Indexed OCR Text

Pages 81-100

الجيد المرغوب فيه ويطلق النفيس على المال الكثير
أيضا . ويُسَمَّى نفيسا لأنه يأخذ بالنفس
حبست أصلها : أى وقفت الأرض .
وتصدقت بها : أى وسبَّلت ثمرتها ومنفعتها وغلتها .
فتصدق بها عمر : أى وقفها وسبَّل غلتها .
لايباع أصلها : أى لاتباع هذه الأرض الموقوفة .
ولا يورث : أى ولايتقاسمها الورثة بعد موت المالك
فإن ملكيتها لاتنتقل إليهم بموت الواقف .
ولا يوهب : أى ولايعطى لأحد ليتملكه .
في الفقراء : أى في المحتاجين .
وفي القربى : أي قربى عمر رضي الله عنه ويحتمل قربى رسول
الله عَ ◌ٍّ. وبالأول جزم القرطبى وهو الظاهر لقوله
في حديث أبى طلحة ((اجعله لفقراء أقاربك)»
وفي الرقاب: أى وفي شراء العبيد لتحريرهم وفي معاونة
المكاتب على توفیة دين كتابته .
وفي سبيل الله : أى وللغزاة المجاهدين في سبيل الله .
وابن السبيل : أى والمسافر المنقطع عن أهله وماله .
والضيف : وهو من نزل بقوم يريد القِرَى .
لاجناح : أى لاإثم ولاحرج .
على من وليها : أى على ناظر الوقف الذي يتولى مصلحته .
(٨١)

بالمعروف : بالقدر الذي يدفع به شهوته أو حاجته أو
ماجرت به العادة أو بقدر عمالته على الوقف .
ويطعم صديقا : أى ويمنح من ثمرتها لبعض أصدقائه بما لم يؤثر
على حق الفقراء وغيرهم من المستحقين .
غير متمول مالا : أى غير متخذ أصل مال يتملكه لنفسه من
مال الوقف وفي لفظ للبخاري ومسلم : غير متأثل
مالا أى متخذ أصل مال لنفسه من مال الوقف
قال الحافظ في الفتح : والمتأثل بمثناة ثم مثلثة
مشددة بينهما همزة هو المتخذ ، والتأثل اتخاذ
أصل المال حتى كأنه عنده قديم ، وأثلة كل شىء
أصله ، قال الشاعر : وقد يدرك المجدَ المؤثِّلَ أَمْثالى
وفي رواية للبخاري : أى من طريق هارون بن الأشعث حدثنا أبو
سعيد مولى بني هاشم حدثنا صخر بن جويرية عن
نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما
ولكن ينفق ثمره : أى يُسَبَّل ويوزع على الفقراء والمستحقين .
البحث
هذا الحديث أورده البخاري مطولا ومختصرا في مواضع . فقد أورده
في باب ما للوصي أن يعمل في مال اليتيم وما يأكل منه بِقَدْر عمالته
من حديث ابن عمر رضى الله عنهما أن عمر تصدق بمال له على
عهد رسول الله عَدٍ وكان يقال له ثَمغ وكان نخلا فقال عمر:
(٨٢)

يارسول الله إني استفدت مالا وهو عندي نفيس ، فأردت أن أتصدق
به ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((تَصَدَّقْ بأصله ، لايباع
ولا يوهب ولايورث . ولكن يُنْفَقُ ثَمَرُهُ)) فتصدق به عمر، فَصَدَقَتَهُ
ذلك في سبيل الله وفي الرقاب والمساكين والضيف وابن السبيل ولذي
القربى ، ولاجناح على من وليه أن يأكل منه بالمعروف أو يُوكِلَ
صديقه غير متمول به . وأورده في باب الوقف كيف يكتب من
حديث ابن عمر رضى الله عنهما قال : أصاب عمر بخيير أرضا ،
فأتى النبي عَ ◌ّه فقال: أصبت أرضا لم أُصب مالا قط أَنْفَسَ منه
فكيف تأمرني به ؟ قال إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها))
فتصدق عمرأنه : لايباع أصلها ، ولا يوهب ، ولايورث ، في الفقراء
والقربى والرقاب وفي سبيل الله ، والضيف وابن السبيل ، لاجناح على
من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقا غير متمول فيه .
وأورده في باب الوقف للغنى والفقير والضيف من حديث ابن عمر أن
عمر رضى الله عنه وجد مالا بخيبر فأتى النبى صلى الله عليه وسلم
فأخبره، قال: ((إن شئت تصدقت بها )) فَتَصَدَّقَ بها في الفقراء
والمساكين وذي القربى والضيف . ثم أورده في باب نفقة القيم للوقف
من حديث ابن عمر رضى الله عنهما أن عمر اشترط في وقفه أن
يأكل مَنْ وليه ، ويُوكِلَ صديقَه غير مُتَمَوِّلٍ مالا . وأورده في باب
الشروط في الوقف بنحو اللفظ الذي أورده المصنف فساقه من طريق
ابن عون عن نافع من حديث ابن عمر رضى الله عنهما أن عمر بن
(٨٣)

الخطاب أصاب أرضا بخيبر فأتى النبى معَّ الّه يستأمره فيها فقال
يارسول الله إنى أصبت أرضا بخيير، لم أصب مالا قط أَنْفَسَ عندي
منه ، فما تأمر به؟ قال: ((إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها )) قال :
فتصدق بها عمر أنه لايباع ولا يوهب ولايورث . وتَصَدَّقَ بها في الفقراء
وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف ، لاجناح
على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ، ويُطْعِمَ غير متمول . قال :
فحدثت به ابن سيرين فقال : غير متأثل مالا اهـ
والقائل : فحدثت به ابن سيين الح هو ابن عون راويه عن نافع
قال الحافظ في الفتح : بين ذلك الدارقطني من طريق أبى أسامة عن
ابن عون قال : ذكرت حديث نافع لابن سيرين فذكره اهـ
وقد استدل البخاري بأطراف من هذا الحديث فقال في المزارعة في
باب («أوقاف أصحاب النبى عَّ له وأرض الخراج ومزارعتهم ومعاملتهم
وقال النبى عَّ ◌ُلِّ لعمر : تَصدَّقْ بأصله لايباع ولكن يُنْفَق ثمره ،
فَتَصَدَّقَ به. وقال في الوصايا في باب هل ينتفع الواقف بوقفه : وقد
اشترط عمر رضى الله عنه : لاجناح على من وليه أن يأكل وقد يلى
الواقف وغيره)) وقال في باب ((إذا وقف شيئا فلم يدفعه إلى غيره
فهو جائز)) لأن عمر رضى الله عنه أوقف وقال: لاجناح على من
وليه أن يأكل ولم يخص إن وليه عمر أو غيره اهـ وقال مسلم :
حدثنا يحيى بن يحيى التميمي أخبرنا سليم بن أخضر عن ابن عون
عن نافع عن ابن عمر قال : أصاب عمر أرضا بخيير فأتى النبى
صلى الله عليه وسلم يستأمره فيها فقال : يا رسول الله إني أصبت
(٨٤)

أرضا بخيبر لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه ، فما تأمرني به
قال: ((إن شئت حَبَسْتَ أصلها وتصدقت بها)) قال فتصدق بها
عمر أنه لايباع أصلها ولا يبتاع ولا يورث ولا يوهب ، قال فتصدق
عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل
والضيف لاجناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يُطْعِمَ
صديقا غير متمول فيه . قال : فحدثت بهذا الحديث محمدا فلما
بلغت هذا المكان ((غير متمول فيه)) قال محمد : غير متأثل مالا.
قال ابن عون وأنبأني من قرأ هذا الكتاب أن فيه ((غير متأثل مالا))
حدثناه أبوبكر بن أبي شيبة حدثنا ابن أبي زائدة ح وحدثنا إسحاق
أخبرنا أزهر السَّمَّان ح وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي
كلهم عن ابن عون بهذا الإسناد مثله غير أن حديث ابن أبي زائد
وأزهر انتهى عند قوله أو يطعم صديقا غير متمول فيه ، ولم يُذْكَرْ ما
بعده . وحديث ابن أبي عدي فيه ما ذكر سليم قوله : فحدثت بهذا
الحديث محمدا إلى آخره . وحدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا أبوداود
الحَفَرِيُّ عمرُبن سَعْدٍ ، عن سفيان عن ابن عون عن نافع عن ابن
عمر عن عمر قال : أصبت أرضا من أرض خيبر فأتيت رسول الله
عَّه فقلت: أصبت أرضا لم أصب مالا أحبَّ إلَّ ولا أَنْفَسَ
عندي منها وساق الحديث بمثل حديثهم ولم يذكر : فحدثت محمدا
وما بعده اهـ وقوله في الحديث : لايباع ولايوهب ولايورث هو من كلام
رسول الله عَ ل قال الحافظ في الفتح عند كلامه على هذا الحديث
(٨٥)

في باب الوقف كيف يكتب . قال السبكي: اغتبطت بما وقع في
رواية يحيى بن سعيد عن نافع عند البيهقي (( تصدق بثمره وحبِّس
أصله لايباع ولايورث)) وهذا ظاهره أن الشرط من كلام النبى عليه
بخلاف بقية الروايات فإن الشرط فيها ظاهره أنه من كلام عمر ،
قلت : قد تقدم قبل خمسة أبواب من طريق صخر بن جويرية عن
نافع بلفظ: فقال النبى عَّ له: ((تصدق بأصله لايباع ولا يوهب
ولايورث ولكن ينفق ثمره )» وهى أتم الروايات وأصرحها في المقصود
فعزوها إلى البخاري أولى . وقد علقه البخاري في المزارعة بلفظ : قال
النبى عَ ◌ّدٍ لعمر: تصدق بأصله لايباع ولايوهب ولكن لينفق
ثمره فتصدق به . اهـ هذا وقد قال الحافظ في الفتح : وروى عمر
ابن شبة بإسناد صحيح عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن
عمر رأى في المنام ثلاث ليال أن يتصدق بثمغ وقال الحافظ : وزاد
عمر بن شبة عن يزيد بن هارون عن ابن عون في آخر هذا
الحديث : وأوصى بها عمر إلى حفصة أم المؤمنين ثم إلى الأكابر من
آل عمر. ونحوه في رواية عبيدالله بن عمر عند الدار قطني. وفي
رواية أيوب عن نافع عند أحمد : يليه ذوو الرأى من آل عمر.
فكأنه كان أولا شرط أن النظر فيه لذى الرأى من أهله ثم عين عند
وصيته لحفصة . وقد بين ذلك عمر بن شبة عن أبي غسان المدني
قال : هذه نسخة صدقة عمر أخذتها من كتابه الذي عند آل عمر
فنسختها حرفا حرفا : هذا ما كتب عبدالله عمر أمير المؤمنين في ثمغ أنه إلى
(٨٦)

حفصة ما عاشت تنفق ثمره حيث أراها الله فإن توفيت فإلى ذوى
الرأى من أهلها اهـ .
مايستفاد من ذلك
١ - مشروعية الوقف .
٢ - أنه متى ثبت الوقف فإنه لايباع ولايوهب ولايورث .
٣ - أن الوقف هو حبس الأصل والتصدق بغلته.
٤ - أنه ينبغي أن يكون الوقف للإنفاق على الفقراء وأبناء السبيل
وفي سبيل الله وعلى الضيوف .
٥ - لابأس أن يأكل قيم الوقف منه وكذلك صديقه غير
متخذ منه ملكا .
٦ - ينبغي للواقف أن يخص فقراء أقاربه ببعض غلة الوقف .
٧ - لايجوز لقيم الوقف ولالصديقه الذي يباح له إطعامه من
الوقف أن يتخذ من مال الوقف ملكا .
٨ - يجوز للواقف أن يكون قيما على وقفه .
٩ - يجوز للواقف أن ينتفع بوقفه .
١٠ - ينبغي لمن أراد وقف بعض أملاكه أن يختار أطيبها وأنفسها.
١١ - يستحب أن يستشير العاقلُ الفاضل أهلَ الخير
١٢ - ينبغي مراعاة شروط الواقف مادامت لامعصية فيها
١٣ - يجوز أن يأكل الأغنياء من مال الوقف .
(٨٧)

١٤ - يجوز للمرأة أن تلي الوقف
١٥ - يجوز للواقف أن يفوض أمر إنفاق غلة الوقف للناظر
حيث أراه الله .
****
٣ - وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال بعث رسول الله عَ ليه
عمر على الصدقة . الحديث . وفيه : وأما خالد فقد احتبس أدراعه
وأعتاده في سبيل الله )) متفق عليه .
المفردات
الحديث : أكمل الحديث .
وفيه : أى وفي هذا الحديث .
احتبس : أى وقف يقال : حبسه واحتبسه إذا وقفه ويقال
للوقف : حبيس .
أدراعه : هى جمع درع كالدروع وتصنع من الحديد ليلبسها
المقاتل فتقيه من أذى سلاح عدوه .
وأعتاده : وهو جمع عتد بفتح العين والتاء وهو مايتأهب به
للحرب من السلاح وغيره فمعنى احتبس أدراعه وأعتاده في
سبيل الله أى وقف ملابسه الحربية وأسلحته ودوابه في سبيل الله .
البحث
تقدم في بحث الحديث الحادى عشر من كتاب الزكاة لفظ هذا الحديث
(٨٨)

بتمامه عند البخاري ومسلم ، وإنما أورد المصنف هذه الجملة من هذا
الحديث هنا للدلالة على جواز وقف المنقولات . وهو ظاهر فيه .
والله أعلم .
ما يفيده الحديث
١ - جواز وقف المنقولات .
٢ - أنه ينبغي حسن الظن بالمسلمين.
٣ - إظهار فضل خالد بن الوليد رضى الله عنه .
(٨٩)

باب الهبة والعُمْرَى والرُّقْبَى
١ - عن النعمان بن بشير رضى الله عنهما أن أباه أتى به
رسول الله عٍَّ فقال : إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي ، فقال
رسول الله عَّهِ ((أَكُلَّ ولدك نَحَلْتَه مثل هذا؟)) فقال : لا .
فقال رسول الله عَ ◌ّ فَارْجِعْهُ)) وفي لفظ: فانطلق أبي إلى
النبى صلى الله عليه وسلم لِيُشْهِدَه على صدقتي، فقال: ((
أَفَعَلْتَ هذا بَوَلَدِكَ كُلَّهِمْ؟ )) قال: لا. قال: ((اتقوا الله
واعدلوا بين أولادكم)) فَرَجَعَ أَبي فَدَّ تلك الصدقة . متفق عليه .
وفي رواية لمسلم قال: ((فَأَشْهِدْ على هذا غيري)) ثم قال: ((أَيَسُّكَ
أن يكونوا لك في البِرِّ سواءً؟ قال: بلى قال: ((فلا إِذَنْ))
المفردات
الهبة : هى لغة العطية وشرعا هى تمليك بلاعوض قال في الفتح :
تطلق بالمعنى الأعم على أنواع الإِبراء وهو هبة الدين
ممن هو عليه ، والصدقة وهى هبة ما يتمحض به
طلب ثواب الآخرة ، والهدية وهى ما يكرم به
الموهوب له . ومن خصها بالحياة أخرج الوصية
وهى تكون أيضا بالأنواع الثلاثة ، وتطلق الهبة
بالمعنى الأخص على ما لايقصد له بدل ، وعليه ينطبق
قول من عرف الهبة بأنها تمليك بلاعوض ،اهـ وقد سبق
(٩٠)

قلم الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار عند ما نقل
كلام الحافظ هذا فقال : والهدية وهى ما يلزم
له الموهوب له عوض اهـ ولاشك أن هذا خطأ في
نقل عبارة الحافظ رحمهما الله
والعُمْرَى : هى بضم العين وسكون الميم وحكى فيها
ضم الميم أيضا كما حكى فيها فتح العين وسكون
الميم مأخوذة من العمرقال البخاري في صحيحه :
أَعْمَرْتُهُ الدارَ فهى عُمْرَى : جعلتها له ، استعمركم
فيها : جعلكم عُمَّارًا اهـ والعمرى في الاصطلاح :
هى أن يعطى الإِنسان غيره دارا ويقول له :
أعمرتك إياها أى أبحتها لك مدة عمرك فقيل لها
عُمْرِى لذلك .
والرُّقْبَى : وهى مأخوذة من المراقبة وهى الانتظار قال فى
القاموس : والرقبى كَبُشْرَى أَن يُعْطِىَ إنسانا مِلْكًا
فأيهما مات رجع المِلْكُ لورثته أو أن يجعله لفلان
يسكنه فإن مات ففلان ، وقد أَرقبه الرُّقْبَى وأرقبه
الدار جعلها له رقبى اهـ . وقد أشار الحافظ في
الفتح إلى أن العمرى والرقبى قد يطلقان على معنى
واحد في لغة العرب وقد روى النسائي بإسناد
صحيح إلى ابن عباس موقوفا ((العمرى والرقبى سواء))
(٩١)

ولاشك أن أصل العمرى مختلف عن الرقبى وقد
كانوا في الجاهلية يتعاملون بالرقبى
والعمرى وكانت الرقبى أن يقول أحدهما لصاحبه :
إن مت قبلي فدارك لي وإن مت قبلك فدارى لك
فكان كل واحد منها يرقب موت صاحبه .
النعمان بن بشير : هو النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة بن
جلاس بن زيد بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن
الخزرج الأنصاري الخزرجي أبو عبدالله المدني . له
ولأبويه صحبة وأمه عمرة بنت رواحة أخت عبدالله
ابن رواحة رضى الله عنهم وأرضاهم . ولد في السنة
الثانية من الهجرة وهو أول مولود ولد في الأنصار
بعد الهجرة كما أن ابن الزبير هو أول مولود ولد في
المهاجرين بعد الهجرة . وقد ولى الكوفة لمعاوية رضى
الله عنه ثم نقله معاوية رضى الله عنه إلى ولاية
حمص . ولما مات يزيد بن معاوية بايع النعمان رضى
الله عنه لابن الزبير فلما تمرد عليه أهل حمص فارقهم
فلحقه خالد بن خلی الکلاعي وقتله رضی الله عنه وهو ابن
ثلاث وستين سنة وذلك سنة خمس وستين هجرية .
أباه : هو بشير بن سعد رضى الله عنه .
أتى به رسول الله عَ ليه: أى جاء به إلى رسول الله عَل
(٩٢)

نحلت : أى أعطيت من النحلة بكسر النون وهى العطية
بغير عوض .
ابنى هذا : يعني النعمان بن بشير رضى الله عنهما .
غلاما : أى عبدا رقيقا .
أكل ولدك نحلته مثل هذا : أى أعطيت سائر أولادك مثل
ما أعطيت ولدك النعمان .
فقال لا : أى لم أعط سائر أولادى مثل ما أعطيت
ولدى النعمان .
فارجعه : أَى فَارْدُد الغلام إلى ملكك أو لاتُمْضِ
الهبة المذكورة .
فانطلق أبي : أى فذهب أبي .
ليشهده على صدقتي : أى ليثبت لي عطيتي بشهادة رسول الله
صِاللّه
عَ بِّه عليها .
أفعلت هذا بولدك كلهم : أى أعطيت مثل ما أعطيت النعمان
لجميع أولادك .
واعدلوا بين أولادكم : أى ساؤُوا بينهم في الهبات والهدايا والعطايا .
فرجع أبي فرد تلك الصدقة : أى فاستعاد أبي ملكية الغلام أو لم
يمض الهبة المذكورة بمجرد انصرافه من عند
رسول الله عَّةٍ وسماع نصيحته ووصيته عدَّةٍ
وفي رواية لمسلم : أى من حديث النعمان بن بشير رضى الله عنهما.
(٩٣)

فأشهد على هذا غيري : أى أنا لاأشهد على هذا لما فيه من
الجَوْر وعدم العدل بين الأولاد فالأمر ليس للإِذن
بشهادة غيره بل هو نوع من التأنيب والتأديب .
أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء : أى أتحب وتفرح بأن يكونوا
بارِّين بك من غير تفاوت في حسن معاملتهم
لك وترك عقوقك ؟
قال بلى : أى أنا أحب أن يكون بُّهم بي على حد سواء .
قال : فلا إذنْ : أى فلا تُفَاوِتْ بينهم في العطية أو لاتعط
أحدا منهم دون الآخرين .
البحث
حديث النعمان بن بشير رضى الله عنهما أورده البخاري بعدة
ألفاظ فقد أخرجه في باب الهبة للولد من كتاب الهبة من طريق حميد
ابن عبدالرحمن ومحمد بن النعمان بن بشير عن النعمان بن بشير أن
أباه أتى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نحلت
ابني هذا غلاما، فقال ((أُكُلَّ وَلَدِك نحلت مثلَه؟)) قال : لا.
قال: ((فارْجِعْه)) وأورده في باب الإشهاد في الهبة من طريق عامر
قال : سمعت النعمان بن بشير رضى الله عنهما وهو على المنبر يقول :
أعطاني أبي عطية ، فقالت عمرة بنت رواحة : لاأرضى حتى تُشْهِدَ
رسول الله عَ ◌ّه، فأتى رسول الله عَ لّه ، فقال إني أعطيت ابنى
من عمرة بنت رَوَاحَةَ عطية فأمرتني أن أشهدك يارسول الله ، قال :
((أعطيت سائر وَلَدِك مثل هذا؟)) قال: لا. قال: ((فاتقوا الله
(٩٤)

واعدلوا بين أولادكم)) قال: فرجع فردَّ عطيته . وأورده في كتاب
الشهادات في باب (( لا يَشْهَدُ على شهادة جَوْرٍ إذا أُشْهِدَ)) من
طريق الشعبي عن النعمان بن بشير رضى الله عنهما قال : سألت
أمي أبي بعض المَوْهِبَةِ لي من ماله ، ثم بَدًا له فوهبها لي ، فقالت :
لاأَرضَى حتى تُشْهِدَ النبى عَّ ◌ُلّ فأخذ بيدى وأنا غلام فَأَتَّى بِي النَّبِّ
عَ لَّه فقال إن أُمَّه بنت رواحةً سألتني بعض الموهِبَة لهذا ؟ فقال:
أَلَّكَ وَلَدٌ سواه ؟ قال: نعم. قال: فَأْرَاه قال: ((لاتُشْهِدْنِي على
جَوْرٍ)) وقال أبوحَرِيزٍ عن الشعبي: ((لاأشهد على جور)) أما مسلم
فقد أورده كذلك من طريق حميد بن عبدالرحمن ومحمد بن النعمان
ابن بشير يحدثانه عن النعمان بن بشير أنه قال: إن أباه أتى به
رسول الله عَبٍّ فقال: إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي فقال
رسول الله عَّةٍ: ((أَكُلَّ وَلَدِكَ نحلته مثل هذا؟)) فقال: لا .
فقال رسول الله عَ بٍ: ((فارجعه)) وفي لفظ من طريقهما عن
النعمان بن بشير قال: أتى بي أبى إلى رسول الله عَ ليه فقال: إني
نحلت ابنى هذا غلاما فقال: ((أَكُلّ بنيك نحلت؟)) قال: لا .
قال: (( فَارْدُدْه)) ثم قال مسلم : وحدثنا أبوبكر بن أبي شيبة
وإسحاق بن ابراهيم وابن أبي عمر عن ابن عيينة ح وحدثنا قتيبة وابن
رُمْجِ عن الليث بن سعد ح وحدثني حرملة بن يحى أخبرنا ابن
وهب قال : أخبرني يونس ح وحدثنا إسحاق بن ابراهيم وعبد بن
حميد قالا : أخبرنا عبدالرزاق أخبرنا معمر كلهم عن الزهري بهذا
الإسناد، أما يونس ومعمر ففي حديثهما ((أكلّ بنيك)) وفي
(٩٥)

حديث الليث وابن عيينة ((أكلِّ وَلَدِكَ)) ورواية الليث عن محمد بن.
النعمان وحميد بن عبدالرحمن أن بشيرا جاء بالنعمان . حدثنا قتيبة
ابن سعيد حدثنا جرير عن هشام بن عروة عن أبيه قال : حدثنا.
النعمان بن بشير قال : وقد أعطاه أبوه غلاما فقال له النبى صلى
الله عليه وسلم ((ما هذا الغلام؟)) قال : أعطانيه أبي قال :
((فَكُلُّ إخوته أعطيتَه كما أعطيت هذا؟)) قال: لا. قال: ((فرده)) ثم
ساقه من طريق الشعبي عن النعمان بن بشير قال : تَصَدَّقَ
علىَّ أبي ببعض ماله فقالت أمي عمرة بنت رواحة : لاأرضى حتى
تُشْهِدَ رسول الله عَ لَه فانطلق أبي إلى النبى معَ ◌ّه لِيُشْهِدَه على
صدقتي فقال له رسول الله عَ ◌ّةٍ: ((أفعلت هذا بولدك كلهم قال:
لا. قال: ((اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)) فرجع أبي فرد تلك
الصدقة . ثم ساقه من طريق الشعبي أيضا قال : حدثني النعمان بن
بشير أن أمه بنت رواحة سألت أباه بعض المَوْهِبَة من ماله لابنها ،
فَالْتَوَى بها سنة ، ثم بَدَالَه ،فقالت : لاأرضى حتى تُشهد رسول الله
عَُّ على ما وهبت لابنى. فأخذ أبي بيدي وأنا يومئذ غلام
فأتى رسول الله عَّله فقال: يارسول الله إن أمَّ هذا بنت رواحة
أعْجَبَهَا أن أَشْهِدَكَ على الذي وهبت لابنها فقال رسول الله عَ لَّه:
((يابشير أَلَكَ وَلَدٌ سوىَ هذا؟)) قال: نعم. فقال: ((أَكُلَّهُمْ
وهبت له مثل هذا؟)) قال: لا. قال: ((فلاتُشْهِدني إذًا، فإني
لاأشهَدُ على جور)» وفي لفظ من طريق الشعبي عن النعمان بن بشير أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألك بنون سواه؟)) قال: نعم،
(٩٦)

قال: (( فَكُلُّهُمْ أعطيت مثلَ هذا؟)) قال: لا. قال: ((فلا
أَشْهَدُ على جوْر )) وفي لفظ من طريق الشعبي عن النعمان بن بشير
أن رسول الله عَّ له قال لأبيه: ((لاتُشْهِدْنِي على جور)) وفي لفظ
من طريق الشعبي عن النعمان بن بشير قال : انطلق بي أبي يحملني
إلى رسول الله عَ ◌ّهِ فقال: يا رسول الله: اشْهَدْ أَني قد نحلتُ
النعمان كذا وكذا من مالي. فقال: ((أَكُلَّ بنيك قد نحلتَ مثلَ ما
نحلتَ النعمان؟)) قال: لا. قال: ((فأَشْهِدْ على هذا غيري)) ثم
قال: ((أيسرك أن يكونوا إليك في البِر سواءً)) قال: بلى. قال :
((فلا إذا )) وفي لفظ من طريق ابن عون عن الشعبي عن النعمان بن
بشير قال : تحلني أبي نُحْلًا ثم أتى بى إلى رسول الله ليُشْهِدَه
فقال: ((أَكلَّ وَلَدِك أعطيته هذا؟)) قال: لا. قال: ((أليس
تريد منهم البِرَّ مثلَ ما تريد من ذا؟ قال: بلى. قال: ((فإني لا
أَشْهَدُ )) قال ابن عون: فحدثت به محمدا فقال: إنما تَحَدَّثْنَا أنه
قال: ((قَارِبُوا بين أولادكم )) ثم أورده مسلم من طريق أبي الزبير عن
جابر قال : قالت امرأة بشير : انحل ابنى غلامك وأشْهِدْ لي
رسول الله عَ لَه. فأتى رسول الله عَ له فقال: إن ابنة فلان
سألتني أن أَنْحَلَ ابنها غلامي وقالت : أَشْهِدْلي رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقال: ((أَلَه إخوةٌ)) قال: نعم. قال: ((أَفَكُلَّهُمْ
أعطيت مثلَ ما أعطيتَه؟)) قال: لا. قال: ((فليس يَصْلُحُ هذا
وإني لا أَشْهَدُ إلا على حق)) اهـ وليس بين هذه الألفاظ الكثيرة
(٩٧)

التي أوردناها عن الشيخين تعارض ولله الحمد والمنة وكلها تؤكد حق
الأولاد في عدل الآباء ولاشك أن هذا من قواعد الإِسلام في تربية
الأسر الإِسلامية وغرس المحبة والرحمة والعدالة في نفوس أفرادها ونزع
جميع أسباب الشر وعوامل الفرقة فيها ليتكون منها المجتمع الصالح المثالي
المتعاطف المتكاتف المتراحم ، ويظهر أن عمرة رضى الله عنها لما
طلبت من بشير رضى الله عنه أن يهب لولدها النعمان رفض إجابتها
أولا وما طلها ثم طابت نفسه أن يهب له وخشيت من رجوعه
فأرادت تثبيت العطية بأن يشهد عليها رسول الله عَبدٍ وقد حفظ
بعض الرواة ما لم يحفظ البعض الآخر أو كان النعمان رضى الله عنه
يقص بعض القصة تارة ويقص بعضها تارة أخرى فسمع بعض الرواة
مالم يسمع البعض الآخر وحدث كل واحد منهم بما رواه واقتصر عليه
أو رواه بالمعنى وقد أشار إلى ذلك الحافظ في الفتح . والله أعلم .
مایفیده الحديث
١ - أنه ينبغي للآباء أن يعدلوا بين أولادهم في العطايا والهبات .
٢ - أنه ينبغي للآباء أن لايعملوا مع بعض أبنائهم عملا
ينفر منهم باقي الأبناء .
٣ - جواز استرداد الهبة إن وقعت على جور ولو كانت للأقارب
٢ - وعن ابن عباس رضى الله عنهما قال: قال النبى صلى الله عليه
وسلم: (( العائد في هبته كالكلب يقىء ثم يعود في قيئه)) متفق عليه . وفي
(٩٨)

رواية للبخاري: ((ليس لنا مَثَلُ السَّوءِ ، الذي يعود في هبته
كالكلب يقىء ثم يرجع في قيئه )»
المفردات
العائد : أى الراجع .
في هبته : أى في عطيته .
كالكلب يقىء ثم يعود في قيئه : أى حالته وصفته في رجوعه في
هبته كحالة الكلب وصفته حيث يقىء ثم يعود
فيأكل قيئه والقىء هو ما يخرج من الجوف عن
طريق الحلق من الطعام أما يخرج من الجوف
عن طريق الدبر فهو الغائط والقىء أشد من القلس
قال الخليل في القلس : هو ما خرج من الحلق
ملء الفم أو دونه وليس بقیء فإن عاد فهو القىء.
وعبارة اللسان والمصباح : فإن غلب فهو القىء
وفي رواية للبخاري : أى من حديث ابن عباس رضي الله عنهما .
ليس لنا مثل السوء : أى لاينبغي لنا معشر المؤمنين أن نتصف
بصفة ذميمة يشابهنا فيها أخس الحيوانات في
أخس أحوالها .
البحث
أورد البخاري هذا الحديث في باب لايحل لأحد أن يرجع في هبته
وصدقته من طريق سعيد بن المسيب عن ابن عباس رضى الله عنهما
قال: قال النبى عَّة: ((العائد في هبته كالعائد في قيئه. ثم أورده
(٩٩)

من طريق عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : قال النبى
◌َ ◌ّه: («ليس لنا مَثَلُ السَّوءِ ، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه .
أما مسلم فقد أورد هذا الحديث من طريق طاوس عن ابن عباس
رضى الله عنهما باللفظ الذي أورده المصنف وأورده من طريق قتادة
عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس رضى الله عنهما . عن النبى
عَ بطلٍ أنه قال: العائد في هبته كالعائد في قيئه . وأورده من طريق
أبي جعفر محمد بن علي عن ابن المسيب عن ابن عباس أن النبى
عَِّ قال: ((مَثَلُ الذي يرجع في صدقته كمثل الكلب يقىء ثم
يعود في قيئه فيأكله . وأورده من طريق بكير سمع سعيد بن المسيب
يقول : سمعت ابن عباس يقول: سمعت رسول الله عَ} يقول: ((إنما
مَثَلُ الذي يتصدق بصدقة ثم يعود في صدقته كمثل الكلب يقىء
ثم يأكل قيأه)) أما إذا وهب الوالد أحد أولاده دون بقية أولاده فإن
عليه أن يرجع في ذلك لما تقدم في الحديث الأول من أحاديث
هذا الباب ، إذ أن الهبة لبعض الأولاد دون بعض جور وعمل من
أسوء مايورث العقوق والقطيعة بين الأولاد . وسيأتي في الحديث
الذي يلي هذا الحديث مزيد بحث لهذه المسألة إن شاء الله تعالى .
مايفيده الحديث
١ - لايحل لواهب أن يرجع في هبته المشروعة .
٢ - يجب على المسلم أن يتنزه عن مشابهة الكلاب .
٣ - أن الرجوع في الهبة المشروعة يدل على خسة الراجع
•
(١٠٠)