Indexed OCR Text

Pages 81-100

عن مكة الفيل ، وسلّط عليها رسوله والمؤمنين ، وإنها لن تحل لأحد
كان قبلي ، وإنها أحلت لي ساعة من نهار، وإنها لن تحل لأحد بعدى ، فلا
يُنَفَّر صيدها . ولا يختلى شوكها ، ولاتحل ساقطتها إلا لمنشد ، ومن قُتل
له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يُقدى ، وإما أن يُقتل )) فقال العباس :
إلا الإِذخر يارسول الله فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا ! فقال رسول الله
◌ٍَّ إلا الإِذخر)) فقام أبوشاه رجلٌ من أهل اليمن فقال: اكْتُبُوا لي
يارسول الله فقال رسول الله عَ له: ((اكتبوا لأبي شاه)) قال الوليد :
فقلت للأوزاعي ماقوله : اكتبوا لي يارسول الله ؟ قال : هذه الخطبة
التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد روى البخاري
ومسلم نحوا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن أبي شُرَيح العدوي
رضي الله عنه وعبدالله بن عباس رضي الله عنهما أما حديث أبي شريح
فإنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة : ائذن لي أيها
الأمير أُحَدِثْكَ قولا قام به رسول الله عَّةٍ للغد من يوم الفتح ،
فسمعته أذناي ، ووعاه قلبي ، وأبصرته عيناي حين تكلم به ، إنه
حمد الله، وأثنى عليه ثم قال: ((إن مكة حرمها الله ، ولم يحرمها
الناسُ ، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يَسْفِك بها
دما ، ولا يعضد بها شجرة ، فإن أحد تَرَخّصَ لقتال رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقولوا له: إن الله أذِن لرسوله عَ له ولم يأذن
لكم ، وإنما أذن لي ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم
كحرمتها بالأمس ، وليبلغ الشاهدُ الغائبَ)) وفي لفظ لهما عن أبي
(٨١)

شريح قال العباس : يارسول الله إلا الإِذخر فإنه لقينهم وبيوتهم ،
قال: ((إلا الإِذخر)) أما حديث ابن عباس رضي الله عنهما فقد
رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري من حديث ابن عباس رضي
الله عنهما أن النبي عَ لم قال: ((إن الله حرم مكة، فلم تحل
لأحد قبلي ، ولاتحل لأحد بعدي ، وإنما أحِلَّت لي ساعة من
نهار ، لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها، ولا يُنَفْر صيدها ،
ولا تلتقط لقطُها إلا لِمُعَرِّف)) وقال العباس: يارسول الله ! إلا
الإِذخر لصاغَتِنا وقبورنا، فقال: (( إلا الإِذخر)).
مايستفاد من ذلك
١ - أن مكة بلد الله الحرام لا يحل لمسلم أن يقاتل أهلها إلى يوم القيامة .
٢ - أن الله رخص لرسوله عَ له في قتال أهلها ساعة من نهار
ثم عادت حرمتها كما كانت عليه .
٣ - أنه يحرم تنفير الصيد في حرم مكة أو اصطياده .
٤ - لا يجوز قطع شجر الحرم ولاأخذ شوكه، ولارعى حشيشه الرطب.
٥ - أنه يجوز أخذ الاذخر ولاشئ على من أخذه .
٦ - أنه لا يجوز التقاط لقطة في مكة .
٧ - أنه من قتل له قتيل عمدا فإنه بالخيار أن يقبل الدية أو
يستوفى القصاص .
٨ - أنه يجوز كتابة أحاديث رسول الله عَ دٍ وأن النهي عن
كتابتها قد نسخ في اليوم الثاني من فتح مكة .
(٨٢)

٩ - أن مااستنبته الأدميون من المزارع والأشجار في الحرم
لاحرج على أهلها في قطعها .
١٠ - أن الصيد إذا آذى في الحرم جاز دفعه بأخف الضررين
١١ - أن بعض أفعال رسول الله عَ ليه قد تكون مختصة به
صلى الله عليه وسلم .
١٢ - يجوز أخذ الحشيش اليابس ورعيه من الحرم .
١٣ - جواز مراجعة العالم في المصالح الشرعية .
******
١٣ - وعن عبدالله بن زيد بن عاصم رضي الله عنه أن
رسول الله عَ ◌ٍّ قال: ((إن إبراهيم حرَّم مكة، ودعا لأهلها ،
وإنى حرَّمت المدينة كما حرَّم إبراهيم مكة ، وإنى دعوت في صاعها
ومدِّها بِمِثْلَى مادعا به إبراهيم لأهل مكة )) متفق عليه .
المفردات
حرَّم مكة : أى أعلن أنها بلد حرام لايجوز انتهاكها بقتال
أهلها أو تنفير صيدها .
ودعا لأهلها : أى سأل الله عزوجل أن يبارك لهم في طعامهم
وشرابهم ، وحيث قال فيما ذكر الله عز وجل
عنه : ﴿ رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله
من الثمرات ) الآية . وكما قال عز وجل عن
(٨٣)

إبراهيم أنه قال ﴿فاجعل أفئدة من الناس تهوى
إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون )) .
حرمت المدينة : أى أعلنت أنها بلد حرام لايجوز انتهاكها
بقتال أهلها أو تنفير صيدها .
المدينة : هى علم على البلدة المعروفة التي هاجر إليها
رسول الله عَ له وبها مسجده وقبره عَّةٍ وكانت
تسمى يثرب قبل هجرة رسول الله عَ ◌ّةٍ إليها .
ومن أسمائها طابة وطيبة ، ولم يوجد في الدنيا
بلد عرف باسم المدينة غيرها ، وهو شاهد على
سبق مَدَنِيَّة الإِسلام .
وإنى دعوت في صاعها ومدِّها : أى سألت الله عز وجل أن
يبارك في صاعها ومدها أي في مكيال أهلها الذي
يكيلون به ، والصاع أربعة أمداد والمراد البركة
فيما يكال بهما .
بِمِثْلَى مادعا به إبراهيم لأهل مكة : أى بِضِعْفَى
مادعابِه إبراهيم لأهل مكة من البركة .
البحث
لامعارضة بين قول رسول الله عَةٍ في هذا الحديث: ((إن
إبراهيم حَّم مكة)) وبين قوله عَ له في الحديث المتفق عليه عن أبي
شريح العدوي رضي الله عنه أن رسول الله عليه له قال: ((إن
(٨٤)

مكة حرمها الله ، ولم يحرمها الناس )) وفي حديث ابن عباس
عندهما: ((إن الله حرم مكة)) وفي لفظ: ((حرَّمه الله يوم خلق
السموات والأرض)) لأن المعنى أن إبراهيم أعلنه وأظهر أن مكة بلد
حرام بأمرالله تعالى لا باجتهاده . أما تحريم المدينة فقد أعلنه رسول
الله عَبّ بعد خيبر فقد روى البخاري ومسلم واللفظ للبخاري من
حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صَ لّم قال لأبي طلحة:
التمس غلاما من غلمانكم يخدمنى حتى أخرج إلى خيبر فخرج بي
أبوطلحة مردفى وأنا غلام راهقت الحُلم فكنت أخدم رسول الله صلى
الله عليه وسلم إذا نَزَلَ، فكنت أسمعه كثيرا يقول: ((اللهم إنى
أعوذبك من الهم والحزن ، والعجز والكسل والبخل والجبن ، وضَّلَع
الدين وغلبة الرجال )) ثم قدمنا خيبر ، فلما فتح الله عليه الحصن
ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب ، وقد قُتل زوجها ،
وكانت عروسا فاصطفاها رسول الله عَ لم لنفسه، فخرج بها حتى
بلَغْنا سَدَّ الصَّهْبَاءِ حَلّت ، فبنى بها ، ثم صنع حيسا في نِطَع صغير ،
ثم قال رسول الله عَليه: ((آذن من حولك)) فكانت تلك وليمةً
رسول الله عَّل على صفية، ثم خرجنا إلى المدينة ، قال : فرأيت
رسول الله عٍَّ يُحَوِّى لها وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعيره فيضع
ركبته فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب ، فسرنا حتى إذا
أشرفنا على المدينة نظر إلى أحد فقال: ((هذا جبل يحبنا ونحبه )) ثم
نظر إلى المدينة فقال: ((اللهم إني أُحَرِّمُ مابين لابتيها بمثل ما حرم
(٨٥)

إبراهيم مكة ، اللهم بارك لهم في مدِّهم وصاعهم )) وليس قوله في
حديث عبدالله بن زيد : كما حرم إبراهيم مكة أن تحريم المدينة يشبه
تحريم مكة من كل وجه حتى في زمن التحريم لأنه لايشترط أن
يكون المشبه كالمشبه به من كل وجه، فوجه الشبه بين تحريم مكة
وتحريم المدينة أنه لايُنَفِّر صيدها ، ولايقاتل أهلها ولا يعضد شوكها
ولا يختلى خلاها. أما حرمة مكة فهي ثابتة لها يوم خلق الله السموات
والأرض ، ولذلك يقول الله عز وجل: ﴿ أولم يمكن لهم حرما
آمنا﴾ ﴿أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا﴾ وكما قال: ﴿ إن أول
بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين ، فيه آيات
بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا﴾ وكما قال: ﴿ إنما أمرت
أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها﴾ وقد روى البخاري ومسلم
واللفظ للبخاري من حديث أنس رضي الله عنه قال في تحريم
المدينة : لا يقطع شجرها كما روى البخاري من حديث أبي هريرة رضي
الله عنه أنه كان يقول: ((لو رأيت الظباء بالمدينة ترتع ماذعرتها)) وفي
لفظ لمسلم عن أبي هريرة: (( لو وجدت الظباء مابين لابتيها ماذعرتها
كما روى مسلم من حديث جابر رضي الله عنه قال : قال النبي صلى
الله عليه وسلم: ((إن إبراهيم حرم مكة وإنى حرمت المدينة مابين لابتيها
لا يقطع عضاهها، ولايصاد صيدها)) والعضاه شجر الشوك واحدتها
عضاهة . كما روى مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله
عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنى أحرم
(٨٦)

المدينة أن يُقطعَ عِضَاهُهَا أو يُقْتَلَ صَيْدُها)) كما روى من طريق
عامر بن سعد أن سعدا ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبدا يقطع
شجرا أو يَخْبِطُه فسلبه ، فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه
أن يرد على غلامهم أوعليهم ماأخذ من غلامهم فقال : معاذ الله
أن أَرُدّ شيئا نَفَّلَنِيه رسول الله عَ لّه وأبى أن يرد عليهم)) ومعنى
سلبه أى أخذ جميع مامعه ماعدا ما يستر عورته . كما روى مسلم
من طريق عاصم الأحول قال : سألت أنسا رضي الله عنه أحَّم
رسول الله عَ لِ المدينة؟ قال: نعم هى حرام ، لايختلى خلاها
فمن فعل ذلك فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين )) كما روى
مسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: ((اللهم إن إبراهيم حرم مكة فجعلها
حَرَما ، وإنى حرمت المدينة حراما مابين مأزِمَيها أن لايهراق فيها
دم ، ولا يحمل فيها سلاح لقتال ، ولا تُخبَط فيها شجرة إلا لعلف
اللهم بارك لنا في صاعنا اللهم بارك لنا في مدنا ، اللهم بارك لنا
في مدينتنا ، اللهم اجعل مع البركة بركتين)» الحديث .
مایفیده الحدیث
١ - أن المدينة حرم مثل مكة .
٢ - أنه لايختلى خلاها ولا يعضد شوكها ولايقاتل أهلها
ولا ينفر صيدها .
٣ - أن الله تعالى بارك مكة والمدينة بدعاء خليليه إبراهيم
(٨٧)

ومحمد عليهما الصلاة والسلام .
*****
١٤ - وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : قال
رسول الله عَدٍ: ((المدينة حرم مابين عَير إلى ثَور)) رواه مسلم.
المفردات
حرم : أى لايختلى خلاها ولا يعضد شجرها ولايقاتل أهلها
ولا يصاد صيدها .
عير: جبل بالمدينة جنوبيها إلى الغرب قليلا، شرقى ذى
الحليفة يفصل بينهما وادى العقيق . ويقال له
أيضا : عائر .
ثور : جُبَيْل بالمدينة خلف جبل أحد من جهة الشمال بينهما
خطوات وهو منفرد مع صغره كانفراد أحد مع كبره،
وقد صعدت فوقه أكثر من مرة . ومن يراه من بُعْد
يحسبه صغيرا جدا . ولذلك عرفه العلماء بأن جبيل
صغير مدور . والواقع أنه ليس مدورا بل فيه استطالة
إلى جهة الشرق والغرب .
البحث
ساق مسلم حديث علي بن أبي طالب من طريق إبراهيم التيمي
عن أبيه قال : خطبنا على بن أبي طالب فقال : من زعم أن
(٨٨)

عندنا شيئا نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة (قال وصحيفة معلقة
في قراب سيفه) فقد كذَب : فيها أسنان الإبل وأشياء من
الجراحات، وفيها: قال النبي عَ ◌ّةٍ: ((المدينة حرَم مابين عير إلى
ثور فمن أحدث فيها حدثاً أو آوى مُحدِثا فعليه لعنة الله والملائكة
والناس أجمعين لايقبل الله منه يوم القيامة صَّرْفا ولا عَدْلا ، وذمة
المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ، ومن ادعى إلى غير أبيه أو
انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لايقبل
الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا )) وقد روى البخاري هذا
الحديث أيضا من رواية إبراهيم التيمي عن أبيه عن علي رضي الله
عنه قال : ماعندنا شئ إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبي
عٍَّ . وساقه بنحو سياق مسلم إلا أنه قال : المدينة حرم مابين
عائر إلى كذا ، وقوله إلى كذا كناية عن ثور الذي صرحت به
رواية مسلم ، قيل : إنما أبهمه البخاري لأن جماعة من أهل العلم
أنكروا أن يكون بالمدينة جبل ثور ومنهم أبو عبيد فقد قال : قوله :
«مايين عير إلى ثور» هذه رواية أهل العراق وأما أهل المدينة فلا
يعرفون جبلا عندهم يقال له ثور . قال الحافظ في الفتح : وقال
النووي: يحتمل أن يكون ثور كان اسم جبل هناك إما أحد وإما
غيره ، وقال المحب الطبري في الأحكام بعد حكاية كلام أبي عبيد
ومن تبعه : قد أخبرني الثقة العالم أبو محمد عبدالسلام البصري أن
حذاء أحد عن يساره جانحا إلى ورائه جبل صغير يقال له ثور .
(٨٩)

وأخبر أنه تكرر سؤاله عنه لطوائف من العرب أي العارفين بتلك
الأرض وما فيها من الجبال فكل أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور ،
وتواردوا على ذلك قال : فعلمنا أن ذكر ثور في الحديث صحيح ،
وأن عدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه قال :
وهذه فائدة جليلة انتهى ثم قال الحافظ : وقرأت بخط شيخ شيوخنا
القطب الحلبي في شرحه : حكى لنا شيخنا الإِمام أبو محمد
عبدالسلام بن مزروع البصري أنه خرج رسولا إلى العراق فلما
رجع إلى المدينة كان معه دليل وكان يذكر له الأماكن والجبال
قال : فلما وصلنا إلى أحد إذا بقربه جبل صغير فسألته عنه ،
فقال هذا يسمى ثورا قال : فعلمت صحة الرواية اهـ قال
الحافظ : قلت وكأن هذا كان مبدأ سؤاله عن ذلك . وذكر
شيخنا أبوبكر بن حسين المراغي نزيل المدينة في مختصره لأخبار
المدينة أن خَلَفَ أهل المدينة ينقلون عن سَلَفِهم أن خَلْف أُحُد من
جهة الشمال جبلا صغيرا إلى الحمرة بتدوير يسمى ثورا . قال :
وقد تحققته بالمشاهدة اهـ على إن إبهام البخاري له لايضر في ثبوته
لأن البخاري لم ينفه بل كنى عنه وكأنه فعل ذلك احتياطا والعلم
عند الله عزوجل . وقد حدد حديث علي رضي الله عنه حدود
حرم المدينة من الشمال والجنوب ولم يتعرض لحدوده من الشرق
والغرب وقد بيَّن حدوده من الشرق والغرب حديث أبي هريرة
رضي الله عنه الذي أخرجه البخاري ومسلم أن رسول الله
(٩٠)

عَ ◌ّه قال: ((مابين لابتيها حرام)) واللابتان تثنية لابة وهي الحرة
والمدينة يكتنفها من الشرق والغرب حرتان : الحرة الشرقية والحرة
الغربية ومن العجيب قول الصنعاني في سبل السلام : فحديث عير
وثور يفسر اللابتين .
مايستفاد من ذلك
١ - أن المدينة حرم .
٢ - وأن حدود الحرم من الجنوب عير .
٣ - وأن حدود الحرم من الشمال ثور .
٤ - وأن حدود الحرم من الشرق الحرة الشرقية .
٥ - وأن حدود الحرم من الغرب الحرة الغربية .
٦ - وأن هذه الحدود داخلة في المحدود .
.
(٩١)

باب صفة الحج ودخول مكة
صَلى الله
١ - عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أن رسول الله علي)
حجُ ، فخرجنا معه ، حتى أتينا ذا الحليفة ، فولدت أسماء بنت
عميس ، فقال: ((اغتسلي واستثفرى بثوب، وأحرمي)) وصلى
رسول الله عَّ في المسجد، ثم ركب القَصْواء، حتى إذا
استوت به على البيداء أهل بالتوحيد «لبيك اللهم لبيك ، لبيك
لاشريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لاشريك
لك)) حتى إذا أتينا البيت استلم الرُّكن، فرمل ثلاثا، ومشى
أربعا ثم أتى مقام إبراهيم فصلى ، ثم رجع إلى الركن فاستلمه ، ثم
خرج من الباب إلى الصفا ، فلما دَنًا من الصَّفا قرأ ﴿ إن الصفا
والمروة من شعائر الله)) ((أَبدَأ بما بَدَّأ اللـه به)) فرقَى الصفا حتى
رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله وكبّره، وقال: ((لا
إله إلا الله وحده لاشريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل
شئ قدير ، لا إله إلا الله ، أنْجَزَ وعده ، ونصر عبده ، وهزم
الأحزاب وحده)) ثم دعا بين ذلك ثلاث مرات ، ثم نزل إلى
المروة حتى إذا انْصَّبَّتْ قدماه في بطن الوادى سعَى ، حتى إذا
صعد مشى إلى المروة ، ففَعَل على المروة كما فعل على الصفا ، فذكر
الحديث وفيه : فلما كان يوم التروية توجه إلى منى ، وركب
رسول الله عَ دُ فصلى به الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء
والفجر ، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس فأجازّ حتى أتى
(٩٢)

عرفة ، فوجد قُبةً قد ضربت له بنمِرة فنزَل بها ، حتى إذا زاغت
الشمس أمر بالقصواء فَوَحِلتْ له ، فَأَتَى بطنَ الوادى فخطب
الناسَ ، ثم أَذِّن ، ثم أقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ولم
يصل بينهما شيئا ثم ركب حتى أتى الموقف ، فجعل بطن ناقته
القصواء إلى الصَّخرات ، وجعل حَبْلَ المشاة بين يديه ، واستقبل
القبلة ، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس ، وذهبت الصُّفْرَة قليلا
حتى غاب القُرصُ ، ودفع ، وقد شنق للقصواء الزِّمام حتى إن
رأسها ليصيب مَورِك رَخله، ويقول بيده اليمنى (( أيها الناس
السَّكينَة ، السكينة )) كلما أتى حبلا أرخى لها قليلا حتى تصعد ،
حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ،
ولم يسبِّح بينهما شيئا ، ثم اضطجع حتى طلع الفجر ، فصلى الفجر
حين تبيَّن له الصبح بأذان وإقامة ، ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام
فاستقبل القبلة فدعا وكبَّر وهلّل ، فلم يزل واقفا حتى أسفر
جدا ، فدفع قبل أن تطلع الشمس ، حتى أتى بطن مُحَسِّر ،
فَحَرَّك قليلا ، ثم سلك الطريق الوسطى ، التي تخرج على
الجمرة الكبرى ، حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع
حصيات - يكبر مع كل حصاة منها - مثل حَصَى الخَذْفِ رمی
من بطن الوادى ، ثم انصرف إلى المنحر فَتَحَرَ ، ثم ركب
رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت فصلى بمكة
الظهر . رواه مسلم مُطَوِّلًا .
(٩٣)

المفردات
صفة الحج ودخول مكة : أى بيان مناسك الحج مرتبة وبيان
كيفية وقوعها ، وأوقاتها ، وماذا يفعل عندما يصل
إلى البيت .
حجَّ : أى حجة الوداع .
ولدت أسماء بنت عميس : أى محمد بن أبي بكر رضي
الله عنهم .
واغتسلي : أى غسل نظافة لا غسل طهارة كما تقدم .
واستثفري بثوب : الاستثمار هو أن تشد المرأة على وسطها شيئا
ثم تأخذ خرقة عريضة تجعل في محل الدم وتشد
طرفيها من ورائها ومن قدامها إلى ذلك الذي
شدته في وسطها . والمقصود منه التحفظ من انتشار الدم .
في المسجد : أى مسجد الشجرة بذى الحليفة .
القصواء : بفتح القاف وسكون الصاد هي ناقة النبى
صلى الله عليه وسلم ، لقبت بذلك .
البيداء : هي المفازة التي تقع بعد ذى الحليفة من
الجنوب كما تقدم .
أهلَّ : أى لبَّى.
استلم الركن: أى مسح الحجر الأسود بيده المباركة عَّهِ .
رمل ثلاثا : أى أسرع في المشي مع تقارب الخُطا . وهزَّ منكبيه
(٩٤)

صلى الله عليه وسلم في الأشواط الثلاثة الأول .
ومشى أربعا : أى بدون إسراع ، في الأشواط الأربعة الباقية
مقام إبراهيم : أى الحجر الذي كان يقوم عليه إبراهيم الخليل
عليه السلام وهو يبنى البيت وقد أثّرَتْ قدماه فيه
فلا تزال باقية . آية من آيات الله تعالى على حد قوله
تعالى ﴿ فيه آيات بينات مقام إبراهيم ﴾ وفيه يقول
أبوطالب في لاميته :
وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة
على قدميه حافيا غير ناعل
فصلى : أى ركعتين وهى سنة الطواف .
ثم رجع إلى الركن : أى بعد صلاة ركعتى الطواف عاد إلى
الحجر الأسودفسحه بيده صلى الله عليه وسلم .
من الباب : أى باب بنى مخزوم الذي صار يسمى
باب الصفا .
دنا من الصفا : أى اقترّب منها . والمراد بالصفا الجبل المعروف
بجوار البيت ، والصفا جمع صفاة وهى
الحجر الأملس .
بما بدأ الله به : حيث قال ﴿ إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾
فبدأ الله بذكر الصفا قبل ذكر المروة
والمروة هو الجبل المعروف بجوار البيت .
(٩٥)

فرقى الصفا : أى صعد على الصفا حتى رأى البيت .
فوحَّد الله : أى قال: لا إله إلا الله وحده لاشريك له .
وكبَّره: أى عظَّمه .
أنجز وعده: أى حقق وعده لرسوله عَ لَّه بنصره وتأييده
ودخوله البيت آمنا .
ونصر عبده : أى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم .
وهزم الأحزاب : أى خذل الجماعات التي تحزبت ضد رسول
الله عٍَّ ودمرهم .
دعا بين ذلك ثلاث مرات : أى كرر هذا الذكر ثلاث مرات.
ثم نزل إلى المروة : أى انحدر من جبل الصفا متجها إلى
جهة المروة .
انصبت قدماه في بطن الوادى : أى انحدرتا في بطن الوادى وهو
المنخفض بين الصفا والمروة .
سعى : أى رمل وهرول ، وقد وُضِع على أول مكان
الهرولة ومنتهاه أعمدة خضر تحدد مكان بطن
الوادى ، لتحديد محل الهرولة .
حتى إذا صعد : أى حتى إذا خرج من بطن الوادى وبدأ يرتفع
إلى المروة .
مشى : أى بدون هرولة .
ففعل على المروة كما فعل على الصفا : أى من استقباله القبلة
(٩٦)
:

وذكره الله عزوجل بما ذكره به على الصفا وتكرير
ذلك ثلاث مرات .
فذكر الحديث : أى فأتم الحديث .
وفيه : أى وفي بقية الحديث الذي ذكره .
يوم التروية : هو اليوم الثامن من ذى الحجة . وسمى بذلك لما
كانوا يتروون فيه ، إذ لم يكن بعرفة ماء .
فأجاز حتى أتى عرفة : أى فسار من منى متجاوزا المزدلفة فلم
يقف بها حتى وصل إلى عرفة أى بالقرب منها .
قبة : أى خيمة .
ضُرٍبت له : أى نصبت له عَبـ
.
بنمرة : هو موضع بجنب عرفات وليس من عرفات .
زاغت الشمس : أى زالت الشمس عن كبد السماء ودخل
وقت صلاة الظهر .
فَرُجِلت له: أى جُعِلَ عليها رحلها ليخطب عليها معَّه.
فأتى بطن الوادى : أى منخفض نمرة ، وهو محل مسجد نمرة
وبعض هذا المسجد بنمرة وبعضه بعرفة .
ثم أذَّن : أى أمر المؤذن فأذن لصلاتى الظهر والعصر .
ثم أقام : أى أمر المؤذن فأقام لصلاة الظهر .
ثم أقام : أى أمر المؤذن فأقام لصلاة العصر جمعا لها في
وقت الظهر .
(٩٧)

ولم يصل بينهما شيئا : أى ولم يتنفل بين صلاتى الظهر والعصر.
حتى أتى الموقف : أى عرفات أو المراد الموقف الذي عرف
بموقف رسول الله عَ ليه من عرفات.
إلى الصخرات : هى صخرات سُودّ مفترشات في أسفل الجبل
المعروف بجيل الرحمة من عرفات .
حبل المشاة بين يديه : أى مجتمع المشاة أو طريق الرجَّالة
ويطلق الحبل كذلك على الجبل الصغير .
حتى غاب القرص : أى اختفى قرص الشمس . وهذا تأكيد
لقوله : حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا
ودفع : أى أفاض من عرفات ورحل منها .
وقد شنق للقصواء الزمام : أى لم يرخ لناقته العنان ، بل كان
يشد زمامها ويضيق عليها حتى لاتنطلق بسرعة .
مَوْرِكَ رَحله : المَورِك والمَورِكَة هي المرفقة التي تكون عند
قادمة الرّحل ليضع الراكب رجله عليها ليستريح من
وضع رجله في الركاب . وإنما كان رأسها يصيب
مورك رحله بسبب أنه عَ لَّه كان يبالغ في جذب
رأسها إليه ليكفها عن سرعة السير وقد كانت
ناقته نشيطة .
ويقول بيده : أى ويشير بيده .
السكينة السكينة : أى الزموا الرفق والطمأنينة والوقار في
(٩٨)

سيركم ، وعدم المزاحمة .
كلما أتى حبلا أرخى لها : أى كلما واجهه في طريقه جبل
صغير أو مرتفع من الرمال أطلق لناقته العنان
ليسهل عليها صعوده وتجاوزه .
المزدلفة : ويقال لها جمع ، أما تسميتها بالمزدلفة فلأن
الناس يزدلفون إلى الله أى يتقربون إليه بالوقوف فيها
وسميت جمعا لأن الناس يجتمعون بها . وفيها المشعر
الحرام وقيل سميت المزدلفة لازدلاف آدم إلى حواء
بها . كما قيل إنها سميت بجمع لأن آدم اجتمع
مع حواء بها .
وإقامتين : أى إقامة للمغرب وإقامة للعشاء .
ولم يسبِّح بينهما شيئا : أى ولم يصل بينهما شيئا من النوافل .
حين تبيَّن له الصبح : في نسخ بلوغ المرام : حتى تبين له
الصبح والذي في صحيح مسلم : حين تبين له
الصبح . أى حين اتَّضح له الفجر وبزغ ، والمراد
أنه بادر بصلاة الصبح في أول وقتها .
حتى أتى المشعر الحرام : أصل المشعر المعلَم وسمِّى هذا المكان
الذي وقف عنده رسول الله عَ ليه المشعر لأن الله
تعالى جعله معلَما من معالم العبادة ، ووصفه
بالحرام لأنه من الحرم أو لحرمته . وهو جبيل
(٩٩)

بالمزدلفة كان يقال له في الجاهلية قُزَح وكان
يسمى الميقدة لأن الناس كانوا يوقدون عنده .
حتى أسفر جدا : أى إسفارا بليغا وظهر نور النهار ظهورا قويا
واقترب طلوع الشمس .
حتى أتى بطن محسِّر : هو واد بين المزدلفة ومنى سمى بذلك
لأن الفيل حسر فيه أى كُلَّ وأعيا . ومحسر
من منى .
فحرك قليلا : أى أسرع السير قليلا أى بمقدار رمية حجر .
الجمرة الكبرى : هى جمرة العقبة . سميت الجمرة لاجتمار الناس
أى اجتماعهم عندها يقال : أحمر بنوفلان إذا اجتمعوا.
الجمرة التي عند الشجرة : هى جمرة العقبة ، وهى حد منى
من جهة مكة .
حصى الخذف : أى حصى صغار بحيث يمكن أن يرمى
بإصبعين ، والخَذْف في الأصل مصدر سُمِّ به
يقال : خذفت الحصاة ونحوها خذفا من باب
ضرب أى رميتها بطَرَفَى الإِبهام والسبابة ، وقدر
حصى الجمار مثل حبة الباقلاء تقريبا .
من بطن الوادى : هذا هو المسنون في رمى جمرة العقبة وإذا
كان الرامي في بطن الوادى كانت مكة عن
يساره ومنى عن يمينه .
(١٠٠)