Indexed OCR Text

Pages 401-420

عن طيب حديثه، أو طيب الثناء عليه، لجميل معاشرته، وأما قولها فى رواية ((وأنا أغلبه والناس
يغلب)) فقد وصفته بأنه مع جميل عشرته لها، وصبره عليها، وصفته بالشجاعة، وهو كما قال معاوية:
يغلبن الكرام، ويغلبهن اللئام.
( قالت التاسعة: زوجى رفيع العماد، طويل النجاد، وعظيم الرماد، قريب البيت من
الناد ) قال النووى: هكذا هو فى النسخ ((النادى)» بالياء، وهو الفصيح فى العربية، لكن المشهور فى
الرواية حذفها، ليتم السجع. و((العماد)) بكسر العين أصله عماد البيت، وجمعه عمد بضم العين والميم،
وهى العيدان التى تعتمد بها البيوت العربية - فى المضارب والخيام - والبيت الرفيع ببنائه أو
بأرضه وقاعدته يسكنه عادة الأشراف، ومن لازم طول البيت غالبا أن يكون متسعا، فيدل على كثرة
الخدم والحشم والحاشية والغاشية، كما يراه الضيفان وأصحاب الحوائج فيقصدونه، فكأنها وصفته
بالرفقة والشرف، وقيل: أرادت برفيع العماد أنه طويل الجسم، فارتفاع الخيمة قد يكون لطول قامة
أهلها، وليس هذا بشيء، فسيأتى مدح طول القامة فى ((طويل النجاد)) و((النجاد)) بكسر النون حمائل
السيف، وطولها يسلتزم طول حاملها، قال بعضهم: وأشارت ضمن ذلك إلى أنه صاحب سيف، وأنه
شجاع، وأما قولها ((عظيم الرماد)) أى كثير الرماد المتخلف عن كثرة النار التى يوقدها لطهى طعام
الضيفان، أو النار التى يوقدها الأجواد ليلا على التلال ومشارف الأرض لتهتدى بها الضيفان، وأرادت
بذلك وصفه بالكرم والجود، وقولها ((قريب البيت من الناد)) تكنى به عن الكرم والسؤدد والمكانة، لأنه
لا يقرب البيت من النادى إلا إذا كان صاحبه أهلا للقاء القاصدين وإكرامهم، وحل مشاكلهم، وإصلاح
أمورهم، فالنادى مجلس القوم، فهم إذا تفاوضوا وتشاوروا فى أمر جلسوا قريبا من بيته، فاعتمدوا على
رأيه، وامتثلوا أمره.
زاد الزبير بن بكار فى روايته «لا يشبع ليلة يضاف، ولا ينام ليلة يخاف)) أى يجوع ليشبع
الضيفان، ويسهر حارسا وحاميا من يخاف.
ومحصل كلامها وصفه بالسيادة والكرم وحسن الخلق وطيب المعاشرة.
( قالت العاشرة: زوجى مالك، وما مالك؟ مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات
المبارك قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر أيقن أنهن هوالك ) ((وما مالك))؟
الاستفهام للتفخيم والتعظيم والتعجب، كقوله تعالى ﴿الْحَاقَّةُ﴾ِ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١-٢]؟
و﴿الْقَارِعَةُ﴾ مَا الْقَارعَةُ﴾ [القارعة: ١-٢]؟ أى شيء عظيم هائل أى ما أعظمه وما أكرمه وقولها
((مالك خير من ذلك)) زيادة فى التعظيم، وتفسير لبعض الإبهام، والمعنى. مالك خير مما أقوله عنه من
ثناء، أى هو خير مما سأقول عنه، ومدحى قاصر عن حقيقته وواقعه، ومهما قلت فلن أوفيه حقه،
فالإشارة إلى ما ستقوله من مدح، وقيل: الإشارة إلى ما فى ذهن المخاطب، أى مالك خير مما يخطر
ببالك من الثناء، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى ما تقدم من الثناء على الذين قبله، أى مالك أجمع من
الذين قبله لخصال السيادة والفضل، و((المبارك)) بفتح الميم والباء جمع مبرك، وهو موضع راحة الإبل
ومبيتها، و((المسارح)) جمع مسرح، وهو الموضع الذى تطلق الإبل لترعى فيه، والمعنى له إبل كثيرة،
والقليل منها الذى يخرج للمسارح والرعى، أما غالبها فيبقى فى المبارك، استعدادا للضيفان، فإن
٤٠١

فاجأه ضيف وجد عنده ما يقريه به، من لحومها وألبانها، ويحتمل أن قلة المسارح كناية عن كثرة
الضيفان فاليوم الذى يكثر فيه الضيفان لا تسرح، حتى يقضى الضيفان حاجتهم منها، ويحتمل أن
المراد من المبارك والمسارح أيام البروك، وأيام السرح، فاليوم الذى لا يطرقه فيه أحد، أو يكون هو
غائبا تسرح كلها، فأيام الطروق أكثر من أيام عدمه، فهى لذلك قليلات المسارح، ويحتمل أن المراد
بكثرة المبارك أنها كثيرات ما تثار لتحلب، ثم تترك فتبرك، ثم تثار فتحلب، ثم تترك فتبرك، فهى
بذلك كثيرات المبارك، وفى رواية ((عظيمات المبارك)) أى سمينة، وجثتها عظيمة فتعظم مباركها
وتتسع، ويحتمل أن المراد بقلة مسارحها قلة الأمكنة التى ترعى فيها من الأرض، وأنها لا تمكن من
الرعى إلا بقرب المنازل، لئلا يشق طلبها إذا احتيج إليها، ويكون ما قرب من المنزل كثير الخصب،
لئلا تھزل.
و ((المزهر)) بكسر الميم وسكون الزاى وفتح الهاء آلة من آلات اللَّهو وقيل، هو العود، وقيل: هو دف
مربع. وأنكر بعضهم تفسير المزهر بالعود وقال: ما كانت العرب تعرف العود، إلا من خالط منهم
الحضر قال: وإنما هو بضم الميم وكسر الهاء، وهو الذى يوقد النار فيزهرها للأضياف، قال القاضى:
وهذا خطأ منه، لأنه لم يروه أحد بضم الميم، ولأن المزهر - بكسر الميم - مشهور فى أشعار العرب،
ولأنه لا يسلم له أن هؤلاء النسوة من غير الحاضرة، فقد جاء فى رواية أنهن من قرية من قرى
اليمن.اهـ قال الحافظ ابن حجر: و((أيقن أنهن هوالك)) معناه أنه كثرت عادته بنحر الإبل لقرى
الضيفان ومن عادته أن يسقيهم ويلهيهم، أو يتلقاهم بالغناء، مبالغة فى الفرح بهم، فصارت الإبل، إذا
سمعت صوت الغناء عرفت أنها تنحر، ويحتمل أن أم زرع لم ترد فهم الإبل لهلاكها، ولكن لما كان
ذلك يعرفه من يعقل أضيف إلى الإبل. قال: والأول أولى.
( قالت الحادية عشرة) قال النووى: وفى بعض النسخ ((الحادى عشر)) وفى بعضها
((الحادية عشر)).
والصحيح الأول، اهـ وفى رواية الزبير ((وهى أم زرع بنت أكميل بن ساعدة)).
(زوجى أبو زرع ) فى رواية النسائى ((نكحت أبا زرع))
( فما أبو زرع؟) فى رواية ((وما أبو زرع)) قال الحافظ ابن حجر: وهو المحفوظ للأكثر، زاد
الطبرى فى رواية ((صاحب نعم وزرع)).
( أناس من حلى أذنى) ((حلى)) بضم الحاء وكسرها اللام، جمع حلية، والياء فى
(أذنى)) مشددة تثنية أذن، و((أناس)) أى أثقل حتى تدلى واضطرب، والنوس حركة كل
شيء متدل، يقال: ناس ينوس نوسا، وأناسه غيره، إناسة، ووقع فى رواية ((أذنى وفرعى))
بالياء المشددة فيهما، قال القاضى عياض: يحتمل أن تريد بالفرعين اليدين، لأنهما
كالفرعين من الجسد، تعنى أنه حلى أذنيها ومعصميها، أو أرادت بالفرعين العنق واليدين،
وأقامت اليدين مقام فرع واحد، أو أرادت بالفرعين اليدين والرجلين كذلك، أو أرادت
٤٠٢

بالفرعين الغديرتين، وقرنى الرأس - والغديرة الذؤابة المضفورة من شعر المرأة - فقد جرت
عادة المترفات - بتنظيم غدائرهن، وتحلية نواصيهن وقرونهن بالحلى، وفى رواية ((وفرعى))
بالإفراد، أى حلى رأسى، فصار يتدلى من كثرته وثقله، والعرب تسمى شعر الرأس فرعا.
( وملأ من شحم عضدى) بالتثنية، والعضد ما بين المرفق والكتف، قال العلماء:
معناه أسمننى، وملأ بدنى شحما، فهى لم ترد العضد وحده، وإنما أرادت الجسد كله، لأن
العضد إذا سمنت سمن سائر الجسد، وخصت العضد بالذكر من بين سائر الجسد لأنه
أقرب ما يلى بصر الإنسان من جسده.
( وبجحنى فبجحت إلى نفسى ) أى فرحنى ففرحت، وقيل عظمنى فعظمت إلى نفسى،
وقيل: فخرنى ففخرت، وقيل: وسع على، ومتعنى وأترفنى، يقال: بجح به يبجح، بفتح الجيم فيهما،
ويجح به يبجح، بالكسر فى الماضى والفتح فى المضارع، وأبجحه وبجحه، وروايتنا ((بجحنى))
بتشديد الجيم، ورواية البخارى بتخفيفها، ((فبجحت)) بكسر الجيم المخففة، وسكون التاء، وفى رواية
((فتبجحت إلى نفسى)) بتشديد الجيم المفتوحة، وسكون التاء، وفى رواية النسائى ((وبجح نفسى
فبجحت إلى)) بسكون التاء، وفى أخرى له بضم التاء.
( وجدنى فى أهل غنيمة بشق) ((غنيمة)) بضم الغين، مصغر، للتقليل، وأهل الغنم أقل شأنا
وحالا من أهل الإبل والخيل، والعرب لا تعتد بأهل الغنم، وقولها ((بشق)) بكسر الشين وفتحها أى بشق
جبل، لقلتهم، وقلة غنمهم، وقيل: اسم موضع، وقيل: بمشقة، وشظف من العيش، واختاره عياض وغيره،
ومنه قوله تعالى ﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِیهِ إِلا بِشِقِّ الأَنْفُسِ﴾ [ النحل: ٧].
( فجعلنى فى أهل صهيل وأطيط، ودائس ومنق ) الصهيل صوت الخيل، والأطيط
أصوات الإبل، والدائس هو الذى يدوس الزرع ليخرج الحب من غلافه وقشوره، و((منق)) قال أبو عبيد:
أظنه بالفتح، من تنقى الطعام، وحكى الهروى أن المنق بالفتح الغربال، وعن بعض المغاربة أنه يجوز
أن يكون بسكون النون، وفتح القاف مخففة، وقيل: هو من النقيق، وهو أصوات المواشى.
تصفه بأنه نقلها من شظف العيش عند أهلها، إلى الثروة الواسعة من الخيل، والإبل والزرع، وغير
ذلك، وأنه كان كريما معها، حسن العشرة.
( فعنده أقول فلا أقبح ) أى لا يقبح قولى، ولا يرده، بل يقبل منى، ويستحسن قولى. وفى رواية
للنسائى ((أنطق)) وفى رواية ((أتكلم)).
(وأرقد فأتصبح) أرقد ليلى، وأستمر نائمة دون إزعاج، ودون إيقاظ حتى بعد الصباح، وفى
ذلك إشارة إلى أنها مكتفية بمن يخدمها، وبمن يكفيها مؤنة بيتها، ومهنة أهلها.
(وأشرب فأتقنح ) قال النووى: هو بالنون بعد القاف،. هكذا هو فى جميع النسخ، قال
القاضى: لم نروه فى البخارى ومسلم إلا بالنون، ورواه الأكثر فى غيرهما بالميم، قال أبو عبيد:
((أتقمح)) أى أروى، حتى لا أحب الشرب، قال: وأما بالنون فلا أعرفه، اهـ. وأثبت بعضهم أن معنى
((أتقنح)) بمعنى ((أتقمح)) لأن النون والميم يتعاقبان، مثل: امتقع، وانتقع، وحكى عن بعضهم أن
٤٠٣

التقنح الشرب بعد الرى، وقيل: الشرب على مهل، وقيل: معناه لا يقطع على شرابى، فتوارد هؤلاء كلهم
على أن المعنى أنها تشرب، حتى لا تجد مساغاً، أو أنها لا يقلل مشروبها، ولا يقطع عليها، حتى تتم
شهوتها منه، وقيل: كناية عن سمن جسمها.
ووقع فى رواية ((فأتفتح)) بالتاء والفاء، قال القاضى عياض: إن لم يكن وهما فمعناه التكبر
والزهواهـ وفى رواية ((وآكل فأتمنح)) أى أطعم غيرى يقال: منحه يمنحه إذا أعطاه. أشارت بذلك إلى
عزتها عنده وكثرة الخير لديها، فهى تزهو لذلك، والإتيان بالألفاظ كلها على وزن ((أتفعل)) للإشارة إلى
تكرار الفعل وملازمته.
( أم أبى زرع، فما أم أبى زرع؟ عكومها رداح، وبيتها فساح) ((العكوم)) بضم العين،
جمع عكم بكسرها وسكون الكاف، وهى الأعدال والأحمال التى تجمع فيها الأمتعة، وقيل: هى نمط
تجعل المرأة فيها ذخيرتها، و((رداح)) بكسر الراء وفتحها، أى عظام، كثيرة الحشو، أى ملأى، وقيل:
معناه ثقيلة، ويقال: للكتيبة الكبيرة رداح، إذا كانت بطيئة السير، لكثرة ما فيها، ويقال للمرأة إذا
كانت عظيمة الكفل، ثقيلة الورك: رداح، والمراد وصف أوانيها وخزائنها بأنها مملوءة بالخيرات،
وقال الزمخشرى: لو جاءت الرواية فى ((عكوم)) بفتح العين لكان الوجه على أن يكون المراد بها
الجفنة التى لا تزول عن مكانها، إما لعظمها، وإما لأن القرى متصل دائم، أو التى كثر طعامها وتراكم.
و((رداح)) مفرد، ويصح أن يكون خبر ((عكوم)) وهو جمع، وأخبر بالمفرد عن الجمع، وهو مسموع
بقلة، كقوله تعالى ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة: ٢٥٧] ويحتمل أن يكون مصدرا، يخبر به عن المفرد
والمثنى والجمع، ويحتمل أنه على حذف مضاف، أى عكومها ذات رداح، ويحتمل أن يضبط ((رداح))
بكسر الراء، جمع رادح، كقائم وقيام، فيخبر بالجمع عن الجمع، ويصح أن يكون ((رداح)) خبر مبتدأ
محذوف، والجملة خبر المبتدأ الأول، والتقدير: عكومها كلها رداح.
((وبيتها فساح)) بفتح الفاء وتخفيف السين، أى واسع، ومثله فسيح، ومثله ((فياح)) كما جاء فى
رواية، وقد وصفت والدة زوجها بأنها كثيرة الآلات والأثاث، واسعة المال، كبيرة البيت، إما حقيقة،
فيدل ذلك على عظم الثروة، وإما كناية عن كثرة الخيرة ورغد العيش، والبربمن ينزل بها، لأنهم
يقولون: فلان رحب المنزل، أى يكرم من ينزل عليه، وفى هذا إشارة إلى أن زوجها كثير البر بأمه.
( ابن أبى زرع، فما ابن أبى زرع؟ مضجعه كمسل شطبة، ويشبعه ذراع الجفرة )
((المسل)) بفتح الميم والسين، بعدها لام مشددة، و((شطبة)) بفتح الشين وسكون الطاء، ما شطب من
جريد النخل، أى ما شق من السعفة، كالقضبان الرقاق، ينسج منها الحصر، قال ابن السكيت:
الشطبة من سدى الحصير، وقال ابن حبيب: هى العود المحدد كالمسلة، وقال ابن الأعرابى: أرادت
بمسل الشطبة سيفا سل من غمده، فمضجعه الذى ينام فيه فى الصغر كقدر مسل شطبة واحدة،
والمعنى على ما قاله الأولون: على قدر ما يسل من الحصير، فيبقى مكانه فارغا، وأما على ما قاله ابن
الأعرابى فهو كغمد السيف.
وأما الجفرة بفتح الجيم وسكون الفاء فهى الأنثى من ولد المعز، إذا كان ابن أربعة أشهر، وفصل
عن أمه، وأخذ فى الرعى، وفى رواية ((وترويه فيقة اليعرة)» والفيقة بكسر الفاء وسكون الياء ما يجتمع
٤٠٤

فى الضرع بين الحلبتين، والفواق بضم الفاء الزمان الذى بين الحلبتين، واليعرة بالياء المفتوحة
وسكون العين بعدها راء العناق، وفى رواية ((ويميس فى حلق النترة)) و((يميس)) أى يتبختر
((والنترة)) بفتح النون وسكون التاء الدرع اللطيفة، وصفته بهيف القد، وأنه ليس ببطين ولا جاف،
وأنه قليل الأكل والشرب، ملازم لآلة الحرب، يختال فى موضع القتال، قال الحافظ ابن حجر: ويظهر
لى أنها وصفته بأنه خفيف الوطأة عليها، لأن زوجة الأب غالبا تستثقل ولد الزوج من غيرها، فكان هذا
خفيفا عليها، لا يحتاج إلى ما عندها بالأكل، فضلا عن الأخذ، بل لوطعم عندها لاقتنع باليسير الذى
يسد الرمق من المأكول والمشروب.
( بنت أبي زرع، فما بنت أبى زرع ) فى بعض النسخ ((وما بنت أبى زرع؟)).
( طوع أبيها، وطوع أمها، وملء كسائها، وغيظ جارتها ) أى أنها بارة بأبويها، وعند
النسائى ((زين أبيها، وزين أمها)) وفى رواية ((وزين أهلها ونسائها)) وعند الطبرانى «وقرة عين لأمها
وأبيها)) و((ملء كسائها)) كناية عن كمال شخصها، ونعمة جسمها، وقيل: معناه ممتلئة الجسم
سمينة، وفى ملحق الرواية ((وصفر ردائها)) بكسر الصاد وسكون الفاء، تصف رداءها بالخلو، قال
الهروى: أى ضامرة البطن، وقال غيره: معناه أنها خفيفة أعلى البدن، وهو موضع الرداء، ممتلئة
أسفله، ويؤيد هذا رواية ((وملء إزارها)) قال القاضى: والأولى أن المراد امتلاء منكبيها، وقيام نهديها،
بحيث يرفعان الرداء عن أعلى جسدها، فلا يمسه، فيصير خاليا، بخلاف أسفلها، ومعنى قولها
((وغيظ جارتها)» أن حالها يغيظ ضرتها من حيث الحسن والجمال والعفة والأدب، وفى ملحق الرواية
((وعقر جارتها)) بفتح العين وسكون القاف، أى وغيظ جارتها، فتكون كالعقور، وقيل: ودهشة جارتها،
من قولهم: عقر إذا دهش، وضبطه بعضهم ((وعبر جارتها)) بضم العين وسكون الباء، أى ترى جارتها
من حسنها وعفتها وعقلها ما تعتبر به، وقيل: هو من العبرة، وهى البكاء، أى ترى من ذلك ما يبكيها،
لغيظها وحسدها.
زاد فى رواية ((قباء هضيمة الحشا)) يقال: امرأة قباء بفتح القاف وتشديد الباء، أى دقيقة
الخصر، ضامرة البطن، والهضيم من النساء اللطيفة الكشحين، والحشا ما دون الحجاب مما يلى
البطن كله من الكبد والطحال والكرش، أى ضامرة الخصر والبطن، لطيفة العجز، وفى الرواية نفسها
((جائلة الوشاح)) الوشاح نسيج عريض، يرصع بالجوهر، تشده المرأة بين عاتقها وكشحيها، وجولانه
تحركه واضطرابه لسعته، وفى الرواية نفسها ((عكناء، فعماء، نجلاء، دعجاء، رجاء، قنواء، مؤنقة،
مفنقة)» والعكناء التى صارت ذات مكن بضم العين وفتح الكاف، أى ذات طيات فى لحم البطن
سمنا، والفعماء الممتلئة الأعضاء، والنجلاء متسعة العينين حسنتهما، والدعجاء الشديدة سواد العين،
والرجاء، بفتح الراء وتشديد الجيم، أى كبيرة الكفل ترتج من عظمه، وقيل ذات رجاء وأمل، والقنواء
بفتح القاف وسكون النون الطويلة، والمؤنقة بفتح النون المشددة أى رائعة الحسن، يعجب بها من
يراها ويحبها، يقال: أنق بكسر النون يأنق بفتحها أنقا وأناقة راع حسنه وأعجب، فهو أنيق، وآنقة
الشيء، وأنق الشيء فلانا بتشديد النون أعجبه.
٤٠٥

وقوله ((مفنقة)) بفتح الفاء وفتح النون المشددة بعدها قاف، أى منعمة، يقال: فنقه بفتح النون
المشددة يفنقه إذا نعمه، فهو منفق أى منعم، اسم مفعول.
( جارية أبي زرع، فما جارٍية أبى زرع؟ لا تبث حديثنا تبثيثا، ولا تنقث ميرتنا
تنقيثا، ولا تملأ بيتنا تعشيشاً) عند الطبرانى ((خادم أبى زرع ((وفى رواية ((وليد أبى زرع))
والوليد الخادم، يطلق على الذكر والأنثى، و((لا تبث)) بضم الباء، بعدها ثاء، أى لا تشيع أحوالنا وتظهر
أخبارنا، بل تكتم سرنا وحديثنا كله، وفى رواية ((لا تنت)) بالنون بدل الباء، وهى بمعناها، والنثات
المغتاب، وفى رواية ((ولا تخرج ..... )). و((لا تنفث)) بضم التاء وفتح النون وكسر القاف المشددة بعدها
ثاء، أى لا تسرع بالخيانة وتذهب مالنا بالسرقة، و((الميرة)) بكسر الميم الزاد والطعام، وأصله ما
يحصله البدوى من الحضر، ويحمله إلى منزله، لينتفع به أهله، وقال ابن حبيب: لا تفسد ميرتنا وفى
ملحق الرواية ((لا تنفث ميرتنا تنفيثا)) قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن تكون إحدى الروايتين
بالقاف، والأخرى بالفاء، وفى رواية ((ولا تنقل)) وفى رواية ((ولا تفت)) أى لا تفسد، وفى رواية ((ولا
تفش ميرتنا تفشيشا)» بالفاء من الإفشاش، ومعنى ((ولا تملأ بيتنا تعشيشا)) بالعين، أى لا تترك
الكناسة والقمامة فيه مفرقة كعش الطائر، بل هى مصلحة للبيت، معتنية بتنظيفه، وقيل: معناه لا
تخوننا فى طعامنا فى زوايا البيت كأعشاش من الطير، وفى رواية ((تغشيشا)» بالغين من الغش.
( خرج أبوزرع والأوطاب تمخض) ((الأوطاب)) جمع وطب بفتح الواو وسكون الطاء، وهو
جمع قليل النظير، وفى رواية فى غير مسلم ((والوطاب)) وهو الجمع الأصلى، وفى رواية ((الأطاب)) بغير
واو، قال عياض: فإن كان مضبوطا فهو على إبدال الواوهمزة، كما قالوا فى ((إكاف)) ((وكاف)»
والمراد من الأوطاب الأسقية التى يمخض فيها اللبن، أى يحرك تحريكا شديداً، ليخرج زبده، أرادت
أنه بكر بخروجه من منزلها، وقت قيام الخدم والعبيد لأشغالهم، وفى خبرها هذا إشارة إلى كثرة خير
داره، وغزارة لبنه، وأن عندهم منه ما يكفيهم، ويفيض عنهم حتى يمخضوه، ويستخرجوا زيده،،
ويحتمل أنها أرادت بهذه العبارة أن الوقت الذى خرج فيه كان فى زمن الخصب وطيب الربيع، قال
الحافظ ابن حجر: وكأن سبب ذكر ذلك التوطئة للباعث على رؤية أبى زرع للمرأة على الحالة التى
رآها عليها، أى أنها من مخض اللبن تعبت، فاستلقت لتستريح، فرآها على ذلك.
( فلقى امرأة معها ولدان لها، كالفهدين يلعبان من تحت خصرها برمانتين،
فطلقنى ونكحها ) فى رواية الطبرانى ((فأبصر امرأة لها ابنان كالفهدين)) وفى رواية ((كالصقرين))
وفى رواية ((كالشبلين)) وعند النسائى ((فإذا هو بأم غلامين)) والغرض من ذكر الولدين ووصفهما بما
وصفا به التنبيه على بعض الأسباب الداعية لتزوج أبى زرع بها، لأنهم كانوا يرغبون فى أن يكون لهم
أولاد، وأن تكون أولادهم من النساء المنجبات، وفى وصفهما إشارة إلى صغر سنهما، واشتداد
خلقتهما، وخفة حركاتهما، هذا بالإضافة إلى ما وصفت به المرأة، قال أبو عبيد: وصفت بأنها ذات
كفل عظيم، فإذا استلقت على ظهرها رفع خصرها عن الأرض، حتى يصير تحتها فجوة، تجرى
فيها الرمانة. اهـ
وكان مع الولدين رمانتان كل واحد يرمى واحدة للآخر، أو هى رمانة واحدة ثنيت باعتبار تناول
٤٠٦

كل من الولدين لها، ويؤيده ما وقع فى رواية أبى معاوية ((وهى مستلقية على قفاها، ومعها رمانة،
يرميان بها من تحتها، فتخرج من الجانب الآخر، من عظم إليتيها)».
وقال بعضهم: المراد بالرمانتين هنا ثدياها، والمعنى أن لها نهدين حسنين صغيرين كالرمانتين،
يداعبهما الولدان، قال القاضى عياض: وهذا أرجح، لا سيما وقد روى ((من تحت صدرها)) و((من
تحت درعها)» ولأن العادة لم تجر برمى الصبيان الرمان تحت ظهور أمهاتهم، ولم تجر العادة أيضا
باستلقاء النساء كذلك، حتى يشاهده منهن الرجال، وردت رواية أبى معاوية بأن سياقها هذا لا يشبه
كلام أم زرع، فلعله من كلام بعض رواتها، أورده على سبيل التفسير الذى ظنه، فأدرج فى الخبر، وفسر
القاضى قولها فى روايتنا ((يلعبان من تحت خصرها برمانتين)) بقوله إن ذلك كان إشارة إلى مكان
الولدين منها، أى يلعبان وهما تحت خصرها، أى أنهما كانا فى حضنها أو جنبيها، قال: وفى تشبيه
النهدين بالرمانتين إشارة إلى صغر سنها، وأنها لم تترهل، حتى تنكسر ثدياها وتتدلى. اهـ
وفى رواية ((فأعجبته فطلقنى)) وقد يقال ((لم طلق أبو زرع أم زرع؟ وكان راغبا فيها ويحبها؟
وكان يمكن أن يتزوج المرأة مع استبقاء أم زرع؟ وقد فسرت رواية أبى معاوية السر فى ذلك، ولفظها
((فخطبها أبو زرع، فتزوجها، فلم تزل به، حتى طلق أم زرع)»
( فنكحت بعده رجلا سريا ) بالسين على المشهور، ومعناه سيدا شريفا، وقيل: سخيا، وسراة
الناس كبراؤهم فى حسن الصورة والهيئة، والسرى من كل شيء خياره.
( ركب شريا ) بفتح الشين وكسر الراء وتشديد الياء، صفة لموصوف محذوف، أى ركب فرسا
شريا، والشرى الذى يستشرى فى سيره، أى يمضى ويلح، دون فتورولا انكسار، وقال ابن السكيت: هو
الفرس الفائق الخيار.
( وأخذ خطياً ) بفتح الخاء وكسر الطاء مشددة، بعدها ياء مشددة، صفة لموصوف محذوف،
أى أخذ رمحا خطيا، قالوا: والخطى الرمح منسوب إلى الخط، قرية من سيف البحر، أى ساحله، عند
عمان والبحرين، ونسبت الرماح إليها لأنها تحمل إلى هذا الوضع وتثقف فيه.
( وأراح على نعما ثريا ) قال النووى: أى أتى بها إلى مراحها، بضم الميم، أى موضع مبيتها
وقيل: معناه أنه غزا، فغنم، فأتى بالنعم الكثيرة، وفى رواية ((وأراح على بيتى نعما))، والنعم بفتح النون
والعين الإبل والبقر والغنم، ويحتمل أن المرد هنا بعضها، وهى الإبل، والثرى بالثاء وتشديد الياء الكثير
المال وغيره، ومنه الثروة فى المال، وهى كثرته. اهـ
و((ثريا)) صفة لنعما، أى إبلا كثيرة، والتذكير فيه مع الموصوف المؤنث لمراعاة السجع، وفى
رواية حكاها القاضى عياض: «نعما)) بكسر النون، جمع نعمة والأشهر الأول.
( وأعطانى من كل رائحة زوجا ) أى وأعطانى من كل ما يروح من الإبل والبقر والغنم اثنين،
أو صنفا، فإن الزوج قد يطلق على الصنف، ومنه قوله تعالى ﴿وَكُنْتُمْ أَرْوَاجًا ثَلاثَةً﴾ وفى ملحق الرواية
((وأعطانى من كل ذابحة زوجا)) قال النووى: هكذا هو فى جميع النسخ ((ذابحة)» بالذال وبالباء، أى
من كل ما يجوز ذبحه، من الإبل والبقر والغنم وغيرها، وهى فاعلة بمعنى مفعولة. اهـ مثل ((عيشة
٤٠٧

راضية)) أى مرضية، وفى رواية الطبرانى ((من كل سائمة)) والسائمة الراعية، والرائحة الآتية وقت
الرواح، وهو آخر النهار، وقد أرادت بذلك كثرة ما أعطاها.
(وقال: كلى. أم زرع، وميرى أهلك) ((أم زرع)) منادى بحذف حرف النداء، و((ميرى أهلك))
بكسر الميم من الميرة، أى صليهم، وأوسعى عليهم بالميرة وهى الطعام.
والحاصل أنها وصفته بالسؤدد فى ذاته ((رجلا سريا)) والشجاعة فى فعاله ((ركب شريا، وأخذ
خطيا، وأراح على نعما ثريا)) وبالتفضل عليها وإكرامها، و((أعطانى من كل رائحة زوجا)) وزاد فى
إكرامها، فأباح لها أن تأكل ما شاءت من ماله، وتهدى منه ما شاءت لأهلها.
( فلوجمعت كل شيء أعطانى ما بلغ أصغر آنية أبى زرع ) فى رواية البخارى
((أعطانيه)) وفى رواية ((ما ملأ إناء من آنية أبى زرع)) وعند الطبرانى ((فلو جمعت كل شيء أصبته
منه، فجعلته فى أصغر وعاء من أوعية أبى زرع ما ملأه)) وهذا الأسلوب كناية عن استصغار ما أصابته
من زوجها الثانى بالنسبة لما أصابته من أبى زرع، لأنه كان أول أزواجها، فسكنت محبته فى قلبها.
( كنت لك كأبى زرع لأم زرع ) قال النووى: قال العلماء: هو تطييب لنفسها، وإيضاح لحسن
عشرته إياها، ومعناه: أنا لك كأبى زرع، و((كان)) زائدة، أو للدوام، كقوله تعالى ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رَحِيمًا﴾ أى كان فيما مضى، وهوباق كذلك. اهـ فأصل الفعل الماضى يدل على حصول حدث فى زمن
مضى قبل التكلم، ومقتضاه أنه لا يدل على استمرار الحدث فى الحال ولا فى الاستقبال، ومقصود
الحديث كنت لك فى الماضى، وأنا لك فى الحال، وسأظل لك فى المستقبل كأبى زرع لأم زرع، ووجه
الشبه فى هذه القضية الألفة والوفاء، لأن المشبه به له صفات لا يليق التشبه بها، ولذلك زاد فى رواية
الهيثم ابن عدى «فى الألفة والوفاء، لا فى الفرقة والجلاء» وزاد الزبير فى آخره «إلا أنه طلقها، وإنى لا
أطلقك)) زاد النسائى والطبرانى فى رواية له ((قالت عائشة: يا رسول الله. بل أنت خير من أبي زرع))
وفى رواية ((قالت: بأبى وأمى لأنت خيرلى من أبى زرع لأم زرع)) قال النووى: وكأنه صلى الله عليه
وسلم قال ذلك تطيبا لها، وطمأنينة لقلبها، ودفعا لإيهام عموم التشبيه بجملة أحوال أبى زرع، إذ لم
يكن فيه ما تذمه النساء به سوى طلاقه أم زرع، وأجابت هى عن ذلك جواب مثلها فى فضلها وعلمها.
فقه الحديث
هذا الحديث مسوق على أنه منقبة وفضيلة لعائشة رضى الله عنها.
ويؤخذ منه
١- فضيلة حسن عشرة المرء أهله، بالتأنيس والمحادثة بالأمور المباحة، مالم يفض ذلك
إلى ما يمنع.
٢- وفيه المزاح أحيانا، وبسط النفس به.
٣- ومداعبة الرجل أهله، وإعلامه بمحبته لها، ما لم يؤد ذلك إلى مفسدة، تترتب على ذلك من تجنيها
عليه، وإعراضها عنه ..
٤٠٨

٤- وفيه منع الفخر بالمال، فقد ركز صلى الله عليه وسلم على حسن العشرة، وأهمل فخر أم
زرع بالمال.
٥- وفيه جواز ذكر الفضل بأمور الدين، فقد ذكر لها حبه، وحسن عشرته، وهو من الدين.
٦- وفيه إخبار الرجل أهله بصورة حاله معهم، وتذكيرهم بذلك، لا سيما عند وجود ما طبعن عليه من
كفر الإحسان.
٧- وفيه ذكر المرأة إحسان زوجها.
٨- قال الحافظ ابن حجر: وفيه إكرام الرجل بعض نسائه بحضور ضرائرها، بما يخصها به من قول
أو فعل (هذا على احتمال حضور بعض الضرائر عند سياق القصة، والأولى أن يقال: فيه
تخصيص بعض نسائه بذكر حبه وحسن عشرته لها من بين ضرائرها) قال: ومحله عند السلامة
من الميل المفضى إلى الجور.
٩- وفيه جواز تحدث الرجل مع زوجته فى غير نوبتها. قاله الحافظ ابن حجر. وهو غير واضح.
١٠ - وفيه الحديث عن الأمم الخالية، وضرب الأمثال بهم اعتبارا.
١١ - وفيه جوازالانبساط، بذكر طرف الأخبار، ومستطابات النوادر، تنشيطاً للنفوس.
١٢ - وفيه حض النساء على الوفاء لبعولتهن، وقصر الطرف عليهم والشكر لجميلهم، أخذا من تقريره
صلى الله عليه وسلم لأم زرع.
١٣- وفيه جواز وصف المرأة زوجها بما تعرفه من حسن وسوء. قاله الحافظ ابن حجر. وفيه نظر.
١٤- وجواز المبالغة فى الأوصاف ومحله إذا لم يصر ذلك ديدنا، لأنه يفضى إلى خرم المروءة، قاله
الحافظ ابن حجر، ويحمل على أن شرع من قبلنا شرع لنا، وهو أيضا غير ظاهر، فعمل هؤلاء
النساء وقولهم لا يؤخذ منه شرع، وسيأتى ما يؤيده ذلك.
١٥- ومن طلب عائشة ذكر قصة أبى زرع وجواب الرسول # لها تفسير ما يجمله المخبر من الخبر،
إما بالسؤال عنه، وإما ابتداء من تلقاء نفسه.
١٦ - قال الحافظ ابن حجر: وفيه أن ذكر المرء بما فيه من العيب جائز، إذا قصد التنفير عن ذلك
الفعل، ولا يكون ذلك غيبة، أشار إلى ذلك الخطابى، وتعقبه التميمى شيخ عياض بأن الاستدلال
بذلك إنما يتم أن لوكان النبى 88 سمع المرأة تغتاب زوجها، فأقرها، وأما الحكاية عمن ليس
بحاضر فليس كذلك.
وقال المازري: قال بعضهم: ذكر بعض هؤلاء النسوة أزواجهن بما يكرهون، ولم يكن ذلك غيبة،
لكونهم لا يعرفون بأعيانهم وأسمائهم. قال المازري: وإنما يحتاج إلى هذا الاعتذار لوكان من
تحدث عنده بهذا الحديث سمع كلامهن فى اغتياب أزواجهن، فأقرهن على ذلك. أما والواقع
خلاف ذلك، وهو أن عائشة حكت قصة عن نساء مجهولات غائبات فلا، ولو أن امرأة وصفت
. زوجها بما يكرهه، لكان غيبة محرمة على من يقوله ويسمعه، إلا إن كانت فى مقام الشكوى منه
٤٠٩

عند الحاكم، وهذا فى حق المعين، فأما المجهول الذى لا يعرف فلا حرج فى سماع الكلام فيه،
لأنه لا يتأذى، إلا إذا عرف أن من ذكر عنده يعرفه، ثم إن هؤلاء الرجال مجهولون، لا تعرف
أسماؤهم، ولا أعيانهم، فضلا عن أسمائهم، ولم يثبت للنسوة إسلام، حتى يجرى عليهن الغيبة،
فبطل الاستدلال به على ما ذكر. اهـ. ونحن مع التميمى والمازرى ولا نسلم بالمآخذ: [١٣، ١٤، ١٦].
والله أعلم.
١٧- وفيه تقوية لمن كره نكاح من كان لها زوج سابق، لما ظهر من اعتراف أم زرع بإكرام
زوجها الثانى لها بقدر الطاقة، ومع ذلك حقرته، وصغرته، بالنسبة إلى الزوج الأول. وذاك
طبع لغالب النساء.
١٨ - وفيه أن الحب يستر الإساءة، لأن أبا زرع مع إساءته لها بتطليقها، لم يمنعها ذلك من المبالغة
فى وصفه، إلى أن بلغت حد الإفراط والغلو.
١٩- وفيه جواز وصف النساء ومحاسنهن للرجل، لكن محله إذا كن مجهولات، والذى يمنع من ذلك
وصف المرأة المعينة بحضرة الرجل، أو أن يذكر من وصفها ما لا يجوز للرجال تعمد النظر إليه.
قاله الحافظ ابن حجر، وفيه نظر.
٢٠ - وفيه أن التشبيه لا يستلزم مساواة المشبه بالمشبه به من كل جهة.
٢١ - وفيه أن كناية الطلاق لا توقعه، إلا مع مصاحبة النية، فإنه صلى الله عليه وسلم تشبه بأبى زرع،
وأبو زرع قد طلق، فلم يستلزم ذلك وقوع الطلاق، لكونه لم يقصره.
٢٢- وفيه جواز التأسى بأهل الفضل من كل أمة، لأن أم زرع أخبرت عن أبى زرع بجميل عشرته،
فامتثله النبى .. كذا قال المهلب، واعترضه القاضى عياض، فأجاد، وهو أنه ليس فى السياق ما
يقتضى أنه تأسى به، بل فيه أنه أخبر أن حاله معها مثل حال أبى زرع مع أم زرع، قال الحافظ
ابن حجر: نعم ما استنبطه صحيح، باعتبار أن الخبر إذا سيق وظهر من الشارع تقريره، مع
الاستحسان له، جازالتأسی به.
٢٣- قيل: وفيه قبول خبر الواحد، لأن أم زرع أخبرت بحال أبى زرع، فامتثله النبى {َ *،
وتعقبه عياض.
٢٤ - وفيه مدح الرجل فى وجهه، إذا علم أن ذلك لا يفسده.
٢٥- وفيه أن شأن النساء إذا تحدثن أن لا يكون حديثهن غالبا إلا فى الرجال.
٢٦ - وفيه جواز استعمال الألفاظ الغريبة.
٢٧ - واستعمال السجع فى الكلام إذا لم يكن متكلفا.
واللَّه أعلم
٤١٠

(٦٤٥) باب من فضائل فاطمة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
٥٤٨٦- ٩٣ْ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﴾(٩٣)، أَنْهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ﴿َ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَهُوَ
يَقُولُ: «إِنَّ بَنِي هِشَامِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذُنُونِي أَ يُنْكِحُوا ابْتَهُمْ، عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ. فَلا آذَدُ
لَهُمْ ثُمَّ لا آذَدُ لَهُمْ. ثُمَّ لا آذَهُ لَهُمْ. إِلا أَنْ يُحِبَّ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنِي وَيَنْكِحُ
ابْنَتَهُمْ. فَإِنَّمَا ابْتِي بَضْعَةٌ مِّنِّي. يَرِبُّنِي مَا رَابَهَا. وَيُؤْذِينِي مَا آَذَاهًا».
٥٤٨٧- ٩٤ْ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ بِ(٩٤) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿: «إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ
مَنّ. يُؤْذِينِي مَا آذَاهَا».
٥٤٨٨- ٩٥ْ عَن عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَ﴾(٩٥)، أَنَّهُمْ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةُ، مِن عِنْدِ
يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، مَقْتَلَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ رَضِي اللَّهِ عَنْهِمَا، لَقِيَهُ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةً.
فَقَالَ لَهُ: هَلْ لَكَ إِلَيَّ مِن حَاجَةٍ تَأْمُرُنِي بِهَا؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: لا. قَالَ لَهُ: هَلْ أَنْتَ
مُعْطِيَّ سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿؟ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَغْلِيَكَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ. وَايْمُ اللَّهِ! لَيْنْ
أَعْطَيْنِهِ لا يُخْلَصُ إِلَيْهِ أَبَدًا، حَتَّى تَبْلُغَ نَفْسِي. إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ
أبي جَهْلٍ عَلَى فَاطِمَةَ. فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ فِي ذَلِكَ، عَلَى
مِنْبَرِهِ هَذَا، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ مُحْتَلِمٌ، فَقَالَ: «إِنَّ فَاطِمَةً مِنِّي. وَإِنِّي أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي
دِينِهَا» قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِن بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ. فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ
فَأَحْسَنَ. قَالَ: «حَدَّثِي فَصَدَقَنِي. وَوَعَدَنِي فَأَوْقَى لِي. وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلالا وَلا
أُحِلُّ حَرَامًا. وَلَكِنْ وَاللَّهِ لا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِفَ﴿ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ مَكَانًا
وَاحِدًا أَبَدًا».
٥٤٨٩- ٦َجْ عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَ﴾(٩٦)، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ.
(٩٣) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ وَقُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ كِلاهُمَا عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ ابْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا لَيْثٌ حَدْثَنَا عَبْدُ اللّهِ
ابْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةُ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَّةٌ حَدَّثَهُ
(٩٤) حَدَّثَنِي أَبُو مَعْمَّرٍ إِسْمَعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْهُذَلِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةً عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةً
(٩٥) حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنٌّ حَنْبَلِ أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّنَا أَبِي عَنِ الْوُلِيدِ بَنِ كَثِيرٍ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍوَ بْنِ حَلْحَلَةَ الدُّؤْلِيُّ
أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ حَدَّثَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ حَدَّثَهُ
(٩٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ أَخْبُوَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنِ.
وحَدَّثَيِهِ أَبُو مَعْنِ الرَّفَاشِيُّ حَدَّثَنَاَ وَهْبٍِ يَغْنِي ابْنَ جَرِيرٍ عَن أَبِهِ قَالَ سَمِعْتُ النَّعْمَانَ يَّعْنِي ابْنَ رَاشِدٍ يُحَدِّثُ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا
الإِسْنَادِ نَحْوَهُ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ
٤١١

وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ فَاطِمَةُ أَتَتِ النَّبِيَّ ﴿ فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ
قَوْمَكَ يَتَحَدُّنُونَ أَنَّكَ لا تَغْضَبُ لِّاتِكَ. وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحًا ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ. قَالَ الْمِسْوَرُ: فَقَامَ
النِّنَّ فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ. فَإِنِّي أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ. فَحَدَّقَيِي
فَصَدَقَيِّي. وَإِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ مُضْغَةٌ مِنِّيٍ، وَإِنَّمَا أَكْرَهُ أَنْ يَفُْوهَا. وَإِنَّهَا، وَاللَّهِ! لا تَجْتَمِعُ
◌ِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَبَدًا». قَالَ: فَتَرَكَ عَلِيُّ الْخِطْبَةَ.
٥٤٩٠- ٩٧ عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٩٧) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ِ دَعَا فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ فَسَارَّهَا.
فَبَكَتْ: ثُمَّ سَارَّهَا فَضَحِكَتْ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لِفَاطِمَةَ: مَا هَذَا الَّذِي سَارَّكِ بِهِ رَسُولُ
اللَّهِ وَ﴿ فَبَكَيْتِ، ثُمَّ سَارَّكِ فَضَحِكْتِ؟ قَالَتْ: سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي بِمَوْتِهِ، فَبَكَيْتُ، ثُمَّ سَارَّنِي
فَأَخْبُرَنِي أَنّي أَوَّلُ مَنْ يَتْبَعُهُ مِن أَهْلِهِ، فَضَحِكْتُ.
٥٤٩١- الْ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٩٨) قَالَتْ: كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ◌َ﴿ِ عِنْدَهُ لَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ
وَاحِدَةٌ. فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي مَا تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا مِن مِشْيَةٍ رَسُولِ اللَّهِ﴿ْ شَيْئًا. فَلَمَّا رَآهَا
رَحَّبَ بِهَا فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِابْنَتِي» ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَن يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ سَارَّهَا. فَبَكَتْ بُكَاءٍ
شَدِيدًا. فَلَمَّا رَأَى جَزَعَهَا سَارَّهَا الثّانِيَةَ. فَضَحِكَتْ. فَقُلْتُ لَهَا: خَصَّكِ رَسُولُ اللَّهِ عَ مِن
بَيْنٍ بِسَائِهِ بِالسِّرَارِ، ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ. فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿، سَأَلْتُهَا مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ
﴿ قَالَتْ: مَا كُنْتُ أُفْشِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَ سِرَّهُ. قَالَتْ: فَلَمَّا تُؤُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ، قُلْتُ
عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ، لَمَا حَدَّثْتِي مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ،﴿؟ فَقَالَتْ: أَمَّا
الآنَ فَنَعَمْ. أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْمَرَّةِ الأُولَى، فَأَخْبُرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنُ فِي كُلِّ
سَنَةٍ مَرَّةً أَوْ مَرََّيْنٍ، وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الآنَ مَرَّتَيْنِ «وَإِنِّي لا أُرَى الأَجَلَ إِلا ◌َقَدِ اقْتَرَبَ. فَاتَّقِي اللَّهَ
وَاصْبِرِي. فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ» قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْتِ. فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي
سَارَّبِي الثَِّيَةَ فَقَالَ: «يَا فَاطِمَةُ: أَمَا تَرْضَيْ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِينَ أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءٍ
هَذِهِ الأُمَّةِ» قَالَتْ: فَضَحِكْتُ ضَحِكِي الَّذِي رَأَيْتٍ.
٥٤٩٢- ٩٩ْ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٩٩) قَالَتْ: اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ فَ﴿ فَلَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ
(٩٧) حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُؤَاحِمٍ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ عَنِ أَبِيهِ عَن عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةً حِ و حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ
وَاللّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِنَّرَاهِيمَ خَدَّثَنَا أَبِي عَنِ أَبِهِ أَنْ غُرْوَةَ بَّنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ أَنَّ عَائِشَةً حَدَّثَتْهُ
(٩٨) حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ فُضَيْلُ بْنُ حُسَيَّنِ حَدَّثََّا أَبُو عَوَانَةً عَن فِرَاسٍ عَنِ عَامِرٍ عَنْ مَسْرُوقٍ.
(٩٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بَّنُ أَبِي شَيَّةً وحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ زَكْرِيَّاءَ حَ وَحَدَّثََّا ابْنُّ نُمَيْرٍ حَدََّا أَبِي حَدَّثَنَا ذَكَرِيَّاءُ عَنْ فِرَاسٍ
عَنْ عَامِرٍ عَن مَسْرُوفٍ عَن عَائِشَةً قَالَتْ
٤١٢

امْرَأَةٌ. فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِيٍ كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِشْيَةُ رَسُولِ اللَّهِ فَ﴿ فَقَالَ «مَرْحُبًا بِابْنَتِي»
فَأَجْلَسَهَا عَن يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ. ثُمَّ إِنَّهُ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا. فَبَكَتْ فَاطِمَةُ، ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّهَا،
فَضَحِكَتْ أَيْضًا. فَقُلْتُ لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لِأَفْشِيْ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ:﴿. فَقُلْتُ:
مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمٍ فَرَحًا أَقْرَبَ مِن حُزْنٍ. فَقُلْتُ لَهَا حِينَ بَكَتْ: أَخَصَّكِ رَسُولُ اللّهِ ﴿ بِحَدِيثِهِ
دُونَا ثُمَّ تَبْكِينَ؟ وَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ﴿ّ. حَتَّى إِذَا
قُبِضَ سَأَلْتُهَا. فَقَالَتْ: إِنَّهُ كَانَ حَدَّيِي أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ عَامٍ مَرَّةٌ، وَإِنَّهُ
عَارَضَهُ بِهِ فِي الْعَامِ مَرَّتَيْنِ «وَلا أُرَانِي إِلا قَدْ حَضَرَ أَجَلِيٍ. وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقًا بِي، وَيِعْمَ
السَّلَفُ أَنَا لَكِ» فَبَكَيْتُ لِذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّهُ سَارَّنِي فَقَالَ: «أَلا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءٍ
الْمُؤْمِنِينَ، أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ؟» فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ.
المعنى العام
السيدة فاطمة الزهراء بنت رسول اللَّه ﴿، كانت تكنى أم أبيها، أصغربنات النبي ◌ُ ﴾، وأحبهن
إليه، ولدت والكعبة تبنى، والنبى * ابن خمس وثلاثين على المشهور، وقيل سنه إحدى وأربعين من
مولد الرسول . تزوجها على نظله أوائل المحرم سنة ثنتين، وأصدقها درعه التى أعطاه إياها رسول
الله: ﴿ يوم بدر. وفى زواجها بعث معها رسول اللّه * بخميلة ووسادة من جلد حشوها ليف ورحاءين
وسقاءين، وانقطع نسل النبى 88 إلا من فاطمة، عاشت بعد النبى 8# ستة أشهر، ودفنت بالبقيع،
وقيل: فى زاوية فى دار عقيل، وبين قبرها وبين الطريق سبعة أذرع، كانت فى تشييعها أول من غطى
نعشها من النساء فى الإسلام، فقد روى أنها قالت لأسماء بنت عميس: يا أسماء. إنى استقبحت ما
يصنع بالنساء، أنه يطرح على المرأة الثوب، فيصفها، فقالت أسماء: يا بنت رسول اللّه ◌ُل)، ألا أريك
شيئا رأيته بأرض الحبشة؟ فدعت بجريد رطب، فوقسته، ثم طرحت عليه ثوبا. فقالت فاطمة: ما
أحسن هذا وأجمله، فإذا أنا مت فاجعلوا على هذا.
كانت رضى اللَّه عنها أشبه الناس كلاما ومشية برسول الله ﴿، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها
فقبلها ورحب بها، كما كانت تصنع هى به صلى الله عليه وسلم.
وهو صلى الله عليه وسلم القائل: فاطمة بضعة منى: يقلقنى ما يقلقها، ويؤذيني ما يؤذيها،
ويرضينى ما يرضيها، ويبسطنى ما يبسطها، ويقبضنى ما يقبضها، وقد حماها صلى الله عليه وسلم
من أن يتزوج عليها زوجها، حماية لها من تغاير النساء، بإذن من اللّه تعالى، فقال لعلى، حين علم
رغبته فى الزواج من ابنة أبي جهل. قال لعلى: لا آذن لك، ولا آذن لك، ولا آذن لك أن تجمع بين ابنة
رسول الله وبين ابنة عدو الله، فصرف على نظره عن الزواج عليها، حتى ماتت رضى الله عنها.
ولم يكن أحد من أولاد النبى ₪ حيا حين وفاته إلا فاطمة، وأحس صلى الله عليه وسلم وهو فى
مرض الموت جزع فاطمة عليه، وحسرتها وآلامها عند موته، فأراد تخفيف الصدمة عليها، وتهيئتها
٤١٣

لاستقبال الفجيعة، وإعلامها بالمصيبة قبل حصولها، فأسر إليها أنه يتوقع حضور الأجل فى هذا
المرض، فبكت بكاء شديداً، فأسر إليها أنها أول أهله لحوقا به، فسرت كثيرا وضحكت. رضى الله
عنها وأرضاها.
المباحث العربية
(إن بنى هاشم بن المغيرة ) كذا وقع عند مسلم ((بنى هاشم)) وعند البخارى ((بنى هشام))
قال الحافظ ابن حجر: والصواب ((هشام)) لأنه جد المخطوبة. اهـ
وبنوهشام هم أعمام بنت أبى جهل، لأنه أبوالحكم عمروبن هشام بن المغيرة، وقد أسلم أخواه
الحارث بن هشام وسلمة بن هشام عام الفتح، وحسن إسلامهما، وقد خطب على ظلُه بنت أبى جهل
من عمها الحارث بن هشام، فقال له: لا نزوجك على فاطمة، إلا أن يأذن رسول اللَّه ◌ُ ل﴾، والظاهر أن
الرسول # لم يأذن له، ثم خطب الناس، يبين سبب عدم إذنه، لئلا تذهب النفوس مذاهب غير
سليمة، فسبب الخطبة استئذان بنى هشام، وقيل: إن سبب الخطبة ما أشيع عن خطبة على ابنة أبى
جهل، قبل أن يستأذن بنوهشام، ففى روايتنا الرابعة عن الزهرى عن على بن الحسين ((أن على
خطب بنت أبى جهل على فاطمة، فلما سمعت بذلك فاطمة أتت النبي ®، فقالت: إن قومك
يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك))، وفى رواية ابن حبان ((إن الناس يزعمون أنك لا تغضب لبناتك))،
((وهذا على ناكحاً ابنة أبي جهل)) كذا فى مسلم ((ناكحا)» بالنصب على الحال، وأطلقت عليه وصف
((ناكج)) مجازا، على سبيل مجاز المشارفة، أى مشرف على النكاح، وقيل: على سبيل تنزيل غير
الواقع المصمم على وقوعه منزلة الواقع، فقام النبى * فخطب على المنبر»
(استأذنونى أن ينكحوا ابنتهم على بن أبى طالب ) وقد أخرج الحاكم أن عليا تظـ
استشار النبى / بشأنها بعد أن خطبها من عمها، سأله عنها، فقال له صلى الله عليه وسلم: أعن
حسبها تسألنى؟ فقال: لا؛ ولكن أتأمرنى بها؟ قال: لا. فاطمة مضغة منى، ولا أحسب إلا أنها تحزن،
أو تجزع، فقال على: لا آتى شيئا تكرهه)) قال الحافظ ابن حجر: ولعل هذا الاستئذان وقع بعد خطبة
النبى # بما خطب، ولم يحضر على الخطبة المذكورة، فاستشار، فلما قال له: لا، لم يتعرض بعد ذلك
لطلبها، ولهذا جاء فى رواية ((فترك على الخطبة)) وفى رواية ((فسكت على عن ذلك)) اهـ قلت: ولا
مانع من كون الخطبة بعد استشارة على ه، وبعد وعده بعدم الزواج منها، إذ لم تكن الخطبة لمنع
على، وإنما كانت لبيان الحكم والحكمة، قطعا لنشر الخبر وتأويلاته. والله أعلم.
واختلف فى اسم ابنة أبى جهل، فقيل جويرية، وهذا الأشهر، وقيل العوراء، وقيل: الحنفاء، وقيل
جرهمة، وقيل: جميلة.
( فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم ) كرر ذلك ثلاثا للتأكيد، أو لرفع المجاز، وأن
يكون عدم الإذن مؤقتا، و((لا)) نافية، والفاء فى جواب شرط مقدر، أى إذا كانوا يستأذنون فلا آذن.
( إلا أن يحب ابن أبى طالب أن يطلق ابنتى، وينكح ابنتهم ) الاستثناء مفرغ من
٤١٤

عموم الأحوال أو الأزمنة، أى لا آذن فى حال من الأحوال، أو فى وقت من الأوقات، إلا في حال طلاقه
ابنتى، أو فى وقت طلاقه ابنتى، فآذن، حيث لا يحتاج شرعا إلى إذنى حينئذ، وليس المراد تعلق
الإذن بحب على ذلك، بل بوقوعه، أى إلا أن يقع من ابن أبى طالب طلاق ابنتى.
( فإنما ابنتى بضعة منى، يريبنى ما رابها، ويؤذينى ما آذاها) («بضعة)) بفتح الباء،
قال النووى: لا يجوز غيره، وقال الحافظ ابن حجر: وحكى ضمها، وكسرها أيضا ، وسكون الضاد أى
قطعة، وفى الرواية الرابعة ((وإن فاطمة بنت محمد مضغة منى)) والمضغة فى الأصل قطعة اللحم قدر
ما يمضغ، و((يريبنى)) بفتح الياء، ((ما رابها)) من ((راب)) الثلاثى، ووقع فى رواية البخارى «يريبنى ما
أرابها)) بضم الياء من ((أراب)) الرباعى، والريب ما دخلك من شيء خفت عقباه، قال الفراء وغيره:
راب وأراب بمعنى، وقيل: رابنى الأمر تيقنت منه الريبة، وأرابنى شككنى وأوهمنى، وأما قوله
((ويؤذينى ما آذاها)) أى يؤلمنى ما يؤلمها، وفى رواية للبخارى ((فمن أغضبها أغضبنى)) وفى رواية
((فمن آذاها فقد آذانى)) وفى رواية ((يؤذينى ماآذاها، وينصبنى ما أنصبها)) من النصب، وهو التعب،
وعند الحاكم ((يقبضنى ما يقبضها، ويبسطنى ما يبسطها)».
( لقيه المسور بن مخرمة، فقال له: هل لك إلى من حاجة تأمرنى بها؟ قال: فقلت
له: لا) تقدير الكلام: قال على بن الحسين: لقينى المسور، فقال لى: هل لك إلى من حاجة ومساعدة،
فقلت له: لا، والمسور من شيعة على.
( قال له: هل أنت معطى سيف رسول اللَّه﴾، فإنى أخاف أن يغلبك القوم عليه،
وايم الله! لئن أعطيتنيه لا يخلص إليه أبدا، حتى تبلغ نفسى) ((معطى)) بضم الميم وسكون
العين وكسر الطاء وتشديد الياء، والذى يظهر أن المراد بالسيف المذكور ((ذوالقفار)) وكان عند على
بن الحسين، وأراد المسور أنه لو أودع عنده السيف لا يمكن أحدا منه حتى تزهق روحه. يبالغ بذلك
فى تعصبه لعلى بن الحسين، وأنه مستعد لبذل نفسه دون السيف، رعاية لود ابن فاطمة، فأراد بذلك
صيانة سيف النبى * وحفظه لعلى بن الحسين لئلا يأخذه منه أعداؤه.
( إن على بن أبى طالب خطب بنت أبى جهل على فاطمة ) إلخ. ومناسبة هذا الكلام
لقصة السيف من جهة أن رسول الله# كان يحترز عما يوجب التكدير بين الأقرباء، أى فكذلك كان
ينبغى أن تعطينى السيف، حتى لا يحصل بينك وبين أقربائك كدورة بسببه، أو كما أن رسول اللَّه ◌َ ل
كان يحب رفاهية خاطر فاطمة رضي الله عنها، فأنا أيضا أحب رفاهية خاطرك لكونك ابن ابنها،
فأعطنى السيف، حتى أحفظه لك، وهذا الأخير هو المعتمد.
(فسمعت رسول اللّه وهو يخطب الناس فى ذلك على منبره هذا، وأنا يومئذ
محتلم) قال ابن سيد الناس: هذا غلط، والصواب ما وقع عند الإسماعيلى بلفظ ((كالمحتلم)) قال:
لأن المسور لم يحتلم فى حياة النبى {*، لأنه ولد بعد ابن الزبير فيكون عمره عند وفاة النبى 48* ثمانى
سنين، قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، أى فى ادعاء الغلط نظر، إذ يمكن حملها على المبالغة،
والمراد التشبيه بالمحتلم، فتلتئم رواية ((محتلم)) مع رواية ((كالمحتلم)) أى إنه كالمحتلم فى الحذق
والفهم والحفظ.
٤١٥

( وإنى أتخوف أن تفتن فى دينها ) فتقع منها المعصية بسبب الغيرة، يعنى أنها لا تصبر
على الغيرة، فيقع منها فى حق زوجها فى حال الغضب ما لا يليق بحالها فى الدين، وفى الرواية
الرابعة ((وإنى أكره أن يفتنوها)).
( ثم ذكر صهرًا له من بنى عبد شمس ) هو أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد
شمس بن عبد مناف، أمه هالة بنت خويلد، أخت خديجة، تزوج زينب بنت رسول الله ﴿، وكان من
رجال مكة المعدودين مالا، وأمانة وتجارة، أسلمت زينب، ولم يسلم، حارب فى صفوف الكفار يوم
بدر، فكان من الأسرى، ولما بعثت قريش فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله ﴿ بقلادة لها،
كانت أمها خديجة أدخلتها بها على أبى العاص، فلما رآها رسول الله: ﴿ رق لها رقة شديدة، وقال
للمسلمين: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها قلادتها؟ ففعلوا، فاشترط عليه رسول الله
﴿ ﴿ أن يرسل زينب إلى المدينة، وأن يخلى سبيلها، فوفى، وفعل.
وفى جمادى سنة ست من الهجرة خرج أبو العاص بن الربيع فى عير لقريش إلى الشام، فبعث
النبى 88 زيد بن حارثة فى سبعين ومائة راكب، فلقوا العير بناحية العيص، وفيهم أبو العاص، فقالوا
له: يا أبا العاص. إنك فى شرف من قريش، وأنت صهر رسول اللَّه ◌َ ﴿، فهل لك أن تسلم، فتغنم ما
معك من أموال أهل مكة؟ قال: بئسما أمرتمونى به، أن أنسخ دينى بغدرة، فأسروه وجماعة، وأخذوا
العير، وعادوا إلى المدينة وربط الأسرى بالمسجد، وعلمت به زينب، فلما صلى رسول اللَّه مَ ﴿ صلاة
الصبح نادت زينب: إنى أجرت أبا العاص بن الربيع، فقال رسول اللّه ◌ُ﴾: هل سمعتم ما سمعت؟
قالوا: نعم. قال: والذي نفس محمد بيده ما علمت شيئا مما كان حتى سمعت، وإنه يجير على
المسلمين أدناهم، وقد أجرنا من أجارت، ثم أمرها أن لا يقربها، فطلبت أن يرد على أبي العاص ما
كان فى القافلة، ففعل، فمضى أبو العاص إلى مكة، فأدى الحقوق لأهلها، ثم قام فقال: يا أهل مكة،
هل أوفيت ذمتى لكم؟ قالو: اللَّهم نعم. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول اللّه، ثم قدم
المدينة مهاجرا قبل الفتح بقليل، فدفع إليه رسول اللّهم * زوجته.
رزق أبو العاص من زينب ولدا يسمى عليا، مات فى حياة أبيه، وقد ناهز الاحتلام، وبنتا تسمى
أمامة، كان رسول اللَّه﴿ يحملها فى صلاته، وعاشت حتى تزوجها على ظُه بعد وفاة خالتها فاطمة،
وتوفى أبو العاص فى خلافة أبى بكر، سنة اثنتى عشرة من الهجرة.
( فأثنى عليه فى مصاهرته إياه، فأحسن. قال: حدثنى فصدقنى، ووعدنى فأوفى لى)
الصهر يطلق على الزوج وأقاربه وأقارب المرأة، وهو مشتق من صهرت الشيء، وأصهرته إذا قربته،
والمصاهرة مقاربة بين الأجانب والمتباعدين. وقوله ((فأحسن)) أى أحسن الثناء عليه، وكان مما قال
فى ثنائه: حدثنى فصدقنى، يشير بذلك إلى ما مضى فى القصة عند فك أسره ببدر، وأنه لن يسلم حتى
يعتقد ويصدق، ومع ذلك أحسن عشرة زينب، وأحبها، وأرادت قريش منه أن يطلقها فأبى، ومما قاله
صلى الله عليه وسلم فى ثنائه ((ووعدنى فأوفى لى)) إشارة إلى ما سبق فى القصة من وفائه بإخلاء
سبيل زينب، ووفائه بالإسلام بعد أن يؤدى لقريش حقوقها.
( وإنى لست أحرم حلالا، ولا أحل حراما ) بعدم إذنى لعلى أن يتزوج على فاطمة، أى لا
٤١٦

أقول شيئًا يخالف حكم الله، فإذا أحل شيئًا لم أحرمه، وإذا حرم شيئًا لم أحلله، فعدم إذنى لعلى ليس
تحريمًا عليه ما أحل. وسيأتى فى فقه الحديث مزيد إيضاح لذلك.
(ولكن. والله لا تجتمع بنت رسول اللّه، وبنت عدو اللَّه مكانا واحدا أبدا ) وفى رواية
((ولكن والله لا تجتمع بنت رسول اللّه، وبنت عدو اللَّه عند رجل أبدًا)) وفى الرواية الرابعة ((عند رجل
واحد أبدًا)).
( أن رسول اللَّه ﴿ دعا فاطمة ابنته) أى فأتت، وكان ذلك فى مرضه الأخير، وفى الرواية
السادسة ((كن أزواج النبى 8 عنده)) فى التعبير الجمع بين الضمير الفاعل والاسم الظاهر، كقوله
(يتعاقبون فيكم ملائكة)) ((لم يغادر منهن واحدة)) أى كن كلهن مجتمعات ((فأقبلت فاطمة تمشى))
ما تخطئ مشيتها من مشية رسول اللَّه ◌َ ﴾ شيئًا، فلما رآها رحب بها، فقال: مرحبا بابنتى، ثم
أجلسها عن يمينه أو عن شماله)» فى الرواية السابعة ((فجاءت فاطمة تمشى، كان مشيتها مشية
رسول اللَّه ◌ِ﴿)).
( فسارها، فبكت، ثم سارها فضحكت ) وفى الرواية السادسة ((ثم سارها فبكت بكاء
شديدًا، فلما رأى جزءها سارها الثانية فضحكت)) وفى الرواية السابعة ((ثم إنه أسر إليها حديثًا،
فبكت فاطمة، ثم إنه سارها فضحكت أيضًا)).
( قالت عائشة: فقلت لفاطمة: ما هذا الذى سارك به رسول اللَّه، فبكيت؟ ثم
سارك فضحكت؟ قالت: سارنى، فأخبرنى بموته، فبكيت، ثم سارنى، فأخبرنى أنى
أول من يتبعه من أهل، فضحكت ) سألت عائشة فاطمة عقب المسارتين، فامتنعت عن
الإجابة، فلما قام رسول اللّه # سألتها السؤال نفسه مرة ثانية، فاعتذرت عن الإجابة، فلما مات
رسول اللّهِ ﴿ سألتها مرة ثالثة، فأجابت، فالجواب المذكور هنا جواب السؤال فى المرة الثالثة ففى
الرواية السادسة ((فقلت لها: خصك رسول اللَّه ◌َ ﴾ من بين نسائه بالسرار، ثم أنت تبكين؟ فلما قام
رسول اللَّه﴿، سألتها: ما قال لك رسول اللَّهِ ﴿؟ قالت: ما كنت لأفشى على رسول اللّه ◌َ﴾ سره،
فلما توفي رسول اللّه قلت: عزمت عليك بما لى عليك من الحق، لما حدثتنى ما قال لك رسول الله
*. فقالت: أما الآن فنعم. أما حين سارنى فى المرة الأولى فأخبرنى أن جبريل كان يعارضه القرآن
فى كل سنة مرة أو مرتين (كذا فى الرواية السادسة، قال النووى: وذكر المرتين شك من بعض الرواة،
والصواب حذفها كما فى باقى الرواية) وإنه عارضه الآن مرتين، وإنى لا أرى (بضم الهمزة، أى لا أظن
الأجل إلا قد اقترب فاتقى الله واصبرى، وإنه نعم السلف أنالك، (والسلف المتقدم) قالت: فبكيت
بكائى الذى رأيت، فلما رأى جزعى سارنى الثانية، فقال: يا فاطمة، أما ترضى (قال النووى: هكذا هو
فى النسخ ((ترضى)) وهولغة، والمشهور («ترضين))) أن تكونى سيدة نساء المؤمنين؟ أو سيدة نساء
هذه الأمة؟ قالت: فضحكت الذى رأيت)) وفى الرواية السابعة قريب من ذلك.
٤١٧

فقه الحديث
الروايات الأربع الأوليات فى رغبة علىّ الزواج من ابنة أبي جهل على زوجته فاطمة بنت محمد
﴿، وعنها يقول النووى:
أعلم صلى الله عليه وسلم بإباحة نكاح بنت أبى جهل لعلى، بقوله صلى الله عليه وسلم فى روايتنا
الثالثة ((لست أحرم حلالا)) ولكن نهى عن الجمع بينهما، لعلتين منصوصتين، إحداهما: أن ذلك يؤدى
إلى إيذاء فاطمة، فيتأذى حينئذ النبى *، فيهلك من أذاه، فنهى عن ذلك لكمال شفقته على علىّ،
وعلى فاطمة (والنص على هذه العلة قوله فى الرواية الأولى والثانية ((فإنما ابنتى بضعة منى، يريبنى
ما رابها، ويؤذينى ما آذاها))) والثانية: خوف الفتنة عليها بسبب الغيرة. اهـ والنص على هذه العلة
قوله فى الرواية الرابعة ((وإنما أكره أن يفتنوها)» وسواء أراد النووى أن العلة مجموع الأمرين، وأن كلا
منهما جزء علة، أو أراد أن كلا منهما علة مستقلة، توجب المعلول، فإن المعنى أن النهى عن الجمع
بين فاطمة وبين بنت أبى جهل حينئذ ليس لذاته، وإنما لما يؤدى إليه، والشيء قد يكون مباحا فى
ذاته، لكنه يمنع وينهى عنه إذا كان وسيلة لمحرم، من قبيل إعطاء الوسيلة حكم الغاية، كالخطوات
فإنها إن كانت للصلاة كان لها الأجر، وإن كانت الفاحشة كان عليها الوزر. قال ابن التين: أصح ما
تحمل عليه هذه القصة أن النبى و8 حرم على على أن يجمع بين ابنته وبين ابنة أبي جهل، لأنه علل
بأن ذلك يؤذيه وأذيته حرام بالاتفاق، ومعنى قوله ((لا أحرم حلالا)) أى هى حلال له لولم تكن عنده
فاطمة، وأما الجمع بينهما الذى يستلزمه تأذى النبى ®، لتأذى فاطمة به فلا. اهـ. ومعنى هذا أن
فاطمة لو رضيت بذلك، لم يمنع على من التزويج بها أو بغيرها.
ثم قال النووى: وقيل: ليس المراد به النهى عن جمعهما، بل معناه أنه صلى اللّه عليه وسلم يعلم
أن من فضل الله أنه قضى أنهما لا تجتمعان (فكأن قوله ((والله لا تجتمع بنت رسول اللّه وبنت عدو
اللَّه مكانًا واحدًا أبدًا)) ليس نهيا، ولكنه إخبار عما سيحصل، لوثوق المخبر بالخبر).
ثم قال: ويحتمل أن المراد النهى وتحريم جمعهما، ويكون من جملة محرمات النكاح الجمع بين
بنت رسول اللَّه ◌َ ﴿ وبنت عدو اللَّه ويكون معنى ((لا أحرم حلالا)) أى لا أقول شيئا يخالف حكم الله،
فإذا أحل شيئًا لم أحرمه، وإذا حرمه لم أحللَّه، ولم أسكت عن تحريمه، لأن سكوتى تحليل له. اهـ أى
هذا الجمع حرام من عند اللَّه، فأنا لا أحلل ولا أحرم من عند نفسى.
قال الحافظ ابن حجر: والذى يظهر لى أنه لا يبعد أن يعد فى خصائص النبى 8# أن لا يتزوج
على بناته، ويحتمل أن يكون ذلك خاصا بفاطمة عليها السلام.
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- تحريم أذى من يتأذى النبى {# بتأذيه، لأن أذى النبى { حرام اتفاقا، قليله وكثيره.
٢- وفيه حجة لمن يقول بسد الذرائع.
٣ - وفيه بقاء عار الآباء فى أعقابهم، لقوله ((بنت عدو اللَّه)) فإن فيه إشعاراً بأن للوصف تأثيرا فى
المنع، مع أنها كانت مسلمة، حسنة الإسلام.
٤١٨

٤- احتج بهذا بعضهم، فمنع كفاءة من مس أباه الرق، ثم أعتق، بمن لم يمس أباها الرق، ومن مسه
الرق بمن لم يمسها الرق أى، بل مس أباها فقط.
٥- وفيه أن الغيراء إذا خشى عليها أن تفتن فى دينها كان لوليها أن يسعى فى إزالة ذلك وذب الرجل
عن ابنته فى دفع الغيرة عنها والإنصاف لها، وقد استشكل اختصاص فاطمة بذلك، مع أن الغيرة
كانت فى أزواج النبي ®، ولم يخش عليهن ما خشى على فاطمة؟ وأجيب بأن فاطمة كانت إذ
ذاك فاقدة من تركن إليه، ممن يؤنسها، ويزيل وحشتها من أم أو أخت، بخلاف أمهات
المؤمنين، فإن كل واحدة منهن كانت ترجع إلى من يحصل لها ذلك، على أن زوجهن صلى اللّه
عليه وسلم كان عنده من الملاطفة، وتطييب القلوب، وجبر الخواطر ما لم يكن عند غيره، فكانت
كل واحدة منهن ترضى منه جميع ما يصدر منه، لحسن خلقه، بحيث لو وجد منها ما يخشى
وجوده من الغيرة لزال عن قرب.
٦- وفيه إكرام من ينتسب إلى الخير أو الشرف أو الديانة.
٧- وفى قصة المسور والسيف، فى الرواية الثالثة تبرك الصحابة بأدوات النبى وُ ل#.
٨- وأن النبى # لم يورث، ولم يبع ما ترك، بل ترك بيد من صار إليه، ولو كان ميراثا لبيع وقسم.
٩- وفيه الأخذ بالعموم حتى يظهر خلافه، فإن عليا ه أخذ بعموم الجواز، فخطب بنت أبى جهل،
فلما ظهر له خلافه ترك الخطبة.
١٠ - وفى الرواية الثالثة والرابعة منقبة للعاص بن الربيع.
١١- وفضيلة الإحسان فى المصاهرة.
١٢- وفى الرواية الخامسة والسادسة والسابعة معجزة ظاهرة للنبى { *، بل معجزتان، إذ أخبر صلى
الله عليه وسلم ببقاء فاطمة بعده، وبأنها أول أهله لحوقا به، ووقع كذلك.
١٣ - وفى ضحك فاطمة رضى الله عنها إيثارهم الآخرة، وسرورهم بالانتقال إليها.
١٤- وفيه فضيلة لفاطمة رضى الله عنها.
١٥ - وأنها أفضل بناته صلى الله عليه وسلم. رضى الله عنها وعن الصحابة أجمعين
٤١٩

(٦٤٦) باب من فضائل أم سلمة رضى الله عنها
٥٤٩٣- ١١٠ عَن سَلْمَان ﴾ (١٠١) قَالَ: لا تَكُونَنَّ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ السُّوقَ، وَلا
آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا، فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ، وَبِهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ. قَالَ: وَأَنْبِئْتُ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ
السَّلامِ أَتَى نَبِيَّ اللَّهِ وَ﴿ وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ. قَالَ: فَجَعَلَ يَتْحَدَّثُ ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ وَّ لَأُمِّ
سَلَمَةَ: «مَنْ هَذَا؟» أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَتْ: هَذَا دِحْيَةٌ. قَالَ: فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: ايْمُ اللَّهِ مَا حَسِبْتُهُ
إِلا إِيَّاهُ. حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةً فَبِيِّ اللَّهِ وَ يُخْبِرُ خَبَرَنَا، أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَ: فَقُلْتُ لأَبِي عُثْمَانَ:
مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِن أُسَامَةً بْنِ زَيْدٍ.
المعنى العام
أم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة القرشية المخزومية أم المؤمنين واسمها على المشهور هند،
ويلقب أبوها بزاد الراكب، لأنه كان أحد الأجواد، فكان إذا سافر لا يترك أحدا يرافقه ومعه زاد، بل
يكفى رفقته من الزاد. وكانت أم سلمة زوجاً لابن عمها أبى سلمة بن عبد الأسد، وكانت ممن أسلم
قديما هى وزوجها، وهاجرا إلى الحبشة، فولدت له سلمة، ثم قدما مكة، وهاجرا إلى المدينة، ولهجرتها
قصة مشهورة، فولدت له بالمدينة عمر ودرة وزينب.
مات عنها زوجها، فتزوجها النبى * سنة أربع من الهجرة، وكانت موصوفة بالجمال البارع،
والعقل البالغ، والرأى الصائب، ولها مشورة مشهورة فى غزوة الحديبية تدل على وفور عقلها وصواب
رأيها، أنقذت الأمة الإسلامية من الخلاف والضلال.
ماتت فى شوال سنة تسع وخمسين على المشهور، وقيل سنة ستين، وكانت آخر أمهات
المؤمنين موتاً. رضى الله عنها وأرضاها.
المباحث العربية
( قال: لا تكونن - إن استطعت - أول من يدخل السوق ) هذه وصية سلمان لفظا وفى
كونها فى حكم المرفوع خلاف.
( فإنها معركة الشيطان ) المعركة بفتح الراء موضع القتال، لمعاركة الأبطال بعضهم بعضا
فيها، ومصارعتهم، فشبه السوق، وفعل الشيطان بأهلها، ونيله منهم بالمعركة، لكثرة ما يقع فيها من
(١٠٠) حَدَّثَنِي عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَىِ الْقَيْسِيُّ كِلَاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرِ قَالَ ابْنُ حَمَّادٍ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ
سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَنِ سَلْمَانَ قَالَ
٤٢٠