Indexed OCR Text
Pages 481-500
(٥٨٢) باب حق الجلوس على الطريق
وحق المسلم على المسلم
٤٩٣٢ - ٢ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ عَ﴾(٢) قَالَ: كُنّا قُعُودًا بِالأَقْنِيَةِ نَتَحَدَّثُ. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ه
فَقَامَ عَلَيْنَا، فَقَالَ «مَا لَكُمْ وَلِمَخَالِسِ الصُّعُدَاتِ. اجْتَِبُوا مَجَالِسَ الصُّعُدَاتِ» فَقُلْنَا: إِنَّمَا
فَعَدْنَا لِغَيْرٍ مَا بَاسٍ. فَعَدْنَا تَتَذَاكَرُ وَنْتَحَدَّثُ. قَالَ «إِمَّا لا فَأَدُّوا حَقَّهَا: غَضُّ الْبَصَرِ، وَرَدُّ
السَّلامِ، وَحُسْنُ الْكُلامِ».
٤٩٣٣- ٣ عَن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَِّ﴾(٣)، عَنِ النَّبِيِّ: ﴿ قَالَ «إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطَّرَّقَاتِ»
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا بُدِّ مِن مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ «إِذَا أَبَيْتُمْ إِلا
الْمَجْلِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ» قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ
السَّلامِ، وَالأُمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكِّرِ».
٤٩٣٤- ثُ عَنْ أَبِي هُرَِّرَةَ عِ(٤) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَتِ «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى
الْمُسْلِمِ خَمْسٌ».
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾ «خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمٍ عَلَى أَخِيهِ: رَدُّ
السَّلامِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتَّبَاعُ الْجَنَائِزِ» قَالَ عَبْدُ
الرِّزَاقِ: كَانَ مَعْمَرٌ يُرْسِلُ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَأَسْنَدَهُ مَرَّةً عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَن
أَبِي هُرَيْرَةٌ.
٤٩٣٥-٢ٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(٥)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ
سِتٌّ) قِيلَ مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلّمْ عَلَيْهِ. وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ. وَإِذَا
اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ. وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ، فَسَمَّتْهُ. وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ. وَإِذَا مَاتَ فَالْبِغْهُ».
(٢) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدَّثَنَا عَفَانُ حَدْقَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِنْنِ أبِي
طَلْحَةٌ عَنْ أَبَيْهِ قَالَّ أَبُو طَلْحَةً
(٣) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بَّنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةً عَنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنِ عَطّاءِ بْنِ يَسَارِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
- حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَّدَنِيُّ ح وحَدْقَنَا مَّحَمَّدُ بْنُّ رَافِعٍ خَذْثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عَنِ هِشَامٍ
يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ كِلَاهُمَا عَنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَّ بَهَذَا الإِنَادِ.
(٤) حَدَِّتِي حَرْمَلَةُ بْنُ يُحْتِى أَخْبَرَلَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي ◌َّوْنُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ الْمُسْيَّبِ أَنْ أَبَا هُرَيْرَةَ
ح وَ حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْيَرَنَا مَعْمَرَّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ عن أبى هريرة
(٥) حَدَّثَّا يَحْتِى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا حَدَّقَا إِسْمَعِيلُ وَّهُوَ ابْنَّ جَعْفٍَ عَنِ الْعَلاءِ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
٤٨١
المعنى العام
طريق الناس وظلهم بيئة عامة، ينتفع بها الغنى والفقير، والعظيم والحقير، والكبير والصغير، فمن
أفسد فيه مفسدة فقد أفسد على الناس، ومن وضع فيه عائقاً، فقد حال بين الناس وبين الانتفاع به،
ومن هنا نهى الشارع عن التبول والتبرز فى طريق الناس وظلهم، بل حرض المسلمين على إزالة الأذى
عنه، وتهيئته للمارة، فرجل أزال غصن شوك من الطريق، غفر الله له وأدخله الجنة، وحرص الشارع
على كل ما يضمن للمارة الراحة والوسع وحرية الذهاب والمجىء، وكان من المضايقات جلوس
الناس أفراداً وجماعات على قارعة الطريق، إنهم يؤذون المارة بأبصارهم، فيفتنونهم، أو يفتتنون بهم،
ويكتشفون ما يخفونه من أمور حياتهم، ومستور عوراتهم، يتغامزون عليهم، ويسخرون منهم،
ويعيبونهم، ويغتابونهم، كان هذا الجلوس على الطريق فى صدر الإسلام، نهاراً أو ليلا عادة منتشرة،
سهلها وأعان عليها فراغ كبير، وقلة عمل، وضعف مجالات السعى، فإبلهم وأبقارهم وغنمهم تسرح
قطعانا وحدها، أو مع صبى صغير، تخرج خماصا صباحاً وتعود بطانا عند الغروب من كلأ مباح،
وتجارتهم المتواضعة فى أيدى نفر قليل منهم، يسعى بها لنفسه، ولملأ من قومه، فجلوسهم بكثرة على
المساطب أمام ساحات البيوت الواسعة، والأفنية الكبيرة، أمر دفعت إليه البيئة، واحتاجها
المجتمع، لم تكن هناك المقاهى والنوادى والمسارح الموجودة اليوم للعاطلين، وإيذاء المارة على هذه
الحالة أمر لازم، فكيف يعالج المشرع هذه المشكلة؟ ليس من السهل أن يصدر أمراً بمنع الجلوس على
الطرقات، فهو يعلم علم اليقين أن فى ذلك مشقة عليهم، والدين يسر، فليكن الأمر بذلك وسيلة للشكوى
منهم، فتستجاب الشكوى، وتوضع الضوابط المطلوبة والآداب الوافية، فيكونون بين أمرين، لا ثالث
لهما، مرعليهم رسول اللَّه، وهم جلوس على قارعة طريق، فوقف، فقال: مالكم وللجلوس على
الطريق؟ اجتنبوا الجلوس على الطريق، إياكم والجلوس على الطريق. فزعوا من الأمر، وانزعجوا من
هذا النهى، وقال قائلهم: يارسول الله، هذه مجالسنا التى لاغنى لنا عنها، نتحدث فيها، ونتذاكر فيها
ما جرى ويجرى لنا، فقال المشرع الحكيم: إما أن تجتنبوا الجلوس فيها، وإما أن تؤدوا حقها. قالوا:
مستعدون أن نؤدى حقها، فما حقها؟ وما الواجب لها؟ قال: غض البصر عن الحرمات، وعدم إيذاء
المارة بألسنتكم وإشاراتكم ورد السلام على من سلم عليكم منهم، وإرشاد ضالهم، وإجابة سائلهم،
وإعانة مظلومهم ومحتاجهم، وإغاثة ملهوفهم، وأمرهم بالمعروف إذا تركوه، ونهيهم عن منكر فعلوه،
وذكر الله كثيرا. قالوا: سمعنا وأطعنا.
المباحث العربية
(كنا قعوداً بالأفنية) ((قعود)) بضم القاف، جمع قاعد، والأفنية جمع فناء بكسر الفاء، وبالمد،
وقد تقصر، وهو المكان المتسع أمام الدار، ويتبع الدار، كحرم لها، وتبنى عليه المساطب، والمعنى: كنا
جلوساً بفناء من الأفنية، والمتكلم أبو طلحة، يقصد نفسه وأصدقاءه.
(تتحدث) جملة مستأنفة استئنافاً تعليلياً، فى جواب سؤال مقدر، أى لم كنتم تجلسون؟ أو
استئنافا بيانيا، كأن سائلا سأل: ماذا كنتم تفعلون؟.
٤٨٢
(فقام علينا) أى وقف عندنا، وثبت.
(مالكم ولمجالس الصعدات؟ اجتنبوا مجالس الصعدات) بضم الصاد والعين، جمع
صعيد، وهو المكان الواسع، وقيل: جمع صعيد، كطريق وطرقات، وزنا ومعنى، والمراد به ما يراد من
الفناء، قال الحافظ ابن حجر: وزعم ثعلب أن المراد بالصعدات وجه الأرض، والاستفهام إنكارى
توبيخى، أى ما كان ينبغى لكم هذه المجالس، وفى الرواية الثانية ((إياكم والجلوس بالطرقات)»
بأسلوب التحذير، و((الجلوس)) بالنصب، أى احذروا الجلوس بالطرقات.
(فقلنا: إنما قعدنا لغير ما بأس، قعدنا نتذاكر ونتحدث) القائل أبو طلحة، ونسب
القول للمجموع لرضاهم به، وموافقتهم عليه، كقوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ [الأعراف: ٧٧] و((ما)»
زائدة، أى لغير ضرر، ولغير إساءة، أى وإذا كان هذا حالنا، فلم نمنع؟ كأنهم فهموا أن الأمر للإرشاد،
فراجعوا، أو فهموا أن الشكوى وبيان العذر قد يؤدى إلى النسخ، وفى الرواية الثانية ((مالنا بد من
مجالسنا، نتحدث فيها)) أى ما لنا غنى عن مجالسنا هذه، والبد بضم الباء العوض.
(قال: إما لا. فأدوا الطريق حقها) ((إما)) بكسر الهمزة وهى ((إن)) الشرطية، زيدت عليها
((ما)» وهى ممالة فى الرواية، ويجوز تركها، وأصل الكلام: إما أن تجتنبوا الجلوس بالطرقات فتسلموا،
وإما لا تجتنبوا الجلوس بالطرقات فأعطوا الطريق حقها، حذفت ((إما)) الأولى وجملتها، اعتماداً على
المقام، وأصبح المعنى إن لم تجتذبوا ... فأعطوا.
وفى الرواية الثانية ((إذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه)) وفى رواية ((فإن أبيتم إلا أن
تفعلوا)) وفى رواية ((فإن كنتم لا بد فاعلين)) وفى رواية للبخارى ((فإذا أتيتم إلى المجالس)) والمجلس
والمجالس بمعنى الجلوس، وفى رواية البخارى («فأعطوا الطريق حقها، والطريق تذكر وتؤنث.
(غض البصر) عن محرمات الطريق.
(وكف الأذى) عن المارة، ولو عن طريق التسمع والتجسس والاحتقار والاستهزاء والسخرية
والغيبة وغير ذلك.
(خمس تجب المسلم على أخيه) ((تجب)) أى تستحق، بما يشمل الاستحباب،
والمراد من الأخ الأخوة فى الإسلام، ففى الرواية الرابعة ((حق المسلم على المسلم ست)»
والعدد لا مفهوم له، فلا يفيد تحديد المأمورات، وفى حديث سبق ((أمرنا رسول اللّه ﴾
بسبع)»، والأمر بعدد لا ينافى الأمر بعدد آخر، فى وقت آخر، وتمييز العدد محذوف، أى
خمس خصال، أو خمس فضائل، والأخ يشمل الأخت.
(رد السلام) سبق فى الباب قبله، وفى الرواية الرابعة ((إذا لقيته فسلم عليه)).
(وتشميت العاطس) سبق فى كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال أوانى
الذهب والفضة.
(واتباع الجنائز) فى الرواية الرابعة ((وإذا مات فاتبعه)) أى فاتبع جنازته، حتى يصلى عليه،
أو حتی یدفن.
٤٨٣
(وإذا استنصحك فانصح له) السين والتاء للطلب، أى إذا طلب منك النصيحة فعليك أن
تنصحه، ولا تداهنه، ولا تغش، ولا تمسك عن بيان النصيحة.
فقه الحديث
قال القاضى عياض: فى الحديث دليل على أن أمره صلى الله عليه وسلم لهم لم يكن للوجوب،
وإنما كان على طريق الترغيب والأولى، إذ لو فهموا الوجوب لم يراجعوه هذه المراجعة، قال: وقد
يحتج به من لا يرى الأوامر على الوجوب. قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكونوا رجوا وقوع
النسخ، تخفيفاً، لما شكوا من الحاجة إلى ذلك، ويؤيده أن فى مرسل يحيى بن يعمر ((فظن القوم أنها
عزمة)» أى واجبة.
وقد اشتملت الرواية الأولى على ثلاث خصال: غض البصر، ورد السلام، وحسن الكلام، وزادت
الرواية الثانية: كف الأذى، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وفى حديث لأبى هريرة، زاد: إرشاد
السبيل، وتشميت العاطس إذا حمد، وفى حديث عمر عند أبى داود ((وتغيثوا الملهوف))، وعند أحمد
والترمذى ((وأعينوا المظلوم)) وعند البزار ((وأعينوا على الحمولة)) وعند الطبرانى ((ذكر اللَّه كثيرا))
و((واهدوا الأغبياء)) قال الحافظ ابن حجر:
وقد اشتملت هذه الآداب على معنى علة النهى عن الجلوس فى الطرق، من التعرض للفتن، بمرور
النساء وخوف ما يلحق من النظر إليهن من ذلك، إذ لا يمنع النساء من المرور فى الشوارع، لقضاء
حوائجهن، ومن التعرض لحقوق الله والمسلمين، مما لا يلزم الإنسان إذا كان فى بيته، ومن رؤية
المنكر، وتعطيل المعروف، فيجب على المسلم الأمر والنهى عند ذلك، فإن ترك ذلك فقد تعرض
للمعصية، وكذا يتعرض لمن يمر عليه، ويسلم عليه، فإنه ربما كثر ذلك، فبعجز عن الرد على كل مار،
ورده فرض، فيأثم، والمرء مأمور بأن لا يتعرض للفتن، وإلزام نفسه ما لعله لا يقوى عليه، فندبهم
الشارع إلى ترك الجلوس، حسما للمادة، فلما ذكروا ضرورتهم إلى ذلك، لما فيه من المصالح، من
تعاهد بعضهم بعضا، ومذاكرتهم فى أمور الدين ومصالح الدنيا، وترويح النفوس بالمحادثة فى المباح،
دلهم على ما يزيل المفسدة، من الأمور المذكورة. قال: ولكل من الآداب المذكورة شواهد فى أحاديث
أخرى - فإفشاء السلام ورده سبق فى الباب قبله- وأما إحسان الكلام فقال القاضى عياض: فيه ندب
إلى حسن معاملة المسلمين، بعضهم لبعض، فإن الجالس على الطريق يمر به العدد الكثير من الناس،
فريما سألوه عن بعض شأنهم، ووجهة طريقهم، فيجب أن يتلقاهم بالجميل من الكلام، ولا يتلقاهم
بالضجر وخشونة اللفظ، وهو من جملة كف الأذى.
قال الحافظ ابن حجر: وله شواهد من حديث أبى شرح هانئ، رفعه «من موجبات الجنة إطعام
الطعام، وإفشاء السلام، وحسن الكلام))، ومن حديث أبى مالك الأشعرى، رفعه ((فى الجنة غرف لمن
أطاب الكلام)» وفى الصحيحين من حديث عدى بن حانم، رفعه ((اتقوا النار، ولو بشق تمرة، فمن لم
يجد فبكلمة طيبة)) وأما تشميت العاطس فمضى مبسوطاً، وأما المعاونة على الحمل، فله شاهد فى
الصحيحين من حديث أبى هريرة رفعه ((كل سلامى من الناس عليه صدقة» الحديث، وفيه ((ويعين
٤٨٤
الرجل على دابته، فيحمله عليها، ويرفع له عليها متاعه صدقة)» وأما إعانة المظلوم، فله شاهد تقدم
فى كتاب المظالم، وأما إغاثة الملهوف، فله شاهد فى الصحيحين، من حديث أبى موسى، وفيه
((ويعين ذا الحاجة الملهوف)) وفى حديث أبى ذر عند ابن حبان («وتسعى بشدة ساقيك مع اللّهفان
المستغيث)» وأما إرشاد السبيل، فروى الترمذى، وصححه ابن حبان من حديث أبى ذر مرفوعاً
((وإرشادك الرجل فى أرض الضلال صدقة)) وأما كف الأذى، فالمراد به كف الأذى عن المارة، بأن لا
يجلس حيث يضيق عليهم الطريق، أو على باب منزل من يتأذى بجلوسه عليه، أو حيث ينكشف
عياله، أو ينكشف ما يريد ستره من حاله، قاله القاضى عياض، ويحتمل أن يكون المراد كف أذى
الناس، بعضهم عن بعض. والله أعلم.
قال الحافظ ابن حجر: وفى الحديث حجة لمن يقول بأن سد الذرائع بطريق الأولى، لا على
الحتم، لأنه نهاهم أولا عن الجلوس، حسماً للمادة، فلما قالوا: ((مالنا منها بد)» ذكر لهم المقاصد
الأصلية للمنع، فعرف أن النهى الأول للإرشاد إلى الأصلح، ويؤخذ منه أن دفع المفسدة أولى من جلب
المصلحة، لندبه أولا إلى ترك الجلوس، مع ما فيه من الأجر لمن عمل بحق الطريق، وذلك أن
الاحتياط لطلب السلامة آكد من الطمع فى الزيادة.
وقد عقب البخارى على هذا الحديث بباب الآبار التى على الطريق، إذا لم يتأذ بها، وساق حديث
البئر الذى شرب منه العطشان، ثم سقى منه الكلب الذى كان يلهث من شدة العطش، ثم بباب
إماطة الأذى، وساق حديث ((يميط الأذى عن الطريق صدقة» لأنها تسبب سلامة من يمربه من
الأذى، فكأنه تصدق عليه بذلك، فحصل له أجر الصدقة، ثم عقبه بباب الغرفة المشرفة وغير المشرفة
فى السطوح وغيرها. قال العلماء: حكم الغرف على السطوح المشرفة على الطرقات -أى والبلكونات-
الجواز، إذا أمن من الإشراف على عورات الناس والمنازل، فإن لم يؤمن لم يجبر على سده، بل يؤمر
بعدم الإشراف، ولمن هو أسفل منه أن يتحفظ، ثم عقبه بباب ((من عقل بعيره على باب المسجد)» -
ومثل ذلك السيارات- وحكمة الجواز إذا لم يحصل به ضرر.
والله أعلم
٤٨٥
(٥٨٣) باب السلام على أهل الكتاب والرد عليهم
٤٩٣٦-٢ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(٦)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ «إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ
الْكِتَّابِ، فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ».
٤٩٣٧- ٣ عَنْ أَنَسٍ﴾(٧)، أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ:﴿ قَالُوا لِلّبِيِّ ◌َ إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ
يُسَلِّمُونَ عَلَيْنَا، فَكَيْفَ نَرُدُّ عَلَيْهِمْ؟ قَالَ: «قُولُوا وَعَلَيْكُمْ)».
٤٩٣٨- ثُ عَنِ ابْنِ عُمَّرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ «إِنَّ الْيَهُودَ إِذَا
سَلْمُوا عَلَيْكُمْ، يَقُولُ أَحَدُهُمُ السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَقُلْ عَلَيْكَ».
٤٩٣٩- ١ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمًا (٩)، عَنِ النّبِيِّ ◌َ ﴾. بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنْهُ قَالَ
«فَقُولُوا: وَعَلَيْكَ».
٤٩٤٠- ٢ٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا (١٠) قَالَتِ: اسْتَأْذَهَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى
رَسُولِ اللَّهِ ﴿ِ. فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: بَلْ، عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّغْنَةُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ﴿ «يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرَّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلّهِ» قَالَتْ: أَلَمْ
تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ «قَّدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ».
٤٩٤١ -- وفي رواية عَنِ الزُّهْرِيِّ. بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِي حَدِيثِهِمَا جَمِيعًا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِع ◌َ
«قَدْ قُلْتُ: عَلَيْكُمْ)» وَلَمْ يَذْكُرُوا الْوَاوَ.
٤٩٤٢- ١/١ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١١) قَالَتْ: أَتَى النّبِيِّ ◌ِ ﴿ أَنَاسٌ مِنَ الْيَهُودٍ. فَقَالُوا
(٦) حَدََّا يَحْتَى بْنُ يَحْتِى أَعْبُرَنَا هُشَيْمٌ عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بِّكْرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنْسًا يَقُولًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فَ ح و حَدَّثَيي
إِسْمَعِيلُ ابْنُ سَالِمٍ حَدََّا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عُنْ جَدِّهِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
(٧) خَّدْثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُّ مُعَاذٍ حَدَّنَا أَبِي حِ وحَدَّثِي يَحْتِى بَّنْ حَبِيِّبٍ حَدَّقَا خَالِدٌ يَعْنِيَ ابْنَ الْحَارِثِ قَالا حَدَّنَا شُعْبَةُ حِ وَحَدِّقًّا
مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَابْنُ بَشَارِ وَالَلْفْظُ لَهُمَّا قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِغَتُ قَتَادَةً يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ
(٨) حَدَّثََّا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى وَيَحْتِىٌّ بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَنِيَةُ وَابْنُ حُجْرٍ وَاللَّفْظُ لِيَحْتَّى بْنِ يَحْتِى قَالَ يَحْتِى بْنُ يَحْتِى أَخْبَرْنَا وَقَالَ الْآخَرُونْ
حَدَّقْنَا إِسْمَعِيلُ وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارِ أَلَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَّرٌ يَقُوِلُ
(٩) وِحَدَّثِّيَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثْتَاً عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنَ سُفْيََّنِ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
(١٠) وَحَدَّثَِّي عَمْرٌو النَّقِدُ وَزُّهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَالَلّفْظُ لِزُمَّيْرٍ قَالا حَدَّثَنَا سُفْيَانٌ بْنُ عَّيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ عُرْوَةٌ عَنِ عَائِشَةً
- وِحَدَّثَاهُ حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْخُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنِّ حُمَّيْدٍ جَمِيعًا عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِنْرَاهِيمَ بْنِ سَّعْدٍ حَدِّقَا أَبِي عَن صَالِحٍ ح و
حَدَّقْنَا عَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيّ
(١١) حَدََّا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنَ مَسْرُوَقٍ عَنْ عَائِشَةً
٤٨٦
السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَّا الْقَاسِمِ. قَالَ «وَعَلَيْكُمْ» قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَالذَّامُ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِمَ﴿ «يَا عَائِشَةُ لا تَكُونِي فَاحِشَةً» فَقَالَتْ: مَا سَمِعْتَ مّا قَالُوا؟ فَقَالَ: أَوْلَيْسَ قَدْ
رَدَدْتُ عَلَيْهِمِ الْذِي قَالُوا. قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ».
٤٩٤٣ -- وفي رواية عَن الأَعْمَشُ. بِهِذَا الإِسْنَادٍ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَفَطِئَتْ بِهِمْ
عَائِشَةُ، فَسَبَّتْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ «مَة يَا عَائِشَةُ. فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفُحْشَ
وَالنِّفَخُّشَ» وَزَادَ فَأَنْزَّلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾
[المجادلة/٨] إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
٤٩٤٤- ١٣ عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١٢) قَالَ: سَلْمَ نّاسٌ مِن يَهُوذَ
عَلَى رَسُولِ اللَّهِفَ﴿ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَا الْقَاسِمِ. فَقَالَ «وَعَلَيْكُمْ» فَقَالَتْ
عَائِشَةُ، وَغَضِبَتْ: أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ «بَلَى قَدْ سَمِعْتُ، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، وَإِنَّا
نُجّابُ عَلَيْهِمْ وَلا يُجَابُونَ عَلَيْئًا».
٤٩٤٥ - ١٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٣)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «لا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلا
النَّصَارَى بِالسَّلامِ. فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ».
٤٩٤٦ -- وفي رواية عَن سُهَيْلٍ. بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَفِي حَدِيثِ وَكِيعٍ «إِذَا لَقِيتُمُ الْتَهُودَ» وَفِي
حَدِيثِ ابْنٍ جَعْفَرٍ؛ عَنِ شُعْبَةَ قَالَ: فِي أَهْلِ الْكِتَابِ. وَفِي حَدِيثِ جَرِيرٍ: إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ. وَلَمْ
يُسَمِّ أَحَدًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
المعنى العام
كان اليهود يسكنون قرى حول المدينة، وعلى أطرافها، ويجوبون الديار والشوارع
والمحلات خلالها، يتعاملون بالبيع والشراء وتبادل المنافع مع أهلها، وقد جاءها الإسلام،
وكفروا به ظلما وعلوا، وقوى فيها الإسلام، وشبت دولته، وهم ضعفاء، لكنهم أعداء، يتريصون
بالإسلام الدوائر، ويتعاطفون مع المشركين تارة، ويتحزبون معهم أخرى، ويكيدون
- حَدَّثْنَاهُ إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ حَدَّقْنَا الأَعْمَشُ
(١٢) حَدَِّي هَارُونُ بْنُ عَبَدِ اللَّهِ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ قَالا حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبُرَنِي أَبُو الزُّبِ أَنْهُ سّمِعَ
جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ
(١٣) حَدَّثَنَا قْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي الدَّرَاوَرْدِيَّ عَنِ سُّهَيْلٍ عَنِ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
- وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنَ جَعْفَرٍ حَدََّا شَعْبَةُ حِ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ فَّنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالا حَدِّقًّا
وَكِيعٌ عَن سُفْيَانَ حْ وَحَدَّتِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّقَتَا جَرِيرٌ كُلُّهُمْ عَنْ سُهَيْلٍ
٤٨٧
للمسلمين ثالثة، لكنهم جبناء، فى الظاهر مسالمون، وفى الباطن محاربون ﴿قَدْ بَدَتٍ
الْبَغْضَاءُ مِن أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨] كانت التحية عندهم:
أنعم صباحاً، وأنعم مساء، وأبدل الله المسلمين بها تحية الإسلام، السلام عليكم ورحمة الله
وبركاته، وصارت هذه التحية شعار المسلمين إذا التقوا، لكن اليهود لم يظهروا محاربتهم
لهذه التحية، بل حاولوا أن يظهروا استحسانهم لها وقبولها، فكانوا إذا لقوا المسلمين قالوا
لهم: السام عليكم، بدون السلام، والسام الموت، يوهمونهم أنهم يقولون: السلام عليكم، وهم
يدعون على المسلمين بالموت، وفطن المسلمون لهذا، فشكوا إلى رسول الله/ *. كيف نرد
عليهم يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: قولوا: وعليكم، وتجاوز الأمر الصحابة إلى
رسول اللَّه نفسه، دخل عليه جماعة منهم، وهو فى بيت عائشة - رضى الله عنها - فقالوا:
السام عليك يا أبا القاسم. وسمعتهم عائشة، وفطنت لقولهم، فغضبت، وثارت، وقالت لهم:
وعليكم السام والموت الذؤام ولعنة الله والناس أجمعين، فأشار إليها صلى الله عليه وسلم
أن تمسك وأن تهدأ، فلما انصرفوا قال لها: يا عائشة، ما لهذا الفحش والسب والدعاء؟ إن
اللَّه لا يحب الفحش، ولا تكلفه ومعالجته وارتكابه، قالت: أو ما سمعت؟ إنهم يقولون:
السام عليك. قال: قد سمعت وفطنت، كما سمعت أنت وفطنت، أولم تسمعى ما رددت به
عليهم؟ لقد قلت: وعليكم. أنا لم أبعث فاحشاً ولا متفحشاً، دعونا عليهم بما دعوا به علينا،
ولا يجاب لهم، ويجيب اللَّه دعاءنا، ونزل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بهِ
اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمَّ جَهَنَّمْ﴾ [المجادلة: ٨].
ثم صدرت التعليمات الإلهية: لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، ولا تشرفوهم بهذا الشرف، ولا
تكرموهم بهذا التكريم، فإذا لقيتموهم فى الطريق فلا تفسحوه لهم، ولا تتركوا لهم وسطه، بل اشغلوا
أنتم وسطه، فأنتم الأعزة، ﴿وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] واضطروهم إلى حافة
الطريق وهامشه، فهم قوم غضب الله عليهم ولعنهم بظلمهم لأنفسهم وأنبيائهم، وما ظلمناهم ولكن
كانوا هم الظالمين.
المباحث العربية
(إذا سلم عليكم أهل الكتاب) الكتاب فى الأصل كل مكتوب، ثم غلب على الكتاب المنزل،
وعلى القرآن والتوراة والإنجيل، وخص أهل الكتاب فى عرف الشرع باليهود والنصارى، وفى الرواية
الثالثة ((إن اليهود إذا سلموا عليكم)) وفى الرواية السابعة ((لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام)) وفى
ملحقها ((إذا لقيتم اليهود)) وفى ملحقها ((إذا لقيتم أهل الكتاب)) وفى ملحقها ((إذا لقيتموهم)) ((ولم
يسم أحداً من المشركين)»، أى لم يذكر اليهود أو النصارى.
(فقالوا: وعليكم) قال النووى: جاءت الأحاديث التى ذكرها مسلم ((عليكم)) و((وعليكم)) بإثبات
الواو، وحذفها، وأكثر الروايات بإثباتها، وعلى هذا فى معناه وجهان: أحدهما أنه على طاهره، قالوا:
عليكم الموت، وأجيبوا: وعليكم أيضاً، أى نحن وأنتم فيه سواء، وكلنا نموت، والثانى: أن الواو، هنا
٤٨٨
للاستئناف، لا للعطف والتشريك، وتقديره: وعليكم ما نستحقونه من الذم، وأما حذف الواوفتقديره:
بل عليكم السام، قال القاضى: اختار بعض العلماء - منهم ابن حبيب المالكى - حذف الواو، لئلا
يقتضى التشريك، وقال غيره: بإثبانها، كما هو فى أكثر الروايات. قال: وقال بعضهم: يقول: عليكم
السلام، بكسر السين، أى الحجارة، وهذا ضعيف، وقال الخطابى، عامة المحدثين يروون هذا الحرف
((وعليكم)) بالواو، وكان ابن عيينة يرويه بغير الواو، قال الخطابي: وهذا هو الصواب، لأنه إذا حذف
((الواو)) صار كلامهم بعينه مردوداً عليهم خاصة، وإذا ثبت ((الواو)) اقتضى المشاركة معهم فيما قالوه.
هذا كلام الخطابى، قال النووى: والصواب أن إثبات الواو، وحذفها جائزان، كما صحت به الروايات،
وأن الواو أجود، كما هو فى أكثر الروايات، ولا مفسدة فيه، لأن السام الموت، وهو علينا وعليهم، ولا
ضرر فى قوله بالواو.
(إن اليهود إذا سلموا يقول أحدهم: السام عليكم) كذا فى الأصول، بألف ساكنة، والسام
الموت، وقيل: الموت العاجل، وفى الحديث ((ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، إلا السام))، وذكرابن
عبد البرعن ابن طاوس قال: يقول: علاكم السام. أى ارتفع فوقكم، وتعقبه جماعة من السلف، وقد
تفسر السام بالسآمة، وأصلها السأم عليكم، خفف الهمزة.
(استأذن رهط من اليهود) الرهط من ثلاثة إلى تسعة، قال الحافظ ابن حجر: لم أعرف
أسماءهم، لكن أخرج الطبرانى بسند ضعيف، عن زيد بن أرقم، قال: ((بينما أنا عند النبى{ إذ أقبل
رجل من اليهود، يقال له: ثعلبة بن الحارث، فقال: السام عليك يا محمد. فقال: وعليكم)) فإن كان
محفوظاً احتمل أن يكون أحد الرهط المدكورين، وكان هو الذى باشر الكلام عنه، ونسب القول إلى
جماعتهم لرضاهم به، وفى الرواية الخامسة ((أتى النبي - أناس من اليهود)» وفى الرواية السادسة
((سلم ناس من يهود على رسول اللَّه ◌ِ﴿».
(فقالت عائشة: بل عليكم السام واللعنة) فى الرواية الخامسة ((بل عليكم السام والذام))
بالذال والألف وتخفيف الميم، وهو الذى بدون ألف مع تشديد الميم، قال النووى: ويقال: الذأم بالهمزة
أيضاً، والأشهر ترك الهمزة، قال: والذام والذيم والذم العيب، وروى ((الدام)) بالدال، ومعناه الدائم، رواه
كذلك ابن الأثير، ونقل القاضى عياض الاتفاق على أنها بالذال، قال: ولو روى بالدال لكان له وجه.اهـ
لكنه فى الرواية يحتاج إلى حدف الواو، ليكون الدام وصفاً للسام، وفى ملحق الرواية ((ففطنت بهم
عائشة، فسبتهم)) قال النووى: هكذا فى جميع النسخ، من الفطنة وكذا نقله القاضى عن الجمهور،
قال: ورواه بعضهم ((فقطبت)) بالقاف وتشديد الطاء، بعدها باء وقد تخفف الطاء فى هذا اللفظ، وهو
بمعنى ((غضبت)» ولكن الصحيح الأول، وفى الرواية السادسة ((فقالت عائشة -وغضبت-ألم تسمع؟))
وفى رواية البخارى عن عائشة ((فقالت: عليكم، ولعنكم اللَّه، وغضب عليكم)) وفى رواية له عن عائشة
((ففهمتها، فقلت: عليكم السام واللعنة)) ولعل عائشة - رضى الله عنها- فهمت كلامهم بفطنتها،
فأنكرت عليهم، وظنت أن النبى * ظن أنهم تلفظوا بلفظ السلام، فبالغت فى الإنكار عليهم.
(فقال رسول اللَّه : يا عائشة، إن اللَّه يحب الرفق فى الأمر كله) أل فى ((الأمر))
للجنس، أى فى الأمور كلها، والرفق بكسر الراء وسكون الفاء هولين الجانب بالقول والفعل، والأخذ
٤٨٩
بالأسهل، وهو ضد العنف، وفى الرواية الخامسة ((يا عائشة، لا تكونى فاحشة)) وفى ملحقها ((مه يا
عائشة، فإن الله لا يحب الفحش والتفحش)) و((مه)) اسم فعل للزجر عن الشىء بمعنى اكففى،
والفحش كل ما خرج عن الحدود، ولولم يكن عيباً شرعياً، ويدخل فى القول والفعل والصفة، يقال:
طول فاحش، إذا أفرط فى الطول، لكن استعماله فى القول أكثر، وقيل: الفحش القبح والمتفحش
بتشديد الحاء وكسرها الذى يتعمد ذلك، ويكثر منه ويتكلفه، وأغرب الداودى، فقال: الفاحش الذى
يقول الفحش، والمتفحش الذى يستعمل الفحش، ليضحك الناس.
قال الحافظ ابن حجر: والذى يظهر أن النبى 8 أراد أن لا يتعود لسانها بالفحش، أو أنكر عليها
الإفراط فى السب. اهـ أى فقال لها ما قال بعد أن خرجوا.
فقه الحديث
ما يتعلق ببدء أهل الكتاب بالسلام والرد عليهم سبق فى الباب قبله، وما يتعلق بكيفية الرد
عليهم سبق فى المباحث العربية، وبقى بعض ما يؤخذ من الأحاديث. فيؤخذ منها:
١- ما كان عليه اليهود من الخداع والتربص بالمسلمين.
٢- ظهور الكبير بمظهر المنخدع، لمصلحة التآلف، قال النووى: فى هذا الحديث استحباب تغافل
أهل الفضل عن سفه المبطلين، إذا لم يترتب عليه مفسدة، قال الشافعى: الكيس العاقل هو
الفطن المتغافل.
٣- استدل بالروايات الثلاث الأول على أن الرد بقوله ((عليكم)) أو ((وعليكم)) خاص بالكفار، فلا يجزئ
فى الرد على المسلم، وقيل: إن أجاب بالواو أجزأ.
٤- استدل بلعن عائشة لليهود المعينين على جواز لعن الكافر المعين، ولا سيما إذا صدر منه ما
يقتضى التأديب، ويحتمل أنها -رضى الله عنها- تقدم لها علم بأن المذكورين يموتون على الكفر،
فأطلقت اللعن، ولم تقيده بالموت.
وسيأتى الكلام على جواز لعن المشرك المعين الحى.
٥- لما كان اليهود أهل ذمة، وطلب الرد عليهم بعبارة خاصة أخذ بعضهم جواز الرد على أهل الذمة،
ومنع الرد على أهل الحرب.
٦- الحث على الرفق فى الأمور كلها.
٧- من قوله فى الرواية السادسة ((نجاب عليهم ولا يجابون علينا)) أن دعوة الكافر والفاسق الظالمة
على المسلم لا تجاب، وتجاب دعوة المسلم على الكافر.
٨- ما كانت عليه عائشة - رضى الله عنها - من الفطنة، والغيرة على رسول اللّهلم﴾، والجرأة فى
الحق، والانتصار لأهل الفضل ممن يؤذيهم. والله أعلم
٤٩٠
(٥٨٤) باب استحباب السلام على الصبيان
٤٩٤٧- ١٤ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(١٤) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ مَرَّ عَلَى غِلْمَانٍ، فَسَلْمَ عَلَيْهِمْ.
٤٩٤٨- °٣ عَنِ سَيَّارِ(١٥) قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ ثَابِتِ الّْائِيِّ، فَمَرَّ بِصِبْيَانٍ، فَسَلْمَ عَلَيْهِمْ.
وَحَدَّثَ ثَابِتٌ: أَنْهُ كَانَ يَمْشِي مَعَ أَنَسٍ، فَمَرَّ بِصِبْيَانٍ، فَسَلْمَ عَلَيْهِمْ. وَحَدَّثَ أَنَسّ: أَنْهُ كَانَ
يَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ِ، فَمَرَّ بِصِنْيَانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ.
المعنى العام
إن تدريب الصبيان على التشريعات الإسلامية مقصد مهم من مقاصد الدين، يعلمون الصلاة
السبع، ويضربون على إهمالها عند العشر، ويصطحبون إلى المساجد، ليتعودوا احترامها، والسكينة
عندها، ويعلمون آداب الشريعة، من صدق وأمانة، ووفاء بالعهد، وصيانة اللسان من فحش القول،
وصيانة الجوارح من المعصية، وإن كانوا غبر مكلفين، حتى يبلغوا.
ومن التدريب على هذه الآداب إلقاء السلام عليهم إذا مررنا بهم، ففى هذا تكريم لهم، وغرس للمودة
بين الكبار وبينهم، وإشعارهم بتواضع كبيرهم، وشفقته عليهم، وحرصه على صالحهم. وقد كان صلى
اللّه عليه وسلم إذا مر بصبيان مميزين سلم عليهم.
المباحث العربية
(مرعلى غلمان) فى الرواية الثانية ((مرعلى صبيان)) فى كتب اللغة: الغلام الطار الشارب،
والصبى من حين يولد إلى أن يشب، والجمع غلمان وغلمة، بكسر الغين فيهما، والصبى الصغير، من
حين الولادة إلى البلوغ.
فقه الحديث
سبق توضيحه فى الباب قبل السابق، باب يسلم الراكب على الماشى.
(١٤) حَدَّثْنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى أَخْبَرَّنَا هُشَيْمٌ عَن سَّارِ عَن ثَابِتِ الْبَِّالِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ
- وحَدَّقَيِيهِ إِسْمَّعِيلُ بْنْ سَالِمٍ أَخْبَرَلَا هُشَيْمٌ أَخْيُّرَنَا سَيَّارٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ.
(١٥) وَحَدَّتِي عَمَّرُو بْنُ عَلِيَّ وَمُحُمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنَّ جَعْفَرٍ حَدََّا شُعْبَةُ عَنْ سَّارٍ
٤٩١
(٥٨٥) باب جواز جعل الإذن رفع حجاب
أو غيره من العلامات
٤٩٤٨ - ١٣٦ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ضَ﴾(١٦) قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ: «إِذْلُكَ عَلَيَّ أَن يُرْفَعَ
الْحِجَابُ، وَأَنْ تَسْتَمِعَ سِوَادِي، حَتّى أَنْهَاكَ».
المعنى العام
سبق قريباً، قبل أبواب الكلام عن الاستئذان، وحكمة مشروعيته، وكيفيته، وأحكامه.
وهذا الباب جزئية تابعة له.
وحاصلها: هل يشترط فى الإذن أن يكون صريحا بالقول؟ أو تكفى الإشارة؟ أو الحركة المفهمة؟
وخلاصة القول إن العرف هو الفيصل فى اعتماد الإشارة أو عدم اعتمادها. فهناك من يستخدم
التكنولوجيا الحديثة، فيرى وهو فى جوف حجرته زائراً على الباب، وقبل أن يدق الجرس يضغط
صاحب البيت على زر صغير بجواره، فينفتح الباب السفلى، فإذا وصل إلى الباب الداخلى انفتح
الباب وحده بمجرد مشيه على الأرض قبل الباب بنحو متراً، وهذا إذن عرف صحيح ولا شك.
وهناك الكبير يجلس فى مجلسه فى جوف بيته، ويفتح الباب العام على مصراعيه،
ليدخل من يريده، ففتح الباب الكبير مع هذا يعتبر إذنا، يسمح لمن أراد أن يدخل، حتى
يصل إلى المجلس، فيسلم، فيؤذن له بالجلوس. وهناك من يفتح الباب بنفسه، ويسمح
للطارق بالدخول بالإشارة أو بالفعل، فيعتبر تلاقى الشخصين وتقارب الجسمين إذنا لا
يلغيه إلا أن يقول صاحب البيت: لا تدخل.
يحكى ابن مسعود هذه الصورة، وأن رسول اللّه وَ ﴿ قال له: حينما تأتينى، وترغب الدخول على،
وتستأذن، فترانى فتحت الباب، ورفعت الحجاب، وترى شخصى وقد قارب شخصك، فاعتبر هذا
إذناً منى لك بالدخول، إلا إذا نهيتك عن الدخول.
المباحث العربية
(إذنك على أن يرفع الحجاب) ((إذنك)) مصدر مضاف إلى المفعول، وهناك مضاف
(١٦) حَذْثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ وَقَُّنِيَةُ بْنُ سَعِيدٍ كِلَاهُمَا عَنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ وَاللَّفْظُ لِقُتَتِيَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِبّادٍ حَدًَّا
الْحَسَنُ ابْنُ عُبَيْدَ اللَّهِ حَذَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ
- وحَدَّثْنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِيٍ شََّةً وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ ثُمَيْرٍ وَإِسْحَقُ بَّنُ إِنْرَاهِيمَ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبَرَنَا وَقَالَ الْآخَرَانِ حَدَقْنَا
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بِهَذَا الإِسَادِ مِثْلَةُ.
٤٩٢
محذوف، أى علامة إذنى لك بالدخول عَلي، أن أرفع الحجاب الذى يحجبك عنى، ويحجبنى عنك،
ففعل ((يرفع)» بالبناء للمجهول، فاعله المراد صاحب البيت أو من ينيبه، وليس الطارق.
(وأن تستمع سوادى) قال النووى: السواد بكسر السين وبالدال، قال: واتفق العلماء على أن
المراد به (السرار) بكسر السين، وبالراء المكررة، وهو السر، يقال: ساورت الرجل مساورة، إذا ساررته،
قالوا: وهو مأخوذ من إدناء سوارك من سواره عند المساررة، أى قرب شخصك من شخصه، والسواد
اسم لكل شخص. اهـ
وفى كتب اللغة: السواد بفتح السين ضد البياض من الألوان، والشخص، يقال: لا يفارق سوادى
سواده، أى لا تفارق عينى شخصه، ولا يزايل سوادى بياضك، أى لا يفارق شخصى شخصك. والسواد
بكسر السين أو ضمها المسارة. وقد اعتمد النووى الرواية بكسر السين ففسرها التفسير السابق، دعاه
إلى ذلك لفظ ((تستمع)) ولو فسرنا تستمع)) بلفظ ((تحس)) مجازاً مرسلا، بعلاقة الإطلاق بعد التقييد
صح التفسير الثانى.
فقه الحديث
قال النووى: فيه دليل جوازاعتماد العلامة فى الإذن فى الدخول، فإذا جعل الأمير والقاضى
ونحوهما وغيرهم رفع الستر الذى على بابه علامة فى الإذن فى الدخول عليه للناس عامة، أو لطائفة
خاصة، أو لشخص خاص، أو جعل علامة غير ذلك، جازاعتمادها والدخول - إذا وجدت- بغير
استئذان، وكذا إذا جعل الرجل ذلك علامة بينه وبين خدمه وكبار أولاده وأهله، فمتى أرخى حجابه
فلا دخول إلا باستئذان، فإذا رفعه جاز بلا استئذان.
والله أعلم
٤٩٣
(٥٨٦) باب خروج النساء لقضاء حاجة الإنسان
٤٩٤٩ - ١٧ عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(١٧) قَالَتْ: خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَ مَا ضُرِبَ عَلَيْهَا
الْحِجَابُ لِقْضِيَ حَاجَتَهَا، وَكَانَتِ امْرَأَةً جَسِيمَةٌ تَفْرَعُ النِّسَاءَ جِسْمًا لا تَخْفَى عَلَى مَنْ
يَعْرِفُهَا. فَرَآهَا عُمَرُ ابْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا سَوْدَةُ، وَاللَّهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا، فَانْظُرِي كَيْفَ
تَخْرُجِينَ. قَالَتْ: فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةٌ وَرَسُولُ اللَّهِ﴿ فِي بَيْتِي، وَإِنْهُ لَيَتْعَشَّى وَفِي يَدِهِ عَرْقٌ.
فَدَخَلَتْ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي خَرَجْتُ فَقَالَ لِي عُمَرُ كَذَا وَكَذَا. قَالَتْ: فَأُوحِيَ إِلَيْهِ،
ثُمَّرُفِعَ عَنْهُ، وَإِنَّ الْعَرْقَ فِي يَدِهِ مَا وَضَعَهُ. فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ.
وَفِي رِوَايَّةٍ أَبِي بَكْرٍ: يَفْرَعُ النِّسَاءَ جِسْمُهَا. زَادَ أَبُو بَكْرٍ فِي حَدِيثِهِ، فَقَالَ هِشَامٌ: يَعْنِي الْبَرَازَ.
٤٩٥٠ -- وفي رواية عَن هِشَامٍ بِهَذَا الإِسْنَادٍ، وَقَالَ: وَكَانَتِ امْرَأَةً يَفْرَعُ النَّاسَ جِسْمُهَا.
قَالَ: وَإِنَّهُ لَيَتَعَشْى.
٤٩٥١- ١٨ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(١٨)، أَنْ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ
إِذَا تَبَرَّرْنَ إِلَى الْمَنَاصِعِ، وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ. وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطْابِ يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِعِلُ:
احْجُبْ نِسَاءَكَ. فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ وَ يَفْعَلُ. فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، زَوْجُ النَّبِيِّ ◌ِ﴾،
لَيْلَةٌ مِنَ اللَّّالِي عِشَاءً، وَكَانَتِ امْرَأَةٌ طَوِيلَةٌ. فَتَادَاهَا عُمَرُ: أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ. حِرْصًا
عَلَى أَنْ يُنْزَلَ الْحِجَابُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزْ وَجَلَّ الْحِجَابَ.
المعنى العام
لم يكن عند العرب، ولا عند أهل المدينة زمن الهجرة كنف فى بيوتهم، يقضون فيها حاجتهم
البشرية، بل كانوا يستنكفون أن يقع شىء من ذلك فى بيوتهم، فكانوا يقضون حاجتهم فى الصحراء،
خارج المدينة، وكان النساء الحرائر العفيفات لا يخرجن لذلك إلا فى الليل، وكانت أزواج النبي 8%9.
فى هذا الأمر كغيرهن من النساء.
(١٧) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالا حَذْقَا أَبُو أُسَامَةً عَنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةً.
- وحَدَّثَنَاهُ أَبُوَّ كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا ابْنُ لُمَّيْرِ حَدَّقْنَا هِشَامٌ
- وحَدَّثَِيهِ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَلِّيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ هِشَامٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ.
(١٨) حَدَّْا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ حَدَِّي أَبِي عُّنَ جَدَِّ حَدَّقَيِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةً
ابْنِ الزُّبِيْرِ عَنْ عَائِشَةً
- ◌َحَدَّثَاَ عَمْرٌوَ النَّاقِدُ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الإِسّْادِ نَحْوَهُ.
٤٩٤
٠
كما كانت المرأة العربية تختلط بالرجال الأجانب، ولا تحتجب عنهم، وتتعامل معهم، وتجلس
معهم، وتحادثهم، وتأكل معهم، ويأكلون معها، وما كان رسول اللّه ** ليشرع أمراً حتى يأتيه الوحى
بذلك، حدث ذات يوم أن كان صلى الله عليه وسلم يأكل مع عائشة. فمربهما عمرة ل فدعاه رسول
اللَّه ◌ِ﴾، ليأكل معهما من إناء واحد، فجلس، فأصابت إصبعه إصبع عائشة رضى الله عنها، فقال: أوه.
لو أطاع فيكن مارأتكن عين، ثم قال: يارسول اللَّه يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات
المؤمنين بالحجاب؟ وكرر عمر هذا الرجاء، ولم يكن رسول اللَّه ليفعل من عنده شيئاً لم ينزل به
الوحى، حتى كانت ليلة زواجه صلى الله عليه وسلم بأم المؤمنين زينب بنت جحش، بنت عمته صلى
الله عليه وسلم، وكانت تحت زيد بن حارثة، الذى كان النبى * قد نبناه، فكان يدعى زيد ابن محمد،
فلما أبطل اللَّه التبنى، وقال ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] أصبح يدعى زيد بن حارثة، وزوجه
رسول اللَّه ◌َ﴿ ابنة عمته زينب بنت جحشَ، وأراد الله تعالى أن يؤكد بطلان التبنى، وأن التبنى لا
يترتب عليه بنوة شرعية، فقضى جل جلاله أن يتروج محمد 8# بنت عمته، زينب بنت جحش، بعد
أن طلقها زيد بن حارثة، فى الوقت الذى لا يحل لرجل أن يتزوج امرأة كانت زوجة لابنه الحقيقى فى
حال من الأحوال، وتأكيداً لهذا المعنى أقام صلى الله عليه وسلم الولائم فى ليلة زواجه بزينب، إقامة
لم يسبق له أن أقامها فى أية زوجة من قبل، أولم باللحم والخبز والفتيت، ودعا من يعرف ومن لا
يعرف، يجىء قوم فيأكلون ويخرجون، ثم يجىء قوم، فيأكلون ويخرجون، حتى زاد عددهم على
الثلاثمائة آكل، وحتى قال الداعى إلى الطعام، وهو أنس ضه: دعوت حتى ما أجد أحدًا.
خرج الآكلون إلا جماعة منهم، جلسوا بعد الأكل يتحدثون، وقد رفعت الموائد، وزينب العروس
جالسة فى جانب من جوانب البيت، وفى زاوية من زواياه، وكانت امرأة قد أعطيت جمالا، فتهيأ
صلى الله عليه وسلم للقيام، كأنه يريد القيام، واستحيا صلى الله عليه وسلم أن يأمرهم بالخروج،
واكتفى بالإشارة هذه ليفطنوا لمراده فيقوموا بقيامه، فلم يفطنوا، فقام، فخرج، فخرجوا بخروجه إلا
ثلاثة، ألهاهم الحديث، فاستمروا بعد خروجه من البيت جالسين. مر رسول اللّه ®* ببعض بيوت
أزواجه، مرببيت عائشة، فسلم عليها، وسلمت عليه، وهنأته بزوجته الجديدة، ثم رجع إلى البيت،
فوجدهم، يريد أن يقوموا من غير أن يواجههم الأمر بخروجهم، فأفاق واحد منهم من غفلة، فخرج،
وبقى اثنان، فخرج صلى الله عليه وسلم ثانية إلى بيوت أزواجه سودة، وحفصة، وأم سلمة، يسلم
عليهن، ويسلمن عليه، ويهنئنه، ووصل صلى الله عليه وسلم إلى منزله، فوجد الرجلين مازالا جالسين،
فرجع، فلما رأياه رجع خرجا، ولم يعلم بخروجهما، حتى لحقه أنس ، فأخبره أنهما خرجا.
فى تلك اللحظات نزلت آية الثقلاء، أو آية الحجاب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النّبيِّ
إِلا أَنْ يُؤْذَنَّ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَّاهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أى غير منتظرينِ نضجه ﴿وَلَكِنْ إِذَا
دَّعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمَّ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِيٍ مِنْكُمْ
وَاللَّهُ لا يَسْتَحْبِيَ مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوَفَنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرٌ لِقُلُوبِكُمْ
وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] فدخَل رسول اللَّهل:﴿ بيته، وهو يتلو هده الآية، وأنس يمشى من ورائه، فلما
دخلَ صلى الله عليه وسلم أرخى سترًا على أم المؤمنين زينب، فلم يدخل عليها أنس، كما كان يدخل
من قبل، ومن هذه الساعة حرم على أزواج النبى # أن يكشفن شيئًا من أجسامهن، حتى الوجه
٤٩٥
والكفين، أمام الرجال الأجانب، لكن ماذا يفعلن عند الخروج، وهو ضرورة؟ لقد تلففت سودة رضى
اللَّه عنها فى ثيابها تلففا كاملا، لا يبدو منها شىء، وخرجت لقضاء حاجتها ليلا بعد العشاء، خرجت
إلى مكان قضاء الحاجة، وكانت طويلة جسيمة لا تختلط بغيرها من النساء عند من يعرفها، ورآها
عمروهى فى طريقها، فناداها: يا سودة، قد عرفناك، فلا ينبغى أن تخرجى، يرجو عمر بذلك أن نرجع،
وأن يفرض عليها وعلى أمهات المؤمنين الحجاب الكامل، فلا يخرجن أبدًا، يرجو بدلك أن ترجع
وتشكو لرسول الله ما حصل، فينزل الوحى ثانية بمنع خروجهن، بعد أن نزل بستر أجسامهن، أو
لعله فهم من آية الحجاب ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]
أنها تلزمهن بستر شخوصهن، فلا يخرجن إلا فى صندوق أو هودج مثلا، فأراد أن يؤكد رسول اللّه #
هذا الفهم، ورجعت سودة تحكى لرسول اللَّه ما حصل، تعلم أنه صلى الله عليه وسلم فى بيت
عائشة، لكن الأمر لا يقبل الانتظار، كيف تقضى حاجتها إذن لو منعت من الخروج؟ ودخلت عليه فى
بيت عائشة، وكان يتعشى، ممسكا فى يده قطعة عظم، عليها بقايا لحم، ينهش منه، تكلمت، ونوقف
صلى الله عليه وسلم عن الأكل، وفى الحال بدا عليه أعراض نزول الوحى، ولم يلبث إلا قليلا حتى سرى
عنه، ومازالت العظمة بلحمها فى يده، فقال لسودة والكلام لأزواجه صلى الله عليه وسلم جمبعهن قال:
أذن الله لكن أن تخرجن لقضاء حاجتكن، كما خرجت سودة، ولا حرج عليها، ولا يحل لعمر ولا لغيره
أن يعترص عليكن إذا خرجتن.
وهكذا قرر الإسلام حماية أزواج النبي 48* حماية لا حرج فيها ولا مشقة، وحال بينهن وبين
المغالاة التى كان يطلبها عمره وعن أزواج النبى 588 أمهات المؤمنين.
المباحث العربية
(خرجت سودة بعد ما ضرب عليها الحجاب) فى الرواية الثانية ((فخرجت
سودة بنت زمعة، زوج النبى ®، ليلة من الليالي عشاء)» أى بعد ما ضرب الحجاب على
أمهات المؤمنين سنة خمس من الهجرة على أصح الأقوال، ليلة زواج رسول الله و الخ بأم
المؤمنين زينب بنت جحش وأم المؤمنبن سودة بنت زمعة، كانت زوجة لابن عم لها، اسمه
السكران ابن عمرو فتوفي عنها، وتزوجها رسول الله * بمكة قبل الهجرة، وبعد موت
خديجة، وأسنت عند رسول اللَّهِ { ال ** ، ووهبت ليلتها من رسول اللّه ل لعائشة، تبتغى بذلك
مرضاة رسول اللّه :﴿، وتوفيت فى آخر زمان عمر بن الخطاب مرضه
(لتقضى حاجتها) التى يقضيها الناس، وهى التبرز والتغوط، ولم يكن لهم كنف
يقضون فيها حاجتهم، بل كان النساء الحرائر يخرجن ليلا إلى الصحراء، فيقضين
حاجتهن، ويرجعن، وفى الرواية الثانية ((أن أزواج النبي ( كن يخرجن بالليل إذا تبرزن))
-أى إذا أردن التبرز، ففيه مجاز المشارفة- ((إلى المناصع)) أى يخرجن إلى المناصع،
كغيرهن من النساء، والمناصع بفتح الميم والصاد المكسورة، جمع منصع، والمناصع مواضع
خارج المدينة، وصف المنصع فى الرواية بأنه ((صعيد أفيح)) أى أرض متسعة ومكان واسع،
٤٩٦
ويقال له: البراز، بفتح الباء، أى المكان البارز الظاهر الخالى من المبانى والشجر، أما
البراز بكسر الباء فهو الغائط، أى المواد المطرودة من الأمعاء عند التبرز.
(وكانت امرأة جسيمة تفرع النساء جسماً) ((جسيمة)) عظيمة الجسم، وفى الرواية الثانية
((وكانت امرأة طويلة)) أى وعريضة، و(«تفرع)) بفتح التاء والراء، بينهما فاء ساكنة، أى تطول النساء
فتكون أطول منهن، والفارع المرتفع العالى، وفى ملحق الرواية ((يفرع النساء جسمها» وفى الملحق
الثانى «وكانت امرأة یفرع الناس جسمها)».
(لا تخفى على من يعرفها) يعنى لا تخفى إذا كانت متلففة فى ثيابها ومرطها، فى ظلمة
الليل ونحوها، لا تخفى على من سبقت له معرفة طولها، لانفرادها بذلك.
(فرآها عمر بن الخطاب، فقال: يا سودة والله ما تخفين علينا) فى الرواية الثانية
((كان عمر بن الخطاب يقول لرسول اللَّه : : احجب نساءك، فلم يكن رسول اللّه# يفعل، فخرجت
سودة بنت زمعة زوج النبى # ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر: ألا قد
عرفناك يا سودة، حرصًا على أن ينزل الحجاب. قالت عائشة: فأنزل الله آية الحجاب)).
حاصل القصة أن عمرة كان حريصًا على أن يحجب النبى 8* نساءه، فقد كن يخرجن
لابسات كالنساء، ويقابلن الرجال كغيرهن من النساء، بل وأكلت عائشة مع النبى { لا، فمر عليهما
عمر، فدعاه صلى الله عليه وسلم ليأكل معهما من إناء واحد، فلمست إصبعه إصبعها، فقال: أوه. لو
أُطاع فيكن ما رأتكن عين، وأخذ يقول الرسول : احجب نساءك، حتى نزلت آية الحجاب ﴿وَإِذَا
سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] فكن إذا خرجن تلففن، بحيث لا يرى
من أجسامهن شىء، وخرجت سودة، فأراد عمر إحراجها، لئلا تخرج ثانية، وكان حريصًا على حجاب
كامل، يمنع خروج أزواج النبي # من بيوتهن، فناداها، فرجعت، فأخبرت النبى ®، فنزل الوحى،
يبيح لهن الخروج لحاجتهن، ففى الرواية الثانية تقديم وتأخير، وترتيبها: أن أزواج النبي { لا كن
يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع، وهو صعيد أفيح، وكان عمر بن الخطاب يقول لرسول اللَّه ﴿:
احجب نساءك، فلم يكن رسول اللَّه ◌َ* ليفعل [أمراً كهذا بدون الوحى] فأنزل الله عز وجل آية
الحجاب [فاحتجبن عن الرجال بحيث لا ترى أجسادهن، لا فى بيونهن، ولا إذا خرجن لقضاء
حاجتهن] فخرجت سودة بنت زمعة ليلة من الليالي عشاء [لقضاء حاجتها، متلففة لا يرى منها
شىء] وكانت امرأة طويلة [لا تختلط بغيرها من النساء] فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة [قال
ذلك] حرصًا على أن ينزل الحجاب [الكامل المانع من خروجهن] وتكملة القصة فى الرواية الأولى.
(فانظرى كيف تخرجين)؟ الاستفهام إنكارى توبيخى، كيف تخرجين؟ أى لا ينبغى أن
تخرجى، ولوكنت متلففة.
(قالت) عائشة.
(فانكفأت) بضمير الغائبة، أى فرجعت سودة إلى البيت، ولم تقض حاجتها، فقوله ((راجعة))
حال مؤكدة.
٤٩٧
(ورسول اللّه :﴿ فى بيتى) أى فى بيت عائشة، وكانت سودة تعلم أنه فى بيت عائشة،
فذهبت إليه هناك.
(وإنه ليتعشى، وفى يده عرق) بفتح العين وسكون الراء، وهو العظم عليه لحم، تقول: تعرقت
العظم، وأعرقته إذا تتبعت ما عليه من لحم، والغرض من ذكره وقولها فيما بعد ((وإن العرق فى يده، ما
وضعه)) الإشارة إلى سرعة نزول الوحى بحكم الواقعة.
(أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن) فى رواية البخارى ((أن تخرجن لحوائجكن)) قال
الداودى: فى صيغة هذا الجمع نظر، لأن جمع الحاجة حاجات، ولا يقال: حوائج، وتعقبه ابن التين
فأجاد، وقال: الحوائج جمع حاجة أيضًا.
فقه الحديث
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس به قال: ((لما تزوج رسول اللَّه *: زينب بنت
جحش، دعا القوم، فطعموا، ثم جلسوا يتحدثون، وإذا هو كأنه يتهيأ للقبام، فلم يقوموا، فلما
رأى ذلك قام، فلما قام قام من قام، وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبى 8 ليدخل، فإذا القوم
جلوس، ثم إنهم قاموا، فانطلقت، فجئت، فأخبرت النبى : أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى
دخل، فألقى الحجاب بينى وبينه، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ
النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَّنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَّاهُ﴾ أى غير منتظرين نضجه ﴿وَلَكِنْ إِذَا
دُعِيَتُمَّ فَانْظُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ أىَ فَإذا أكلتم الطعامِ فتفرقوا، ولا تلبثوا، ﴿وَلا
مُسْتَأنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيِّ فَيَسْتَحْنِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحِي مِنَ الْحَقِّ
وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءَ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أى إذا سألتم نساء
النبى ◌َ شيئًا، أو أردتم أن تكلموهن، فكلموهن من وراء ساتر بينكم وبينهن، وتسمى هذه
الآية عند المفسرين بآية الثقلاء، والحديث واضحٍ فى سبب النزول، وأخرج البخارى فى
الأدب المفرد والنسائى من حديث عائشة رضى الله عنها أنها كانت تأكل مع النبى {﴿.
وكان يأكل معهما بعض أصحابه، فأصابت يد رجل يدها، فكره النبى 8# ذلك، فنزلت. ولا
مانع من تعدد أسباب نزول الآية الواحدة.
ونزلت آية الحجاب فى السنة الخامسة من الهجرة على الصحيح، قال القاضى عياض: فرض
الحجاب مما اختص به أزواج النبي ، فهو فرض عليهن بلا خلاف فى الوجه والكفين، فلا يجوز
لهن كشف ذلك لشهادة ولا غيرها، ولا يجوزلهن إظهار شخوصهن، وإن كن مستترات، إلا ما دعت
إليه الضرورة، من الخروج للبراز، قال اللَّه تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾
[الأحزاب: ٥٣] وقد كن إذا قعدن للناس جلسن من وراء حجاب، وإذا خرجن حجبن، وسترن
أشخاصهن -فى هودج ونحوه- كما جاء فى حديث حفصة يوم وفاة عمر - إذا طلبت رضى الله عنها
من النساء أن يسترنها عن أن يرى شخصها، أخرجه مالك في الموطأ، وأن زينب بنت جحش رضى
الله عنها لما ماتت جعل لها قبة فوق نعشها، ليستر شخصها. اهـ
٤٩٨
قال الحافظ ابن حجر: وليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه، من فرض ذلك عليهن، وقد كن بعد
النبى ®5 يحججن ويطفن، وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث، وهن مستترات
الأبدان، لا الأشخاص. اهـ
وحديث الباب يؤيد ما قاله الحافظ ابن حجر، فخروج سودة رضى الله عنها، بعد الحجاب،
وكانت ساترة لجميع بدنها، غير حاجبة لشخصها، وكان حرص عمره على أن لا يبدين شخوصهن
أصلا، ولو كن مستترات، فبالغ فى ذلك، فمنع منه، وأذن لهن فى الخروج لحاجتهن، دفعاً للمشقة،
ورفعًا للحرج.
ويؤخذ من الحديث
١- منقبة ظاهرة لعمر بن الخطاب وشدة حرصه على الرسول ﴿، وغيرته على أمهات المؤمنين،
وهذه إحدى موافقاته المشهورة. وعد الشيعة ما وقع منه ظه من المثالب والنقائص، قالوا: لما
فيه من سوء الأدب، وتخجيل سودة، حرم رسول اللّه وَل، وإيذائها بذلك، وأجاب أهل السنة بأنه
له رأى أن لا بأس بذلك، لما غلب على ظنه من ترتب الخير العظيم عليه، ورسول الله :﴿ وإن
كان أعلم منه وأغير لم يفعل ذلك، انتظارًا للوحى، وهو اللائق بكمال شأنه مع ربه عز وجل، ولو
كان فى فعل عمره ما يؤاخذ عليه، لوجهه وأرشده رسول اللَّه﴿ لما ينبغى.
٢- وفيه تنبيه أهل الفضل والكبار على مصالحهم، ونصيحتهم، وتكرار ذلك عليهم.
٣- وجواز تعرق العرق والعظم.
٤- وجواز خروج المرأة من بيت زوجها، لقضاء حاجة الإنسان [التبرز ونحوه] إلى الموضع المعتاد
لذلك بغير استئذان الزوج، لأنه مما لا يستغنى عنه الإنسان، وقدأذن فيه الشرع.
٥- أن كثيرًا من القرآن الكريم كان ينزل جوابًا عن أسئلة، أو حكما لمسألة، أو حلا لمشكلة، وقد
اختلف العلماء. متى نزلت آية الحجاب، فقيل: إنها نزلت حال قيام الثقلاء، أى أنزلها اللَّه وقد
قاموا، وفى رواية ((فرجع، فدخل البيت، وأرخى الستر، وإنى لفى الحجرة، وهو يقول ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَِّيِّ.﴾ إلى قوله ﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحِي مِنَ الْحَقّ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
والله أعلم
٤٩٩
(٥٨٧) باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها
ودفع ظن السوء إذا خلا بامرأة حلال
٤٩٥٢- ١٩ عَن جَابِرٍ﴾(١٩) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿: «أَلا لا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ غَيِّبٍ
إِلا أَنْ يَكُونُ نَاكِحًا أَوْذَا مَحْرَهٍ».
٤٩٥٣ - ٣٠ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ(٢٠) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ»
فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللّهِ، أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ) قَالَ: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ».
٤٩٥٤- ٢١ عَن اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (٢١) قَالَ: الْحَمْوُ أَخُ الزَّوْجِ وَمَا أَشْبَهَهُ مِن أَقَارِبِ الزَّوْجِ ابْنُ
الْعَمِّ وَنَحْوُهُ.
٤٩٥٥ - ٣٣ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِي اللَّهِ عَنْهِمًا(٢٢)؛ أَنَّ نَفَرًا مِن يَنِي هَاشِمٍ
دَخَلُوا عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَّيْسٍ. فَدَخَلَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ، وَهِيَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ، فَرَآهُمْ، فَكَرِةٍ
ذَلِكَ. فَذَكّرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﴿ وَقَالَ: لَمْ أَرَ إِلا خَيْرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ
بَرَّأْهَا مِن ذَلِكَ» ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: «لا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا
عَلَى مُغِيبَةٍ إِلا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوِ اقْنَانٍ».
٤٩٥٦- ٣٣ عَنْ أَنَسٍ﴾(٢٣) أَنَّ النّبِيِّ ﴿ كَانَ مَعَ إِحْدَى نِسَائِهِ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَدَعَاهُ
فَجَاءٌ، فَقَالَ: «يّا فُلانُ هَذِهِ زَوْجَّتِي فُلاَلَةُ» فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ كُنْتُ أَظُنُّ بِهِ فَلَمْ أَكُنْ
أَظُنُّ بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴾: «إِنَّ الشَّيْطَانِ يَجْرِي مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّهِ».
(١٩) حَدُثْنَا يَحْتَى بْنُ يَخْتِى وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالَ يَحْتِى أَخْبُرَنَا وقَالَ ابْنُ حُجْرٍ حَدَّقْنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَن جَابِرِ حِ وحَدْقًّا
مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ وَزُهَيْرُ بْنَ حَرْبٍ قَلَا حَدَّقَنَا هُشَيْمٌ أَخْبُرَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ
(٢٠) حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث. ح وحدثنا محمد بن رمح. أخبرنا الليث عن يزيد بن أبى حبيب، عن أبى الخير عَن
عُقْبَةً ابْنِ عَامِرٍ
- وحَدَِّي أَبَّ الطَّاهِرِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَحَيْوَةٌ بْنِ شُرَيْحٍ وَغَيْرِهِمْ أَنْ يَزِيدَ
ابْنَ أَبِي حَبِيبٍ حَدْثَهُمَّ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
(٢١) وحَدَّثَِّي أَبُو الطَّاهِرِ أَخْبَّرَنَا ابْنَّ وَهْبٍ قَالَ: وَسَمِعْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ
(٢٢) حَدَّثََّا هَارُونُ بْنُ مَغَّرُوفٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرٌوحٍ وَحَدَّثَنِي أَبُو الطّاهِرِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُّ وَهْبٍ عَن
عَمْرِوِ ابْنِ الْحَارِثِ أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةً حَدْقَهُ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمِّنِ بْنَ جُبْرٍ حَدِّثَهُ أَنْ عَبْدَ اللَّهِ بَنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ حَدَّقَهُ
(٢٣) حَذَََّّا عَبَّدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَّةَ بْنٍ فَعْتَبٍ حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلّمَةً عَنْ ثَابِتِ الْبَُّاِيِّ عَنْ آَنْسٍ
٥٠٠