Indexed OCR Text
Pages 121-140
٥٢٢٤- ٣٩ٍ عَنْ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عِ(٣٩) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «قَدْرُ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ
أَيْلَةَ وَصَنْعَاءَ مِنَ الْيَمَنِ. وَإِنَّ فِيهِ مِنَ الأَبَارِيقِ كَعَدَدٍ نُجُومِ السَّمَاءِ».
٥٢٢٥ - نْمُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(٤٠) أَنَّ النَّبِيَّ ◌ِ﴿ قَالَ: لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْخَوْضَ رِجَالٌ مِمَّنْ
صَاحَبَنِي، حَتَّى إِذَا رَأَيْتُهُمْ وَرُفِعُوا إِلَيَّ، اخْتُلِجُوا دُونِي. فَلْأَقُولَنَّ: أَيْ رَبِّ! أُصَيْحَابِي،
أُصَيْحَابِي. فَلَيْقَالَنَّ لِي: إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَّثُوا بَعْدَكَ».
٥٢٢٦- ١٠ وَفِي رواية عَنِ أَنَسٍ ﴿ه(١١) عَنِ النّبِيِّفِ﴿َ: بِهَذَا الْمَعْنَى، وَزَادَ
«آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ».
٥٢٢٧- ٤١٣ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكِ تَ﴾(٤١) عَنِ النّبِيِّ ﴿ قَالَ: «مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْ حَوْضِي كَمَّا
بَيْنَ صَنْعَاءٌ وَالْمَدِينَةِ».
٥٢٢٨- ٢ عَنْ أَنَسٍ ﴾ (٤٢) عَنِ النّبِيِّ﴾. بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنْهُمَا شَكًّا فَقَالا: أَوْ مِثْلَ مَا بَيْنَ
الْمَدِينَةِ وَعَمَّانَ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي عَوَانَةَ «مَا بَيْنَ لابَتَّيْ حَوْضِيٍ».
٥٢٢٩ - ٢٣ عَنْ قَتَادَةً(٤٣) قَالَ: قَالَ أَنَسٌّ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِعَ: «أُرَى فِيهِ أَبَارِيقُ الذَّهَبِ
وَالْفِضَّةِ كَعَدَدٍ نُجُومِ السَّمَاءِ».
٥٢٣٠ - ١٠٠ وَفِي رواية عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَ﴾(٠٠١) أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِوَ﴿ قَالَ مِثْلَهُ، وَزَادَ «أَوْ
أَكْثَرُ مِن عَدَدٍ نُجُومِ السَّمَاءِ».
٥٢٣١- ٤ُمْ عَنِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ﴾(٤٤) عَن رَسُولِ اللَّهِ﴿ قَالَ: «أَلا إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ عَلَى
الْحَوْضِ. وَإِنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَ طَرَفَيْهِ كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَأَيْلَةَ. كَأَنَّ الأَبَارِيقَ فِيهِ النُّجُومُ».
(٣٩) وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى أَخْرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَبِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ
(٤٠) وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا عَفّانُ بْنُ مُسْلِمِ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا وُهَّيْبٌ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ صُهَيْبٍ يُحَدِّثُ قَالَ
حَدَّثَّا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ
(١٠) وحَّدَثََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالا حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ح و حَدََّا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ جَمِيعًا عَنِ
الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلِ عَنْ أَنَسِ
(٤١) وحَدَّثَّا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التّيْمِيُّ وَهُرَيْمُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى وَاللَّفْظُ لِعَاصِمِ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ سَمِعْتُ أَبِي حَدَّثَنَا قَتَادَةٌ عَنْ أَنَسِ
(٤٢) وحَدَّثَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدْثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ حَدَّثَنَا هِشَامٌ ح وحَدَّثَنَاًّ حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الطَّالِسِيُّ
حَدَّثَّا أَبُو عَوَانَةَ كِلاهُمَا عَنِ قَتَادَةً عَنْ أَنَسِ
(٤٣) وحَدَّثَنِي يَحْتِى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرُّزِّيُّ قَالا حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ عَن سَعِيدٍ عَن قَتَادَةً
(٠٠٠) وحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ خَرْبٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنِ قَتَادَةَ قال: قال أَنَّسُ بْنُ مَالِكٍ
(٤٤) حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ بْنِ الْوَلِيدِ السَّكُونِيُّ حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ خَيْئَمَةَ عَن سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَن جَابِ
١٢١
٥٢٣٢- °مْ عَن عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ (٤٥) قَالَ: كََبْتُ إِلَى جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَعَ
غُلامِي نَافِعٍ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﴿ِ. قَالَ فَكَتَبَ إِلَىَّ: إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ «أَنَا
الْقَرَطُ عَلَى الْحَوْضِ».
المعنى العام
إن أفضل ما يقدم إلى العطشان الظمآن جرعة ماء، فإذا كان الظمأ شديداً لم يسبق له مثيل، وإذا
كانت الشربة بما هو أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب رائحة من المسك، فى أباريق من
ذهب وفضة، صافية لامعة كالنجوم فى الليل، وإذا كان الساقى هو أحب حبيب كان فى الدنيا، وإذا
كان الشراب يروى رياً، لا يظمأ شاربه بعده أبدا. إذا كان الأمر كذلك كانت المنة أعظم منه، والفضل
خير الفضل، والإحسان أفضل إحسان.
فى الموقف العظيم يوم القيامة يشتد الحر، وتدنو الشمس من الرءوس، فيعرق الناس، فمنهم
من يبلغ عرقه عقبه، ومنهم من يبلغ عرقه نصف ساقه، ومنهم من يبلغ ركبته، ومنهم من يبلغ فخذه،
ومنهم من يبلغ خاصرته، ومنهم من يبلغ منكبه، ومنهم من يبلغ فاه، ومنهم من يغطيه عرقه، حتى
يذهب عرقهم فى الأرض سبعين ذراعا، تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين، ثم تدنو من جماجم
البشر، حتى تكون قاب قوسين، فيعرقون، حتى يرشح العرق فى الأرض قامة، ومن هذا الظمأ الشديد
يتفرق الناس إلى الصراط، فيجد المؤمنون فى طريقهم حوضًا من شراب، مربع المساحة، طوله
كعرضه، ضلعه مئات الأميال، يتسع لكل الواردين عليه، دون زحام، عليه أباريق وكيزان، كعدد النجوم
فى السماء الصافية التى لا غيم فيها ولا قمر، إذا مد المؤمن يده إلى الإبريق، أسرع الإبريق مملوءا إلى
يده، ثم إلى فمه، لا عناء، ولا مشقة، إذا نظر إلى مائه وجده أشد بياضاً من اللبن، وإذا وصلت رائحة
الشراب إلى أنفه أحس أنه أطيب من المسك، وإذا تذوقه وجده أحلى من العسل، وأبرد من الثلج،
متعة لم تخطر على قلب بشر، بعد حرمان وحاجة إليها لم تخطر على قلب بشر، ولمن هذا الحوض؟
ومن أين شرابه، إنه لمحمد ®، أكرمه ربه به، ليكرم به أمته، إن صاحبه الرءوف الرحيم واقف،
يرحب بالواردين، وملائكة اللَّه تحيط بهم فى بهجة وسرور، تقول لهم: اشربوا هنيئا بما كنتم تعملون،
محمد * يقف بجوار الحوض، وعلى قمته، وفى يده عصا صغيرة، أعظم من عصا موسى، بإشارتها
يبتعد عن الحوض من لا يستحق الشرب، ويقرب من الحوض من هو أهل له، وبإشارتها يقدم إلى
الحوض أناس على أناس، على أساس صالح أعمالهم وجهادهم فى الدنيا، ينظمهم وينظم ورودهم
بإشارة عصاه، وهو فرح بهم، مسرور بكثرتهم، لكن فى غمرة هذا السرور يفاجأ بمنظر رهيب، جماعة
ممن كانوا أصحابه، يعرفهم ويعرفونه، يردون نحو الحوض، ينادون: أنقذنا يا محمد. عطاشى يا
محمد. ويتجه الرسول 8 نحوهم ليساعدهم، فتحول الملائكة بينه وبينهم، فيقول للملائكة: هؤلاء
(٤٥) حَدََّا فْتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ قَالا حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَعِيلَ عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ عَنْ عَامِرٍ بْنِ سَعْدٍ
١٢٢
أصحابى. هؤلاء أصحابى. هم منى ومن أمتى، إننى أعرفهم ويعرفوننى؟ إلى أين تذهبون بهم، فتقول
الملائكة: إلى النار، فيقول: ولماذا؟ فيقولون: إنك لا تدرى ماذا أحدثوا فى دينهم بعد موتك، إنهم
بدلوا، وغيروا، وكفروا، وارتدوا، فيقول: سبحانك ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَقَّيْتَنِي
كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِیبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧].
ونرجع إلى المنظر البديع، منظر الحوض والشاربين، إن ماءه لا يغيض، ولا يفيض، لا يرتفع ولا
يزيد ولا ينخفض عن مستواه، ولا ينقص رغم شرب الملايين وملايين الملايين، إن مدده من نهر
الكوثر الذى يجرى فى الجنة، يصب فيه، فإذا رفعت بصرك إلى أعلى رأيت عجبا، ميزابين فى
الفضاء، أحدهما من ذهب، والآخر من فضة، يمسكهما الله، ما يمسكهما من أحد من بعده، إنهما
يمتدان فى السماء إلى الجنة، فيلقيان من شرابها فى هذا الحوض قطعا قطعا، لا تسأل: كيف؟ ولا
تعجب، فإنها أحوال الآخرة، فإنها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، سقانا
اللَّه من حوضه صلى الله عليه وسلم، شربة لا نظمأ بعدها أبداً.
المباحث العربية
( أنا فرطكم على الحوض ) الفرط بفتح الفاء والراء، والفارط هو الذى يتقدم الوارد، ليصلح له
الحياض، والدلاء، ونحوها من أمور الاستسقاء، فمعنى: ((أنا فرطكم على الحوض))، أى سابقكم لأهيئ
وأعد لكم حوضى للشرب منه.
و((الحوض)) ((ال)) فيه للعهد، أى حوض النبى و 38، وجمع الحوض حياض وأحواض، وهو مجمع
الماء، وهل للنبى ₪ حوض واحد؟ أو أكثر؟ وهل للأنبياء أحواض؟ وأين مكان الحوض من أحداث
يوم القيامة قبل الصراط؟ أو بعده؟ سيأتى تفصيل ذلك فى فقه الحديث.
وقد تكلمت الروايات عن مساحته، وعن مائه، وعن أكوابه، وعمن يرده، وعمن يحال بينهم وبينه،
فعن مساحته: تقول الرواية الثالثة ((حوضى مسيرة شهر، وزواياه سواء)) وتقول الرواية الثامنة ((إن
عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة)) و((أيلة)) بفتح الهمزة وسكون الياء، مدينة، كانت عامرة، بطرف
بحر القلزم، من طرف الشام، قال الحافظ ابن حجر: وهى الآن خراب، يمربها الحاج من مصر،
فتكون شماليهم، ويمر بها الحاج من غزة وغيرها، فتكون أمامهم، وإليها تنسب العقبة المشهورة عند
المصريين، وبينها وبين المدينة النبوية نحو الشهر، بسير الأثقال، إن اقتصروا كل يوم على مرحلة.
وهى من مصر على أكثر من النصف من ذلك، وهى دون الثلث بين مصر ومكة، وهى أقرب لمصر.
وقد مرقريبا أن صاحب أيلة جاء إلى رسول الله﴿ وصالحه، وقال النووى: بينها وبين المدينة نحو
خمس عشرة مرحلة، وبينها وبين دمشق نحو اثنتى عشرة مرحلة، وبينها وبين مصر نحو ثمان مراحل،
فهى متوسطة بين المدينة، ودمشق ومصر.
أما الجحفة فهى على نحو سبع مراحل من المدينة، فى الطريق إلى مكة، أو ثلاث مراحل من
مكة، والمسافة بالمراحل لم تكن محددة، لأن المقصود بها كان المسافة التى تتعب عندها الإبل فى
١٢٣
مسيرها، فينزل الركب ليستريح ويريح الرواحل، فبعضهم يقدرها بأربعة برد، وبعضهم يقدرها
ببريدين، وحتى البريد بعضهم يقدره بفرسخين، وبعضهم يقدره بأربعة فراسخ، وحتى الفرسخ بعضهم
يقدره بثلاثة أميال، وبعضهم يقدره بستة أميال، فما بين أيلة والجحفة يزيد على ثنتين وعشرين
مرحلة، ولو قدرنا المرحلة بأربعة برد، والبريد بأربعة فراسخ، والفرسخ بثلاثة أميال، تصبح المسافة
بين أيلة والجحفة ستة وخمسين ميلا وألف ميل، وإذا كان هذا عرض حوضه صلى اللّه عليه وسلم،
وزواياه سواء، أى مربع الشكل كانت مساحته نحو مليون ومائة وخمسة عشر ألف ومائة وستة
وثلاثين ميلا.
وفى الرواية الحادية عشرة ((إن أمامكم حوضا، ما بين ناحيتيه، كما بين جربا وأذرح)» وجرباء
بفتح الجيم وسكون الراء، تأنيث أجرب، جاءت فى البخارى ممدودة، وقال النووى: الصواب أنها
مقصورة، قال: والمد خطأ، وأثبت صاحب التحرير المد، وجوز القصر، وأما ((أذرح)) فبهمزة مفتوحة،
ثم دال ساكنة، ثم راء مضمومة، بعدها حاء، قال النووى: هذا هو الصواب المشهور، ورواه بعضهم
بالجيم، وهو تصحيف، وهى مدينة فى طرف الشام، فى قبلة الشوبك، بينها وبينه نحو نصف يوم،
وهى فى طرف الشراط-بفتح الشين - فى طرفها الشمالى، و((تبوك)) فى قبلة ((أذرح)) بينهما نحو
أربع مراحل، وبين ((تبوك)) ومدينة النبى ﴿ 1﴾ نحو أربع عشرة مرحلة.
يقول الراوى عن هاتين المدينتين (جربا وأذرح) ((قريتين بالشام، بينهما مسيرة ثلاث ليال)» وقد
غلطه الحافظ صلاح الدين العلائى، وقال: ليس كما قال، بينهما غلوة سهم، وهما معروفتان بين
القدس والكرك، قال: وقد ثبت القدر المحذوف عند الدارقطنى وغيره، بلفظ ((ما بين المدينة، وجرياء
وأذرح))، اهـ فالمسافة نحو أربع عشرة مرحلة.
وفى الرواية الثالثة عشرة ((عرضه مثل طوله، ما بين عمان إلى أيلة)) قال النووى: وأما
عمان فبفتح العين وتشديد الميم، وهى بلدة بالبلقاء من الشام، والمعروف فى روايات
الحديث وغيرها ترك صرفها. وتنسب إلى البلقاء لقربها منها، والبلقاء بلدة معروفة فى
فلسطين، والظاهر أن فيه مقدراً محذوفا، كسابقه أى ما بينهما وبين المدينة، ففى الرواية
المتممة للعشرين ((مثل ما بين المدينة وعمان))، وفى الرواية السادسة عشرة ((قدر حوضى
كما بين أيلة وصنعاء من اليمن)) وكذا فى الرواية الثانية والعشرين، وقوله ((من اليمن))
احتراز من صنعاء التى بالشام، وفى رواية ((مثل عدن وأيلة)) وفى أخرى ((أبعد من أيلة إلى
عدن)) وفى رواية ((ما بين عمان إلى أيلة)) و((عمان)) هذه بضم العين وفتح الميم مخففة، بلد
معروف على ساحل البحر من جهة البحرين، وفى رواية كما بين صنعاء إلى المدينة وفى
رواية ما بين بصرى إلى صنعاء أو ما بين أيلة إلى مكة وبصرة بضم الباء وسكون الصاد بلد
معروف بطرف الشام من جهة الحجاز وفى رواية ما بين ((مكة وعمان)) وفى رواية ((ما بين
صنعاء ومكة)) وفى رواية ((كما بين البيضاء إلى بصرى)) والبيضاء بالقرب من الريذة، البلد
المعروف بين مكة والمدينة.
قال الحافظ ابن حجر: وهذه المسافات متقاربة، وكلها ترجع إلى نحو نصف شهر، أو تزيد قليلا
١٢٤
أو تنقص، وقد جمع العلماء بين هذا الاختلاف، فقال عياض: هذا من اختلاف التقدير، لأن ذلك لم
يقع فى حديث واحد، حتى يعد اضطراباً من الرواة، وإنما جاء فى أحاديث مختلفة، عن غير واحد من
الصحابة، سمعوه فى مواطن مختلفة.
وكان النبى # يضرب فى كل منها مثلا لبعد أقطار الحوض وسعته، بما يسنح له من العبارة،
ويقرب ذلك، للعلم ببعد بين البلاد النائية، بعضها عن بعض، لا على إرادة المسافة المحققة. قال:
فبهذا يجمع بين الألفاظ المختلفة من جهة المعنى، وتعقبه الحافظ ابن حجر، من جهة أن ضرب
المثل والتقدير إنما يكون فيما يتقارب، وأما هذا الاختلاف المتباعد، الذى يزيد تارة على ثلاثين
يوما، وينقص إلى ثلاثة أيام، فلا.
وقال القرطبى: ظن بعض الجاهلين أن الاختلاف فى قدر الحوض اضطراب، وليس كذلك، ثم
نقل كلام القاضى عياض، وزاد: وليس اختلافا، بل كلها تفيد أنه كبير، متسع، متباعد الجوانب، ثم
قال: ولعل ذكره للجهات المختلفة بحسب من حضره، ممن يعرف تلك الجهة، فيخاطب كل قوم
بالجهة التى يعرفونها.
وأجاب النووى بأنه ليس فى ذكر المسافة القليلة ما يدفع المسافة الكبيرة، والأكثر ثباتا
بالحديث الصحيح، فلا معارضة، قال الحافظ ابن حجر: وحاصله أنه يشير إلى أنه أخبر أولا
بالمسافة اليسيرة، ثم أعلم بالمسافة الطويلة، فأخبر بها، كأن الله تفضل عليه باتساعه، شيئا بعد
شيء، فيكون الاعتماد على ما يدل على أطولها مسافة، والله أعلم.
وعن مائه وأكوابه تقول الرواية الثالثة ((ماؤه أبيض من الورق، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه
كنجوم السماء)) قال النووى: هكذا هو فى جميع النسخ ((الورق)) بكسر الراء، وهو الفضة، قال:
والنحويون يقولون: إن فعل التعجب الذى يقال فيه: هو أفعل من كذا ( يقصد أفعل التفضيل فهو هنا
أفعل تفضيل، وليس أفعل تعجب، وإن كان هذا الشرط واحدا فيهما) إنما يكون فيما كان ماضيه
على ثلاثة أحرف، فإن زاد لم يتعجب من فاعله - أى ولم يصغ منه أفعل التفضيل إلا بواسطة - وإنما
يتعجب من مصدره، فلا يقال: ما أبيض زيدا، ولا زيد أبيض من عمر، وإنما يقال: ما أشد بياضه، وهو
أشد بياضا من كذا، وقد جاء فى الشعر أشياء من هذا الذى أنكروه، فعدوه شاذا، لا يقاس عليه، وهذا
الحديث يدل على صحته، وهى لغة، وإن كانت قليلة الاستعمال، ومنها قول عمر: ومن ضيعها فهو لما
سواها أضيع.
وفى الرواية الثانية عشرة ((فيه أباريق كنجوم السماء)) وفى الرواية الثالثة عشرة ((لآنيته أكثر من
عدد نجوم السماء وكواكبها، ألا فى الليلة المظلمة المصحية، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من
العسل)) وفى الرواية الرابعة عشرة ((وسئل عن شرابه فقال: أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل،
يغت فيه ميزابان، يمدانه من الجنة، أحدهما من ذهب، والآخر من الورق)» وفى الرواية السادسة
عشرة ((وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء)) وفى الرواية الواحدة والعشرين ((ترى فيه أباريق
الذهب والفضة كعدد نجوم السماء)) زاد فى ملحق الرواية ((أو أكثر من عدد نجوم السماء)» وفى
الرواية الثانية والعشرين ((كأن الأباريق فيه النجوم)).
١٢٥
فتحصل لنا من أوصاف أوانيه:
من حيث العدد: هى أكثر من عدد نجوم السماء، زاد فى الرواية الثالثة عشرة ((ألا فى الليلة
المظلمة المصحية)) و((ألا)) للتنبيه والتأكيد، ورؤية النجوم فى الليلة المظلمة التى لا قمر فيها أكثر
وضوحا ولمعانا، وأكثر عددا. قال النووى: المختار والصواب أن هذا العدد للآنية على ظاهره، وأنها
أكثر عددا من نجوم السماء، ولا مانع عقلى ولا شرعى يمنع من ذلك، بل ورد الشرع به مؤكدا، كما قال
صلى الله عليه وسلم ((والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء)) كذا فى الرواية
الثالثة عشرة - وقال القاضى عياض: هذا إشارة إلى كثرة العدد، وغايته الكثرة، من باب قوله صلى
اللَّه عليه وسلم ((لا يضع العصا عن عاتقه)) - كناية عن كثرة السفر - وهو من باب المبالغة، معروف
فى الشرع واللغة، ولا يعد كذبا إذا كان المخبر عنه فى حيز الكثرة والعظم ومبلغ الغاية فى بابه،
بخلاف ما إذا لم يكن كذلك، قال: ومثله ((كلمته ألف مرة)) و((لقيته مائة كرة)) فهذا جائز إذا كان
كثيرا، وإلا فلا. قال النووى: هذا كلام القاضى، والصواب الأول.
من حيث الجنس: الذهب والفضة.
من حيث النوع والشكل: آنية. إبريق. كوز، وكلها إناء له عروة، وكأن اختياره هنا لأن الشارب
سيغمسه فى الحوض بيده، فناسبه ما له عروة، بخلاف الشراب فى الجنة، فإنه فى كأس أو كوب،
يملأ من غيب إلى عبد.
من حيث اللون: أشد بياضا من اللبن، وأبيض من الفضة اللامعة.
من حيث الطعم: أحلى من العسل.
من حيث الرائحة: أطيب من المسك.
من حيث البرودة: عند أحمد ((أبرد من الثلج)) وعند البزار، والترمذى ((وماؤه أشد برداً من الثلج)).
من حيث الليونة: عند ابن أبى عاصم وابن أبى الدنيا ((وألين من الزبد)).
من حيث مصدر مائه: فى روايتنا الرابعة عشرة ((يغت فيه ميزابان، يمدانه من الجنة، أحدهما
ذهب، والآخر من الورق)) ومعنى ((يغت)) بفتح الياء وضم الغين وكسرها، وتشديد التاء، أى يدفقان
فيه من أعلى، وقيل: يصبان فيه دائما صبا شديدًا، ووقع فى بعض النسخ ((يعب)) بضم العين، بعدها
باء، والعب الشرب بسرعة فى نفس واحد، ووقع فى رواية ((يثعب)) بثاء وعين وباء، أى ينفجر.
و((ميزابان)) تثنية ميزاب، وأصله ((مئزاب)) بهمز، فخففت إلى ياء، وهو أنبوب أو قناة يصرف
بها الماء من سطح بناء إلى وضع عال، وفى الرواية الثالثة عشرة ((آخر ما عليه، يشخب فيه ميزابان
من الجنة)) يشخب بضم الخاء وفتحها، والشخب السيلان وأصله ما خرج من تحت يد الحالب عند
كل غمرة، وعصرة لضرع الشاة.
وقال الحافظ ابن حجر: الكوثر نهر داخل الجنة، ماؤه يصب فى الحوض، ويطلق على الحوض
كوثر، لأنه يمد منه، فهو مادة الحوض، كما جاء صريحاً فى حديث البخارى ((بينما أن أسير فى
١٢٦
الجنة، إذا أنا بنهر، حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر، الذى
أعطاك ربك، فإذا طيبه - أو طينه - مسك أزفر».
وأما عمن يرده، ويشرب منه، ومن يحال بينهم وبينه: فتقول الرواية الثانية ((من شرب لم يظمأ
أبداً، وليردن علىَّ أقوام أعرفهم ويعرفونى، ثم يحال بينى وبينهم، فأقول: إنهم منى؟ فيقال: إنك لا
تدرى ما عملوا بعدك، فأقول: سحقا. سحقا لمن بدل بعدى)» وتقول الرواية الرابعة ((إنى على
الحوض، حتى أنظر من يرد علىَّ منكم، وسيؤخذ أناس دونى، فأقول: يا رب. منى ومن أمتى؟ فيقال:
أما شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم)) وفى الرواية الخامسة ((إنى
على الحوض أنتظر من يرد علىَّ منكم، فوالله، ليتقطعن دونى رجال فلأقولن: أى رب منى ومن أمتى؟
فيقول: إنك لا تدرى ما عملوا بعدك، مازالوا يرجعون على أعقابهم)) وفى الرواية السادسة ((إنى لكم
فرط على الحوض، فإياي، لا يأتين أحدكم فيذب عنى، كما يذب البعير الضال، فأقول: فيم هذا؟
فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول سحقا)) وفى الرواية التاسعة ((أنا فرطكم على الحوض،
ولأنازعن أقواما، ثم لأغلبن عليهم، فأقول: يا رب. أصحابى؟ أصحابى؟ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا
بعدك)) وفى الرواية الرابعة عشرة ((إنى لبعقر حوضى)) أى لواقف فى قاعدته ((أذود الناس لأهل
اليمين)) أى أدفع الناس، لأوسع لأهل اليمين أن يشربوا ((أضرب بعصاى حتى يرفض عليهم)) بفتح
الياء وسكون الراء وفتح الفاء وتشديد الدال، أى حتى يتفرقوا عنهم، ويخلص لهم، وفى الرواية
الخامسة عشرة ((لأذودن عن حوضى رجالا، كما تذاد الغريبة من الإبل)) وفى الرواية السابعة عشرة
((ليردن علىَّ الحوض رجال، ممن صاحبنى، حتى إذا رأيتهم، ورفعوا إلى، اختلجوا دونى)) بضم التاء
وكسر اللام وضم الجيم، أى جذبوا وانتزعوا بعيدا عنى «فلأقولن: أى رب. أصيحابى؟ أصيحابى؟،
فليقالن لى: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)) وفى رواية للبخارى ((إنى فرطكم على الحوض، من مر علىَّ
شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردن علىَّ أقوام، أعرفهم ويعرفونى، ثم يحال بينى وبينهم)) وفى
رواية له ((يرد على يوم القيامة رهط من أصحابى، فيجلون عن الحوض)) بضم الياء وسكون الجيم
وفتح اللام، أى يطردون ويبعدون وفى رواية ((فيحلئون عنه)) بضم الياء وفتح الحاء، وتشديد اللام
المفتوحة، بعدها همزة مضمومة، أى يطردون «فأقول: يارب أصحابى؟ فيقول: إنك لا علم لك بما
أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى)) وفى رواية له ((بينا أنا قائم، فإذا زمرة، حتى إذا
عرفتهم، خرج رجل من بينى وبينهم، فقال: هلم. فقلت: أين؟ قال: إلى النار. والله. قلت: وما شأنهم؟
قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة، حتى إذا عرفتهم، خرج رجل من بينى
وبينهم، فقال: هلم. قلت: أين؟ قال: إلى النار، والله. قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على
أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل الغنم)) أى لا يخلص من هؤلاء الذين وفدوا من
الحوض، وكادوا يردونه فصدوا عنه، والهمل بفتحتين الإبل بلا راع أو الضالة، أى لا يرد منهم إلا
القليل، لأن الهمل فى الإبل قليل بالنسبة لغيره.
من هذه الروايات يتبين:
- أن من شرب من الحوض لا يظمأ أبداً. قال القاضى: ظاهره أن الشرب منه يكون بعد الحساب
والنجاة من النار، فهذا هو الذى لا يظمأ بعده، قال: وقيل: لا يشرب منه إلا من قدر له السلامة من
١٢٧
النار، قال: ويحتمل أن من شرب منه من هذه الأمة، وقدر عليه دخول النار، لا يعذب فيها بالظمأ، بل
يكون عذابه بغير ذلك، لأن ظاهر هذا الحديث أن جميع الأمة يشرب منه، إلا من ارتد، وصار كافرا،
وسيأتى مزيد لهذه المسألة فى فقه الحديث.
( من ورد شرب ) أى من ورد حوضى، وفى الكلام قيد ملاحظ، أى من ورد الحوض ومكن من
الشرب، ففى الأحاديث السابقة أن قوما يردون، فيذادون، فلا يشربون، ففى الرواية السابعة عشرة
(ليردن على الحوض رجال)) وفى روايتنا الثانية عشرة ((من ورد فشرب منه لم يظمأ بعدها أبدا)) أو
المراد من الورود الورود المفضى إلى الشرب الموصل إليه فعلا، والمراد من الورود مع الذود، والطرد،
القرب والدنو منه.
( ليردن علىَّ أقوام أعرفهم ويعرفونى ) بعلامات، وليست المعاصرة والرؤية الدنيوية شرطاً
للمعرفة، ففى الرواية الرابعة والخامسة ((منى ومن أمتى)) لكن فى الرواية السابعة عشرة ((ليردن
على الحوض رجال ممن صاحبنى)» وفى الرواية التاسعة ((فأقول: يارب، أصحابى. أصحابى؟ فيقال:
إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)) فالظاهر أن المراد المعرفة بالرؤية والصحبة الشرعية، ويكونون ممن
قتلوا فى حروب الردة مثلا.
( ثم يحال بينى وبينهم ) بينت رواية البخارى السابقة أحداث هذه الحيلولة، وإلى أين
يذهبون، وفى الرواية التاسعة ((ولأنازعن أقوا ما، ثم لأغلبن عليهم)).
( إنك لا تدرى ما عملوا بعدك) فى الرواية الرابعة ((أما شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما
برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم)) كناية عن الردة والرجوع عن الإسلام، وفى الرواية السادسة
والتاسعة ((إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)).
(فأقول: سحقا. سحقا. لمن بدل بعدى) ((سحقا)» بسكون الحاء، ويجوز ضمها، ومعناه
بعدًا بعدًا، ونصب بتقدير فعل، أى ألزمهم اللَّه سحقا، يقال: سحقه اللَّه وأسحقه، أى أبعده، وسحقته
الريح، أى طردته، وأبعدته، والجملة خبرية.
( فقالت لماشطتها: كفى رأسى ) بضم الكاف وتشديد الفاء، أى اجمعى شعرى وضميه
بعضه إلى بعض، لأغطيه، وأخرج.
( صلى على أهل أحد صلاته على الميت ) قال النووى: أى دعا لهم بدعاء صلاة الميت.
( وإنى قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض ) قال النووى: هكذا هو فى
جميع النسخ ((مفاتيح)) فى اللفظين، بالياء، قال القاضى: وروى ((مفاتح)) بحذف الياء، فمن أثبتها
فهو جمع مفتاح، ومن حذفها فهو جمع مفتح، وهما لغتان فيه.
وفى الرواية الثامنة ((ثم صعد المنبر، كالمودع الأحياء والأموات)) أى خرج إلى قتلى أحد، ودعا
لهم، دعاء مودع، ثم دخل المدينة، فصعد المنبر، فكانت خطبته هذه آخر ما خطب، خطبة مودع، حتى
قال النواس بن سمعان: قلنا: يارسول اللَّه، كأنها موعظة مودع.
وتوديع الأحياء ظاهر،لأن سياقه يشعر بأن ذلك كان فى آخر حياته صلى الله عليه وسلم، وأما
١٢٨
توديع الأموات، فيحتمل أن يكون الصحابى أراد بذلك انقطاع زيارته الأموات بجسده، لأنه بعد موته
-وإن كان حيا - فهى حياة أخروية، لا تشبه الحياة الدنيا، ويحتمل أن يكون المراد بتوديع الأموات،
استغفاره لهم.
( فكانت آخر ما رأيت رسول اللَّه على المنبر) أى فكانت هذه الخطبة آخر خطبه
صلى الله عليه وسلم على المنبر، واكتفى بنفى الرؤية ليكون صادقا، إذ يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم
لم يره.
( فقال له المستورد: ألم تسمعه قال: الأوانى؟ قال: لا) أى قال المستود لشيخه: ألم
تسمع شيخك يذكر فى الحديث وصف أوانى الحوض؟ قال الشيخ: لا. لم أسمع.
( فقال المستورد: ترى فيه الآنية مثل الكواكب) ((ترى)) بضم التاء، مبنى
للمجهول، بمعنى ((تظن)) و((الآنية)) نائب فاعل، وهى للجنس، فما صدقها متعدد، و((مثل))
مفعول منصوب، والمعنى تظن الأوانى فى الحوض مثل الكواكب، يخيل لرائيها أنها
كواكب فى الكثرة والصفاء واللمعان.
(إن أمامكم حوضا) بفتح الهمزة، أى قدامكم زمنا، وفى رواية ((حوضى)).
( والذى نفسى بيده. لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها، ألا فى الليلة
المظلمة المصحية، آنية الجنة، من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه ) أى آخر حياته، أى
أبدا، قال النووى: وأما قوله صلى الله عليه وسلم ((آنية الجنة)) فضبطه بعضهم برفع ((آنية)) وبعضهم
بنصبها، وهما صحيحان فمن رفع فخبر مبتدأ محذوف، أى هي آنية الجنة، ومن نصب فيإضمار
((أعنى)) أو نحوه.
( إنى لبعقر حوضى ) العقر بضم العين وفتحها، مع سكون القاف، وهو أصل كل شيء، وعقر
الدار وسطها.
( أذود الناس لأهل اليمن ) أى أدفعهم بعيدا، لأخلى الحوض أو أوسع لشرب أهل اليمن،
لسبقهم إلى الإسلام، وتمسكهم به، وإخلاصهم له، ورقة قلوبهم فيه.
( أضرب بعصاى، حتى يرفض عليهم ) أى حتى يسيل عليهم، ويتمكنوا منه، قال القاضى:
وعصاه المذكورة فى هذا الحديث هى المكنى عنها بالهراوة فى وصفه صلى الله عليه وسلم فى كتب
الأوائل بصاحب الهراوة، قال أهل اللغة: الهراوة بكسر الهاء العصا، قال: ولم يأت لمعناها فى صنعه
صلى الله عليه وسلم تفسير إلا ما يظهر فى هذا الحديث، قال النووى: وهذا الذى قال فى تفسير
الهراوة بهذه العصا بعيد أو باطل، لأن المراد بوصفه بالهراوة تعريفه بصفته، يراها الناس معه،
فيستدلون بها على صدقه، وأنه المبشر به، المذكور فى الكتب السابقة، فلا يصح تفسيرها بعصا تكون
فى الآخرة، والصواب فى تفسير صاحب الهراوة ما قاله الأئمة المحققون أنه صلى الله عليه وسلم
كان يمسك القضيب بيده كثيرا، وقيل: لأنه كان يمشى والعصا بين يديه، وتغرز له، فيصلى إليها، وهذا
مشهور فى الصحيح.
١٢٩
( لأذودن عن حوضى رجالا، كما تذاد الغريبة من الإبل ) قال النووى: معناه كما يذود
الساقى الناقة الغريبة عن إبله، إذا أرادت الشرب مع إبله. اهـ والحكمة فى الذود المذكور، أنه صلى
الله عليه وسلم يريد أن يرشد كل أحد إلى حوض نبيه، على ما تقدم أن لكل نبى حوضا، وبأنهم
يتباهون بكثرة من يتبعهم، فيكون ذلك من جملة إنصافه، ورعاية إخوانه من النبيين، لا أنه يطردهم
بخلا عليهم بالماء، ويحتمل أنه يطرد من لا يستحق الشرب من الحوض. كذا قال الحافظ ابن حجر،
وفيه نظر، فليس فى الحديث إشارة إلى الدلالة على حوض آخر، وكل ما فيه الإبعاد عن حوضه،
والاحتمال الثانى صحيح، ولا شىء فيه، والظاهر أن هؤلاء الرجال من أمم أخرى غير الإسلام،
لتشبيههم بالإبل الغريبة.
(حتى إذا رأيتهم، ورفعوا إلىَّ اختلجوا دونى) ((ورفعوا إلى)) بالبناء للمجهول، أى
أظهرهم الله حتى أعرفهم اقتطعوا وانتزعوا بعيدا عنى.
( ما بين لابتي حوضى ) أى ما بين ناحيتى حوضى، كما جاء فى الرواية الثامنة عشرة،
وأصلها الأرض ذات الحجارة السود، فأطلقت على مطلق شاطئ الحوض.
فقه الحديث
قال النووى: قال القاضى عياض رحمه الله: أحاديث الحوض صحيحة، والإيمان به فرض،
والتصديق به من الإيمان، وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة، لا يتأول، ولا يختلف فيه، قال
القاضى: وحديثه متواتر النقل، رواه خلائق من الصحابة، فذكره مسلم من رواية ابن عمرو بن العاص
وعائشة وأم سلمة، وعقبة بن عامر وابن مسعود وحذيفة وحارثة بن وهب، والمستورد وأبى ذر، وثوبان
وأنس وجابر بن سمرة، ورواه غير مسلم من رواية أبى بكر الصديق وزيد بن أرقم وأبى أمامة وعبد اللّه
ابن زيد، وأبى برزة وسويد بن جبلة، وعبد الله بن الصنابحى والبراء بن عازب وأسماء بنت أبى بكر
وخولة بنت قيس وغيرهم. قال النووي: ورواه البخارى ومسلم أيضا من رواية أبى هريرة، ورواه غيرهما
من رواية عمر بن الخطاب وعائذ بن عمر وآخرين، وقد جمع ذلك كله الإمام الحافظ أبوبكر البيهقى
فى كتابه البعث والنشور، بأسانيده وطرقه المتكاثرات، قال القاضى: وفى بعض هذا ما يقتضى كون
الحديث متواتراً، اه وزاد الحافظ ابن حجر طرقا أخرى، ثم قال:
فجميع من ذكرهم عياض خمسة وعشرون نفسا، وزاد عليه النووى ثلاثة، وزدت عليهم أجمعين قدر
ما ذكروه، فزادت العدة على الخمسين، ولكثير من هؤلاء الصحابة زيادة على الحديث الواحد، كأبى
هريرة وأنس وابن عباس وأبي سعيد وعبد الله بن عمرو، وأحاديثهم بعضها فى مطلق ذكر الحوض،
وفى صفته قال: وبلغنى أن بعض المتأخرين وصلها إلى رواية ثمانين صحابيا.
وقال القرطبى فى المفهم: مما يجب على كل مكلف أن يعلمه، ويصدق به أن اللَّه تعالى قد خص
نبيه محمدا / بالحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه فى الأحاديث الصحيحة الشهيرة التى
يحصل بمجموعها العلم القطعى، وقد أجمع على إثباته السلف وأهل السنة من الخلف، وأنكرت ذلك
طائفة من المبتدعة، وأحلوه عن ظاهره، وغالوا فى تأويله من غير استحالة عقلية ولا عادية، تلزم من
١٣٠
حمله على ظاهره وحقيقته، ولا حاجة تدعو إلى تأويله، فخرق من حرفه إجماع السلف، وفارق مذهب
أئمة الخلف، قال الحافظ ابن حجر: أنكره الخوارج وبعض المعتزلة.
وقد اختلف العلماء فى موقع الحوض والشرب منه من أحداث الآخرة، فبعضهم يرى أنه بعد
الصراط، وبعضهم يرى أنه قبل الصراط، وبعضهم يرى أن للنبى 18 حوضين أحدهما قبل الصراط
والآخر بعد الصراط فى الجنة.
قال الحافظ ابن حجر: وإيراد البخارى الأحاديث الحوض بعد أحاديث الشفاعة، وبعد نصب
الصراط إشارة منه إلى أن الورود على الحوض يكون بعد نصب الصراط، والمرور عليه، وقد أخرج
أحمد والترمذى عن أنس قال: «سألت رسول الله ﴿ أن يشفع لى، فقال: أنا فاعل، فقلت: أين
أطلبك؟ قال: اطلبنى أول ما تطلبنى على الصراط، قلت: فإن لم ألقك؟ قال: أنا عند الميزان. قلت
فإن لم ألقك؟ قال: أنا عند الحوض)).
وقد استشكل كون الحوض بعد الصراط، بما جاء فى بعض أحاديث الباب من أن جماعة
يدفعون عن الحوض، بعد أن يكادوا يردون، ويذهب بهم إلى النار، ووجه الإشكال أن الذى يمر على
الصراط إلى أن يصل إلى الحوض، يكون قد نجا من النار، فكيف يرد إليها؟ قال الحافظ: ويمكن أن
يحمل على أنهم يقربون من الحوض، بحيث يرونه ويرون النار، فيدفعون إلى النار، قبل أن يخلصوا
من بقية الصراط. اهـ وهذا احتمال بعيد مستبعد.
وذهب القرطبى إلى أن الحوض يكون قبل الصراط، فإن الناس يردون الموقف عطاشى، فيرد
المؤمنون الحوض، وتتساقط الكفار فى النار، بعد أن يقولوا: ربنا عطشنا؟ فترفع لهم جهنم، كأنها
سراب، فيقال: ألا ترون؟ فيظنونها ماء، فيتساقطون فيها، وقد رد عليه الحافظ ابن حجر بأن الصراط
جسر جهنم، وأنه بين الموقف والجنة، وأن المؤمنين يمرون عليه، لدخول الجنة، فلوكان الحوض
دونه لحالت النار بينه وبين الماء الذى يصب من الكوثر فى الحوض، وظاهر الحديث أن الحوض
بجانب الجنة، لينصب فيه الماء من النهر الذى داخلها.
قال القرطبى: والصحيح أن النبى # حوضين، أحدهما فى الموقف، قبل الصراط، والآخر داخل
الجنة، وکل منهما یسمی کوثرا.
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- من قوله فى الرواية السابعة ((وإنى والله لأنظر إلى حوضى الآن)) قال النووي: هذا تصريح بأن
الحوض حوض حقيقى، على ظاهره، وأنه مخلوق موجود الآن.
٢- وفيه جواز الحلف من غير استحلاف، لتفخيم الشيء وتوكيده.
٣- ومن قوله ((أعطيت مفاتيح خزائن الأرض)) معجزة لرسول اللّه*، فإن معناه الإخبار بأن أمته
تملك خزائن الأرض، وقد وقع ذلك والحمد للّه.
٤- ومن قوله ((وإنى والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدى)) أن الأمة لا ترتد جملة، وقد عصمها اللَّه
تعالى من ذلك.
١٣١
٥- ومن قوله ((ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها)) أن الأمة ستتنافس فى الدنيا، وقد وقع
ذلك أيضا.
٦ - وأنها ستتقاتل من أجل الدنيا، ويهلك بعضها بعضها، وقد وقع.
٧- ومن قوله فى الرواية السابعة أيضا ((وأنا شهيد عليكم)) أن الرسول و # شهيد على أمته.
٨- ومن حديث أم سلمة، روايتنا السادسة، من قولها ((إنى من الناس)) دليل لدخول النساء فى
خطاب الناس، وهذا متفق عليه، وإنما اختلفوا فى دخولهن فى خطاب الذكور، قال النووى:
ومذهبنا أنهن لا يدخلن فيه.
٩ - وفيه إثبات القول بالعموم.
١٠- قال الحافظ ابن حجر: وقد اشتهر اختصاص نبينا ﴾ بالحوض، لكن أخرج الترمذى من حديث
سمرة، رفعه ((إن لكل نبى حوضا)» وقد أشار الترمذى إلى أنه اختلف فى وصله وإرساله، وأن
المرسل أصح. قال الحافظ ابن حجر: والمرسل أخرجه ابن أبى الدنيا بسند صحيح عن الحسن
قال: قال رسول اللّه ◌َ ﴿ ((إن لكل نبى حوضا، وهو قائم على حوضه، بيده عصا، يدعو من عرف من
أمته، إلا أنهم يتباهون أيهم أكثر تبعا، وإنى لأرجو أن أكون أكثرهم تبعا)» وعند ابن أبى الدنيا،
من حديث أبى سعيد، رفعه ((وكل نبى يدعو أمته، ولكل نبى حوض، فمنهم من يأتيه الفئام)) -
الجماعة الكثيرة فوق الأربعين - ((ومنهم من يأتيه العصبة)) - من العشرة إلى الأربعين - ((ومنهم
من يأتيه الواحد، ومنهم من يأتيه الاثنان، ومنهم من لا يأتيه أحد، وإنى لأكثر الأنبياء تبعا يوم
القيامة)) قال الحافظ ابن حجر: فإن ثبت فالمختص بنبينا # الكوثر، الذى يصب من مائه فى
حوضه، فإنه لم ينقل نظيره لغيره، ووقع الامتنان عليه به فى السورة المذكورة.
١١- ومن الرواية الرابعة عشرة كرامة لأهل اليمن، فى تقديمهم للشرب منه.
١٢ - ومن قوله ((أصحابى؟ أصحابى؟)) فى الرواية التاسعة، وقوله فى الرواية الثانية ((أعرفهم
ويعرفونى)» دليل لصحة تأويل من تأول أنهم أهل الردة، ولهذا قال فيهم: ((سحقا. سحقا)) ولا يقول
ذلك فى مذنبى الأمة بل يشفع لهم، ويهتم لأمرهم.
١٣- ومن حديث أم سلمة، روايتنا السادسة الخطبة عند الأمر الهام.
والله أعلم
١٣٢
(٦٠٩) باب إكرامه صلى الله عليه وسلم بقتال الملائكة معه
٥٢٣٣- ٤٢٦ٌّ عَن سَعْدٍ عَ﴾(٤٦) قَالَ: رَأَيْتُ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ وَعَنْ شِمَالِهِ، يَوْمَ أُحُدٍ،
رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ثِيَّابُ بَيَاضٍ. مَا رَأيْتُهُمَا قَبْلُ وَلا بَعْدُ يَعْنِي جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلام.
٥٢٣٤- ٤٣ عَن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ◌َ﴾(٤٧) قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ يَوْمَ أُحُدٍ، عَنْ يَمِينِ رَسُولِ
اللَّهِ ﴿ وَعَنْ يَسَارِهِ، رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ثِيَّابٌ بِيضٌ. يُقَاتِلانِ عَنْهُ كَأَشَدِّ الْقِتَالِ. مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ
وَلا بَعْدُ.
المعنى العام
يقول اللَّه تعالى ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرِ وَأَنْتُمْ أَِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ
أَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ ءَالاَفٍَ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزِلِينَ ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِن
فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءَآلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إَلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ
قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَ مِن عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفِّرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا
خَائِبِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٣-١٢٧]
إن كفار قريش فى غزوة بدر لم يكونوا يتجاوزون الألف، ولم تكن هزيمتهم فى حاجة إلى مثل هذا
العدد من الآدميين، فضلا عن الملائكة، ولكنه التكريم، وزف البشرى للنبى 8 والمؤمنين، وزيادة
اطمئنان لهم بالنصر منذ الضربة الأولى، وليعلم المؤمنون أن النصر من عند الله.
لكن تكريما آخر من نوع جديد، ليس له مثيل فى تاريخ البشرية، ينهزم جيش المسلمين فى أحد،
ويولون الأدبار، وقد أعلن أعداء الإسلام أن محمدا قتل، فر بعضهم حتى وصل إلى المدينة، وفر بعضهم
فى شعاب الجبال، لينجو بنفسه، ويقف رسول الله ﴿ وليس معه، أو حوله سوى سبعة من الأنصار،
وسبعة من قريش، أربعة عشر أمام جيش الكفر، كل أمنيتهم أن يقتلوا محمدا، كيف لم يصلوا إليه؟
كيف لم يقتلوه؟ أين رماتهم؟ ونبالهم؟ وسيوفهم؟ ورماحهم؟ لقد روى عبد الرزاق أنهم ضربوا وجه
النبى 8* يومئذ بالسيف سبعين ضربة» كيف طاشت هذه الضربات؟ أو من الذى حماه منها؟ جواب
كل ذلك فى هذا الحديث.
يقول سعد بن أبى وقاص ظه لقد رأيت يوم أحد، عن يمين رسول الله ﴿، وعن يساره
(٤٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ وَأَبُو أُسَامَةً عَنِ مِسْعَرٍ عَنِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَن سَعْدٍ
(٤٧) وحَدَّثَنِي إِسْحَقُ بْنَّ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَّدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ خُدَّثَنَا إِبْرَاهِيَمُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنَا سَعْدٌ عَن أَبِيهِ عَنْ
سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ
١٣٣
رجلين، عليهما ثياب بيض، يقاتلان عنه، كأشد القتال، ما رأيتهما قبل هذا اليوم، وما
رأيتهما بعد انتهاء المعركة.
إنهما جنديان من جنود اللَّه ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ وَمَا هِيَ إِلا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣١]
وأى تكريم لمحمد * يفوق هذا التكريم؟ وأى حماية تعلَو هذه الحمايةَ؟ وصدق الله العظيم إذ يقول
﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس﴾ [المائدة: ٦٧] صلى الله وسلم وبارك عليه.
المباحث العربية
(رأيت عن يمين رسول الله®، وعن شماله يوم أحد رجلين ) الكلام على التوزيع، أى
عن يمينه رجل، أى ملك فى صورة رجل، وعن شماله رجل، أو كانا يتبادلان المواقع، فكل منهما عن
يمينه وشماله والظاهر الأول.
( ما رأيتهما قبل ولا بعد ) كناية عن كونهما غريبين، وجبريل وميكائيل بالنسبة له كذلك.
( يقاتلان عنه، كأشد قتال ) فرق بين ((يقاتلان عنه)) أى يدافعان عنه، ويصدان ضربات
الكفار الموجهة إليه، ويحميانه ويعصمانه، وبين يقاتلان معه، أى يضربان الكفار، ويحاربونهم معه
ومع أصحابه، وقوله ((كأشد قتال)) صفة لمصدر محذوف، أى قتالا مشبها أشد القتال.
فقه الحديث
ترجم النووى - رحمه الله - لهذا الحديث بباب إكرامه صلى الله عليه وسلم بقتال الملائكة معه
صلى الله عليه وسلم، ولا يؤخذ هذا من الحديث، إذ لفظه ((يقاتلان عنه)) وفرق بين اللفظين، كما
ذكرنا فى المباحث العربية.
وقتال الملائكة أو نزول الملائكة فى المعارك ثابت بنص القرآن الكريم، إذ يقول: ﴿وَلَقَدْ
نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرِ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ
يُمِدَّكُمْ رَيُّكُمْ بَثَلاثَّةِ ءَآلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزِينَ ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِن فَوْرِهِمْ
هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةٍ ءَآلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوَّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى لَّكُمْ
وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِن عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا
أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٣-١٢٧] قال الحافظ ابن حجر: اختلف أهل
التأويل فِى متعلق قولهَ ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فمنهم من قال: هى متعلقة بقوله ﴿ وَلَقَدْ
نَصَرَكُمُ اللَّهُ بَبَدْرِ﴾ فهى فى قصة بدر، وعليه عمل البخارى، وهو فى قول الأكثر، وبه جزم
الداودى، وقيل: هَّى متعلق بقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِن أَهْلِكَ تُبَوِّئُّ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾
[آل عمران: ١٢١] فعلى هذا هى متعلقة بغزوة أحد، وهو قول عكرمة وطائفة. اهـ
وعلى كل. هل قاتلت الملائكة؟ أو نزلت للتثبيت والمدد وتكثير العدد؟ فقيل: إنها لم تقاتل أصلا،
إذ لوقاتلت ما كانت هناك موازنة بين جيش المسلمين والكفار، ولما حصلت الهزيمة فى أحد، ولما
١٣٤
كان للمجاهدين فضل، بل كان يكفى قتال ملك واحد، فجبريل عليه السلام قادر على أن يدفع الكفار
بريشة من جناحه، وقيل: قاتلت قتالا يحفظ التوازن فى الصورة، ليكون الفعل فى الظاهر للنبى وقَ ﴾.
وأصحابه، وقيل: قاتلت فى بدر، وكانت مددا فى أحد، وقد روى البخارى عن ابن عباس - رضى الله
عنهما - قال: ((قال النبى * يوم أحد: هذا جبريل آخذ برأس فرسه، عليه أداة الحرب» قال الحافظ
ابن حجر: هذا الحديث وهم من وجهين، أحدهما أن هذا الحديث تقدم بسنده ومتنه فى باب شهود
الملائكة بدرا، ولهذا لم يذكره هنا أبو ذرولا غيره من متقنى رواه البخارى، ولا استخرجه الإسماعيلى و
لا أبو نعيم، ثانيهما أن المعروف فى هذا المتن «يوم بدر)) لا يوم أحد.
قال القرطبى فى تفسيره: فإن قيل: قد ثبت عن سعد بن أبى وقاص أنه قال: ((رأيت عن يمين
رسول اللَّه يوم أحد، رجلين عليهما ثياب بيض، يقاتلان عنه أشد القتال، ما رأيتهما من قبل ولا
بعد)) قيل: لعل هذا مختص بالنبى ◌ُ﴾، وخصه بملكين يقاتلان عنه، لا يقاتلان عن الصحابة، اهـ
وقيل: إن فى حديث سعد بن أبى وقاص وهما، ففى بعض النسخ ((يوم بدر)) لا يوم أحد، على أن
الغرض من نزول هذين الملكين فى ((أحد)) حماية الرسول و من الكفار، كما أوضحنا، والله أعلم.
ويؤخذ من الحديث
١ - فضيلة الثياب البيض.
٢- وأن رؤية الملائكة لا تختص بالأنبياء.
٣- ومنقبة لسعد بن أبى وقاص، الذى رأى الملائكة.
٤ - وفيه كرامة للنبى 8 على اللّه تعالى، وإكرامه إياه بإنزال الملائكة تقاتل عنه.
٥ - وبيان أن الملائكة تقاتل.
٦- وأن الملائكة تنزل فى صورة الرجال ..
واللَّه أعلم
١٣٥
(٦١٠) باب من شجاعته صلى الله عليه وسلم
٥٢٣٥ - ٤٨ْ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَ﴾(٤٨) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِوَّ أَحْسَنَ النَّاسِ. وَكَانٌ
أَجْوَدَ النَّاسِ. وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ. وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ
الصَّوْتِ. فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ:﴿ رَاجِعًا، وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لأَبِي
طَلْحَةَ عُرْيٍ، فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ، وَهُوَ يَقُولُ: «لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا» قَالَ: «وَجَدْنَاهُ بَحْرًّا. أَوْ
إِنَّهُ لَبَحْرٌ» قَالَ وَكَانَ فَرَسًا يُبَطَّأُ.
٥٢٣٦ - ٦ْجَ عَنْ أَنَسٍ ﴾(٤٩) قَالَ: كَانُ بِالْمَدِينَةِ فَزَعٌ. فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّنَّ فَرَسًا لأَبِي طَلْحَةَ
يُقَالُ لَهُ مَنْدُوبٌ. فَرَكِبَهُ فَقَالَ «مَا رَأَيْنَا مِن فَزَعٍ. وَإِنْ وَجَدْنَاهُ لَّبَحْرًا».
٥٢٣٧ - وَفِي روايةٍ عَنْ شُعْبَةُ، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: فَرَسًّا لَنَا. وَلَمْ
يَقُلْ: لِأَبِي طَلْحَةَ. وَفِي حَدِيثِ خَالِدٍ: عَنْ قَتَادَةً، سَمِعْتُ أَنَسًّا.
المعنى العام
الشجاعة صفة محمودة، ما لم تصل إلى حد التهور، والإقدام بدون حكمة، والجبن صفة مذمومة
كان الرسول : يقول: اللَّهم إنى أعوذ بك من الجبن.
وللرسول # مواقف تشهد له بالشجاعة، بل مواقف شجاعة انفرد بها من بين أصحابه، وهذا
الحديث صورة من صور شجاعته صلى الله عليه وسلم، يسمع ويسمع أصحابه أصواتا خارج المدينة،
وهم يتوقعون أن يهاجمهم الأعداء فى أى لحظة، فيظنون الأصوات هجوماً، فيبادر صلى اللّه عليه
وسلم بسيفه نحو مصدر الصوت، ويسبق إليه جميع الصحابة، حتى إنه ليكتشف الأمر ثم يعود، قبل
أن يصل إليه السابقون من الصحابة، فيقابلهم، هو فى طريق العودة، وهم فى طريق الذهاب، برغم أن
الفرس الذى ركبه لهذه المهمة كان مستعاراً مشهوراً بالبطء فى سيره، لكن الله أكرمه، فحول الفرس
من بطء إلى سرعة وجودة سير.
ومواقف شجاعته صلى الله عليه وسلم لا تحصى، ويكفينا مثلا عليها ما رواه البخارى فى غزوة
(٤٨) حَدََّا يَحْتَى بْنُ يَحْتَى التَّمِيمِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مِنْصُورٍ وَأَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ وَأَبُو كَامِلٍ وَاللَّفْظُ لِيَحْبَى قَالَ يَحْبَى أَخْبُرَنَا وقَالَ
الآخَرَانِ حَدَّثَنَا حَمَّدٌ بْنُ زَيْدٍ عَن ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ
(٤٩) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنًا وَكِيعٌ عَنَ شُعْبَةً عَنِ قَتَادَةَ عَنِ أَنَسٍ
- وحَدَّثْنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَابْنُ بَشَارٍ قَالا حَدَّقْنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حَ وَحَدَّثَبِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ حَدَّثْنَا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ
الْحَارِثِ قَالا حَدَّثَنَا شُعْبَةُ
١٣٦
حنين، فقد ولى المسلمون وفروا حين رشقتهم هوازن بالنبال، عشرة آلاف أو يزيدون، يفرون ويقف
صلى الله عليه وسلم وحده على بغلته البيضاء، وهو يقول: أنا النبى لا كذب، أنا ابن عبد المطلب،
ويضرب بالسيف، ويبعث من ينادى على الفارين، فيعودون، ويقاتلون، فينتصرون.
لقد سأل رجل البراء بن عازب سؤالا خبيثا، فقال له: يا أبا عامر، أوليتم مع النبى * يوم حنين؟
فقال: لكن رسول اللَّه﴾﴾ لم يفر، لقد كانت هوازن رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على
الغنائم، فاستقبلنا بالسهام، ولقد رأيت رسول اللّه له على بغلته البيضاء، وهو يقول أنا النبى لا
كذب، أنا ابن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم.
المباحث العربية
( أحسن الناس ) خلقا وخلقا.
( وأشجع الناس ) الشجاعة وسط بين التهور والجبن، بضم الجيم وسكون الباء.
( ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة ) الفزع الخوف الشديد المفاجئ، وكان خوفهم من إغارة
أعدائهم الكفار من حولهم، الذين يتربصون بهم، وكان فزعهم لسماعهم أصواتا خارج المدينة، ظنوها
جيش أعداء، وفى الرواية الثانية ((كان بالمدينة فزع)) أى وجد بالمدينة فزع.
( فانطلق ناس قبل الصوت ) بكسر القاف وفتح الباء، أى جهة الصوت، لاستطلاع الخبر،
ولرد الاعتداء.
( فتلقاهم رسول اللّه راجعا، وقد سبقهم إلى الصوت) إلى مكان مصدر
الصوت، فلم يجد ما يخيف، فرجع إلى المدينة سريعا، ليطمئنهم، فالتقى فى طريق عودته
بالناس المنطلقين نحوه.
( وهو على فرس لأبى طلحة عرى ) بضم العين وسكون الراء، أى ليس عليه سراج ولا أداة،
قالوا: ولا يقال فى الآدميين: رجل عرى، إنما يقال: عريان، قال الحافظ ابن حجر: وحكى ابن التين
أنه ضبط فى الحديث بكسر الراء وتشديد الياء، وليس فى كتب اللغة ما يساعده، اهـ وفى رواية
((استقبلهم على فرس عرى، ما عليه سرج)) بضم السين والراء، وأبو طلحة هو أبو زيد بن سهل، زوج أم
سليم، أم أنس، وفى الرواية الثانية ((فاستعار النبى {8 فرسا لأبى طلحة، يقال له: مندوب، فركبه))
وفى ملحق الرواية الثانية يقول أنس ((استعار فرسا لنا)) وهو كذلك، فأبو طلحة زوج أمه. والظاهر أن
رسول الله﴾ لم يكن عنده فرس ولا بغلة حينئذ، وهو فى حاجة إلى الإسراع.
قال النووى: وقع فى هذا الحديث تسمية هذا الفرس مندوبا، قال القاضى: وقد كان فى أفرأس
النبى ﴾ «مندوب)) فلعله صار إليه، بعد أبى طلحة. هذا كلام القاضى، قلت: ويحتمل أنهما فرسان،
اتفقا فى الاسم
١٣٧
( فى عنقه السيف ) تعليق السيف فى العنق يحتاجه الفارس كثيرا، ليكون أعون له على
مهامه الأخرى، وهو يشير إلى أنه لم يخرج أعزل مخاطرا، بل مسلحا مقداما.
( وهو يقول: لم تراعوا. لم تراعوا ) مرتين، وفى رواية مرة واحدة، و((تراعوا)) بضم التاء، مبنى
للمجهول، مجزوم بحذف النون، يقال: راع، يروع، روعا بفتح الراء، فزع، وراع الأمر فلانا أفزعه، ثلاثى،
وأراعه أفزعه أيضا من الرباعى. والمعنى لم يخفكم أحد، وليس فى الأمر شيء يفزعكم، وفى الرواية
الثانية ((ما رأينا من فزع)) أى من شيء يفزع، قال النووى: ((لم تراعوا)) أى روعا مستقرا، أو روعا
يضركم. اهـ يجيب بذلك عما قد يقال: كيف ينفى عنهم الروع، وقد حصل لهم الروع؟ وقد أجبنا بأن
النفى موجه إلى سبب الروع، لا إلى الروع نفسه، حتى يجيب بما أجاب، وجوابنا أقرب إلى المراد.
( قال: وجدناه بحرا - أو إنه لبحر - قال: وكان فرسا يبطأ ) أى كان فرس أبى طلحة
فرسا يتهم بالبطء، ويوصف بسوء السير، وفى الكلام تقديم وتأخير، والأصل: وكان فرس أبى طلحة
فرسا يبطأ - بضم الياء وفتح الباء، وجدناه بعد أن ركبه النبى 88 بحرا، أى واسع الخطو، سريع
الجرى، قال الأصمعى: يقال للفرس: بحر، إذا كان واسع الجرى، أو لأن جريه لا ينفد، كما لا ينفد
البحر، أى التشبيه بالبحر إما فى السعة، وإما فى الكثرة وعدم الانقطاع.
وفى الرواية الثانية ((وإن وجدنا لبحراً)) قال الخطابي: ((إن)) هى النافية، واللام فى ((لبحراً))
بمعنى ((إلا)) أى ما وجدناه إلا بحراً، قال ابن التين: هذا مذهب الكوفيين، وعند البصريين ((إن))
مخففة من الثقيلة، واللام زائدة. وهذه الجملة من مقوله صلى الله عليه وسلم، ثناء على الفرس الذى
كانوا يتندرون ببطئه، وفى رواية البخارى ((فلما رجع قال: ما رأينا من شيء، وإن وجدناه لبحرا)) وفى
روايتنا الثانية ((ما رأينا من فزع، وإن وجدناه لبحراً ».
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١- من شدة عجلته صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى العدو، قبل الناس كلهم، وتعريض نفسه
لمواجهة العدو بمفرده، شجاعته صلى الله عليه وسلم.
٢- وفيه جواز سبق الإنسان وحده فى الكشف عن أخبار العدو، ما لم يتحقق الهلاك.
٣- واستحباب تقلد السيف فى العنق.
٤- واستحباب تبشير الناس بعدم الخوف، وبث الاطمئنان فيهم إذا ذهب ما يخيف.
٥- وفيه عظيم بركته صلى الله عليه وسلم ومعجزته فى انقلاب الفرس سريعا، بعد أن كان يبطأ .
٦ - وفيه جواز ركوب الفرس العری.
٧- وتواضعه صلى اللَّه عليه وسلم.
١٣٨
٨- وفيه ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الفروسية البالغة، فإن الركوب المذكور، لا يفعله إلا من
أحكم الركوب، وأدمن على الفروسية.
٩- وأنه ينبغى للفارس أن يتعاهد الفروسية، ويروض طباعه عليها، لئلا يفجأه شدة، فيكون قد استعد
لها. قاله الحافظ ابن حجر.
١٠- وجواز استعارة الفرس ونحوه، والعارية بتشديد الياء ويجوز تخفيفها هى هبة المنافع، دون
الرقبة، قال الحافظ ابن حجر: ويجوز توقيتها، وإذا تلفت فى يد المستعير ضمنها، إلا فيما إذا
كان ذلك من الوجه المأذون فيه.
والله أعلم
١٣٩
(٦١١) باب جوده صلى الله عليه وسلم
٥٢٣٨- ٢٠° عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٥٠) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ أَجْوَدَ النَّاسِ
بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامِ كَانَ يَلْقَاهُ، فِي كُلِّ
سَنَةٍ فِي رَمَضَانْ حَتَّى يَنْسَلِخَ. فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ِ الْقُرْآنَ. فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَان
رَسُولُ اللَّهِ ﴿ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.
المعنى العام
يراجع المعنى العام لأحاديث باب فى سخائه صلى اللّه عليه وسلم الآتى بعد باب واحد.
المباحث العربية
( كان رسول الله ﴿ أجود الناس بالخير) ((أجود)) بالنصب، خبر ((كان)) والمعنى كان
أكثر الناس جودا، والجود الكرم، وهو من الصفات المحمودة، وقدم ابن عباس هذه الجملة على ما
بعدها على سبيل الاحتراس من مفهوم ما بعدها، لئلا يتخيل من قوله ((وكان أجود ما يكون فى شهر
رمضان)) أن الأجودية منه خاصة برمضان، فأثبت له الأجودية المطلقة أولا، ثم عطف عليها زيادة
ذلك فى رمضان، وقوله ((بالخير)) أعم من الصدقة ومن المال، إذ الجود فى الشرع إعطاء ما ينبغى لمن
ينبغى، وعند الترمذى عن أنس، رفعه («أنا أجود ولد آدم، وأجودهم بعدى رجل علم علما، فنشر علمه،
ورجل جاد بنفسه فى سبيل الله)).
(وكان أجود ما يكون فى شهر رمضان) برفع ((أجود)) فى أكثر الروايات، على أنه اسم
((كان)) وخبره محذوف، وهو نحو أخطب ما يكون الأمير فى يوم الجمعة، أو هو مرفوع على أنه مبتدأ،
مضاف إلى المصدر، وهو ((ما يكون)) فما مصدرية، وخبره ((فى شهر رمضان)) والتقدير: أجود أكوان
رسول الله ێ فى رمضان.
وفى رواية ((أجود)) بالنصب، على أنه خبر ((كان)) وتعقب بأنه يلزم منه أن يكون خبرها اسمها،
وأجيب بجعل اسم ((كان)) ضمير النبى ﴿)، و((أجود)) خبرها، والتقدير: كان رسول اللّه ◌ُ لّ مدة كونه
(٥٠) حَدَّثَا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ حٍ وحَدَّثَنِي أَبُو عِمْرَانُ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ
وَاللَّفْظُ لَهُ أَخْبَرَنَا إِبْرَّاهِيمُ عَنِ ابْنِ شِهَاَبٍ عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
- وحّدَّثَنَاه ◌َبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا ابْنٌّ مُبَارَكٍ عَنْ يُونُسَ ح وحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَّرَنَا مَعْمَرٌ كِلاهُمَا عَنِ
الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ.
١٤٠