Indexed OCR Text

Pages 241-260

ورداء بالنسبة للرجل والأولاد الذكور أما النساء فليس لإِحرامهن
ثوب معين بل تلبس المرأة ماشاءت من الثياب مادام يسترها
ولايصف ولايشف ماتحته .
وليس الإِحرام هو مجرد لبس الإِزار والرداء بل الإِحرام هو نية
الدخول في النسك . فلو لبس الإِزار والرداء قبل الوصول إلى
الميقات فلا بأس لكن لاينوى الإِحرام إلا من الميقات . وينبغى له
أن يقلم أظافره ويزيل شعر إبطه وعانته ، ولا بأس له أن يتطيب
قبل الدخول في النسك بطيب لايدوم بعد أن يحرم إذا كان به
زعفران . وينبغى أن يكون الإِحرام بعد صلاة فإنه ثبت أن
رسول الله عَ ◌ّه كان يحرم بعد الصلاة فقد روى البخاري ومسلم
في صحيحيهما واللفظ لمسلم من حديث عبدالله بن عمر رضي الله
عنهما قال: ((كان رسول الله عَ لّه يركع بذي الحليفة ركعتين ثم
إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهل بهؤلاء
الكلمات ويقول: ((لبيك اللهم لبيك ، لبيك وسعديك ، والخير
في يديك والرغباء إليك والعمل)» فلو لم يتمكن من الصلاة عند
الإِحرام فلا شيء عليه . ولا يجوز أن يلبس المحرم شيئا مخيطا أو
محيطا فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبدالله
ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلا سأل رسول الله عَ ليه مايلبس
المحرم من الثياب ؟ فقال: لاتَلْبَسُوا القُمُص ولا العمائم ، ولا
السراويلات، ولا البرانس ، ولا الخفاف إلا أحدٌ لايجد نعلين فليلبس
(٢٤١)

خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ، ولاتلبسوا من الثياب شيئا
مَسَّه زعفران ولاوَرْسٌ)) زاد البخاري في رواية: ((ولا تنتقب
المرأة المحرمة ولاتلبس القفازين)) كما روى البخاري ومسلم في
صحيحيهما من حديث يعلى بن أمية رضي الله عنه قال : كنا عند
النبي عَّةٍ بالجعرانة إذجاءه رجل أعرابي عليه جبة وهو متضمخ
بالخَلوق فقال : يارسول الله ! إني أحرمت بالعمرة ، وهذه عَلَّ ! فقال
رسول الله عَ ◌ّم: أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات وأما
الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك ماتصنع في حجك )) فالتجرد من
الثياب والملابس المخيطة أو المحيطة واستبدالها بإزار ورداء مظهر من
مظاهر المساواة التامة بين جميع المسلمين بقطع النظر عن أجناسهم
وبيئاتهم ولغاتهم ومنازلهم كما أن الحج رحلة كبرى يقطعها المؤمن في
مسيرته لله عز وجل ولذلك جعل الإِسلام ملابس الحجاج أشبه
ماتكون بالأكفان الذي يندرج الناس فيها عند الانتقال إلى الدار
الآخرة . ولما كان أمر النساء مبنيا على الستر والابتعاد عن كل
أسباب الافتتان أباح الشرع للمرأة أن تلبس المخيط أو المحيط الذي
حرَّمه على المحرمين من الرجال فلها أن تلبس الثياب والقمص
والسراويل والخفين والجوارب ولم تفرض الشريعة عليها في إحرامها
لونا معينا من الثياب غير مايستر عورتها ولايشف شيئا من بدنها ،
ونهاها عن أن تنتقب أو تلبس مخيطا لوجهها وحرَّم عليها في
إحرامها أن تلبس القفازين في يديها . فقد روى البخاري في
(٢٤٢)

صحيحه من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول
الله عَ لِ قال: ((ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولاتلبس القفازين))
ويجوز أن تسدل جلبابها من رأسها على وجهها إذا كانت عند
رجال أجانب عنها ليسوا من محارمها فقد روى أبوداود واللفظ له
وابن ماجه بسند جيد من حديث الصديقة بنت الصديق حبيبة
رسول الله عَّ عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : كان
الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله عَ ل محرماتٌ فإذا جاوزُوا
بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها . فإذا جَاوزُونا
كشفناه)) كما نهى الإِسلام المرأة أن تلبس شيئا يثير الفتنة فقد روى
أبوداود من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه سمع رسول
الله عٍَّ ينهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب ومامس
الورسُ والزعفران من الثياب . ولتلبس بعد ذلك ماأحبت من ألوان
الثياب معصفر أو خز أوحلى أو سراويل أو قمص أو خف )) كما
يجوز للمحرم من الرجال أو النساء أن يستظل بما شاء من مظلة
مادام لايغطى الرَّجُل رأسه فقد روى مسلم في صحيحه من حديث
أم الحُصين رضي الله عنها قالت: رأيت أسامة وبلالا رضي الله
عنهما وأحدهما آخذ بخطام ناقة رسول الله عَ ليه والآخر رافع ثوبه
يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة)) وأباح الإِسلام كذلك
للمحرم أن يُغيِّر ملابس إحرامه متى شاء بملابس إحرام أخرى أو
يغسلها إذا اتسخت ، أو يلبس أكثر من إزار ورداء من البرد ونحوه
(٢٤٣)

وله كذلك أن يغتسل متى شاء فقد روى البخاري ومسلم في
صحيحيهما من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن
رسول الله عَوبيٍ كان يغسل رأسه وهو محرم)) وفي رواية لمسلم من
طريق عبدالله بن حنين أن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما
والمسورَ بن مخرمة رضي الله عنه اختلفا بالأبواء فقال عبدالله بن
عباس - رضي الله عنهما يغسل المحرم رأسه، وقال المسورُ بنُ مخرمة
رضي الله عنه : لا يغسل المحرم رأسه ، فأرسلني ابن عباس رضي
الله عنهما إلى أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أسأله عن ذلك
فوجدته يغتسل بين القرنين (يعني بين الخشبتين القائمتين على رأس
البئر) وهو يستتر بثوب ، قال : فسلّمت عليه فقال : من هذا ؟
فقلت : أنا عبدالله بن حُنَين أرسلني إليك عبدالله بن عباس رضي
الله عنهما أسألك كيف كان رسول الله عَ لّه يغسل رأسه وهو
محرم ؟ فوضع أبو أيوب رضي الله عنه يده على الثوب فطأطأه حتى
بدا لى رأسه ثم قال لإِنسان يَصُب : اصبُبْ فصَبَّ على رأسه ثم
حَرَّك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر ثم قال : هكذا رأيته صلى الله
عليه وسلم يفعل)).
وإلى حديث قادم إن شاء الله
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
المدينة المنورة في ١٣٩٥/١١/١٧هـ
(٢٤٤)

الحلقة الخامسة
بسم الله الرحمن الرحيم . أيها الإخوة المؤمنون السلام عليكم ورحمة
الله وبركاته أمابعد :
فقد تحدثت في حديث سابق عما يفعله الإِنسان إذا أراد الإِحرام
وأشرت إلى أن الإِنسان يصير محرما بنية الدخول في النسك الذي يريد
ويتأكد ذلك بالتلبية من الميقات فإذا أراد الحج وحده أي مفردا قال :
اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله منى لبيك اللهم لبيك لبيك
لاشريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لاشريك لك » وإذا
أراد الحج والعمرة جميعا ليصير قارنا قال : اللهم إني أريد الحج والعمرة
فيسرهما لي وتقبلهما مني . لبيك اللهم لبيك لبيك لاشريك لك لبيك
إن الحمد والنعمة لك والملك لاشريك لك . وإذا أراد أن يكون متمتعا
قال : اللهم إني أريد العمرة متمتعابها إلى الحج فيسرها لي وتقبلها مني ،
لبيك اللهم لبيك لبيك لاشريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك
لاشريك لك . وله أن يقول : اللهم إني أريد العمرة فيسرها لي وتقبلها
مني ثم يلبى دون أن يقول : متمتعا بها إلى الحج . وبمجرد الإِتيان بهذه
النية والتلبية يصير الإِنسان محرما ، وإذا كان يخاف على نفسه من عائق
يحول بينه وبين تمام النسك فليشترط عند الإِحرام ويقول : اللهم إني
أريد الحج إن كان مفردا أو أريد الحج والعمرة إن كان قارنا أو أريد
العمرة متمتعا بها إلى الحج إن كان متمتعا فيسره لي وتقبله مني وإن
حبسنى حابس فمحلى حيث حبستني . وفائدة هذا الاشتراط أنه إذا
حبسه حابس في الطريق حلّ ولا شيء عليه .
(٢٤٥)

فإذا صار الإِنسان محرما تأكد في حقه الامتناع عن كل رفث وفسوق
وعصيان وجدال مما ينقص من حجه أو يذهب بأجره ولذلك يقول
الرب تبارك وتعالى : ﴿ فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولافسوق ولا
جدال في الحج ﴾ والرفث هو غشيان النساء ودواعيه من المباشرة أو
التقبيل أو نحو ذلك . والفسوق هو عصيان الله عز وجل بأي صورة
من صور المعاصى ، ولما كان الحج يكتنفه ضرورة مخالطة الناس
ومزاحمتهم في الأسفار والمشاعر والمنازل والموارد فقد طلب الإِسلام من
المسلم الذي أحرم بالحج أو العمرة أن يبتعد عن المخاصمة والمنازعة
والمجادلة مع أي أحد من الناس وقد بشر رسول الله عَ ةٍ من ترك
مجادلة الناس ومُمَارَاتھُم وإن كان محقا ببيت في ربض الجنة ، فقد روى
أبوداود واللفظ له وابن ماجه والترمذي وحسَّنه من حديث أبي أمامة
الباهلي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( أنا
زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا فعلى الحاج أن
يتجنب كل ما يؤذى أحدا من المسلمين وأن يصون لسانه إلا من
الخير ، وأن يحفظ سمعه فلا يستمع إلا مايرضى الله عز وجل ، وأن
يحفظ بصره فلا يتتبع به العورات وأن يحفظ يده فلا تبطش في ضرر
أحد ، وأن يصون رجله فلا تخطو في أذية أحد ، وأن يجعل في فكره
دائما قول الله عز وجل: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر
بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة
الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ﴾.
وقد نبهت إلى أن أعمال الحاج المفرد وأعمال القارن لاتختلف
(٢٤٦)

فهما متفقان في كل شيء إلا أن القارن عليه هدى والمفرد لايجب
عليه الهدى فإذا أحرم المفرد أو القارن من الميقات أكثر من التلبية
كلما علا مرتفعا من الأرض أو هبط واديا أو لقى ركبا أو نزل
منزلا وليكثر من ذكر الله تبارك وتعالى وليرفع صوته بالتلبية بالقدر
الذي لايضره حتى يصل إلى مكة ، ويستحب له الاغتسال قبل
دخولها إذا لم يشق عليه ذلك فإذا وصل إلى المسجد الحرام بدأ
فطاف بالبيت طواف القدوم سبعة أشواط يرمل في الثلاثة الأول
منها ويمشى في الأربعة الباقية . يبتدىء كل شوط بالحجر الأسود
ويختم به وكلما صار مقابلا للحجر الأسود استقبله واستلمه بيمينه
ويُقَبِّله إن تيسر له ذلك ويقول عند استلامه : بسم الله ، والله
أكبر ، فإذا لم يتيسر له تقبيله استلمه بيده أو بعصاه وقَبَّل ما
استلمه به ، فإن شق عليه استلامه أشار إليه وكبّر ، ولا يُقَبِّلُ
ما يشير به ، ويستحب له قبل البدء في طواف القدوم أن يضطبع
بردائه حتى يطوف جميع أشواط هذا الطواف وهو مضطيع بردائه
والاضطباع أن يجعل الرداء تحت إبطه الأيمن وطرفى الرداء على
عاتقه الأيسر ليكون عاتقه الأيمن مكشوفا . ولا يستحب هذا
الاضطباع إلا في أول طواف للقادم بالحج أو العمرة فلا يضطبع في
غير طواف القدوم أو طواف العمرة فإذا فرغ المفرد أو القارن من
طواف القدوم جعل الرداء على عاتقيه جميعا ثم يصلى ركعتى
الطواف أمام مقام إبراهيم إن تيسر له ذلك لقوله تبارك وتعالى :
(٢٤٧)

﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ﴾ فإن كان المكان مزدحما ولم
يتيسر له صلاة الركعتين عند مقام إبراهيم صلاهما في أي مكان من
المسجد الحرام ويسن أن يقرأ في الركعة الأولى منهما بعد فاتحة
الكتاب بسورة قل ياأيها الكافرون وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة
بسورة قل هو الله أحد فإذا فرغ من ركعتى الطواف قصد الحجر
الأسود فاستلمه ثم يخرج إلى الصفا من باب الصفا إن تيسر له
ذلك فإن لم يتيسر له الخروج من باب الصفا خرج من أي باب
حتى يصعد على جبل الصفا ويستقبل القبلة ويقول : لا إله إلا الله
والله أكبر لا إله إلا الله وحده لاشريك له، له الملك وله الحمد
يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير . لا إله إلا الله وحده أنجز
وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ثم يدعو بماشاء
ويكرر ذلك الدعاء والذكر ثلاث مرات ثم يبتدىء السعى فينزل
إلى جهة المروة ، ويسرع بين العَلَمين الأخضرَين ، فإذا وصل
المروة صعد عليها ويكرر الذكر الذي ذكره على الصفا فوق المروة
ثلاث مرات مستقبلا القبلة ثم يعود إلى الصفا ثم يرجع إلى المروة
حتى يختم السعى سبعة أشواط من الصفا إلى المروة شوط ومن
المروة إلى الصفا شوط فيكون السابع منتهيا عند المروة . ويستحب
أن يكثر من الدعاء والذكر في طوافه وسعيه . فإذا فرغ المفرد أو
القارن من السعى أقام بمكة محرما حتى يخرج بهذا الإِحرام إلى منى
في اليوم الثامن من ذي الحجة وهو يوم التروية فيصلى بمنى الظهر
(٢٤٨)

والعصر والمغرب والعشاء والفجر كل صلاة في وقتها لكنه يصلى
الظهر ركعتين والعصر ركعتين والعشاء ركعتين ثم بعد طلوع
الشمس من يوم عرفة يتوجه إلى عرفة . ويصلى فيها الظهر والعصر
في وقت الظهر كل صلاة منها يصليها ركعتين قصرا ، ويؤذن
للصلاتين هاتين أذانا واحدا ويقيم لكل منهما إقامة . ثم يقف
بعرفة . وأما الذي أحرم بالعمرة متمتعا بها إلى الحج فإنه عندما
يصل إلى مكة يطوف طواف العمرة سبعة أشواط على نفس
الصورة التي يعملها المفرد أو القارن في طواف القدوم ويسعى بين
الصفا والمروة سبعة أشواط كذلك على نفس الصورة التي سعى بها
المفرد أو القارن إلا أن هذا الطواف والسعى بالنسبة للمتمتع يسمى
طواف العمرة وسعى العمرة وليس على المتمتع طواف القدوم .
وطواف العمرة وسعيها فرض لازم بالنسبة للمتمتع أما طواف القدوم
بالنسبة للمفرد والقارن فهو سنة فإذا طاف المتمتع طواف العمرة
وسعى لها بين الصفا والمروة قص شعره وتحلل من الإِحرام ولبس
ملابس الحل وأقام بمكة حلالا يباح له كل ماكان محرما عليه بالإِحرام
من مس الطيب ومباشرة أهله وغير ذلك من الحلال الذي كان محرما
عليه بالإِحرام . فإذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذي الحجة
أحرم بالحج من منزله أو من المسجد الحرام أو من أي مكان تيسر له ثم
يخرج إلى منى فيصلى فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء وفجر يوم
عرفة على نفس الصورة التي يفعلها المفرد والقارن ثم بعد طلوع
(٢٤٩)

الشمس يوم عرفة يتوجه كالمفرد والقارن إلى عرفة فيصلى فيها بعد زوال
الشمس الظهر والعصر قصرا وجمعا في وقت الظهر بأذان واحد وإقامتين
أي إقامة للظهر وإقامة للعصر . ثم يقف الجميع : المتمتع والمفرد والقارن
بعرفة . وعرفة كلها موقف ويدفع عن بطن عرنة ، وإلى حديث قادم إن
شاء الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
المدينة المنورة في ١٣٥٩/١١/١٧ هـ
الحلقة السادسة
بسم الله الرحمن الرحيم أيها الإخوة المؤمنون السلام عليكم ورحمة الله
وبر كاته أما بعد :
فقد ذكرت في الحديث السابق أن المفرد والقارن والمتمتع يصلون
الظهر والعصر في وقت الظهر بعرفة قصرا وجمعا ثم يقفون بعرفات
وعرفات كلها موقف إلا بطن عرنة وليس معنى الوقوف بعرفة أن يقف
الإِنسان قائما بل المراد الوجود بعرفات سواء كان واقفا أو قاعدا أو
مضطجعاً ، ويستحب له استقبال القبلة وجبل الرحمة إن تيسر له ذلك
فإن لم يتمكن من استقبال القبلة وجبل الرحمة جميعا استقبل القبلة وأكثر
من الذكر والدعاء والتلبية ، وصان نفسه من كل إثم وأبعدها عن
كل معصية لأنه في موقف يباهى الله تبارك وتعالى به ملائكته . وقد
روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( خير الدعاء دعاء
يوم عرفة ، وأفضل ماقلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله
( ٢٥٠)

وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل
شيء قدير )) ويستحب له أن يكرر الدعاء والتضرع وأن يكثر من
الصلاة على رسول الله عَ ةٍ وأن يلح في الدعاء ويطلب من ربه
تبارك وتعالى خيرى الدنيا والآخرة ، وينبغي أن يكون مخبتا منيبا
ساكنا قانتا ذليلا لله عز وجل مبتعدا عن اللهو والرفث وسائر
أنواع الفسوق والجدال منكسرا بين يدى ربه يرجو رحمته ويخشى
عذابه ، فإذا غربت الشمس انصرف إلى مزدلفة بسكينة ووقار ،
وأكثر من التلبية ، فإذا وصل إلى مزدلفة صلى بها المغرب ثلاث
ركعات والعشاء ركعتين في وقت واحد . بأذان واحد وإقامتين :
إقامة لصلاة المغرب وإقامة لصلاة العشاء والسنة أن يصلى المغرب
قبل أن يحط رحله ثم يحط رحله ثم يصلى العشاء ثم يقيم بمزدلفة إلى
الفجر فإذا صلى الصبح بمزدلفة في أول وقته وقف عند المشعر
الحرام وذكر الله عز وجل مستقبلا القبلة لقوله تعالى: ﴿ فإذا
أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم
وإن كنتم من قبله لمن الضالين ﴾ وإذا لم يتيسر له الوقوف عند
المشعر الحرام فليقف في أي مكان من مزدلفة لقول رسول الله صلى
الله عليه وسلم: وقفت ههنا وجمع (أي مزدلفة) كلها موقف .
وليستمر في دعائه إلى الإِسفار الجيد ويلتقط من مزدلفة سبع
حصيات فقط وهي التي يرمى بها جمرة العقبة يوم العيد أما باقى
الحصى الذي يرمى به في أيام التشريق فليلتقطه من منى . ويجوز
(٢٥١)

للضعفة من النساء والصبيان ومن في حكمهم أن يدفعوا من مزدلفة
إلى منى آخر الليل فإذا أسفر الحاج جدا انصرف من مزدلفة إلى
منى وأكثر من التلبية في سيره ، وإذا وصل وادى محسر أسرع
قليلا . فإذا وصل إلى جمرة العقبة من منى قطع التلبية ورمى هذه
الجمرة بسبع حصيات يرفع يده عند رمى كل حصاة ويكبر
ويستحب أن يكون رميها من بطن الوادي وتكون الكعبة عن
يساره ومنى عن يمينه ، ثم بعد الرمى ينحر هديه إن كان قارنا أو
متمتعا أما المفرد بالحج فلا يجب عليه الهدى. فإذا ذبح هديه حلق
رأسه أو قصر كل شعر رأسه . وبرمى جمرة العقبة والحلق أو
التقصير يحل الحاج التحلل الأول وهو الذي يبيح الملابس والطيب
وتقليم الأظافر وكل ماكان محرما عليه بالإِحرام إلا النساء فإنه لايحل
له قربان زوجته إلا بعد التحلل التام . والأعمال التي يحصل بها
التحلل ثلاثة وهي رمى جمرة العقبة والحلق أو التقصير والطواف
بالبيت مع السعى لمن عليه سعى . فمن عمل اثنين منها حلَّ التحلل
الأول الذي يبيح له كل شيء إلا النساء فإن عمل الثالث حل له
كل شيء حتى زوجته ولا حرج عليه في تقديم أو تأخير بعض هذه
الثلاثة عن بعض فلو قدَّم الطواف بالبيت على رمى جمرة العقبة أو
قدم الحلق أو التقصير على رمى جمرة العقبة أو قدم الطواف على
الحلق أو التقصير فلا حرج عليه فإن رسول الله صلى الله عليه
وسلم ما سئل عن شيء من هذه الثلاثة قدم أو أخر إلا قال :
(( افعل ولا حرج)) والمهم هو أنه إذا فعل اثنين منها أيَّ
(٢٥٢)

:
اثنين حل له أن يلبس ملابسه وحل له كل شيء إلا النساء فإذا
فعل الثالث حل له النساء فلو طاف وحلق قبل أن يرمى الجمرة
جاز له أن يرمى الجمرة بملابس الحل المعتادة من المخيط أو المحيط وإذا
طاف مثلا ورمى الجمرة جاز له أن يحلق رأسه هو لابسٌ ثيابه
المعتادة ولو رمى الجمرة وحلق رأسه فله أن يطوف بالبيت وهو
لابس ثيابه المعتادة . فاثنان من هذه الثلاثة تحله التحلل الأول
والثالث يحله التحلل الأكبر التام . والطواف بعد النزول من عرفات
ومزدلفة ركن من أركان الحج وهو المقصود من قوله تبارك
وتعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ ويسمى طواف الإفاضة
وطواف الحج ولايصح الحج بدونه كالوقوف بعرفة . والمفرد أو
القارن إذا كان سعى بين الصفا والمروة بعد طواف القدوم فلا يجب
عليه السعى بعد طواف الإفاضة إذ هو مخير في السعى بين أن يجعله
بعد طواف القدوم أو بعد طواف الإفاضة أما المتمتع فإنه يسعى
بعد طواف الإفاضة ولا بد من هذا السعى بالنسبة للمتمتع . لأن
سعيه الأول الذي كان بعد الطواف الذي طافه عند وصوله إلى مكة
هو سعى العمرة كما أن طوافه ذاك كان طواف العمرة . أما طواف
الإِفاضة فلا بد أن يسعى بعده المتمتع فالمتمتع عليه طوافان وسعيان ،
طواف وسعى للعمرة عند قدومه إلى مكة ، وطواف وسعى للحج
بعد نزوله من عرفة ومزدلفة أما المفرد أو القارن فإن طوافه عند
وصوله إلى مكة سنة ويسمى طواف القدوم فإن سعى بعده أغناه
(٢٥٣)

عن السعى بعد طواف الإفاضة وإن لم يسع بعد طواف القدوم لزمه
السعى بعد طواف الإفاضة . والطواف بالبيت العتيق صورة من
أعظم صوَر العبودية لله عز وجل ومظهر من أبرز مظاهر الضراعة
للحيى القيوم ومثال من أروع أمثلة الطاعة والانقياد لله عز وجل
ولم يشرع الله تبارك وتعالى الطواف حول مكان في الأرض سوى
بيته المحرم الذي جعله الله تبارك وتعالى مثابة للناس وأمنا ، وأقامه
موئلا للتوحيد وإخلاص العبادة لله تبارك وتعالى ، واختاره قبلة
لجميع المسلمين . فلا يحل لمسلم أن يطوف حول قبر مهما كان
صاحب القبر ولا حول مكان مهما كان هذا المكان سوى الكعبة
المشرفة التي جعل الله الطواف خاصا بها ، ومن أعظم مايعبد الله
عز وجل به حولها ولذلك قال عز من قائل : ﴿ وإذ بوأنا لإِبراهيم
مكان البيت ألا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين
والركع السجود ﴾ وكما قال الله عز وجل: ﴿ وإذ جعلنا البيت
مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم
وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود ﴾ وإلى
حديث قادم إن شاء الله تعالى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
المدينة المنورة في ١٣٩٥/١١/١٨ هـ .
الحلقة السابعة
بسم الله الرحمن الرحيم أيها الإخوة المؤمنون .
(٢٥٤)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد :
فقد أوضحت في حديث سابق أن الأعمال التي يتحلل بها
الحاج بعد نزوله من مزدلفة ثلاثة ، من عمل اثنين منها حل التحلل
الأول الذي يبيح له لبس الملابس المخيطة أو المحيطة والطيب وغيره
من الأمور التي كانت محرمة عليه بالإِحرام إلا النساء فإذا عمل
الثالث حل له كلَّ شيء حتى النساء وهذه الأفعال الثلاثة هي رمى
جمرة العقبة والحلق أو التقصير والطواف بالبيت العتيق ثم السعى لمن
عليه سعى . أما نحر الهدى ممن عليه هدى فلا دخل له بالتحلل .
والسنة ترتيب الأفعال الأربعة يوم العيد وهى رمى جمرة العقبة ونحر
الهدى والحلق أو التقصير والطواف بالبيت ثم السعى لمن عليه سعى
فيبدأ الحاج برمى جمرة العقبة ثم يذبح هديه إن كان متمتعا أو قارنا
ثم يحلق رأسه أو يُقَصِّرُه ثم يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا . ..
والمروة إن كان متمتعا . أو كان قارنا أو مفردا ولم يسع بعد
طواف القدوم فلو قدَّم الحاج واحدا من هذه الأربعة على الآخر ولم
يعملها على هذا الترتيب فلا حرج لما روى البخاري ومسلم في
صحيحيهما من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما
أن رسول الله عَ لٍ وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه فجاءه
رجل فقال: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح: فقال عَ لّه:
((اذبح ولا حرج)) فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمى
فقال: ((ارم ولا حرج)) فما سئل النبي عَّله عن شيء قُدِّم ولا أخّر
(٢٥٥)

إلا قال: ((افعل ولا حرج)) وفي لفظ لمسلم: ((أتاه رجل فقال:
((حلقت قبل أن أرمى قال عَةٍ: ((ارم ولا حرج)) فقال :
أفضت إلى البيت قبل أن أرمى فقال: ((ارم ولا حرج)) كما روى
البخاري من حديث حبر الأمة وترجمان القرآن عبدالله بن عباس
رضي الله عنهما قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يُسأل يوم
النحر بمنى فيقول لاحرج فسأله رجل فقال : رميت بعد ماأمسيت
فقال: ((لا حرج)) كما روى الترمذي من حديث علي رضي الله
عنه أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يارسول
الله! إنى أفضت قبل أن أحلق؟ قال: (( احلق أو قصِّر ولا
حرج)) وجاء آخر فقال : ذبحت قبل أن أرمى ؟ قال : ارم ولا
حرج)) وقد أوضح رسول الله عَ لّه أن الحلق أفضل من التقصير
يعنى بالنسبة للرجال فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من
حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله عَ بل قال
في حجة الوداع: ((اللهم ارحم المحلقين)) قالوا : والمقصرين
يارسول الله؟ قال: ((اللهم ارحم المحلقين)) قالوا : والمقصرين
يارسول الله؟ قال: ((والمقصرين)) وفي لفظ لمسلم من طريق
يحيى بن الحصين عن جدته رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله
عَّةٍ في حجة الوداع دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة
واحدة . ولا يكتفى في التقصير بتقصير بعض الرأس بل لابد
من تقصير جميع شعر رأسه أما المرأة فإنها تُقَصِّر من كل ضفيرة
(٢٥٦)

عليها حلق شعر رأسها في الحج أو غيره لما روى الترمذي من
حديث علي وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما أن رسول الله
عَو ◌ّلمِ نهى أن تحلق المرأة رأسها كما روى أبوداود من حديث عبدالله
ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله عَ لّم قال: ((ليس على
النساء الحلق إنما على النساء التقصير)) وينبغى للحاج أن ينحر هديه
بنفسه إن كان قادرا على ذلك لما روى مسلم في حديث جابر بن
عبدالله رضي الله عنهما في صفة حجة رسول الله عَ لّه قال: ثم
انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده ثم أعطى عليا رضي
الله عنه فنحر ما غبر - أي مابقي - وأشركه في هديه ثم أمر من
كل بَدَنَة بِبَضْعَةٍ فجعلت في قِدْر فطبخت فأكلا من لحمها وشرِبا
من مرقها. والتقرب إلى الله تبارك وتعالى بالهدايا والذبائح هو دين
جميع النبيين والمرسلين وإلى ذلك يشير الله تبارك وتعالى في كتابه
الكريم حيث يقول : ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله
على مارزقهم من بهيمة الأنعام فإلّهكم إلّه واحد فله أسلموا وبشر
المخبتين . الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم
والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ﴾ كما أشار الله تبارك وتعالى
إلى أن الهدى إنما يكون من بهيمة الأنعام وهى الإِبل والبقر والغنم
في قوله عز وجل : ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله
على مارزقهم من بهيمة الأنعام ﴾ كما أخبر الرب وتبارك وتعالى أن
البدن من شعائر الله فليس لأحد أن يدفع مكان الهدى قيمته ولذلك
(٢٥٧)

لم يؤثر عن واحد من أصحاب رسول الله عَ له ولا من أتباعهم
بإحسان أن أفتى بجواز دفع قيمة الهدى وترك الذبح مهما كان ، لما
فهموا عن الله ورسوله عَ لّ أن إراقة دم الهدى مقصود شرعي
لا تسد مسده النقود مهما كانت أو بلغت وإلى ذلك يشير الرب
تبارك وتعالى حيث يقول : ﴿ والبدن جعلناها لكم من شعائر الله
لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها
فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم
تشكرون . لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى
منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ماهداكم وبشر
المحسنين) وقد بين رسول الله عَ ليه أن البدنة تكفى عن سبعة
وأن البقرة تكفى عن سبعة كذلك فقد روى مسلم في صحيحه
من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : نحرنا مع
رسول الله عَي عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة .
وفي لفظ لجابر رضي الله عنه في البخاري ومسلم قال: ((أمرنا
رسول الله عَّم أن نشترك في الإبل والبقر كلّ سبعة منا في بدنة))
وقد أوضحت الشريعة الإسلامية أن الهدى إنما يجب على المتمتع
أو القارن فإن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى
الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج
وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى
المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ كما
(٢٥٨)

ثبت أن رسول الله عَ لٍ نحر هديه وكان قارنا . كما أشار الله تبارك وتعالى
إلى زمان ومكان نحر الهدى حيث يقول : ﴿ لكم فيها منافع إلى أجل
مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق﴾ وقد بيَّن رسولُ الله عَ ليه زمان
ومكان نحر الهدى الذي أشارت إليه الآية الكريمة فيما رواه مسلم
وأحمد وأبو داود من حديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله عَ ليه
قال : نحرت لهُهنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم)) كما رواه
ابن ماجه أيضا وفيه: ((وفجاج مكة طريق ومنحر )) قال القرطبي رحمه
الله في تفسير قوله عز وجل : ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم
فيها خير﴾ الآية: قال: ولا يجوز النحر قبل الفجر من يوم النحر
بالإِجماع وكذلك الأضحية لاتجوز قبل الفجراه ويستمر النحر إلى ثلاثة
أيام من يوم النحر ، وينبغي لصاحب الهدى أن يأكل منه وقد حض الله
تبارك وتعالى على ذلك في غير موضع من كتابه الكريم فهو يقول :
فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير﴾ ويقول: ﴿ فكلوا منها وأطعموا
القانع والمعتر﴾ والبائس الفقير هو المضطر المحتاج . والقانع هو الفقير أو
السائل والمعتر هو الزائر أو المتعرض لأكل اللحم . وفي ذلك توسعة على
المسلمين ومخالفة لما كان عليه أهل الجاهلية من تحريم الأكل من الهدايا
ولذلك حرص رسول الله عَّ الله أن يأكل من هديه وهدى أزواجه
رضي الله عنهن وقد كان رسول الله ع بآه قارنا وكانت أزواجه رضي
الله عنهن متمتعات . وإلى حديث قادم إن شاء الله والسلام عليكم ورحمة
الله وبركاته. المدينة المنورة في ١٣٩٥/١١/١٨هـ .
(٢٥٩)

الحلقة الثامنة
بسم الله الرحمن الرحيم أيها الإخوة المؤمنون السلام عليكم
ورحمة الله وبركاته أما بعد :
فقد ذكرت في حديث سابق حرص رسول الله عَ لهم على الأكل
من هديه وهدى أزواجه أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وكان
رسول الله عَ ل قارنا وكانت أزواجه رضي الله عنهن متمتعات
فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الصديقة بنت
الصديق حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة أم المؤمنين رضي
الله عنها قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس
بقين من ذي القعدة ولا نرى إلا الحج فلما دنونا من مكة أمر رسول
الله عَ لّه من لم يكن معه هدى إذا طاف وسعى بين الصفا والمروة أن
يحل . قالت : فَدُخِل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت : ماهذا ؟
فقيل: نحر رسول الله عَ ليه عن أزواجه)). ووسعت الشريعة
الإِسلامية على المسلمين فأذنت لهم في الادخار من لحوم الهدايا فوق
ثلاثة أيام، وأجاز لهم رسول الله عَّ الله أن يتزودوا منها لأسفارهم فقد
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جابر بن عبدالله
رضي الله عنهما قال : كنا لانأكل من لحوم بُدْننا فوق ثلاث فرخّص
لنا رسول الله عَ لّ فقال: ((كلوا وتزودوا)) فأكلنا وتزودنا. وكما
أذن الله تبارك وتعالى في الأكل من الهدايا فقد أذن كذلك في الانتفاع
بها قبل نحرها وفي ذلك يقول الرب تبارك وتعالى : ﴿ لكم فيها منافع
(٢٦٠)