Indexed OCR Text
Pages 201-220
٥٣١٥- ١٣٦ عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٢٢)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ،﴿ْ تُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ
خَمْسٍ وَسِتْنَ.
٥٣١٦- ٣٣ ١ عَنِ ابْنٍ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١٢٣) قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿هُ بِمَكَّةَ خَمْسَ
عَشْرَةَ سَنَةً. يَسْمَعُ الصَّوْتَ، وَيَرَى الضَّوْءَ، سَبْعَ سِنِينَ، وَلا يَرَى شَيْئًا. وَثَمَانَ سِنِينَ يُوحَى
إِلَيْهِ. وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرًا.
المعنى العام
يشتهر العرب بالمعمرين الذين يبلغون ما فوق السبعين، ربما لبيئة الصحراء، قليلة الأمراض،
نقية الهواء، وربما لقلة مشاغلهم ومشاكلهم.
والأعمار الحقيقية لا تقاس بالسنين، فالأزمنة ظروف لما يحدث فيها، وقيمتها بقيمة ما يشغلها.
فلو أن عملا ما تم فى شهر مع إنسان، وتم هو نفسه مع إنسان آخر فى عام كانت قيمة العام عند
هذا مساوية لقيمة الشهر عند ذاك.
ومن هنا نعجب كل العجب لما أحدثه رسول اللّه ◌َل فى الإنسانية من نهضة وتطور
فى زمن يقل عن ثلاثة وعشرين عاما، فقد أوحى إليه صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين،
وتوفى وهو ابن ثلاث وستين.
كانت ساعاته بأيام عند غيره، وما رجع من غزوة إلا ورى بأخرى، وما جلس فى المسجد إلا دعا
ونصح وبلغ، يلقى جبريل، ويلقى أصحابه، ويلقى أعداءه، ويدير مملكة يحاربها خصوم ألداء من
جهات متعددة، ويطبق شريعة اللَّه، ويقضى بين الناس، وهو القائد فى الحرب، الوالد فى السلم، ولقد
عظمت المسئولية لعظمة المسئول.
حقا. إن المرء ليعجب، ولا يعجب من سؤال الصحابة بعضهم بعضا عن عمره صلى اللّه
عليه وسلم، ما قضاه منه فى مكة بعد البعثة وقبل الهجرة، وما قضاه صلى اللّه عليه وسلم
بالمدينة بعد الهجرة.
صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
(١٢٢) وحَدَّثَتِي نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ حَدَّثَنَا بِشْرٌ يَعْنِي ابْنَ مُفَضَّلٍ حَدَّثَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ حَدَّثَنَا عَمَّارٌ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ حَدََّا ابْنُ عَبَّاسٍ
- وحَدَّثَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ خَدَّثََّا ابْنُ عُلَيَّةً عَن خَالِدٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ.
(١٢٣) وحَدَّثَنَا إِسْحَقَ بْنُ إِنْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ أَخْبُرَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَاَ حَمَّدُ بَّنُّ سَلَمَةً عَنِ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ عَنِ ابْنٍ عَبَّاسٍ
٢٠١
المباحث العربية
( بعثه الله على رأس أربعين سنة ) أى أوحى إليه عند تمامه أربعين سنة.
( فأقام بمكة عشر سنين ) أى بعد بدء الوحى.
( وبالمدينة عشر سنين ) ابتداء من الهجرة، حتى الوفاة.
( وتوفاه الله على رأس ستين سنة ) من تاريخ ولادته.
( كم كان النبى : بمكة؟) أى كم سنة أقام بمكة بعد أن بعث؟ وفى ملحق الرواية الرابعة
((كم لبث النبى ◌َ ﴾ بمكة»؟
( فإن ابن عباس يقول: بضع عشرة ) فسر البضع فى الرواية السادسة بثلاث ولفظها
((مكث بمكة ثلاث عشرة)) أى بعد أن بعث.
( قال: فغفره ) بفتح الغين، وتشديد الفاء المفتوحة، أى دعا عروة لابن عباس بالمغفرة، قال
النووى: هكذا هو فى جميع نسخ بلادنا «فغفره)) أى قال: غفر الله له، وهذه اللفظة يقولونها غالبا لمن
غلط فى شيء. فكأنه قال: أخطأ غفر الله له. قال القاضى: وفى رواية ابن ماهان ((فصغره)) بصاد ثم
غين، أى استصغره عن معرفة هذا، وعن إدراكه وضبطه.
( وقال: إنما أخذه من قول الشاعر) أى استمد ابن عباس هذا القول من قول الشاعر، وليس
له علم بذلك، والشاعر المقصود هنا هو أبو قيس، صرمة بن أبى أنس، حيث يقول:
ثوى فى قريش بضع عشرة حجة
يذكر، لو يلقى خليلا مواتيا
أى يتمنى أن يلقى صاحبا يسلم ويتبعه، قال القاضى: وقد وقع هذا البيت فى بضع نسخ صحيح
مسلم، وليس هو فى عامتها. قال النووى: وأبو قيس هذا أنصارى من بنى النجار، كما قال ابن إسحق،
قال: كان قد ترهب فى الجاهلية، ولبس المسوح، وفارق الأوثان، واغتسل من الجنابة، واتخذ بيتا له
مسجداً، لا يدخل عليه حائض ولا جنب، وقال: أعبد رب إبراهيم، فلما قدم النبى 8* المدينة أسلم،
فحسن إسلامه، وهو شيخ كبير، وكان قوالا بالحق، وكان معظما للَّه تعالى فى الجاهلية يقول الشعر
فى تعظيمه سبحانه وتعالى. اهـ
(فذكروا سنى رسول اللّه #) بكسر السين وكسر النون مخففة، وأصلها ((سنين)» حذفت
النون للإضافة، لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، أى تذاكروا عمر النبى و8، وعدد السنين التى عاشها.
( كان أبوبكر أكبر من رسول اللَّه ◌َل) وهذا خطأ باتفاق الجمهور.
( مات رسول اللَّه وهوابن ثلاث وستين، وأبو بكر وعمر) الخبر محذوف للعلم به
من المقام، أى وأبو بكر وعمر ماتا وكل منهما ابن ثلاث وستين .
٢٠٢
( وأنا ابن ثلاث وستين ) يقول معاوية: وأنا الآن ابن ثلاث وستين. والجملة مستأنفة، يقصد
وأنا أتوقع موافقتهم، فأموت فى سنتى هذه، قيل: عاش سبعا وسبعين سنة.
( عن عمار، مولى بنى هاشم، قال: سألت ابن عباس: كم أتى لرسول اللَّه * يوم
مات؟) أى كم من الدهر والسنين أتى على حياته صلى الله عليه وسلم يوم مات؟
( ما كنت أحسب مثلك من قومه يخفى عليه ذاك ) ظن ابن عباس أن عماراً يسأل
لخفاء الأمر عليه، ليعلم، والحقيقة أن عماراً كان يسأل للتقرير، وليتأكد من الخبر الشائع عن شذوذ
ابن عباس بقوله. ولذلك كان جوابه: إنى قد سألت الناس - أى الصحابة - فاختلفوا على، فأحببت
أن أعلم قولك فى هذا الأمر.
( قال: أتحسب ) بضم السين، من الحساب، أى أتعرف الجمع؟
( أربعين بعث لها ) أى بعث عندها. أضف إليها.
( خمس عشرة بمكة، يأمن ويخاف ) أى بعد أن أوحى إليه أقام بمكة خمس عشرة سنة،
يسر بالدعوة ويجهر بها.
(وعشر من مهاجرة إلى المدينة) ((عشر)» غير منون، على نية الإضافة، أى وعشر سنين،
مبتدئة من تاريخ هجرته إلى وفاته.
(أقام النبى# بمكة خمس عشرة سنة، يسمع الصوت، ويرى الضوء سبع سنين،
ولا يرى شيئا، وثمان سنين يوحى إليه ) قال القاضى: أى يسمع صوت الهاتف به من
الملائكة، ويرى نور الملائكة، أو نور آيات الله، حتى رأى الملك بعينيه، وشافهه بوحى الله تعالى.
فقه الحديث
يحسن بنا أن نسرد الأقوال منضبطة، ثم نرجح أو نجمع بينها، أو نختار.
فعن تاريخ ميلاده صلى الله عليه وسلم يقول النووى: ولد عام الفيل على الصحيح
المشهور، وقيل: بعد الفيل بثلاث سنين، وقيل: بأربع سنين، وادعى القاضى عياض الإجماع
على عام الفيل، وليس كما ادعى.
واتفقوا على أنه ولد يوم الاثنين فى شهر ربيع الأول، واختلفوا: هل هو ثانى الشهر؟ أم ثامنه؟ أم
عاشره؟ اهـ وهذه الأقوال غير منسجمة، فإذا كان هناك اتفاق على يوم الاثنين أمكن تحديد وضعه
من الشهر هكذا. ثانيه أو تاسعه؟ أو سادس عشره؟، أما أن يكون الاثنين ثانياً أو ثامناً أو عاشراً أو
ثانى عشره فغير معقول.
وسبب هذا الاختلاف أن العرب لم يكونوا يكتبون، ولا يقيدون المواليد، والإنسان يحتاج تاريخ
الميلاد غالبا عندما يصبح مهماً، أى بعد ميلاده بفترة، تنسى تاريخ الميلاد غالبا.
٢٠٣
أما تاريخ وفاته صلى الله عليه وسلم فقد اتفقوا على أنه توفي يوم الاثنين، الثانى عشر من شهر
ربيع الأول، ضحی.
وأما متى بعث؟ وعند أى سنة من عمره أوحى إليه، فالصواب المشهور أنه صلى الله عليه وسلم
بعث على رأس أربعين من عمره، وحكى القاضى عياض عن ابن عباس وسعيد بن المسيب رواية
شاذة « أنه صلى اللَّه عليه وسلم بعث على رأس ثلاث وأربعين سنة.
ولعل هذه الرواية حسبت البعثة من تاريخ عودة الوحى بعد أن فتر.
واتفقوا على أنه صلى الله عليه وسلم أقام بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين.
والخلاف الواضح فى الروايات إنما هو فى المدة التى أقامها بمكة بعد البعثة، مما ترتب على هذا
الخلاف خلاف فى عمره صلى اللَّه عليه وسلم ككل.
فالرواية الأولى تصرح بأنه صلى الله عليه وسلم أقام بمكة بعد البعثة عشر سنين، وبعث على رأس
الأربعين، وأقام بالمدينة عشر سنين، فتوفى على رأس الستين، وهى مروية عن أنس قال له
وفى البخارى عن عائشة وابن عباس.
والرواية الرابعة وملحقها تنسب لعروة أنه صلى الله عليه وسلم أقام بمكة بعد البعثة عشر سنين
وأن عروة أنكر على ابن عباس قوله ((ثلاث عشرة)) وعليه فعروة يعتبر عمره صلى الله عليه وسلم حين
وفاته ستين سنة، على خلاف ما عليه الجمهور، وما نسب إلى ابن عباس فى الرواية الرابعة
والخامسة والسادسة يتفق مع قول الجمهور، وقد روى أيضا فى البخارى عن عائشة رضى الله عنها.
أما الرواية التاسعة فتنسب لابن عباس أن الإقامة بمكة بعد البعثة خمس عشرة سنة، والبعثة
على رأس الأربعين، فيكون عمره صلى اللّه عليه وسلم حين الوفاة خمساً وستين، وقد صرحت بذلك
الرواية العاشرة، فيكون هذا رأياً لابن عباس مخالفا للجمهور.
فتحصل من هذا:
قول بأنه صلى الله عليه وسلم توفى وهو ابن ستين سنة.
وقول بأنه صلى الله عليه وسلم توفى وهو ابن خمس وستين سنة.
وقول بأنه صلى الله عليه وسلم توفى وهو ابن ثلاث وستين سنة.
قال النووي: وهو أصح الأقوال وأشهرها، رواه مسلم هنا من رواية عائشة وأنس وابن عباس. رضى
الله عنهم.
وتأول الجمهور الروايات الأخرى، تأول رواية الستين بأنه اقتصر فيها على العقود، وترك الكسر،
وتأول روايات الخمس والستين بالجبر إلى نصف العقد، أو أن هذه الروايات حصل فيها اشتباه،
فلصاحبها روايات بخلافها.
٢٠٤
قال الحافظ ابن حجر: والحاصل أن كل من روى عنه من الصحابة ما يخالف المشهور - وهو
ثلاث وستون - جاء عنه المشهور، وهم ابن عباس وعائشة وأنس.
ثم قال: ومن الشذوذ ما رواه عمر بن شبة أنه عاش إحدى أو اثنتين وستين، ولم يبلغ ثلاثا وستين،
وكذا رواه ابن عساكر من وجه آخر أنه عاش اثنتين وستين ونصفا، وهذا يصح على قول من قال: ولد
فی رمضان، وهو قول شاذ.
والله أعلم
٢٠٥
(٦٢٤) باب فى أسمائه صلى الله عليه وسلم
٥٣١٧- ١٢٤ عن مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَن أَبِهِ وَ﴾(١٢٤)، أَنَّ النّبِيََّ ◌ّ قَالَ: «أَنّا
مُحَمَّدٌ. وَأَنَا أَحْمَدُ. وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يُمْحَى بِيَ الْكُفْرُ. وَأَنَا الْحَاشِرُ الْذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى
عَقِي. وَأَنَا الْعَاقِبُ)». وَالْعَاقِبُ الْذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ.
٥٣١٨ - ١٣٢٥٠ عَن مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِهِر ◌ِ(١٢٥)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
﴿ قَالَ: «إِنَّ لِي أَسْمَاءً. أَنَا مُحَمَّدٌ. وَأَنَا أَحْمَدُ. وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللّهُ بِيَ
الْكُفْرَ. وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيَّ. وَأَنَا الْعَاقِبُ الْذِي لَيْسَ بَعْدَهُ
أَحَدٌ». وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ رَءُوفًا رَحِيمًا.
٥٣١٩- ١٠ْ وَفِي حَدِيثِ شُعَيْبٍ وَمَعْمَرٍ (١١): سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ِ. وَفِي حَدِيثِ عُقَيْلٍ:
قَالَ: قُلْتُ: لِلزُّهْرِيِّ: وَمَا الْعَاقِبُ؟ قَالَ: الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ. وَفِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ وَعُقَيْلٍ:
الْكَفَرَةَ. وَفِي حَدِيثِ شُعَيْبٍ: الْكُفْرَ.
٥٣٢٠ - ١٣٦ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ تِ﴾(١٢٦) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ :﴿ يُسَمِّي لَنَا نَفْسَهُ
أَسْمَاءٌ. فَقَالَ: «أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْمُقَفِّي، وَالْحَاشِرُ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ».
المعنى العام
كثير من الأسماء يلحظ واضعوها مشتقها ومعناها، تيمناً وتفاؤلاً ورغبة فى أن يكون المسمى له
نصيب من اسمه، ولهذا كان النبى * يغير الأسماء القبيحة أو التى تبعث الشؤم فى نفس السامع
إلى أسماء حسنة مبشرة.
لقد توفي عبد الله والد محمد ® ومحمد فى بطن أمه، فلما ولد سماه جده عبد المطلب محمداً،
رجاء أن يحمد فى السموات وفى الأرض، وكان الرهبان يبشرون الناس بأن نبيا فى ذاك الزمان
(١٢٤) حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَابْنُ أَبِيٍ عُمَرَ وَاللَّفْظُ لِزُهَيْرٍ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبُرَنًا وقَالَ الآخَرَانِ حَدَّثَنَا سُفْيَاكُ
ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ سَمِعَ عَنِ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِهِ
(١٢٥) حَدَّثَنِي خَّرْمَلَةُ بَّنُ يَحْتِى أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونِسَُّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عن مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَن أَبِيهِ
(١٠) وحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنَ جَدِّي حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ ح وِ حَدَّثْنَاَ عَبْدُ بْنَّ حُمَيْدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ
الرَّزَّاقِ أَخْرَنَا مَعْمَرٌ ح وحَدَّثَنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ أَخْبُرَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبُرَنَا شُعَيْبٌ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا
الإِسْنَادِ وَفِي حَدِيثٍ شُعَيْبٍ وَمَعْمَرٍ
(١٢٦) وحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ أَخْبُرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ عَمْرٍو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَن أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ
٢٠٦
سيبعث، واسمه محمد، فبدأ الآباء يسمون أبناءهم محمداً، أملاً فى أن يكون هو النبى { # المنتظر،
حتى بلغ اسم محمد فى تلك الآونة خمسة عشر، بعد أن لم يكن معروفاً عند العرب، وكانت توراة
عيسى بشرت بهذا النبى ﴿﴿ وسمته (أحمد)) قال عيسى عليه السلام ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولِ يَأْتِي مِن بَعْدِي
اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].
وقد جرت العادة بأن يسمى العظماء أسماء مشتقة من مجال عظمتهم، تسجيلا لهذه الأعمال
مرتبطة بأصحابها فى سجل التاريخ، فسمى عمر ظه بالفاروق، وسمى أبو بكر قلبه بالصديق، وهكذا
كان من أسمائه صلى الله عليه وسلم ((الماحى)) لأنه يمحو ظلام الكفر عن رقعة كبرى من الأرض، و
((الحاشر)» الذى سيقود العالم فى الحشر يوم القيامة، و((العاقب)) الذى كان بعد الأنبياء ولا نبى بعده،
و ((المقفّى)) أى التابع للرسل السابقين، والمتبوع من أمته، و((نبى التوبة)) و((نبى الرحمة)) لما تفضل
الله به على أمته من قبول توبتهم إذا عصوا فتابوا رحمة بهم.
وهو المبشر المنذر الداعى إلى اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة.
ولو ذهبنا نسمى رسول اللَّه بما وصفه اللَّه به من صفات المجد والشرف لبلغنا بأسمائه ألفاً
أو يزيد، صلى الله وسلم وبارك عليه.
المباحث العربية
( أنا محمد ) قال أهل اللغة: يقال: رجل محمد، ومحمود، إذا كثرت خصاله المحمودة، فهذا
منقول من صفة الحمد، من باب التفعيل، يقال: حمد بتشديد الميم المكسورة وضم الحاء، وهو بمعنى
محمود، وفيه معنى المبالغة، أى الذى حمد مرة بعد مرة، أو الذى تكاملت فيه الخصال المحمودة.
قال القاضى عياض: لم يكن العرب يسمون محمداً، إلا قرب ميلاده *، لما سمعوا من الكهان
والأحبار، أن نبيا سيبعث فى ذلك الزمان، يسمى محمداً، فرجوا أن يكون فى أبنائهم، فسموا أبناءهم
بذلك، قال: وهم ستة لا سابع لهم، ورد الحافظ ابن حجر هذا الحصر، وأوصلهم خمسة عشر نفسا،
وسردهم فى فتح البارى، وقد تكرر اسم محمد فى القرآن الكريم،
( وأنا أحمد ) وذكر هذا الاسم فى القرآن، حكاية عن قول عيسى عليه السلام ﴿وَمُبَشِّرًا بَرَسُول
يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾، وهو أفعل تفضيل فى الأصل، ثم صار علماً منقولا من صفة، ومعناهَ أحمدٌ
الحامدين، قالوا: وسبب ذلك ما ثبت فى الصحيح أنه يفتح عليه فى المقام بمحامد لم يفتح بها على
أحد قبله، وقيل: الأنبياء حمادون، وهو أحمدهم، أى أكثرهم حمدا، أو أعظمهم فى صفة الحمد.
قال القاضى عياض: كان رسول اللَّه ◌َ ا﴾ ((أحمد)) قبل أن يكون ((محمدا)) كما وقع فى الوجود،
لأن تسميته ((أحمد)) وقعت فى الكتب السالفة، وتسميته ((محمدا)) وقعت فى القرآن العظيم، وذلك
أنه حمد ربه قبل أن يحمده الناس، وكذلك فى الآخرة، يحمد ربه، فيشفعه، فيحمده الناس، وقد خص
بسورة الحمد، وبلواء الحمد، وبالمقام المحمود، وشرع له الحمد بعد الأكل والشرب، وبعد الدعاء، وبعد
القدوم من السفر، وسميت أمته الحمادين، فجمعت له معانى الحمد وأنواعه، صلى الله عليه وسلم.
٢٠٧
( وأنا الماحى الذى يمحى بى الكفر) فى الرواية الثانية ((وأنا الماحى الذى
يمحو الله بى الكفر)) قيل: المراد إزالة الكفر من جزيرة العرب، فـ((ال)» فى «الكفر» عهدية،
أى كفر أهل الجزيرة، والتقييد بذلك لأن الكفر لم ينمح به من جميع البلاد، وقيل: إنه
محمول على الأغلب، أى ينمحى به أغلب الكفر، وفى رواية ((يمحو الله به الكفرة)) والمراد
كفر الكفرة، ففى الكلام مضاف محذوف، وقيل المراد من المحو المحو العام، بمعنى
الظهور بالحجة والغلبة، كما قال اللَّه تعالى ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّين كُلِّهِ﴾ [الصف: ٩] وجاء فى
حديث آخر تفسير الماحى بأنه الذى محيت به سيئات من اتبعه، ففى الكلام مضاف
محذوف أيضا، أى محيت به سيئات الكفر السابقة على الإيمان، فهو كقوله تعالى ﴿قُلْ
لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْلَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] والحديث الصحيح ((الإسلام
يهدم ما قبله)».
( وأنا الحاشر الذى يحشر الناس على عقبى) وفى الرواية الثانية ((على قدمى)) قال
النووى: اتفقت النسخ على أنها ((على قدمى)) لكن ضبطوه بتخفيف الياء على الإفراد، وتشديدها على
التثنية، وأما الرواية الأولى فهى فى معظم النسخ، وفى بعضها ((قدمى)) كالثانية، قال العلماء:
معناهما يحشرون على أثرى، وزمان نبوتى ورسالتى، ولبس بعدى نبى، وقيل: يتبعونى، وقيل: معناه
إنه أول من يحشر، كما جاء فى الحديث الآخر ((أنا أول من تنشق عنه الأرض))، وفى رواية ((وأنا
حاشر، بعثت مع الساعة)» وهى تؤيد الرأى الأول.
( وأنا العاقب الذى ليس بعده أحد ) من الأنبياء، ففى الرواية الأولى يفسرها الراوى بقوله
((والعاقب الذى ليس بعده نبى)) وفى ملحق الرواية الثانية ((قال عقيل: قلت للزهرى: وما العاقب؟
قال: الذى ليس بعده نبى)» فهذا التفسير ظاهره الإدراج. بخلاف ما فى الرواية الأولى، ويؤيدها رواية
الترمذى، ولفظها ((الذى ليس بعدى نبى)).
( وقد سماه اللَّه رءوفا رحيما) قال البيهقى فى الدلائل: هذه العبارة مدرجة من قول الزهرى.
( والمقفى ) بكسر الفاء المشددة، قال شمر: هو بمعنى العاقب، وقال ابن الأعرابى:
هو المتبع للأنبياء، يقال: قفوته، أقفوه، وقفيته بتشديد الفاء المفتوحة، أقفيه، إذا اتبعته،
وقافية كل شيء آخره.
( ونبى التوبة، ونبى الرحمة ) أى النبى الذى جاء بالتوبة لأمته، وبالتراحم أكثر من أى نبى
آخر، قال تعالى ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] وقال ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: ١٧].
فقه الحديث
ذكر أبوبكر بن العربى فى كتابه: الأحوذى فى شرح الترمذى عن بعضهم أن للَّه تعالى ألف اسم،
وللنبى # ألف اسم، ثم ذكر منها على التفصيل بضعة وستين، وفى رواية للبخارى ((لى خمسة
أسماء)) وذكر الخمسة التى فى الرواية الأولى، وزاد عند ابن سعد ((الخاتم)) لكن فسر عند البيهقى
٢٠٨
((العاقب)) بالخاتم، وزعم بعضهم أن حصر العدد ليس من قوله صلى الله عليه وسلم، وإنما ذكره الراوى
بالمعنى، قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، لتصريحه فى الحديث بقوله ((إن لى خمسة أسماء))
والذى يظهر أنه أراد أن لى خمسة أسماء أختص بها، لم يسم بها أحد قبلى، أو خمسة أسماء معظمة،
أو مشهورة فى الأمم الماضية، لا أنه أراد الحصر فيها.
قال: ومما وقع من أسمائه فى القرآن بالاتفاق: الشاهد، والمبشر والنذير، والمبين، والداعى إلى
اللَّه، والسراج المنير، وفيه أيضا: المذكر والرحمة، والنعمة، والهادى، والشهيد، والأمين، والمزمل،
والمدثر، وله فى الأحاديث: المتوكل، قال: ومن أسمائه المشهورة: المختار، والمصطفى، والشفيع،
والمشفع، والصادق، والمصدوق.
قال: وغالب الأسماء التى ذكرها المصنفون وصف بها صلى الله عليه وسلم، ولم يرد الكثير منها
على سبيل التسمية، مثل ((اللبنة)) لحديث ((فكنت أنا اللبنة)).
وفى بعض الأحاديث ((نبى الملحمة)» و«نبى الجهاد)).
واللَّه أعلم
٢٠٩
(٦٢٥) باب علمه صلى الله عليه وسلم بالله، وشدة خشيته له
٥٣٢١ - ١٣٧ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(١٢٧) قَالَتْ: صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ أَمْرًا فَتَرَخْصَ
فِيهِ. قَبَلَغَ ذَلِكَ نَاسًا مِن أَصْحَابِهِ، فَكَأَنَّهُمْ كَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ. فَبَلَغَهُ ذَلِكَ. فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ:
«مَا بَالُ رِجَالٍ بَلَغَهُمْ عَنِّي أَمْرٌ تَرَخَّصْتُ فِيهِ. فَكَرِهُوهُ وَتَنَزَّهُوا عَنْهُ. فَوَاللَّهِ! لأَنَا أَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ
وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً».
٥٣٢٢- ١٣٨ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا (١٢٨) قَالَتْ: رَخْصَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ فِي أَمْرٍ، فَتَنَزَّةَ
عَنْهُ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ◌َّفَغَضِبَ حَتَّى بَانَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا
بَالُ أَقْوَامٍ يَرْغَبُونَ عَمَّا رُخّصَ لِي فِيهِ. فَوَاللَّهِ! لأَنَا أَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةٌ».
المعنى العام
يقول اللَّه تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُون﴾ [الذاريات: ٥٦] أى إلا ليعبدوه
لمصلحتهم هم، فيثابون، وينعمون، فالله سبحانه وتعالَى لا تنفعه طاعة المطيعين، ولا تضره معصية
العاصين، ولو أن أهل السموات والأرض كانوا على أتقى قلب رجل واحد، ما زاد ذلك فى ملكه شيئا،
ولو أن أهل السموات والأرض كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك من ملكه شيئا، ﴿إِنَّ اللَّهَ
لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦] ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابَكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَءَا مَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا
عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧] ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ حَرَّجٍ وَلَّكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦].
فعبادة العابدين علامة على السمع والطاعة والاعتراف بالعبودية والخضوع، وظاهرة من ظواهر
شكر المنعم على ما أنعم، وهى من هذه الحيثية لا تتأثر بالزيادة والمبالغة والغلو، بل ترتبط ارتباطا
وثيقا بالعلم القلبى، والتصديق القلبى، فقد سبق درهم ألف درهم عند اللَّه، كما قال رسول اللّه ﴿).
ومهما بالغ الإنسان فى العبادة فلن يبلغ عشر معشار من عبادة الملائكة الذين منهم الراكع أبدا،
ومنهم الساجد أبدا، ومنهم الذاكر أبدا، ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
وللإنسان طاقة، إذا استنفدها - ولو فى العبادة - وفى وقت قصير، خلت بقية الأوقات،
وإن خير الأعمال ما داوم عليها فاعلها، وإن قلت، فالمداومة وحدها ارتباط متصل بین
(١٢٧) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَن أَبِي الضُّحَى عَن مَسْرُوقِ عَنِ عَائِشَةً
- حَدْثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ حَدْثَنَا حَفْصٌ يَغَنِي اِبْنَ غَيَاثٍ حَ وَ حَدَّثَنَاهِ إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالا أَخْبَرَنَا عِيسَى
ابْنُ يُونُسَ كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ بِإِسْنَادٍ جَرِیرٍ نَحْوَ حَدِيثِهِ.
(١٢٨) وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا أَبُوَ مَّعَاوِيَّةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَن مُسْلِمٍ عَن مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةً
٢١٠
العبد وربه، وقد قيل: قليل دائم، خير من كثير ينقطع، والمبالغة، والغلو يعقبهما - غالباً -
الملل، والملل من العبادة معصية، قد تأتى على ثواب ما قبلها، وفى الحديث ((أوغل فى
الدين برفق، فإن المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى)) ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِن
حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
من هنا كان صلى الله عليه وسلم حريصا على عدم مغالاة أصحابه فى دين اللَّه، بل كان يريد
عبادة ربه بشيء، فيتركه، مخافة أن يقتدى به أصحابه، فيشق عليهم، كما فعل صلى اللَّه عليه وسلم
فى قيام رمضان، وكان إذا رأى تعمقا أو رغبة فى التعمق من أصحابه غضب، ولجأ إلى المنبرينبه
الجميع إلى الترفق بأنفسهم، ويدعو إلى الترخص برخص الله، اقتداء به صلى الله عليه وسلم، فهو
أعلم الناس باللَّه، وهو أتقاهم، وأخشاهم للَّه، ولكنه صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار
أيسرهما ما لم يكن إثما، كان يصوم ويفطر مع أنه قادر على الصوم أبداً، إذ يطعمه ربه ويسقيه، ويقوم
وينام، ويتمتع بالنساء كما يتمتع بالصلاة، فهو رسول اللَّه وسط لدين وسط، لأمة وسط. صلى الله عليه
وسلم ورضى عن آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المباحث العربية
(صنع رسول اللَّه ◌ِ﴿ أمراً، فترخص فيه ) أى فاختار الرخصة واليسر، وقد أومأ
ابن بطال إلى أن الذى صنعه صلى الله عليه وسلم وتنزهوا عنه هو القبلة للصائم، وقال غيره:
لعله الفطر فى السفر.
( فبلغ ذلك ناساً من أصحابه، فكأنهم كرهوه، وتنزهوا عنه ) فى الرواية الثانية بدون
تشبيه، بل بالجزم، ولفظها ((فتنزه عنه ناس من الناس)) أى جماعة من الصحابة، بحجة أنه صلى اللّه
عليه وسلم قد غفرله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فإذا ترخص فى شيء لم يكن غيره مثله، ممن لم يغفر
له ذلك، إذ يحتاج الذى لم يغفر له إلى الأخذ بالعزيمة، والشدة لينجو.
( ما بال رجال بلغهم على أمر، ترخصت فيه، فكرهوه وتنزهوا عنه؟ ) البال هو الحال،
والاستفهام إنكارى توبيخى، أى ما كان ينبغى أى يكون حالهم كذلك، وفى الرواية الثانية ((فغضب،
حتى بان الغضب فى وجهه، ثم قال: ما بال أقوام يرغبون عما رخص لى فيه))؟
( فواللَّه لأنا أعلمهم باللَّه، وأشدهم له خشية ) معناه: أنهم يتوهمون أن تنزههم عما فعلت
أقرب لهم عند اللَّه، وإن فعلت خلاف ذلك، وليس كما توهموا، بل أنا أعلمهم باللّه، وأشدهم له خشية
وإنما يكون القرب إليه سبحانه وتعالى، والخشية له على حسب ما أمر، لا بمخيلات النفوس، وتكلف
أعمال لم يأمر بها، قاله النووى.
وجمع بين العلم باللّه، وشدة الخشية له، ليجمع بين القوة العلمية، والقوة العملية.
٢١١
فقه الحديث
كان رسول الله﴿ رحيما بأمته، يعز عليه عنتهم ومشقتهم، فكان يباعد بينهم وبين المغالاة فى
الدين، كما كان يخفف عنهم العقاب، إذا فعلوا ما يجوزلهم من الأخذ بالشدة، فلا يواجه المتعمق،
ولا يحرجه، حياء منه صلى الله عليه وسلم، وسترا عليه، فلا يعين الشخص عند العتاب، كأن يقول له:
ما بالك يا فلان فعلت كذا؟ أو ما بال فلان يفعل كذا؟ فهو فى هذه الحالة التى يستخدمها صلى الله
عليه وسلم كأنه لم يواجه المخطئ وإن كان موجودا فى جملة المخاطبين.
وقد أخرج مسلم فى كتاب الصيام عن عائشة رضى الله عنها ((أن رجلا قال: يا رسول اللَّه، إنى
أصبح جنبا، وأنا أريد الصيام، فأغتسل وأصوم؟ فقال رسول الله:﴿: وأنا تدركنى الصلاة، وأنا جنب،
فأصوم، فقال: يارسول اللَّه، إنك لست مثلنا؟ قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب
رسول اللَّه﴿، وقال: إنى أرجو أن أكون أخشاكم للَّه، وأعلمكم بما أتقى)) ونحو هذا فى حديث أنس
المذكور فى كتاب النكاح، ((أن ثلاثة رهط سألوا عن عمل رسول اللَّه ﴿ فى السر)) الحديث. وفيه
قولهم ((وأين نحن من رسول الله :﴿؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)) وفيه قوله لهم ((واللّه
إنى لأخشاكم للَّه، وأتقاكم له، لكنى أصوم وأفطر، وأصلى وأرقد، وأتزوج النساء)».
ويؤخذ من الحديث
١ - الحث على الاقتداء بالنبى ﴿ فى أفعاله وأقواله. والأصل فيه قوله تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ
اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وقد ذهب جمع إلى وجوبه، لدخوله فى عموم الأمر، بقوله تعالى
﴿وَمَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] وبقوله ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]
وبقوله تعالى ﴿فَاتّبعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣، ١٥٥] فيجب اتباعه فى فعله، كما يجب اتباعه فى قوله،
حتى يقوم دليل على الندب أو الخصوصية، وقال آخرون: يحتمل الوجوب والندب والإباحة،
فيحتاج إلى القرينة، والجمهور للندب، إذا ظهروجه القربة، وقيل: ولو لم يظهر، ومنهم من فصل
بين التكرار وعدمه، وقال آخرون: ما يفعله صلى اللّه عليه وسلم. إن كان بيانا لمجمل، فحكمه
حكم ذلك المجمل، وجوبا أو ندبا أو إباحة، فإن ظهر وجه القربة فللندب، وما لم يظهر فيه وجه
التقرب فللإباحة.
وأما تقريره صلى الله عليه وسلم على ما يفعل بحضرته فيدل على الجواز، وإذا تعارض فعله
وقوله. قيل: يقدم القول، لأن له صيغة، تتضمن المعانى، بخلاف الفعل، وقيل: يقدم الفعل، لأنه لا
يطرقه من الاحتمال ما يطرق القول، ثالث الأقوال: يلجأ إلى الترجيح، وكل ذلك ما لم تقم قرينة
تدل على الخصوصية.
وذهب الجمهور إلى القول الأول والحجة له أن القول يعبر عنه عن المحسوس والمعقول،
بخلاف الفعل، فيختص بالمحسوس، فكان القول أتم، وبأن القول متفق على أنه دليل،
بخلاف الفعل، ولأن القول يدل بنفسه، بخلاف الفعل، فيحتاج إلى واسطة، وبأن تقديم
٢١٢
الفعل يقضى إلى ترك العمل بالقول، والعمل بالقول يمكن معه العمل بما دل عليه
الفعل، فكان القول أرجح بهذه الاعتبارات.
قال ابن بطال - بعد أن حکی الاختلاف فى أفعاله صلى الله عليه وسلم -محتجا لمن قال
بالوجوب بحديث الخاتم، فقد خلع خاتمه، فخلعوا خواتيمهم، ونزع نعله فى الصلاة، فنزعوا، ولما
أمرهم فى الحديبية بالتحلل، وتأخروا عن المبادرة، رجاء أن يؤذن لهم فى القتال، وأن ينصرفوا،
فيكملوا عمرتهم، قالت له أم سلمة: اخرج إليهم، واحلق واذبح، ففعل، فتابعوه مسرعين، فدل ذلك
على أن الفعل أبلغ من القول، ولما نهاهم عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، فقال: إنى أطعم
وأسقى، فلولا أن لهم الاقتداء به لقال: وما فى مواصلتى ما يبيح لكم الوصال، لكنه عدل عن ذلك،
وبين لهم وجه اختصاصه بالمواصلة .اهـ
قال الحافظ ابن حجر: وليس فى جميع ما ذكره ابن بطال ما يدل على المدعى، من الوجوب، بل
على مطلق التأسى به صلى الله عليه وسلم.
٢ - وذم التعمق، والمغالاة فى الدين، لقوله تعالى ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]
والغلوهو المبالغة فى الشيء، والتشديد فيه، بتجاوز الحد، وعند النسائى وابن ماجه وصححه ابن
خزيمة وابن حبان والحاكم، عن ابن عباس، رضى الله عنهما، قال: قال رسول اللّه مَ ﴿ (« إياكم
والغلو فى الدين، فإنما أهلك من قبلكم الغلو فى الدين»
٣- وأن الخير فى الاتباع، سواء كان ذلك فى العزيمة، أو الرخصة.
٤- وأن استعمال الرخصة، بقصد الاتباع، فى المحل الذى وردت فيه، أولى من استعمال العزيمة، بل
ربما كان استعمال العزيمة حينئذ مرجوحاً، كما فى إتمام الصلاة فى السفر، وربما كان مذموما،
إذا كان رغبة عن السنة.
ونقل ابن التين عن الداودى أن التنزه عما ترخص فيه صلى الله عليه وسلم من أعظم الذنوب، لأنه
يرى نفسه أتقى للَّه من رسوله، وهذا إلحاد.
قال الحافظ ابن حجر: لا شك فى إلحاد من اعتقد ذلك، ولكن الذى اعتل به من أشير إليهم فى
الحديث أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فلا يكون إلحاداً.
٥- وفى الحديث الغضب عند انتهاك حرمات الشرع، وإن كان المنتهك متأولا تأويلا باطلا.
٦- وفيه حسن المعاشرة، بإرسال التعزير، والإنكار فى الجمع، من غير تعيين الفاعل.
٧- وأن القرب إلى الله تعالى سبب لزيادة العلم به، وشدة خشيته.
ولهذا الباب علاقة بالباب بعده
والله أعلم
٢١٣
(٦٢٦) باب وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم، وتوقيره،
وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه
٥٣٢٣ - ١٣٩ عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ﴾(١٢٩) حَدَّثْهُ؛ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ
عِنْدَ رَسُولِ اللّهِلَ﴾، فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونُ بِهَا النَّخْلَ. فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: سَرِّحِ الْمَاءَ
يَمُرُّ فَأَبَى عَلَيْهِمْ. فَاخْتَصَمُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَتْ لِلزُّبَيْرِ «اسْقِ يَا زُبَيْرُ،
ثُمَّ أَرْسِلٍ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ» فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَِّكَ!
فَتَوَّنَ وَجْهُ نَبِيِّ اللَّهِ﴿. ثُمَّ قَالَ: «يَا زُبَيْرُ، اسْقٍ، ثُمَّ اخْبِسِ الْمَاءَ حَتّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ»
فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ! إِنِّي لاحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ تَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَّبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾.
٥٣٢٤- ١٣٠ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(١٣٠) أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: «مَا نَهَيْئُكُمْ عَنْهُ
فَاجْتِبُوهُ. وَمَا أَمَرَّتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ. فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ
مَسَائِلِهِمْ، وَاخْتِلافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ».
٥٣٢٥- ٣١ ١ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(١٣١). كُلُّهُمْ قَالَ: عَنِ النّبِيِّنَ﴿َ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ»
وَفِي حَدِيثِ هَمَّامٍ «مَا تُرِكْتُمْ. فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ)».
٥٣٢٦- ١٣٣ عَنْ عَامِرٍ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ ظُه(١٣٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ: «إِنَّ أَعْظَمَ
(١٢٩) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَن عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَبْدَ
اللَّهِ ابْنَ الزُّبَيْرِ حَدَّثَهُ
(١٣٠) حَدَّتِي حَرَّمَلَةُ بْنُ يَحْتَى النَّحِيُّ أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبُرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عن
سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ قَالا كَانَ أَبُوَ هَّرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أَنّهُ سَمِعَ
وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي خَلَفٍ، حَدْثَا أَبُو سَلَّمَةً، وَهُوَ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ، أَخْبُرَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادٍ،
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. بِهَذَا الإِسْنَادِ. مِثْلَهُ سَوَاءٌ.
(١٣١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُوٍ كُرَيْبٍ قَالا حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ح وحَدَّثْنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ عَن
أَبِي صَالِحٍ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ حْ وِ حَدَّثَنَا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا الْمُغَيْرَةُ يَعْنِي الْحِزَامِيَّ حٍ وَ حَدْثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا سِّفْيَانُ
كِلَاهُمَا عَنْ أَبِيَ الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ حْ وَحَدَّثَنَاه ◌ُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدْثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةٌ عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ
سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ح وحَدَّا مُحَمَّدُ بْنُ رَافَعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرْنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
- ثُمَّ ذَكَرُوا نَحْوَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَن سَعِيَّدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ عَن أَبِي هُرَيْرَةٌ.
(١٣٢) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتَى أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعَدٍ عَنِ ابْنِ شِهَاَبٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَن أَبِيهِ
٢١٤
الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا، مَنْ سَأَلَ عَن شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ
مِن أَجْلٍ مَسْأَلَتِهِ».
٥٣٢٧- ١٣ عَن عَامِرٍ بْنِ سَعْدٍ عَن أَبِيهِ(١٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿: «أَعْظَمُ الْمُسْلِمِينَ
فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا، مَنْ سَأَلَ عَن أَمْرٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ عَلَى النَّاسِ مِن أَجْلِ مَسْأَلَبِهِ».
- وَزَادَ فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ: «رَجُلٌ سَأَلَ عَن شَيْءٍ وَقْرَ عَنْهُ» وَقَالَ: فِي حَدِيثِ يُونُسَ
عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ سَعْدًا.
٥٣٢٨- ٣٤ ١ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾ (١٣٤) قَالَ: بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ْ عَنِ أَصْحَابِهِ شَيْءٌ.
فَخَطَبَ فَقَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ. فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمٍ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا
أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلْبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» قَالَ: فَمَا أَتَى عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ يَوْمٌ أَشَدُّ
مِنْهُ. قَالَ: غَطّوْا رُءُوسَهُمْ وَلَهُمْ خَبِينٌ. قَالَ: فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: رَضِيْنَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلامِ دِينًا،
وَبِمُحَمَّدٍ نَبيًّا. قَالَ: فَقَامَ ذَاكَ الرَّجُلُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: أَبُوكَ فُلانٌ» فَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾.
٥٣٢٩- ١٣٥ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِك ◌ِ﴾(١٣٥) قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ
أَبِي؟ قَالَ: «أَبُوكَ فُلانٌ» وَنَزَلَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَّلُوا عَن أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ
لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ تَمَّامَ الآيَةِ.
٥٣٣٠- ١٣٦ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(١٣٦) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ّ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ.
فَصَلَّى لَهُمْ صَلاةَ الظُّهْرِ. فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ. فَذَكَرَ السَّاعَةَ. وَذَكَرَ أَنَّ قَبْلَهَا أُمُورًا
(١٣٣) وحَدَّثَنَاه أَبُوٍ بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وحَدَّثَّا مُحَمِّدُ بْنُ عَبَّدٍ حَدَّثَّا عن
سُفْيَانُ قَالَ أَحْفَظُهُ كَمَا أَحْفَظُ بِسْمِ اللَّهِ الَرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الزُّهْرِيُّ عَنِ عَامِرِ بْنِ سَّعْدٍ عَنَ أَبِهِ
- وحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَنِي يُوْنُسُ حَ وحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنَا مَعْمَرٌ
كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَزَادَ فِي حَدِيثٍ مَعْمَرٍ
(١٣٤) حَدَّثَنَا مَحْمُوذَ بْنُ غَيْلانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ السُّلَمِيُّ وَيَخْتِى بِنٌ مُحَمَّدٍ اللُّؤْلُوِيُّ وَأَلْفَاظُهُمْ مُتْقَارِبَةٌ قَالَ مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا
النِّضْرُ ابْنُ شَمَيْلِ وقَالَ الآخَرَانِ أَخْبَرَنَا النَّضْرُ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَنَسِ عَنْ أَنْسِ
(١٣٥) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ رَبْعِيِّ الْقَيْسِيُّ حَدْثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي مُوَسَى بْنُ أَنَسٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسِ بْنَ
مَالِكِ يَقُول
(١٣٦) وحَدَِّي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ عِمْرَانُ التَّجِيُّ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ
٢١٥
عِظَامًا، ثُمَّ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَنِي عَن شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْنِي عَنْهُ. فَوَاللَّهِ! لا تَسْأَلُونَنِي عَن شَيْءٍ
إِلا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ، مَا دُمْتُ فِي مَقَّامِي هَذَا﴾ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَأَكْثَرَ النَّاسُ الْبُكَاءَ حِينَ
سَمِعُوا ذَلِكَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﴿َ. وَأَكْثَرَ رَسُولُ اللَّهِ فَ﴿ أَنْ يَقُولَ «سَلُونِي» فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
خُذَافَةَ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ» فَلَمَّا أَكْثَرَ رَسُولُ اللَّهِ: ﴿ مِنْ أَنْ
يَقُولَ «سَلُونِي» بَرَكَ عُمَرُ فَقَالَ: رَضِينًا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً. قَالَ:
فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِفَ﴿ِ حِينَ قَالَ عُمَرُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ: «أَوْلَى. وَالَّذِي نَفْسُ
مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذَا الْخَائِطِ. فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمٍ فِي
الْخَيْرِ وَالشَّرِّ» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةً قَالَ: قَالَتْ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ
ابْنِ حُذَافَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ: مَا سَمِعْتُ بِابْنٍ قَطُّ أَعَقَّ مِنْكَ؟ أَمِنْتَ أَنْ تَكُونُ أُمُّكَ قَدْ
قَارَفَتْ بَعْضَ مَا تُقَارِفُ نِسَاءُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَتَفْضَحَهَا عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
خُذَافَةَ: وَاللَّهِ! لَوْ أَلْحَقَنِي بِعَبْدٍ أَسْوَدَ، لَلَحِقْتُهُ.
ب- بِمِثْلِ حَدِيثِ يُونُسَ(١٠).
٥٣٣١ - ١١٣٧ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ﴾(١٣٧) أَنَّ النّاسَ سَأَلُوا نَبِيَّ اللَّهِلَ﴿ حَتَّى أَخْفَوْهُ
بِالْمَسْأَلَةِ. فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: «سَلُونِي، لا تَسْأَلُونِي عَن شَيْءٍ إِلا بَيْشُهُ
لَكُمْ» فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْقَوْمُ أَرَمُّوا وَرَهِبُوا أَنْ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ أَمْرٍ قَدْ حَضَرَ. قَالَ أَنَسّ:
فَجَعَلْتُ أَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالاً فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ لافِّ رَأْسَهُ فِي قَوْبِهِ يَبْكِي. فَأَنْشَأْ رَجُلٌ مِنَ
الْمَسْجِدِ، كَانَ يُلاحَى فَيُدْعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ. فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! مَنْ أَبِي؟ قَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ» ثُمَّ
أَنْشَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهم عَنْهِمْ فَقَالَ: رَضِيْنَا بِاللَّهِ رَّا، وَبِالإِسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ
رَسُولاً، عَائِذًا بِاللَّهِ مِن سُوءِ الْفِتْنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِوَ الَ: «لَمْ أَرَ كَالْيَوْمٍ قَطُّ فِي الْخَيْرِ
وَالشَّرِّ. إِنِّي صُوِّرَتْ لِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَرَأَيْتُهُمَا دُونَ هَذَا الْحَائِطِ».
(١٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَخْبُرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنَا مَعْمَرٌ ح وِحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو
الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيّ عِنْ أَتَسِ عَنِ النَّبِيِّ ﴾ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثٍ عُبَيْدِ اللَّهِ مَعَهُ غَيْرَ أَنَّ
شُعَنْيًا قَالَ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَّنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَّدَّثَنِي رَجُلٌ مِن أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ أُمْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
خُذَافَةً قَالَتْ بمثل حدیث یونس
(١٣٧) حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ حَمَّدٍ الْمَعْنِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى عَن سَعِيدٍ عَن قَتَادَةَ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
٢١٦
:: عَنْ أَنَسٍ (١٠) بِهَذِهِ الْقِصَّةِ.
٥٣٣٢- ١٣٨ عَن أَبِي مُوسَى(١٣٨) قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ:﴿ عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا. فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ.
غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: «سَلُونِي عَمَّ شِئْتُمْ)) فَقَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ» فَقَامَ
آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «أَبُوكَ سَّالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ» فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي
وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ﴿ مِنَ الْغَضَبِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَّتُوبُ إِلَى اللَّهِ. وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي
كُرَيْبٍ: قَالَ: مَنْ أَبِي؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «أَبُوكَ سَالِمٌ، مَوْلَى شَيْبَةَ».
المعنى العام
إن الإيمان بمحمد نبيا ورسولا، يستلزم الإجابة لما جاء به، وقبول أوامره ونواهيه، وامتثال
قراراته وأحكامه، وفى ذلك يقول جل شأنه ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ
لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: ٦٥].
لقد طبع العرب على العصبية القبلية، ونصر القريب والدفاع عنه، والحكم له، وإن كان ظالما، ومن
الصعب انتزاع العادات والطبائع فى زمن يسير، وقد لاقى رسول الله ﴿ من هذه الطبيعة ما لاقى،
وتحمل فى سبيل تقويمها ما تحمل.
فهذا رجل من الأنصار، تجاور أرضه ونخيله أرض ونخيل الزبير بن العوام، ابنة عمة رسول الله
◌َ ◌ّ ومياه سقيه لابد لها أن تمرفى أرض الزبير، والمياه، كما يقول العامة: لا تمر على العطشان، فلا
يشرب، لكن قانون القوة، وقانون العصبية لا يلتزم الحقوق، لقد حاول الأنصارى أن تمر المياه فى
أرض الزبير، دون أن يسقى نخيله، فمنعه من فتح القناة فى أرضه، وطلب منه أن يترك القناة مغلقة
الجوانب حتى يصل الماء أرضه فيروى أولا، ورفعا الأمر إلى رسول الله ﴿، فكان حكم الله أن يسقى
الأعلى الأقرب إلى مصدر المياه أولا حتى يكتفى، لكن رسول اللّه ◌َ ل رغب فى أن يتنازل الزبير عن
بعض حقه، وأن يسقى الضرورى فقط، وأن يسمح للماء بالمرور إلى أرض الأنصارى قبل أن يشبع
الزبير أرضه، فقال: اسق يا زبير قدر الضرورة وأرسل الماء لجارك، وكان الأنصارى مشبعا بالعادة،
فقال لرسول اللّه ◌َل: ألأنه ابن عمتك حكمت لمصلحته؟ وغضب صلى الله عليه وسلم، وبان الغضب
فى وجهه، فأعطى الزبير حقه، وقال: اسق يا زبير حتى يشبع بالماء نخلك، ثم اترك الماء، ونزلت الآية
الكريمة، تدعو الأمة إلى قبول حكمه صلى الله عليه وسلم، والتسليم به.
وكان لابد من توقيره صلى الله عليه وسلم، وتهيب الأمة لمقامه، وإن تواضع، لكن الطبيعة العربية
(١٠) حَدََّا يَحْتَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ حَ وِ حَدَّثَنًا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيِّ
كِلاهُمَا عَنِ هِشَامٍ حَ وحَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّصْرِ التَّيْمِيُّ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي قَالا جَمِيعًّا حَدَّثَنَا قَتَادَةٌ عن أَنْسَ
(١٣٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادِ الأَشْعَرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ قَالا حَدَّثَنَا أَبُو أَسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَن أَبِي بُرْدَةً عَنْ أَبِي مُوسَى
٢١٧
الخشنة جعلتهم يعاملونه بما لا يليق بمقامه، ينادونه باسمه، ويطلبون منه ما يطلبون من سوقة
الناس، فيقولون: يا محمد، اخرج إلينا، فينزل اللَّه تعالى ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدْعَاءِ
بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣].
يكثرون أسئلته بما لا ينفع، وبما لا يعنى، وبتوافه الأمور، حتى من ضاعت ناقته يسأل: أين
ناقتى؟ وحتى يسأل من يشك فى نسب نفسه: من أبى؟ فيتأذى رسول اللّه﴿ من ذلك، وينزل قوله
تعالى ﴿لا تَسْأَلُوا عَن أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
إن الرسالة تكريم وتشريف وتفضيل للرسل، وطاعتهم طاعة الله، من يطع الرسول فقد أطاع الله،
وتكريمهم والتسلم لهم تكريم لأوامر اللَّه، وتسليم لأحكام اللَّه.
المباحث العربية
( أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند رسول اللّه {ل:) فى رواية ((خاصم الزبير رجلا))
والمخاصمة مفاعلة من الجانبين، فكل منهما مخاصم للآخر، كذا قال الحافظ ابن حجر: قلت: لكن
جعل أحدهما فاعلا، والآخر مفعولا يشير إلى أن الفاعل هو الشاكى والمدعى، وهو هنا كذلك وأن
الأنصارى هو الشاكى.
وفى رواية ((أن رجلا من الأنصار قد شهد بدراً)) وفى رواية ((أنه كان من بنى أمية بن زيد، وهم
بطن من الأوس، وحكى ابن بشكوال عن شيخه أبى الحسن بن مغيث أنه ثابت بن قيس بن شماس،
ولم يأت على ذلك بشاهد، قال الحافظ ابن حجر: وليس ثابت بدرياً، وحكى الواحدى أنه ثعلبة بن
حاطب الأنصارى، الذى نزل فيه قوله تعالى ﴿وَمِنْهُمْ مِنْ عَاهَدَ اللَّهَ ﴾ [ التوبة: ٧٥] ولم يذكر مستنده،
ولم يكن بدرياً أيضاً، وحكى الواحدى أيضا أنه حاطب بن أبى بلتعة، وتعقب بأن حاطباً وإن كان
بدرياً لكنه من المهاجرين، ومال الحافظ ابن حجر إلى ترجيح هذا الرأى، فقال: لكن يؤيد هذا ما
أخرجه ابن أبى حاتم عن سعيد بن المسيب، فى قوله تعالى ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ
فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ [النساء: ٦٥]، قال: نزلت فى الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة، اختصما فى
ماء)) الحديث. وإسناده قوى مع إرساله. وعلى هذا فيئول قوله ((من الأنصار)» على إرادة المعنى الأعم،
كما وقع ذلك فى حق غير واحد، كعبد الله بن حذافة، وأما قول الكرمانى بأن حاطبا كان حليفا
للأنصار ففيه نظر، وأما قوله من «بنى أمية بن زيد، فلعله كان مسكنه هناك، كعمر، قال: وذكر
الثعلبى بغير سند أن الزبير وحاطبا لما خرجا، مرا بالمقداد، قال: لمن القضاء؟ فقال: حاطب: قضى
لابن عمته، ولوى شدقه، ففطن له يهودى، فقال: قاتل الله هؤلاء، يشهدون أنه رسول اللّه ويتهمونه.
قال الحافظ: وفى صحة هذا نظر، قال: ويترشح بأن حاطبا كان حليفا لآل الزبير بن العوام، من بنى
أسد، وكأنه كان مجاورا للزبير، أى فى الحائط والزراعة.
وأما قول الداودى وغيره: إن خصم الزبير كان منافقا - للكلمة التى قالها - فقد وجهه القرطبى
بأن قول من قال إنه كان من الأنصار، يعنى نسبا، لا دينا. قال: وهذا هو الظاهر من حاله، ويحتمل
أنه لم يكن منافقا، ولكن صدر منه ذلك ببادرة النفس، كما وقع لغيره ممن صحت توبته، وقوى هذا
٢١٨
شارح المصابيح التوربشتى، ووهى ما عداه، وقال: لم تجر عادة السلف بوصف المنافقين بصفة النصر
- قولهم: من الأنصار - التى هى المدح، ولو شاركهم فى النسب، قال: بل هى زلة من الشيطان، تمكن
به منها عند الغضب، وليس ذلك بمستنكر من غير المعصوم فى تلك الحالة. اهـ
وقال الداودى - بعد جزمه بأنه كان منافقا - وقيل: كان بدريا، فإن صح فقد وقع ذلك منه قبل
شهودها، لانتفاء النفاق عمن شهدها.
وقال ابن التين: إن كان بدريا فمعنى قوله ﴿فَلا وَرَّبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ لا يستكملون الإيمان.
( فى شراج الحرة التى يسقون بها النخل) ((شراج)) بكسر الشين وفتح الراء مع المد،
بعدها جيم، جمع شرج، بسكون الراء، مثل بحر وبحار، ويجمع أيضا على شروج، وحكى ابن دريد
((شرج)) بفتح الراء، وحكى القرطبى ((شرجة)) والمراد بها هنا مسيل الماء، أى مجراه، والحرة بفتح
الحاء وتشديد الراء موضع معروف فى المدينة، وهو فى الأصل الأرض الملساء، فيها حجارة سود، قال
أبو عبيد: كان بالمدينة واديان يسيلان بماء المطر فيتنافس الناس فيه.
وأضيف ((شراج)) إلى الحرة لأنه فيها، والمعنى اختصما بشأن الماء الجارى فى مسيل الحرة.
وقوله ((التى يسقون بها النخل)) أى توصل الماء إلى نخيلهم، وفى رواية ((كانا يسقيان بها
كلاهما)» أى كان هذا المجرى يسقى لهما، لكن أرض الزبير أعلى من أرض الرجل، أى أقرب إلى
مصدر الماء، ولا يصل الماء للرجل إلا بعد أن يمرفى أرض الزبير.
(فقال الأنصارى: سرح الماء يمر) ((سرح)) فعل أمر من التسريح، أى قال الرجل للزبير:
أطلق الماء يمر، وفى الكلام طى، أى فحبس الزبير الماء فى أرضه، حتى يسقى، فقال الأنصارى لا
تحبس الماء عنى، وأطلقه يمر من أرضك إلى أرضى، لنسقى سويا، وفى رواية فى آخرها ((وكان النبى
﴿ قد أشار على الزبير برأى فيه سعة له والأنصارى» والحقيقة أن الرأى كان فيه سعة للرجل.
( فأبى عليهم ) أى امتنع الزبير من إجابة مطلب الرجل، والجمع باعتبار أهله معه.
(فاختصموا عند رسول اللَّه وال*) أعاد الجملة لطول الفصل عن الأولى، والجمع
فى ((اختصموا)) باعتبار أفراد وأهل كل منهما، كقوله تعالى ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي
رَبِّهِمْ﴾ [الحج: ١٩].
( اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك ) أى اسق شيئا يسيرا، دون قدر حقك، ثم أرسله
إلى جارك.
( أن كان ابن عمتك؟ ) الزبير بن العوام، أمه صفية بنت عبد المطلب، عمة النبى وقال﴾، وأصل
الكلام: ألأنه كان ابن عمتك حكمت له؟ فحذف الاستفهام وحرف الجرلام التعليل قبل ((أن)) وهو
كثير، وحذف الضمير، اسم ((أن)) و((ابن)) بالنصب، خبر (كان)) كما فى قوله تعالى ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَال
وَبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤] أى ألأنه كان ذا مال وبنين كذب؟ وحكى القرطبى تبعا لعياض أن همزة ((أن))
ممدودة، قال: لأنه استفهام على جهة الإنكار، قال الحافظ ابن حجر: ولم يقع لنا فى الرواية مد، لكن
يجوز حذف همزة الاستفهام، وحكى الكرمانى ((إن كان)) بكسر الهمزة على أنها شرطية، والجواب
٢١٩
محذوف، أى وإن كان ابن عمتك فاعدل، وقريب من هذا رواية ((فقال: يا رسول اللَّه، اعدل وإن كان
ابن عمتك)» وفى رواية للبخارى ((إنه ابن عمتك)) قال ابن مالك: يجوز فى ((إنه)) فتح الهمزة وكسرها،
لأنها وقعت بعد كلام تام، معلل بمضمون ما صدر بها، فإذا كسرت قدر ما قبلها بالفاء، وإذا فتحت
قدر قبلها اللام.
(فتلون وجه نبى الله ﴿) أى تغير، وهو كناية عن الغضب، وفى رواية ((حتى عرفنا أن قد
ساءه ما قال)).
(ثم قال: يا زبير، اسق، ثم احبس الماء، حتى يرجع إلى الجدر) أى حتى يصير إلى
الجدر، و ((الجدر)) ضبط فى أكثر الروايات بفتح الدال، وفى بعضها بالسكون، وهو الذى فى اللغة، وهو
أصل الحائط، اهـ
وهو بفتح الجيم فيهما، ويروى بضم الدال والجيم، جمع جدار، ويروى بكسر الجيم، وهو الجدار،
والمراد حتى يرتفع الماء فى أصول النخيل، إلى أن يصير إلى حافة الجدار الترابى، الذى يحيطون به
النخلة، ليحجز الماء لها، حتى تشرب كثيراً، فتصير به النخلة فى مثل حفرة، وفى رواية للبخارى
((اسق يا زبير، حتى يبلغ الماء الجدر، ثم أمسك)) أى أمسك نفسك عن السقى، وأرسل الماء لجارك.
وحكى الخطابى ((الجذر)) بسكون الذال، والمراد حتى يبلغ الجذر تمام الشرب، وفى رواية
للبخارى ((اسق، ثم احبس، حتى يرجع الماء إلى الجدر- واستوعى له حقه)) بفتح العين، أى استوعى
الرسول ®# للزبير حقه، واستوفاه له.
( قال الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية نزلت فى ذلك ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى
يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا
تَسْلِيمًا﴾) وفى رواية ((والله إن هذه الآية أنزلت فى ذلك)) بالجَزَم بدل الظن، وفى رواية ((ونزلت ﴿فَلا
وَرَبِّكَ ... ) الآية)) قال الحافظ ابن حجر: والراجح رواية الأكثر، وأن الزبير كان لا يجزم بذلك.
وجزمٍ مجاهد والشعبى بأن الآية إنما نزلت فيمن نزلت فيه الآية التى قبلها، وهى قوله تعالى ﴿أَلَمْ
تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْءَامَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى
الطَّاغُوتِ ... ﴾ الآية، فروى إسحق بنَ راهويه فى تفسيره بإسناد صحيح عن الشعبى قال: كان بين
رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فدعا اليهودى المنافق إلى النبى ®، لأنه علم أنه لا
يقبل الرشوة، ودعا المنافق اليهودى إلى حكامهم، لأنه علم أنهم يأخذونها، فأنزل الله هذه الآيات، إلى
قوله ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وروى الكلبى فى تفسيره عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية فى رجل من
المنافقين، كان بينه وبين يهودى خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل
نأتى كعب بن الأشرف، فذكر القصة وفيها أن عمر قتل المنافق، وأن ذلك سبب نزول هذه الآيات.
قال الطبرى: ولا مانع أن تكون قصة الزبير وخصمه، وقعت فى أثناء ذلك، فيتناولها عموم الآية.
زاد البخارى ((قال ابن جريج: فقال له ابن شهاب ((فقدرت الأنصار والناس قول النبى { ﴿)
اسق، ثم احبس، حتى يرجع إلى الجدار ((وكان ذلك إلى الكعبين)) يعنى أنهم لما رأوا أن الجدار
٢٢٠