمين . ١٠ - جواز عقد النكاح بلفظ الإملاك والتمليك والإنكاح والتزويج (٢١٣) ..... ١١ - أنه إذا تيقن الرجل أن الخاطب الأول قد أعرض عن الخِطبة جاز له أن يتقدم لخطبة المرأة ولا يكون هذا من باب الخطبة على الخطبة كما تقدم . ١٢ - أنه إذا لم يقبل الموهوب له الهبة اعتبرت لاغية . ١٠ - وعن عامر بن عبدالله بن الزبير عن أبيه رضي الله عنهم أن رسول الله عَ له قال: ((أعلنوا النكاح)) رواه أحمد وصححه الحاكم. المفردات عامر بن عبدالله بن الزبير : هو عامر بن عبدالله بن الزبير بن العوام ابن خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصى بن كلاب ابن مرة بن كعب بن لؤى . أبو الحارث المدنى . قال الحافظ في التقريب : ثقة عابد اهـ . وقد توفى رحمه الله سنة إحدى وعشرين ومائة وقيل سنة أربع وعشرين ومائة وقد أخرج له الجماعة . عن أبيه : هو عبدالله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد ابن عبدالعزى بن قصى القرشى الأسدى أبوبكر وأبو خبيب . كان أول مولود في الإسلام بالمدينة من المهاجرين . وولى الخلافة تسع سنين ، وأمه أسماء بنت الصديق رضي الله عنهما وقتل في ذي الحجة سنة ٧٣ هـ رضى الله عنه . (٢١٤) أعلنوا : أى أظهروا وأشيعوا . النكاح : أى خبر عقد الزواج . البحث إعلان النكاح مقصد من مقاصد الشرع الكريم لما فيه من دفع الشُّبه عن البيوت ، وصيانة أعراض المسلمين عن الانتهاك ، وقد ثبت من طرق الإعلان الشرعى عن النكاح أن يُضْرَبَ عند الزواج بالدُّف ، وأن تُصنع وليمة للعرس ، قال البخاري في صحيحه : باب ضرب الدُّف في النكاح والوليمة ثم ساق من طريق خالد بن ذكوان قال : قالت الرُبَيِّعُ بنت مُعَوِّد بن عفراء: جاء النبي عَِّ يدخل حين بُنِىَ عَلَيَّ فجلس على فراشي كمجلسك منى ، فجعلت جُوَيْهَاتٌ لنا يضربن بالدُّف ويَنْدُبْنَ من قُتِلَ من آبائى يوم بدر ، إذ قالت إحداهن : وفينا نبي يعلم مافي غد. فقال: ((دَعِى هذه وقولى بالذي كنتٍ تقولين)) قال الحافظ في الفتح : في هذا الحديث إعلان النكاح بالدُّف وبالغناء المباح ، وفيه إقبال الإِمام إلى العُرس وإن كان فيه لهو مالم يخرج عن حد المباح ثم قال : وإنما أنكر عليها ماذكر من الإطراء حيث أطلق علم الغيب له وهو صفة تختص بالله تعالى كما قال تعالى: (( قل لايعلم من في السموات والأرض الغيبَ إلا الله)) وقوله لنبيه ﴿ قل لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرا إلا ماشاء الله ، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير﴾ وسائر ما كان النبي عَلم يخبر به من الغيوب بإعلام الله تعالى إياه لا أنه يستقل بعلم ذلك كما قال تعالى: ﴿ عالم الغيب فلا يُظهِر على (٢١٥) غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ﴾ اهـ وروى البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها أنها زَفّت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال نبى الله عَّةٍ: ((ياعائشة ما كان معكم لَهْوٌ فإن الأنصار يعجبهم اللهو)) هذا وحديث الباب قد ذكر المصنف هنا أنه صححه الحاكم وقال في الفتح : وفي حديث عبدالله بن الزبير عند أحمد وصححه ابن حبان والحاكم ((أعلنوا النكاح)) زاد الترمذي وابن ماجه من حديث عائشة : واضربوا عليه بالدف وإسناده ضعيف اهـ . مايستفاد من ذلك ١ - استحباب إعلان النكاح . ٢ - أنه لايجوز أن يتجاوز الإعلان ما أباحته الشريعة. **** ١١ - وعن أبي بردة بن أبى موسى عن أبيه رضي الله عنهما قال: قال رسول الله عَبٍ ((لانكاح إلا بولى)) رواه أحمد والأربعة وصححه ابن المدينى والترمذي ، وابن حبان وأعله بالإِرسال . المفردات لا نكاح : أى لا زواج . إلا بولى: أى إلا أن يكون العاقد للزوج وليًّا للمرأة سواء كانت ولايته بسبب أنه أقرب عصبتها إليها أو أنه السلطان أو نائبه . (٢١٦) بالإِرسال : أى بإسقاط أبي موسى رضي الله عنه وأنه من قول أبي بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم . البحث قول المصنف : رواه أحمد والأربعة غير ظاهر لأن الظاهر أن النسائى لم يخرجه فقد قال المصنف نفسه في التلخيص : حديث أبي موسى ((لانكاح إلا بولى)) أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وأطال في تخريج طرقه، وقد اختلف في وصله وإرساله قال الحاكم : وقد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي عَ لّ عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش قال : وفي الباب عن علي وابن عباس ثم سرد تمام ثلاثين صحابيا ، وقد جمع طرقه الدمياطى من المتأخرين اهـ وقال في الفتح على قول البخاري: ((باب لانكاح إلا بولى)) قال الحافظ : والمشهور فيه حديث أبي موسى مرفوعا بلفظه أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم لكن قال الترمذي بعد أن ذكر الاختلاف فيه : وإن من جملة من وصله إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه ومن جملة من أرسله شعبة وسفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة ليس فيه أبو موسى رواية ، ومن رواه موصولا أصح لأنهم سمعوه في أوقات مختلفة ، وشعبة وسفيان وإن كانا أحفظ وأثبت من جميع من رواه عن أبي إسحاق لكنهما سمعاه في وقت واحد ، ثم ساق من طريق أبي داود الطيالسي عن شعبة قال : سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق: أسمعت أبا بردة يقول: قال رسول الله عَّةٍ: ((لانكاح إلا (٢١٧) بولى))؟ قال: نعم . قال : وإسرائيل ثبت في أبي إسحاق . ثم ساق من طريق ابن مهدى قال : مافاتنى الذي فاتنى من حديث الثوري عن أبي إسحاق إلا لما اتكلت به على إسرائيل لأنه كان يأتى به أتم . وأخرج ابن عدى عن عبدالرحمن بن مهدى قال : إسرائيل في أبي إسحاق أثبت من شعبة وسفيان . وأسند الحاكم من طريق على بن المديني ومن طريق البخاري والذهلى أنهم صححوا حديث إسرائيل . ومن تأمل ماذكرته عرف أن الذين صححوا وصله لم يستندوا في ذلك إلى كونه زيادة ثقة فقط بل للقرائن المذكورة المقتضية لترجيح رواية إسرائيل الذي وصله على غيره اهـ ويظهر أيضا من ذكر الحافظ لابن حبان في عداد من صحح هذا الحديث أن عبارة بلوغ المرام ((وأعله بالإِرسال)) محرفة وصوابها : وأعل بالإِرسال . والله أعلم . وأما حديث ابن عباس : لانكاح إلا بولى فقد قال الحافظ في التلخيص : أحمد وابن ماجه والطبراني وفيه الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف ومداره عليه . وغلط بعض الرواة فرواه عن ابن المبارك عن خالد الحذاء عن عكرمة . والصواب الحجاج بدل خالد اهـ . هذا وقد ساق البخاري رحمه الله في الاستدلال على أنه «لا نكاح إلا بولى)) أدلة جلية كثيرة فقال رحمه الله: باب من قال لانكاح إلا بولى لقول الله تعالى: ﴿ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن ﴾ فدخل فيه الثيب، وكذلك البكر، وقال: ﴿ولا تُنْكِحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ وقال: ﴿وَأَنْكِحُوا الأيامى منكم﴾ ثم ساق (٢١٨) من طريق عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي عَ ل أخبرته (( أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء : فنكاح منها نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل ولِيَّتَه أو ابنته فيُصْدِقُهَا ثم يَنْكِحُها، ونكاحٌ آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طَهُرَتْ من ◌َمْئِهَا : أرسلى إلى فلان فاستبْضِعِى منه ، ويَعْتَزِلُهَا زوجها ولا يَمَسُّها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه ، فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب ، وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد فكان هذا النكاحُ نكاحَ الاستبضاع . ونكاحٌ آخر يجتمع الرهط مادون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ومرَّ ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم ، فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها ، تقول لهم : قد عرفتم الذي كان من أمركم . وقد ولدتُ ، فهو ابنك يافلان ، تسمى من أحبت باسمه فيلحق به ولدُها ، لايستطيع أن يمتنع به الرجل ، ونكاح الرابع : يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمنع من جاءها وهن البغايا كُنَّ ينصبن على أبوابهن رايات تكون عَلَماً فمن أرادهن دخل عليهن ، فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جُمِعُوا لها ودَعَوا لهم القافة ، ثم ألحقوا ولدَها بالذي يرون ، فالْتَاطَّتْهُ به، ودُعِى ابنَه لا يمتنع من ذلك. فلما بُعِثَ محمد عَ له بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم . ثم ساق البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها ﴿ومايتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتى لا تُؤْتُونهن ماكتب لهن وترغبون أن تنكحوهن﴾ قالت : هذا في (٢١٩) اليتيمة التي تكون عند الرجل - لعلها أن تكون شريكته في ماله ، وهو أولى بها - فيرغب عنها أن ينكحها فيعضُلُها لمالها ، ولا يُنكِحُها غيرَه كراهية أن يشركه أحد في مالها ثم ساق البخاري رحمه الله من طريق سالم أن ابن عمر أخبره أن عمر حين تأيمت حفصة بنت عمر من ابن حذافة السهمى - وكان من أصحاب النبي عَ ◌ّةٍ من أهل بدر - توفى بالمدينة فقال عمر : لقيت عثمان بن عفان فعرضت عليه فقلت : إن شئت أنكحتك حفصة ؟ فقال : سأنظر في أمرى ، فلبثت ليالى ، ثم لقينى فقال : بدا لي أن لا أتزوج يومى هذا . قال عمر : فلقيت أبابكر فقلت : إن شئت أنكحتك حفصة ؟ ثم ساق البخاري من طريق الحسن قال: ((فلا تعضلوهن)) قال حدثنى معقل بن يسار أنها نزلت فيه قال : زوَّجت أختا لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها ، فقلت له : زوجتك وأفرشتك وأكرمتك فطلقتها ثم جئت تخطبها ، لا والله لا تعود إليك أبدا ، وكان رجل لا بأس به ، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه ، فأنزل الله هذه الآية ﴿فلا تعضلوهن فقلت : الآن أفعل يارسول الله قال: فزوجها إياه . قال الحافظ في الفتح : استنبط المصنف هذا الحكم من الآيات والأحاديث التي ساقها لكون الحديث الوارد بلفظ الترجمة على غير شرطه اهـ ووجه الاستدلال بهذه الآيات وهذه الأحاديث أن سبب نزول قوله ﴿ ولا تعضلوهن هو امتناع الولى عن تزويجها ولو لم يكن الولى شرطا في صحة العقد لم يكن لعضله معنى . وقوله تعالى: ﴿ ولاتنكحوا المشركين حتى يؤمنوا (٢٢٠)