Indexed OCR Text
Pages 521-540
الرواية الثالثة ((إلا جاء يوم القيامة وجرحه ينعب)) بفتح الياء والعين وإسكان الثاء، ومعناه يجرى
متعجرا، أى كثبرا، وفى الرواية الرابعة ((كل كلم يكلمه المسلم فى سبيل اللَّه)) فى سبيل الله خبر
المبتدأ، أى كل جرح يجرحه المسلم له به أجر، كقوله ((ما يصبب المسلم من نصب ولا وصب - حتى
الشوكة يشاكها إلا كان له به أجر)» فيشمل جروح القتال فى معارك الكفار، وغيرها من جروح الدنيا،
أو خبر المبتدأ محدوف، نقديره: مأجور، وعند الترمذى وصححه وابن حبان والحاكم ((من جرح جرحا
فى سبيل الله، أو نكب نكبة، فإنها نجىء يوم القيامة، كأغزر ما كانت، لونها لون الزعفران، وريحها
المسك)) قال الحافظ ابن حجر ((فعرف بهذه الزيادة ((أو نكب نكبة)) أن مجيئها يوم القيامة على
الهيئة المذكورة لا يختص بالشهيد، بل هى حاصلة لكل من جرح. اهـ
((ثم يكون يوم القيامة كهيئتها)) أى ثم مجىء هذه الحروح الدنيوية كهيئتها ((إذا طعنت)) أى
كهبثتها وقت طعنها، قال النووى ((إذا)) بالألف بعد الذال - كذا فى جميع النسخ. اهـ أى واستعملت
((إذا)) التى هى ظرف للمستقبل، بدل ((إذا)) التى للماضى ((تفجر دما)) جملة حالية، و((تفجر)) أصله
تتفجر بتاءين، حذفت إحداهما تخفيفا. ((اللون لون دم، والعرف عرف المسك)) والعرف بفتح العين
وسكون الراء بعدها فاء، الرائحة.
(لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو فى سبيل اللّه أبدا)
السرية قطعة صغيرة من الجبش، وقد بعث صلى الله عليه وسلم كثيرا من السرايا، تعرضنا لها فى
عدد السرايا والبعوث والغزوات، وفى الرواية الرابعة ((لولا أن أشق على المؤمنين ما قعدت خلف
سرية تغزو فى سبيل الله)).
(ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عنى) هذا
تعليل وبيان لسبب أن يصيبه صلى الله عليه وسلم مشقة إذا خرج مع السرايا، وحاصل العذر أن
المسلمين يحرصون على مصاحبته صلى الله عليه وسلم فى حربه مع الكفار، لأمرين: الأول أنهم من
داخل نفوسهم يحبونه حبا أعلى من حبهم لأنفسهم، ويفدونه بأرواحهم، فخوفهم عليه يجعلهم لا
يتخلفون عنه، الأمر الثانى قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَن
رَسُول اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمَّ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأْ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ وَلَا يَطَثُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنَ عَدُوْ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيغَ
أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠].
مع هذا الحرص على الخروج معه صلى الله عليه وسلم كان الكثيرون منهم فقراء، لا يملكون ما
ينفقون على أنفسهم فى السفر، ولا يجدون دابة تحملهم إلى المسافات البعيدة، ولا يملك الرسول ول#
وأغنياء الصحابة ما يقوم بنفقاتهم ووسائل نقلهم، فيشق عليهم عدم الخروج معه صلى اللّه عليه
وسلم، ويشق عليه صلى الله عليه وسلم مشقتهم، يقول جل شأنه ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى
وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلِ وَاللَّهُ
غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِّلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُّنُهُمْ تَفِيضَُ مِن
٥٢١
الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢،٩١] هده هى الحالة المانعة من خروجه صلى اللّه عليه
وسلم مع كل سرية أرسلها، وفى الرواية الرابعة ((لولا أن أشق على المؤمنين، ما قعدت خلف سرية
تغزو فى سبيل اللّه)) وفى ملحق الرواية الرابعة ((لولا أن أشق على أمتى لأحببت ألا أتخلف خلف
سرية ... )). وفى رواية البخارى ((تغدو فى سبيل الله)) بالدال من الغدو، ((ولكن لا أجد سعة فأحملهم،
ولا يجدون سعة فبتبعونى، ولا تطيب أنفسهم أن يقعدوا بعدى)). وفى رواية للبخارى ((ولا تطيب
أنفسهم أن يتخلفوا عنى)) وفى الرواية الأولى ((ويشق عليهم أن يتخلفوا عنى)) وفى رواية الطبرانى
((ولو خرجت ما بقى أحد فيه خير، إلا انطلق معى، وذلك يشق على وعليهم)) وفى رواية ((ويشق على
أن يتخلفوا عنى)) فإن قيل: لقد خرج صلى الله عليه وسلم فى الغزوات، وتخلف عنه هؤلاء الذين لا
يجدون، ولم يمتنع من أجلهم؟ قلنا: إن ذلك من باب تقديم المصلحة الأهم، على المصلحة المهمة.
(والذي نفس محمد بيده لوددت أنى أغزو فى سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم
أغزو فأقتل) وفى ملحق الرواية الرابعة ((والدى نفسى بيده لوددت أنى أقتل فى سبيل الله، ثم
أحيا)) فقوله ((لوددت)) جواب القسم، وقوله فى رواية البخارى ((ولوددت أنى أقتل)) بحذف القسم،
هو على قسم مقدر. وفائدة ذكر هذه الجملة بعد ما قبلها إرادة تسلية الخارجين فى السرايا بدونه،
فراعى خواطر الجميع، قال القاضى: واليد هنا بمعنى القدرة والملك.
(ما من نفس تموت، لها عند اللَّه خير، يسرها أنها ترجع إلى الدنيا، ولا أن
لها الدنيا وما فيها، إلا الشهيد) معنى ((لها عند اللَّه خير)» أى ثقلت موازينها، وزاد
خيرها على شرها، وكانت من أهل الجنة، وذلك احتراز عن قول الكافر ﴿رَبِّ ارْجِعُونَ﴾
لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٩٩-١٠٠] ومعنى ((ولا أن لها الدنيا وما فيها)) أى لاَ يسرَها
أن لها الدنيا وما فيها، وفى الرواية السابعة ((ما من أحد يدخل الجنة، يحب أن يرجع إلى
الدنيا، وأن له ما على الأرض من شىء غير الشهيد)).
قال النووى: أما سبب تسمية الشهيد شهيدا فقال النضر بن شميل: لأنه حى، فإن أرواحهم
شهدت وحضرت دار السلام، وأرواح غيرهم نشهدها يوم القيامة. اهـ فهو شاهد مشاهد، فعبل بمعنى
فاعل. وقال ابن الأنبارى: إن الله تعالى وملائكته ونبيه عليه الصلاة والسلام يشهدون له بالجنة،
ففعيل بمعنى مفعول، وقيل: لأنه عند خروج روحه يشهد ما أعده الله تعالى له، ففعيل بمعنى اسم
الفاعل، وقيل: لأن ملائكة الرحمة يشهدونه، فيأخذون روحه، فهو مشهود، وقيل: لأنه يشهد له بالإيمان
وخاتمة الخير، بظاهر حاله، فهو مشهود له، وقيل: لأن عليه شاهدا بكونه شهيدا، وهو الدم، وقيل: لأنه
ممن يشهد على الأمم يوم القيامة بإبلاغ الرسل الرسالة إليهم، وعلى هذا القول الأخير يشارك الشهداء
غيرهم فى هذا الوصف. اهـ
(ما يعدل الجهاد فى سبيل الله؟) أى ماذا من الأعمال الفاضلة يساوى الجهاد فى سبيل
اللَّه فى الأجر والثواب؟
٥٢٢
(لا تستطيعونه) أى هو موجود، لكنه غير مستطاع لكم، وفى بعض النسخ ((لا
تستطيعوه)» بحذف النون، قال النووى: وهو صحبح أيضا على لغة فصيحة، تحذف النون
من غير ناصب ولا جازم. اهـ
وفى رواية البخارى ((جاء رجل إلى رسول اللَّه ◌ُ ﴾، فقال: دلنى على عمل يعدل الجهاد. قال: لا
أجده)) أى لا أجده مستطاعا ((قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم ولا
تفتر؟ ونصوم ولا نفطر؟ قال: ومن يستطيع ذلك)»؟.
(كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صيام ولا صلاة، حتى يرجع
المجاهد فى سبيل الله) يقال: قنت بفتح النون، يقت بضمها، قنوتا، أطاع الله، وخضع له، وأقر
بالعبودية، وأطال الدعاء، زاد النسائى ((الخاضع الراكع الساجد)) وعند ابن حبان ((كمثل الصائم
القائم الدائم، الذى لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع» وعند أحمد والبزار ((كمثل الصائم نهاره،
القائم ليله» وشبه حال المجاهد فى سبيل الله بحال الصائم القائم فى نيل الثواب فى كل حركة
وسكون، لأن المراد من الصائم القائم من لا يفتر ساعة عن العبادة، فأجره مستمر، وكذلك المجاهد، لا
تضيع ساعة من ساعاته بغير ثواب.
(وهو يوم الجمعة) أى وهذا النقاش كان يوم الجمعة، وفى بعض النسخ ((وذلك يوم الجمعة))
(﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾﴾؟
﴿وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وظاهر الآية تشبيه الفعل بالفاعلَ، السقاية والعمارة بمن
آمن وجاهد، وذلك لا يحسن، فيقدر محذوف إما فى جانب الصفة، أى أجعلتم أهل سقاية الحاح،
وإما فى جانب الذات، أى أجعلتم السقاية والعمارة كإيمان وجهاد من آمن وجاهد؟ والاستفهام
للإنكار التوبيخى، أى لا ينبغى أن تجعلوهما كذلك، ثم صرح بعد الاستواء ((لا يستوون عند اللَّه)) ولما
كان الادعاء أن السقاية والعمارة أفضل، ونفيت المساواة نفيت الأفضلية المدعاة من باب أولى، ثم
أثبت تعالى أفضلية الجهاد بقوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ
أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْغَائِزُونَ﴾ [التوبة: ٢٠].
(لغدوة فى سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها) اللام فى جواب قسم محذوف،
والغدوة بفتح الغين المرة الواحدة من الغدو، وهو الخروج فى أى وقت كان من أول النهار إلى
انتصافه، والروحة بفتح الراء المرة الواحدة من الرواح، وهو الخروج فى أى وقت كان من زوال الشمس
إلى غروبها، والمراد من سبيل اللَّه الجهاد، و((أو)) هنا للتقسيم، لا للشك، قال ابن دقيق العيد فى ((خير
من الدنيا وما فيها)» يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون من باب تنزيل المغيب منزلة المحسوس،
تحقيقا له فى النفس، لكون الدنيا محسوسة فى النفس، مستعظمة فى الطباع، فلذلك وقعت
المفاضلة بها، وإلا فمن المعلوم أن جميع ما فى الدنيا لا يساوى ذرة مما فى الجنة، والثانى: أن
المراد أن هذا القدر من الثواب خير من الثواب الذى يحصل لمن لو حصلت له الدنيا كلها لأنفقها فى
٥٢٣
طاعة الله. اهـ وعند البخارى كما فى الرواية الرابعة عشرة ((خير مما طلعت عليه الشمس وغربت))
وهى بمعنى ((خير من الدنيا وما فيها)).
(ففعل، ثم قال: وأخرى يرفع بها العبد مائة درجة فى الجنة، ما بين كل
درجتين كما بين السماء والأرض) ((ففعل)) أى فأعاد ((من رضى باللّه ربا، وبالإسلام
دينا، وبمحمد نبيا، وجبت له الجنة)) ثم قال: وفضيلة أخرى لعمل آخر، صفتها كيت وكيت.
قال القاضى عياض عن قوله ((ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض»: يحتمل أن
هذا على ظاهره، وأن الدرجات هنا المنازل التى بعضها أرفع من بعض فى الظاهر، وهذه
صفة منازل الجنة، كما جاء فى أهل الغرف، أنهم يتراءون كالكواكب الدرية، قال: ويحتمل
أن المراد الرفعة فى المعنى، من كترة النعيم، وعظيم الإحسان، مما لم يخطر على قلب بشر،
وأن أنواع ما ينعم الله عليه به، من البر والكرامة يتفاضل تفاضلا كثيرا، ويكون تباعده فى
الفضل كما بين السماء والأرض فى البعد. قال: والاحتمال الأول أظهر.
(وأنت صابر محتسب) المحتسب هو المخلص للَّه تعالى، يقال: احتسب الأجر على اللّه، أى
حسبه وادخره عنده، قال النووي: فإن قاتل لعصبية أولغنيمة أو لصيت أو نحو ذلك فليس له هذا
الثواب ولا غيره.
(مقبل غير مدبر) ((غير مدبر)) تأكيد لمقبل، وقال النووى: لعله احتراز ممن يقبل فى وقت،
ويدبر فى وقت.
(كيف قلت؟) طلب لإعادة السؤال بذاته وبهيئته وكيفيته إعجابا بالسؤال، وليعيد
الجواب المهم.
(سألنا عبد اللَّه) قال النووى: قال المازري: كذا جاء ((عبد الله)) غير منسوب، قال أبو على
الغسانى: ومن الناس من ينسبه، فيقول: عبد الله بن عمرو. وذكره أبو مسعود الدمشقى فى مسند ابن
مسعود، قال القاضى عياض: ووقع فى بعض النسخ من صحيح مسلم ((عبد الله بن مسعود)) قال
النووى: وكذا وقع فى بعض نسح بلادنا المعتمدة، ولكن لم يقع منسوبا فى معظمها، وذكره خلف
الواسطى والحميدى وغيرهما فى مسند ابن مسعود. وهو الصواب.
(أما إنا سألنا عن ذلك) رسول اللَّه ◌َ﴾.
(أرواحهم فى جوف طير خضر) ((طير)) جمع، مثل طيور، كأنه قال: فى أجواف طيور،
ومقابلة الجمع بالجمع تقتضى القسمة آحادا، أى روح كل واحد منهم فى جوف طائر أخضر، قال
القاضى عياض: وقد اختلف الناس فى الروح. ما هى؟ اختلافا لا يكاد يحصر، فقال كثير من أرباب
المعانى وعلم الباطن المتكلمين: لا تعرف حقيقته، ولا يصح وصفه، وهو مما جهل العباد علمه،
واستدلوا بقوله تعالى ﴿قُل الرُّوحُّ مِن أَمْرِرَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] وغالت الفلاسفة، فقالت بعدم الروح -
٥٢٤
أى فنائها - وقال جمهور الأطباء: هو البخار اللطيف السارى فى المدن، وقال كثيرون من شيوخنا: هو
الحياة، وقال آخرون: هى أجسام لطيفة مشابكة للجسم، يحيى لحياته، أجرى اللّه تعالى العادة
بموت الجسم عند فراقه، وقيل: هو بعض الجسم، ولهذا وصف بالخروج والقبض وبلوغ الحلقوم، وهذه
صفات الأجسام لا المعانى، وقال بعض متقدمى أئمتنا: هو جسم لطيف متصور على صورة الإنسان
داخل الجسم، وقال بعض مشايخنا وغيرهم: إنه النفس الداخل والخارج، وقال آخرون: هو الدم.
قال النووى: هذا ما نقله القاضى، والأصح عند أصحابنا أن الروح أجسام لطيفة متخللة فى
البدن، فإذا فارقته مات، قال القاضى: واختلفوا فى النفس والروح، فقيل: هما بمعنى، وهما لفظان
لمسمى واحد، وقيل: إن النفس هى النفس الداخل والخارج، وقيل: هى الدم، وقيل: هى الحياة.
قال القاضى: وقال هنا ((أرواح الشهداء)) وقال فى حديث مالك ((إنما نسمة المؤمن)) والنسمة
نطلق على ذات الإنسان، جسماً وروحا، ونطلق على الروح مفردة، وهو المراد بها فى هذا التفسير فى
الحديث الآخر بالروح، ولعلمنا بأن الجسم يفنى، ويأكله التراب، ولقوله فى الحديث ((حتى يرجعه الله
تعالى إلى جسده يوم القيامة)).
قال النووى: قوله صلى الله عليه وسلم فى هذا الحديث ((فى جوف طير خضر» وفى غير مسلم
((بطير خضرى)) وفى حديث آخر ((بحواصل طير)) وفى الموطأ ((إنما نسمة المؤمن طير)) وفى حديث
آخر ((فى صورة طير أبيض)» ثم قال: ولا فرق بين الأمرين، بل رواية طير أو جوف طير أصح معنى،
وليس للأقبسة والعقول فى هذا حكم، وكله من المجوزات، فإذا أراد الله أن يجعل هذه الروح إذا
خرجت من المؤمن أو الشهيد فى قناديل، أو فى أجواف طير، أو حيث يشاء كان ذلك، ووقع، ولم
يبعد، لاسيما مع القول بأن الأرواح أجسام. قال القاضى: وقيل: إن هذا المنعم أو المعذب من الأرواح
جزء من الجسد، تبقى فيه الروح، وهو الذى يتألم ويعذب، ويلتذ وينعم، وهو الذى يقول ((رب ارجعون))
وهو الذى يسرح فى شجر الجنة، فغير مستحيل أن يصور هذا الجزء طائرا، أو يجعل فى جوف طائر،
وفى قناديل تحت العرش، وغير ذلك مما يريد الله عز وجل.
(لها قناديل معلقة بالعرش) اللام فى «لها)» لام الاختصاص، أو الملكية. والقناديل جمع
قنديل بكسر القاف، وهو مصباح كالكوب، فى وسطه فتيل، يملأ بالماء والزيت ويشعل.
(ثم تأوى إلى تلك القناديل) كأنها المنازل التى تقيم فيها.
(فاطلع إليهم ربهم اطلاعة) أى نظرة رحمة وعطف.
(ففعل ذلك بهم ثلاث مرات) أى فقال لهم ذلك القول ((هل تشتهون شيئا)) ثلاث مرات، كل
مرة يقول، ويجيبون بالجواب نفسه.
(فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا) ((يتركوا)) مبنى للمجهول، أى لن يتركهم الله من
غير أن يطلبوا طلبا، طلبوا طلبا.
٥٢٥
(فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا) ((أن)) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن
محذوف، والجملة بعدها خبرها، و ((تركوا)) بالبناء للمجهول، أى تركهم اللّه تعالى، دون تحقيق
مطلبهم لأنه مستحيل، إذ سبق القول عنده أن لا رجعة.
(أى الناس أفضل) قال: رجل يجاهد ... إلخ. قال القاضى: هذا عام مخصوص، وتقديره هذا من
أفضل الناس، وإلا فالعلماء أفضل، وكذلك الصديقون.
(مؤمن فى شعب من الشعاب) الشعب بكسر الشين انفراج بين جبلين، واختيار الشعب
لأنه فى الأغلب يكون خاليا من الناس، فالمقصود البعد عن الناس.
(يعبد ربه، ويدع الناس من شره) فى رواية البخارى ((مؤمن فى شعب من الشعاب
يتقى الله، ويدع الناس من شره)) وفى رواية ((معتزل فى شعب، يقيم الصلاة، ويؤتى الزكاة، ويعتزل
شرور الناس)) وفى الرواية الثانية والعشرين ((يقيم الصلاة، ويؤتى الزكاة، ويعبد ربه، حتى يأتيه
اليقين، ليس من الناس إلا فى خير».
(من خير معاش الناس لهم) المعاش هو العبش، وهو الحياة، والمعنى من خير أحوال عيشة
الناس رجل ...
(رجل ممسك عنان فرسه فى سبيل اللّه يطير على متنه) أى يسارع على ظهره.
(كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه) أى كلما سمع صوتا ينذر بالعدو، والهيعة بفتح الهاء
وإسكان الياء كل صوت يفزع، والفزعة بإسكان الزاى النهوض إلى العدو.
(يبتغى القتل والموت مظانه) أى فى مظانه ومواطنه التى يرجى فيها، لشدة
رغبته فى الشهادة.
(أو رجل فى غنيمة) بضم الغين وفتح النون، تصغير غنم، أى فى مجموعة قليلة من الغنم.
(على رأس شعفة من هذه الشعف) الشعفة بفتح الشين والعين والفاء أعلى الجبل، وجمعها
شعف، بفتحات، وشعاف بكسر الشين، وشعوف بضم الشين.
فقه الحديث
يمكن حصر نقاط الباب فى ثلاث نقاط:
الأولى: فضل الجهاد [الخروج للغزو، والرباط فى سبيل اللّه] وحكم الجهاد، وأجر المجاهد،
والجمع بين أحاديث فضله، وأحاديث فضل غيره.
الثانية: الشهادة، فضلها - وفضل الإصابة فى القتال.
٥٢٦
الثالثة: ما يؤخذ من الأحاديث.
أولاً: فضل الجهاد:
أما عن فضل الجهاد ففى الرواية الأولى)) تضمن اللَّه لمن خرج فى سبيله - لا يخرجه إلا جهادا
فى سبيله، وإيمانا بى، ونصديقا برسلى، فهو على ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذى
خرج منه، نائلا ما نال من أجر أو غنيمة ... والذى نفس محمد بيده. لولا أن يشق على المسلمين ما
قعدت خلاف سرية تغزو فى سبيل اللّه أبدا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق
عليهم أن يتخلفوا عنى)) ونحوها فى الرواية الثانية والرابعة والخامسة.
وفى الرواية الثامنة ((قيل للنبى 48: ما يعدل الجهاد فى سبيل الله عز وجل؟ قال:
لاتستطيعونه، فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول: لا تستطيعونه، وقال فى الثالثة:
مثل المجاهد فى سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صيام ولا
صلاة، حتى يرجع المجاهد فى سبيل الله ((وفى الرواية التاسعة ((أجعلتم سقاية الحاج
وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد فى سبيل اللَّه)»؟ وفى الرواية
العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة والرابعة عشرة ((غدوة أو روحة فى
سبيل الله خير من الدنيا وما فيها)) ((خير مما طلعت عليه الشمس وغربت))
وفى الرواية الخامسة عشرة ((وأخرى يرفع بها العبد مائة درجة فى الجنة، ما بين كل درجتين
كما بين السماء والأرض. قال: وما هى يا رسول الله؟ قال: الجهاد فى سبيل اللّه)).
وفى الرواية السادسة عشرة أن رسول اللّه﴿ ذكر لهم «أن الجهاد فى سبيل اللّه، والإيمان بالله،
أفضل الأعمال)).
وفى الرواية المتممة للعشرين ((أن رجلا أتى النبي ◌ُ ﴾، فقال: أى الناس أفضل؟ قال: رجل
يجاهد فى سبيل الله بماله ونفسه)) وفى الرواية الواحدة والعشرين ((أى الناس أفضل يا رسول اللَّه؟
قال: مؤمن يجاهد بنفسه وماله فى سبيل الله))
أما فضل الرباط فى سبيل الله فعنه تقول الرواية الثانية والعشرون ((من خير معاش الناس لهم
رجل ممسك عنان فرسه فى سبيل الله، يطير على متنه، كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه، يبتغى
القتل والموت مظانه»
قال النووى: فى الحديث عظم فضل الجهاد، لأن الصلاة والصيام والقيام بآيات اللَّه أفضل
الأعمال، وقد جعل المجاهد مثل من لا يفترعن ذلك فى لحظة من اللحظات، ومعلوم أن هذا لا يتأتى
لأحد، ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم: ((لا تستطيعونه)).
وقال النووى: والجهاد فرض كفاية، لا فرض عين. وقال الحافظ ابن حجر: للناس فى الجهاد
حالان. إحداهما فى زمن النبى ®، والأخرى بعده، فأما الأولى فأول ما شرع الجهاد بعد الهجرة
النبوية إلى المدينة اتفاقا، ثم بعد أن شرع. هل كان فرض عين؟ أو فرض كفاية؟ قولان مشهوران
٥٢٧
للعلماء، وهما فى مذهب الشافعى، وقال الماوردى: كان فرض عين على المهاجرين، دون غيرهم،
ويؤيده وجوب الهجرة قبل الفتح، فى حق كل من أسلم، إلى المدينة، لنصر الإسلام، وقال السهيلى.
كان فرض عين على الأنصار، دون غبرهم، ويؤيده مبايعتهم للنبى 3 لبلة العقبة، على أن يؤيدوا رسول
الله :﴿ وينصروه، فيخرج من قولهما أنه كان فرض عين على الطائفتين، فرض كفاية فى حق غيرهم،
ومع ذلك فليس فى حق الطائفتين على التعميم، بل فى حق الأنصار إذا طرق المدينة طارق، وفى حق
المهاجرين إذا أريد قتال أحد من الكفار ابتداء، ويؤيد هذا ما وقع فى قصة بدر، وقيل: كان فرض عين
فى الغزوة التى يخرج فيها النبى ﴿ دون غبرها، والتحقبق أنه كان فرض عبن على من عينه النبى
** ، ولو لم يخرج النبى ◌ّ الحال الثانى بعده صلى الله عليه وسلم، فهو فرض كفاية على المشهور، إلا
أن تدعو الحاجة إليه، كأن يدهم العدو، ويتعين على من عبنه الإمام، ويتأدى فرض الكفاية بفعله فى
السنة مرة عند الجمهور، ومن حجتهم أن الجزية تجب بدلا عنه، ولا تجب فى السنة أكثر من مرة
اتفاقا، فليكن بدلها كذلك، وقيل: يجب كلما أمكن، وهو قوى. والذى يظهر أنه استمر على ما كان عليه
فى زمن النبى ﴾، إلى أن نكاملت فتوح معطم البلاد، وانتشر الإسلام فى أقطار الأرض، ثم صار إلى
ما تقدم ذكره. والتحقيق أيضا أن جنس جهاد الكفار متعين على كل مسلم، إما بيده، وإما بلسانه،
وإما بماله، وإما بقلبه. اهـ
فظاهر هذه الأحاديث أن الجهاد أفضل الطاعات، لكن يشكل عليه ما رواه البخارى عن عبد الله
ابن مسعود رضيه قال: سألت رسول اللَّهِمِ﴿، قلت: يا رسول الله، أى العمل أفضل؟ قال: الصلاة على
ميقاتها. قلت. ثم أى؟ قال: ثم بر الوالدين. قلت: ثم أى؟ قال الجهاد فى سبيل اللّه. فسكت عن
رسول اللَّه ◌َ ﴿، ولو استزدته لزادنى)) مما يدل على أن الصلاة على مواقبتها وبر الوالدين أفضل من
الجهاد؛ وما رواه البخارى من حديث ابن عباس مرفوعاً ((ما العمل فى أيام، أفضل منه فى هذه -
يعنى الأيام العشر - قالوا: ولا الجهاد فى سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد إلا رجل خرج يخاطر بنفسه
وماله، فلم يرجع بشيء)) مما يدل على أن العمل فى عشر ذي الحجة مقدم على الجهاد بالنفس فقط،
أو المال فقط، أو بهما مع العودة، وما أحرجه الترمذى وأحمد وصححه والحاكم من حديث أبى
الدرداء مرفوعا ((ألا أنبئكم بخبر أعمالكم؟ وأزكاها عند ملبككم؟ وأرفعها فى درجاتكم؟ وخيرلكم من
إنفاق الذهب والورق؟ وخير لكم من أن تلقوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى.
قال: ذكر الله)) مما يدل على أن الذكر بمجرده أفضل من أبلغ ما يقع للمجاهد، وأفضل من الإنفاق،
مع ما فى الجهاد والنفقة من النفع المتعدى.
وأفضل جواب عن هذا الإشكال أن هذه الأعمال الفاضلة تختلف درجات كل منها باختلاف
الظروف والأحوال، ففى زمن يحتاج المسلمون فيه إلى الجهاد يكون الجهاد أفضل، وفى وقت يكون
للشخص والدان محتاجان للبرمع ضعف الحاجة إلى المجاهدين يكون البر أفضل، وفى وقت لا
يحتاج إلى الجهاد ولا إلى البرتكون الصلاة فى مواقيتها، وفى وقت المحافظة على الصلاة فى
مواقيتها يكون الدكر أفضل، ثم إن كل واحد من هذه الأعمال لا يكون أفضل بإطلاق، بل سيتأثر فضله
بدرجة الإخلاص ودرجة الأداء، ودرجة التضحية والمشقة، ونحو ذلك، فقد يسبق درهم ألف درهم، كما
٥٢٨
فى الحديث، فدرهم من لا يملك سوى درهمين أفضل من ألف درهم ممن يملك الملايين، فإن تساوت
جهات الفضل فيها فأفضلها الجهاد لا ريب، ففيه تضحية بالنفس، وفيه النفع المتعدى إلى
المسلمين جميعاً وإلى الإسلام. وبخاصة إذا كان حالصا للَّه نعالى، وكان بالنفس والمال فلم
يرجع بشیء.
وقد اختلفوا فى أجر المجاهد يرجع بغنيمة، أو يرجع بدون غنيمة، هل أجره واحد؟ أو مختلف؟
والقواعد الشرعية تقتضى أن أجره عند عدم الغنيمة أفضل وأنم منه مع الغنيمة، وقد روى مسلم من
حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا ((ما من غازية تغزو فى سبيل الله، فيصيدون الغنيمة، إلا تعجلوا ثلثى
أجرهم، من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، فإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم)) وسيأنى هذا الحديث فى
باب خاص بعنوان: باب ثواب من غزا فغنم ومن غزا فلم يغنم. قال الحافظ ابن حجر: وهذا يؤيد أن
الذى يغنم يرجع بأجر، لكنه أنقص من أجر من لم يغنم، فتكون الغنيمة فى مقابلة جزء من أجر الغزو،
وهذا موافق لقول خباب فى الحديث الصحيح ((فمنا من مات، ولم يأكل من أجره شيئا)) قال
الحافظ: وقد استشكل بعضهم نقص ثواب المجاهد بأخذه الغنيمة، وهو مخالف لما يدل علبه أكتر
الأحاديث، وقد اشتهر تمدح النبى # بحل الغنيمة، وجعلها من فضائل أمته، فلو كانت تنقص الأجر
ما وقع التمدح بها، وأيضا فإن ذلك يستلزم أن يكون أجر أهل بدر - لأنهم غنموا الأسرى الذين أخذ
منهم الفداء - أنقص من أحر أهل أحد مثلا، مع أن أهل بدر أفضل بالاتفاق، قال: ومن الناس من
حمل نقص الأجر على غنيمة أخذت على غيروجهها، وفساد هذا الوجه ظاهر، إذ لوكان الأمر كذلك لم
يبق لهم ثلث الأجر، ولا أقل منه، ومنهم من حمل نقص الأجر على من قصد الغنيمة فى ابتداء جهاده،
وحمل تمامه على من قصد الجهاد محضا، وفيه نظر، لأن صدر الحديث مصرح بأن المقسم راجع إلى
من أخلص، لقوله فى أوله ((لا يخرجه إلا إيمان بى، وتصديق برسلى)) واختار ابن عبد البر أن المراد
بنقص أجر من غنم أن الذى لا يغنم يزداد أجره، لحزنه على ما فاته من الغنيمة، كما يؤجر من أصيب
فى ماله، فكان الأجر لما نقص عن المضاعفة بسبب الغنيمة عند ذلك كالنقص من أصل الأجر.
وذكر بعض المتأخرين حكمة لطبقة بالغة للتعبير بثلتى الأجر فى حديث عبدالله بن عمرو، وذلك
أن اللَّه أعد للمجاهدين ثلاث كرامات، دنبويتان وأخروية، فالدنبويتان السلامة والغنيمة، والأخروية
دخول الجنة، فإذا رجع سالما غانما فقد حصل له ثلثا ما أعد الله له، وبقى له عند اللَّه الثلث، وإن
رجع بغير غنيمة عوضه الله عن ذلك ثوابا، فى مقابلة ما فاته، وكأن معنى الحديث أنه يقال
للمجاهد: إذا فات عليك شيء من أمر الدنيا عوضتك عنه ثوابا، وأما الثواب المختص بالجهاد فهو
حاصل للفريقين معا. قال: وغاية ما فيه عد ما يتعلق بالنعمتين الدنبويتين أجرا، بطريق المجاز.
وأجاب ابن دقيق العبد عن إشكال أهل بدر بأن التقابل ينبغى أن يكون بين كمال
الأجر ونقصانه لمن يغزو بنفسه، إذا لم يغنم، أو يغزو فيغنم، فغايته أن حال أهل بدر مثلا
عند عدم الغنيمة أفضل منه عند وجودها، ولا ينفى ذلك أن يكون حالهم أفضل من حال
غيرهم من جهة أخرى، ولم يرد فيهم نص أنهم لولم يغنموا كان أجرهم بحاله من غير زيادة،
٥٢٩
ولا يلزم من كونهم مغفورا لهم، وأنهم أفضل المجاهدين ألا يكون وراءهم مرنة أخرى،
ودرجة أعلى من درجتهم.
وأكد الحافظ ابن حجر هذا المعنى ووضحه، فقال: لا يلزم من كونهم مع أخذ الغنيمة
أنقص أجرا مما لولم يحصل لهم الغنيمة أن يكونوا فى حال أخذ الغنيمة مفضولبن
بالنسبة إلى من بعدهم، كمن شهد أحدا، لكونهم لم يغنموا شيئا، بل أجر البدرى فى الأصل
أضعاف أجر من بعده، وإنما امتاز أهل بدر بدلك لكونها أول غزوة شهدها النبى { 9 فى
قتال الكفار، وكانت مبدأ اشتهار الإسلام، وقوة أهله، فكان لمن شهدها مثل أجر من شهد
المغازى التى بعدها جميعا، فصارت لا يوازيها شىء فى الفضل. ولهذه النقطة مزيد إيضاح
فى باب يأتى، بعنوان: باب ثواب من غزا فغنم، ومن غزا فلم يغنم، واللَّه أعلم.
النقطة الثانية: الشهادة وفضلها
وعن ذلك تقول الرواية السادسة ((ما من نفس تموت، لها عند الله خير، يسرها أن ترجع إلى
الدنيا، ولا أن لها الدنيا وما فيها، إلا الشهيد، فإنه يتمنى أن يرجع، فيقتل فى الدنيا، لما يرى من
فضل الشهادة )».
وتقول الرواية السابعة ((ما من أحد يدخل الجنة، يحب أن يرجع إلى الدنيا، وأن له ما على
الأرض من شيء، غير الشهيد، فإنه يتمنى أن يرجع، فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة)».
ويقول ملحق الرواية الرابعة ((والدى نفسى بيده. لوددت أنى أقتل فى سبيل الله، ثم أحيا)).
وتقول الرواية السادسة عشرة ((أرأيت إن قتلت فى سبيل الله. تكفر عنى خطاياى؟ فقال له
رسول اللَّه ◌َ لّ. نعم ... وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، إلا الدين، فإن جبريل قال لى ذلك))
وتقول الرواية السابعة عشرة ((يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين)» ونحوها فى الرواية الثامنة عشرة.
وتقول الرواية التاسعة عشرة ((سألنا عبد الله عن هذه الآية ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْرَقُونَ﴾ قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال رسول اللَّه لَ له: أرواحهم فى
جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوى إلى تلك
القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟ قالوا: أى شىء نشتهى ونحن نسرح
من الجنة حيث شئنا؟ ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا:
يارب. نريد أن ترد أرواحنا فى أجسادنا، حتى نقتل فى سبيلك مرة أخرى، فلما رأى أن ليس لهم
"حاجة نركوا)) وعند النسائى والحاكم ((يؤتى بالرجل من أهل الجنة، فيقول الله تعالى: يا ابن آدم.
كيف وجدت منزلك؟ فيقول: أى رب، خير منزل. فيقول: سل وتمنه، فيقول: ما أسألك وأتمنى؟ أن
تردنى إلى الدنيا، فأقتل فى سبيلك عشر مرات، لما رأى من فضل الشهادة)» وعند الترمذى وحسنه،
والحاكم وصححه من حديث جابر قال: قال لى رسول اللَّه ◌ِوَ ﴾: ألا أخبرك ما قال اللَّه لأبيك؟ قال: يا
عبد الله، تمن على أعطك. قال: يارب، تحيينى، فأقتل فيك ثانية. قال: إنه سبق منى أنهم
إليها لا يرجعون)).
٥٣٠
قال النووى: فى هذه الأحاديث صرائح الأدلة فى عظيم فضل الشهادة، وضمان الجنة للشهيد، قال
القاضى: يحتمل أن يدخل عند موته الجنة، كما قال تعالى فى الشهداء ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْرِقُونَ﴾
وفى الحديث ((أرواح الشهداء فى الجنة)) ويحتمل أن يكون المراد دخوله الجنة عند دخول السابقين
والمقربين بلا حساب ولا عذاب ولا مؤاخذة بذنب، وتكون الشهادة مكفرة لذنبه، كما فى رواياتنا
السادسة عشرة والسابعة عشرة والثامنة عشرة. وقال ابن بطال عن حديث تمنى الشهداء العودة إلى
الدنيا والشهادة مرات: هذا أجل ما فى فضل الشهادة، قال: وليس فى أعمال البرما تبذل فيه النفس
غير الجهاد، فلذلك عظم فيه الثواب.
وقال النووى عن أحاديث جرح الشهيد ودمه: فيه دليل على أن الشهيد لا يزول عنه الدم بغسل ولا
غيره، والحكمة فى محيئه يوم القيامة على هيئته أن يكون معه شاهد فضيلته، وبذله نفسه فى طاعة
الله تعالى. قال الحافظ ابن حجر: وفى هذا المأخذ وهذه الحكمة نظر، لأنه لايلزم من غسل الدم فى
الدنيا أن لا يبعث كذلك، ويغنى عن الاستدلال لترك غسل الشهيد فى هذا الحديث قوله صلى الله عليه
وسلم فى شهداء أحد: زملوهم بدمائهم».
وأما عن فضل الإصابة فى القتال
فتقول روايتنا الأولى ((والذي نفس محمد بيده. ما من كلم يكلم فى سبيل الله إلا جاء يوم القيامة
كهيئته حين كلم، لونه لون دم، وريحه مسك)) وفى الرواية الثالثة ((لا يكلم أحد فى سبيل اللّه - والله
أعلم بمن يكلم فى سبيله - إلا جاء يوم القيامة، وجرحه يثعب، اللون لون دم، والريح ريح المسك))
وفى الرواية الرابعة ((كل كلم يكلمه المسلم فى سبيل الله، ثم تكون يوم القيامة كهيئتها إذا طعنت،
تفجر دما، اللون لون دم، والعرف عرف المسك» وقد مضى فى المباحث العربية قول الحافظ ابن
حجر فى ذلك.
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- من قوله فى الرواية الأولى ((لا يخرجه إلا جهاد فى سبيلى، وإيمانا بى وتصديقاً برسلى)) ومن
قوله فى الرواية الثانية ((لا يخرجه من بيته إلا جهاد فى سبيله وتصديق كلمته)) ومن قوله فى
الرواية الثالثة ((واللَّه أعلم بمن يكلم فى سبيله)) وجوب الإخلاص فى الخروج للجهاد، وأن النواب
المذكور فيه إنما هو لمن أخلص فيه، وقاتل لتكون كلمة اللَّه هى العليا.
٢ - وأن الأعمال بالنيات.
٣- ومن قوله فى الرواية الأولى ((والذي نفس محمد بيده. لولا أن يشق على المسلمين، ما قعدت
خلاف سرية تغزو فى سبيل اللَّه أبدا)) ومثله فى الرواية الرابعة وملحقها. يؤخذ منه شفقة الرسول
ود على المسلمين والرأفة بهم، والسعى فى زوال المكروه عنهم.
٤- وأنه صلى الله عليه وسلم كان يترك الأفضل، مراعاة للرفق بأمته.
٥- وأنه إذا تعارضت المصالح بدأ بأهمها.
٥٣١
٦- وفيه دليل على جواز اليمين، وانعقادها بقوله ((والذي نفسي بيده)» ونحو هذه الصيغة من الحلف
بما يدل على الذات، ولا خلاف فى هذا. قال النووي: قال أصحابنا: اليمين تكون بأسماء الله
تعالى وصفاته، أو مادل على ذاته.
٧- أن الجهاد على الكفاية، إذ لو كان على الأعيان ما تخلف، وما تخلف أحد.
٨- ومن قوله ((لوددت أنى أغزو فى سبيل الله، فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل)) استحباب طلب
القتل فى سبيل الله.
٩- وجواز نمنى ما يمتنع فى العادة.
١٠- ومن الرواية التامنة فضيلة الصلاة والصيام والقنوت.
١١ - أن الفضائل لا تدرك دائما بالقياس، بل هى بفضل اللّه تعالى.
١٢ - واستعمال التمثيل فى الأحكام.
١٣ - وأن الأعمال الصالحة لا نستلزم الثواب لأعيانها.
١٤- ومن الرواية التاسعة كراهة رفع الصوت فى المساجد يوم الجمعة وغيره، قال النووى: ولا يرفع
الصوت فى المسجد بعلم ولا غيره عند اجتماع الناس للصلاة، لما فيه من التشويش عليهم.
١٥- ومن الرواية السادسة عشرة أن الشهادة تكفر الخطايا.
١٦- من استثناء الدين تنبيه على أن حقوق الآدميين لا يكفرها الجهاد ولا الشهادة ولا غيرهما من
أعمال البر، وإنما تكفر حقوق اللَّه تعالى.
١٧ - ومن الرواية التاسعة عشرة أن الجنة مخلوقة موجودة. قال النووي: وهو مذهب أهل السنة، وهى
التى أهبط منها آدم، وهى التى ينعم فيها المؤمنون فى الآخرة. هذا إجماع أهل السنة وقالت
المعتزلة وطائفة من المبتدعة أيضا وغيرهم: إنها ليست موجودة، وإنما توجد بعد البعث فى
القيامة. قالوا: والجنة التى أخرج منها آدم غيرها، وظواهر القرآن والسنة تدل لمذهب أهل الحق.
١٨ - وإثبات مجازاة الأموات بالثواب والعقاب قبل القيامة، لقوله ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ
يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩].
١٩- قال القاضى: وفيها أن الأرواح باقية، لا تفنى، فينعم المحسن، ويعذب المسىء، وقد
جاء به القرآن والآثار، وهو مذهب أهل السنة، خلافا لطائفة من المبتدعة، قالت: تفنى.
قال القاضى: وأما غير الشهداء فإنما يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي، وكما قال فى
آل فرعون ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] وقيل: بل المراد جميع
المؤمنين الذين يدخلون الجنة بغير عذاب، فيدخلونها الآن، بدليل عموم الحديث،
وقيل: بل أرواح المؤمنين على أفنية قبورهم، وقيل المنعم والمعذب قبل البعث جزء من
٥٣٢
الجسد نبقى فيه الروح، وهو الذى يسرح فى شجر الجنة، فغير مستحيل أن يصور هذا
الجزء طائرا.
٢٠- قال القاضى: وقد تعلق بحديثنا هذا وشبهه بعض الملاحدة القائلين بالتناسخ، وانتقال الأرواح
وتنعيمها فى الصور الحسان المرفهة، وتعذيبها فى الصور القبيحة المسخرة، وزعموا أن هذا هو
الثواب والعقاب، وهذا ضلال بين، وإبطال لما جاءت به الشرائع من الحشر والنشر والجنة والنار.
٢١ - من الرواية المتممة للعشرين والواحدة والعشرين والثانية والعشرين قال النووي: فيه دليل لمن
قال بتفضيل العزلة على الاختلاط، وفى ذلك خلاف مشهور، فمذهب الشافعى وأكثر العلماء أن
الاختلاط أفضل، بشرط رجاء السلامة من الفتن، ومذهب طوائف أحرى أن الاعتزال أفضل،
وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنه محمول على الاعتزال فى زمن الفتن والحروب، أو هو
فيمن لا يسلم الناس منه، ولا يصبر عليهم، أو نحو ذلك من الخصوص، وقد كانت الأنبياء -
صلوات الله وسلامه عليهم - وجماهير الصحابة والتابعين والعلماء والزهاد مختلطين، فيحصلون
منافع الاختلاط - كشهود الجمعة والجماعة والجنازة وعيادة المرضى وحلقات الذكر وغير ذلك.
واللَّه أعلم
٥٣٣
(٥٢٣) باب بيان الرجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة
ولا يجتمع كافر وقاتله فى النار
٤٢٨٩- ١٣٨ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَهْ(١٢٨) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ،
يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، كِلاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ. فَقَالُوا: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يُقَاتِلُ هَذَا فِي
سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيُسْتَشْهَدُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَائِلِ، فَيُسْلِمُ. فَيُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ
وَجَلَّ، فَيُسْتَشْهَدُ».
٤٢٩٠ - ١٣٢٩ عَن ھَمَّامٍ بْنِ مُنِّهِ(١٢٩) قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثْنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَن رَسُولِ اللَّهِ وَ.
فَذَكَرَ أَحَادِيثٌ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ِ: «يَضْحَكُ اللَّهُ لِرَجُلَيْنٍ، يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ،
كِلاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ. قَالُوا: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: يُقْتَلُ هَذَا فَلِجُ الْجَنَّةَ. ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ
عَلَى الآخَرِ، فَهْدِيهِ إِلَى الإِسْلامِ، ثُمَّ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيُسْتَشْهَدُ».
٤٢٩١ - ١٣٠ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَّ ◌َ﴾(١٣٠) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «لا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلُهُ فِي
النَّارِ أَبَدًا».
٤٢٩٢ - ١٣١ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(١٣١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ِ: «لا يَجْتَمِعَانِ فِي النَّارِ
اجْتِمَاعًا، يَضُرُّ أَحَدُهُمَا الآخَرَ. قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: مُؤْمِنٌ قَتْلَ كَافِرًا ثُمَّ سَدَّدَ».
المعنى العام
جعل اللّه تعالى الجنة دار نعيم مقيم، لمن رضى عنهم ورضوا عنه، لا يمسهم فيها نصب وما هم
منها بمخرجين، لهم فيها ما تشتهبه الأنفس وتلذ الأعين ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِن غِلِّ إِخْوَانًا عَلَى
سُرُر مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] أعداء الدنيا من المؤمنين يتصافون، ويتصالحون، أو يتقاصون، ينقون
من الذنوب والأخطاء، ويتخلصون من حقوق بعضهم بعضا قبل أن يدخلوها، يتحمل الله تعالى
(١٢٨) حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَاكُ عَنْ أَبِي الرِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَن أَبِي هُرَيْرَةَ
- وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالُوا حَدَّثَنَا وَكِيْعٌ عَنَ سُفْيَانٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
(١٢٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنِّهِ
(١٣٠) حَدَّنَا يَحْتَى بْنُ أَيُّوبَّ وَقُتِبَةُ وَعَلِيُّ بْنُ خَجْرٍ قَالُوا حَدَّثَنَا إِسْمَعِيَلُ يَغُونُ ابْنَ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيِهِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
(١٣١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنِ الْهِلالِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَقَ الْفَزَارِيُّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ سُهَيْلٍ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَن
أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
٥٣٤
بفضله ورحمته بعض تبعاتهم، ويرضى المطلوم من فيضه إذا رضى عن الظالم بعفوه وكرمه، وهكذا،
حتى يدخلوها متحابين.
المقتول وقائله قد يجتمعان فيها، فقد شعيت نفس المقتول، وطيب الله خاطره، الشهيد فى
معارك الإسلام بيد قاتل مشرك قد يتصادقان ويتحابان فيها، فقد سره أن قاتله أسلم فى دنياه،
وجاهد فى سبيل الله، واستشهد فى الدفاع عن الإسلام، وأفاض الله عليهما من منازل الجنة ما تقربه
أعينهما، وما يتمنى به كل منهما أن يعود إلى الدنيا، فيقتل مرة ومرات، لما رأى من الكرامة والنعيم.
قد يجتمعان فى الجنة اجتماع حب وحنان، ويتلاقيان بالأحضان والقبلات، فيضحك اللَّه، وتضحك
ملائكته لهذا المنظر الجميل، ويرضى الله عنهما، ويشملهما معا بالعطف والتكريم.
أما النار فقد جعلها الله تعالى دار عقاب وعذاب، قد يجتمع فيها أصدقاء الدنيا فيلعن بعضهم
بعضا ﴿الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْض عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧] يبغض بعضهم بعضا، يتلاومون يوم لا ينفع
اللوم والندم، فهى دار عداوة وشقاقٌ، لهذا لا يجتمع فيها فى درك واحد مؤمن وكافر، حتى لوكان
المؤمن عاصيا، لئلا يتشفى الكافر فى المؤمن، ويعیره بأنه لم ینفعه إيمانه.
جمعنا الله فى الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
المباحث العربية
(يضحك اللّه إلى رجلين) قال القاضى: الضحك هنا استعارة فى حق اللَّه تعالى، لأنه لا
يجوز علبه سبحانه الضحك المعروف فى حقنا، لأنه إنما يصح من الأجسام، ومن يجوز عليه تغير
الحالات، واللَّه سبحانه وتعالى منزه عن ذلك، وإنما المراد به الرضا بفعلهما، والثواب عليه، وحمد
فعلهما ومحبته، وتلقى رسل الله لهما بذلك، لأن الضحك من أحدنا إنما يكون عند موافقته ما يرضاه
وسروره وبره لمن يلقاه. قال: ويحتمل أن يكون المراد هنا ضحك ملائكة الله تعالى، الذين يوجههم
لقبض روحه، وإدخاله الجنة، كما يقال: قتل السلطان فلانا، أى أمر بقتله. وقال الخطابى: الضحك
الذى يعترى البشر عندما يستخفهم الفرح أو الطرب غير جائز على اللَّه تعالى، وإنما هذا مثل ضرب
لهذا الصنيع الذى يحل محمل الإعجاب عند البشر، فإذا رأوه أضحكهم، ومعناه الإخبار عن رضا الله
بفعل أحدهما وقبوله للآخر، ومجازاتهما على صنيعهما بالجنة، مع اختلاف حاليهما. قال: وقد نأول
البخارى الضحك فى موضع آخر على معنى الرحمة، وهو قريب، وتأويله على معنى الرضا أقرب، فإن
الضحك يدل على الرضا والقبول، قال: والكرام يوصفون عندما يسألهم السائل بالبشر وحسن اللقاء،
فيكون المعنى فى قوله ((يضحك الله)) أى يجزل العطاء، قال: وقد يكون معنى ذلك أن يعجب اللّه
ملائكته ويضحكهم من صنيعهما، وهذا يتخرج على المجاز، ومثله فى الكلام يكثرن. وقال ابن الجوزى:
أكثر السلف يمتنعون من تأويل مثل هذا، ويمرونه، وينبغى أن يراعى فى مثل هذا الإمرار اعتقاد أنه لا
تشبه صفات الله صفات الخلق، ومعنى الإمرار عدم العلم بالمراد منه، مع اعتقاد التنزيه.
٥٣٥
قال الحافظ ابن حجر: ويدل على أن المراد بالضحك الإقبال بالرضا تعديته بإلى،
نقول: ضحك فلان إلى فلان إذا توجه إليه طلق الوجه، ومظهرا للرضا عنه. اهـ وفى الرواية
الثانية ((يضحك اللَّه لرجلين)).
(يقتل أحدهما الآخر) إل ظاهر الرواية الأولى والثانية أن القاتل كان حين القتل كافرا، وكان
القتل فى معركة بين المسلمين والكفار، لقوله فى الرواية الأولى ((يقاتل هذا فى سبيل الله عز وجل
فيستشهد، ثم يتوب الله على القائل، فيسلم، فيقاتل فى سبيل الله عز وجل، فيستشهد)) وفى الرواية
الثانية ((يقتل هذا فيلج الجنة، ثم يتوب الله على الآخر، فيهديه إلى الإسلام، ثم يجاهد فى سبيل الله،
فبستشهد)» وعند أحمد ((قيل: كيف يا رسول الله؟ قال: يكون أحدهما كافرا، فيقتل الآخر، ثم يسلم ،
فيغزو، فبقتل)» ففيها التصريح بأن القائل للمسلم كان كافرا.
قال الحافظ ابن حجر: ولكن لا مانع أن يكون القاتل الأول مسلما، لعموم قوله ((ثم يتوب الله على
القاتل)» كما لو قتل مسلم مسلما عمدا، بلا شبهة، ثم ناب القاتل، واستشهد فى سبيل الله، وإنما يمنع
دخول مثل هذا من يذهب إلى أن قائل المسلم عمدا لا تقبل له توبة. اهـ. وهذا الذى قاله الحافظ قد
يقبل احتمالا فى رواية البخارى، إذ ليس فيها ما فى روايتى مسلم الصريحتين فى أنه كان كافرا،
واللفظ فى الرواية الأولى ((ثم يتوب الله على القائل فيسلم)) وفى الثانية ((ثم يتوب الله على الآخر،
فيهديه إلى الإسلام)) نعم ظاهر الرواية الثانية أن المقتول الأول أعم من أن يكون شهيدا فى معركة
بين المسلمين والكفار، وأن يكون مقتولا بمفرده عمدا، لقوله ((يقتل هذا فيلح الجنة))
(لا يجتمع كافر وقاتله فى النار أبدا) النار دركات، يحتل الكافر المقتول دركا منها، فأل
فى ((النار)) للعهد، فإن كان قاتله مؤمنا فى معركة الإسلام فواضح أنه لا يجتمع معه فى ناره، وإن
كان قاتله مؤمنا فى غير معركة الإسلام فناره - إن عوقب - غبر نار الكافر المقتول، فلا يجتمع معه
فى ناره، وإن كان قائله كافرا مات على كفره كانت له للقتل نار أخرى ودرك آخر، غير نار الكفر من
غير قتل، فلا يجتمع كافر وقاتله فى نار معينة أبدا. بخلاف اجتماع المقتول وقاتله فى جنة واحدة.
وشرحه القاضى عياض، فخصه بقاتل مؤمن، فقال: يحتمل أن هذا مختص بمن قتل كافرا فى
الجهاد، فيكون ذلك مكفرا لذنوبه، حتى لا يعاقب عليها، أو يكون - قتله - بنبة مخصوصة، أو حالة
مخصوصة - أى مرخص بها شرعا، مثاب عليها - قال: ويحتمل أن يكون عقابه - أى عقاب هذا
المسلم القاتل للكافر إن عوقب، بغير النار، كالحبس فى الأعراف عن دخول الجنة أولا، ولا يدخل
النار، أو يكون إن عوقب بالنار عوقب بها فى غير موضع عقاب الكفار، ولا يجتمعان فى دركاتها.
(لا يجتمعان فى النار اجتماعا يضر أحدهما الآخر) المنفى اجتماع خاص، اجتماع يعير
فيه المقتول الكافر قاتله المؤمن بأنه لم ينفعه إيمانه، إذ اجتمعا فى النار، ولا يمنع هذا اجتماعهما
فى النار اجتماعا آخر، لا تعيير فيه.
(قيل: من هم يا رسول الله؟) كان حقه أن يقول: من هما يا رسول الله؟ فيحتمل أنه جمع
باعتبار تعدد صاحبى هذه الحالة.
٥٣٦
(مؤمن قتل كافرا، ثم سدد) أى استقام على الطريقة الحميدة المثلى فى دينه، بأن
تاب توبة نصوحا وآمن وعمل عملا صالحا بقية حياته، قال القاضى عياض: وهو مشكل
المعنى، لأن المؤمن إذا سدد لم يدخل النار أصلا، سواء قتل كافرا أولم يقتله. وما استشكله
القاضى غبر مشكل، فإن المقد بقيد قد يراد منه المقيد، من غير القيد، كقوله تعالى ﴿لا
تَأْكُلُوا الرِّيَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠]، فالمعنى لا يجتمع مؤمن قتل كافرا فى
النار، إذا سدد المؤمن بعد قتله، فلا يدخل النار، فلا يجتمعان فيها وقد يراد المقيد مع
القيد على معنى: لا يجتمعان فى النار هذا الاجتماع المخصوص، ويجتمعان اجتماعا آخر،
هو اجتماع الورود، وتخاصمهم على حسر جهنم، ويرى بعضهم أن اللفظ نغير من بعض
الرواة، وأن صوابه ((مؤمن قتله كافر، ثم سدد)).
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث فضيلة الشهادة فى سبيل الله، وأنها نكفر الذنوب، ولو كان منها قتل المؤمن،
والدفاع عن الكفر والباطل.
وأن المقتول قد ينزع من صدره الغل من قاتله، ويجتمع مع قاتله فى الجنة فى هناء وسرور.
والله أعلم
٥٣٧
(٥٢٤) باب فضل الصدقة فى سبيل الله، وإعانة الغازى،
وخلافة أهله بخير، وإثم من خانه فيهم
٤٢٩٣-١٣٢ عَن أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ﴾(١٣٢) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ،
فَقَالَ: هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿: «لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعُ مِائَةٍ
نَاقَةٍ، كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ».
٤٢٩٤ - ١٣ عَن أَبِي مَسْعُودِ الأَنْصَارِيِّصَ﴾(١٣٣) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّلَ، فَقَالَ: إِنِّي
أُبْدِعَ بِي فَاحْمِلْنِي. فَقَالَ: «مَا عِنْدِي» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَذُلُّهُ عَلَى مَنْ يَحْمِلُهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ِ: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرٍ فَاعِلِهِ».
٤٢٩٥- ٤َّد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ضَ﴾(١٣٤): أَنَّ فَتَّى مِن أَسْلَمَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ
الْغَزْوَ وَلَيْسَ مَعِي مَا أَتَجَهَّزُ. قَالَ: «ائْتِ فُلانًا، فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ تَجَهَّزَ، فَمَرِضَ. فَأَتَاهُ. فَقَالَ: إِنَّ
رَسُولَ اللَّهِ﴿يُقْرِتُكَ السَّلامَ، وَيَقُولُ: أَعْطِي الَّذِي تَجَهَّرْتَ بِهِ. قَالَ: يَا فُلاَنَةُ أَعْطِيهِ الْذِي
تَجَهَّزْتُ بِهِ، وَلا تَحْبِسِي عَنْهُ شَيْئًا. فَوَاللَّهِ، لا تَحْبِسِي مِنْهُ شَيْئًا فَيُبَارَكَ لَكِ فِيهِ».
٤٢٩٦ - ١٣٥ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَِيِّ ◌َ﴾ (١٣٥) عَن رَسُولِ اللَّهِ ﴿ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًّا
فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا. وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا».
(١٣٢) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَن أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ
- خَدَّثّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدََّا أَبُو أُسَامَةً عَنْ زَائِدَةً ح وحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثْنَا مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ
كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ.
(١٣٣) وحَدََّّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ وَالَفْظُ لأَبِي كُرَيْبٍ قَالُوا حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي
عَمْرٍو الشَّيْيَانِيِّ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ
- وحَّدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ حْ وَحَدَِّي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ أَخْبُرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ شُعْبَةَ حِ وَحَدَّقَتِي
مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْرَنَا سُفْيَانُ كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ.
(١٣٤) وحَدََّنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيِيَةً حَدَّثَنَا عَفَّنُ حَدَثَنَا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةٌ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ ح وحَدَّثَِّي أَبُو بَكْرٍ بْنُ
تَافِعٍ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَثْنَا بَهْرٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ
(١٣٥) وَحَدََّا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو الطَّاهِرِ قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ وَقَالَ سَعِيدٌ حَدََّنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَنِي عَمْرُو
ابْنُ الْحَارِثِ عَنْ بُكْيْرِ بْنِ الأَشَجِّ عَنْ يُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ
٥٣٨
٤٢٩٧- ١٣٦ عَن زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَنِيِّ ◌َ(١٣٦) قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ وَلِ: «مَنْ جَهَّزَ غَازِيًّا
فَقَدْ غَزَا. وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًّا فِي أَهْلِهِ فَقَدْ غَزَا».
٤٢٩٨ - ١٣٧ عَن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَِّ﴾(١٣٧): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ،فَ ﴿ يَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي لَحْيَانَ
مِنْ هُذَيْلٍ. فَقَالَ: «لَنْبَعِثْ مِن كُلِّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا وَالأَجْرُ بَيْنَهُمَا».
٤٢٩٩ - ١٣٨ عَن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ◌َ﴾(١٣٨): أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَّ بَعَثَ إِلَى بَنِي لَحْيَانَ:
«لَخْرُجْ مِن كُلِّ رَجُلَيْنِ رَجُلٌ». ثُمَّ قَالَ: «لِلْقَاعِدِ أَيُّكُمْ خَلَفَ الْخَارِجَ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ بِخْرٍ
كَانَ لَهُ مِثْلُ نِصْفِ أُجْرِ الْخَارِجِ».
٤٣٠٠ - ١٣٩ عَن سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَن أَبِهِ وَيٍُ(١٣٩) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ وَ﴾:
«حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ كَحُرْمَةٍ أُمَّهَائِهِمْ. وَمَا مِن رَجُلٍ مِنَ
الْقَاعِدِينَ يَخْلُفُ رَجُلًا مِنَ الْمُجَاهِدِينَ فِي أَهْلِهِ، فَيَخُونُهُ فِيهِمْ إِلا وُقِفَ لَهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ فَيَأْخُذُ مِن عَمَلِهِ مَا شَاءَ، فَمَا ظَنُّكُمْ؟».
٤٣٠١ - ١٤٠ وفي رواية عَن عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ (١٤٠) بِهَذَا الإِسْنَادِ. فَقَالَ: «فَخُذْ مِن حَسَنَاتِهِ مَا
شِئْتَ». فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ فَقَالَ: «فَمَا ظَنُّكُمْ؟)».
المعنى العام
إن الأولاد مجبنة مبخلة كما يقولون، وقد كان المخلفون من الأعراب يعتذرون بأن بيوتهم عورة،
(١٣٦) حَدَّثَنَا أَنُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ يَعْنِيِ ابْنَ رُرَيْعٍ حَذْتَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلَّمُ حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَّةَ بْنٍ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَن زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ
(١٣٧) وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍَ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بَّنُ عُلَيَّةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ حَدََّا يَحْتَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ حَدَِّي أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى
الْمَهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
- وحَدَّثَنِيهِ إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْوَارِثِ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ عَن يَحْيَى
حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ بَعَثْ بَعْنًا بِمَغَنَّاهُ
- وحّدَّثَنِي إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ يَعْنِي ابْنَّ مُوسَى عَن شَيْبَانَ عَن يَحْتِىَ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
(١٣٨) وحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورِ خُدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَن يَزِيدَ بْنِ أَبِي
سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ عَن أَبِّهِ عَن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
(١٣٩) حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ سُفْيَانَ عَنِ عَلْقَمَةٌ بْنِ مَرْتَدٍ عَنِ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةً عَنِ أَبِهِ
- وحَدَّثِّي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ عَن عَلْقَمَةُ بْنِ مَرْقَدٍ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِّهِ قَالَ قَالَ يَعْنِي النَّبِيَّ
﴿ بِمَغْنَى حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ.
(١٤٠) وَحَدَّثَنَه سَعِيدُ بْنُ مَنَّصُورٍ حَدَّقْنَا سُفْيَادُ عَنْ فَعْتَبٍ عَن عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْقَدٍ
٥٣٩
فى حاجة إلى من يحميها ويحرسها، كما كان المجاهدون يخشون أن يتركوا من خلفهم ذرية ضعافا
ونساء ضعيفات، فكان لابد من سد هذه الثغرة البشرية، وعلاج هذه الظاهرة الطبيعية، فعالجها
الإسلام من شعبتين:
الأولى: أنه أوصى القاعدين بأن يخلفوا المجاهدين فى أهلهم ومالهم بخير، ولهم من الأجر مثل ما
للمجاهدين، وجعل لنساء المجاهدين من الحرمة على القاعدين كحرمة أمهاتهم، فمن زنى من
القاعدين بامرأة مجاهد كان كمن زنى بأمه، وجعل حق المجاهد عند هذا الخائن أعلى من أى حق
من حقوق الآدميين، فكل حق من حقوق الآدمبين له قدر ووزن معلوم، يستوفيه المظلوم من ظالمه
يوم القيامة، أما خيانة المجاهد فى أهله فلا حدود لجزائها، إذ يوقف الله تعالى هذا الخائن يوم
القيامة ذليلا أمام المجاهد، وقد فتح كتاب حسنات هذا الخائن، ليقال للمجاهد: خذ من حسنات
هذا الخائن ما شئت، فماذا نظن بالمجاهد؟ كم من الحسنات يأخذ؟ أخشى على جميع حسنات هذا
الخائن إن فنى ما قدم من حسنات، أخذ من سيئات المجاهد، فطرحت عليه، فطرح فى النار.
الشعبة الثانية مسارعة كبار الصحابة إلى أرملة الشهيد، يعرضون عليها الزواج لرعايتها ورعاية
أولادها من بعد العائل الشهيد، كما حدث للسيدة أم سلمة، إذ تقدم لها عمر، ثم أبو بكر، ثم رسول الله
ولما كان للجهاد عنصران أساسيان، لا يتم بنجاح إلا بهما: عنصر المقاتل الآدمى، وعنصر المال
المادى لتجهيزه بما يحتاج من نفقة أو ركوبة أو سلاح، ولهذا يقول الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِن
الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَلَهُمْ بأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] ويقول ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَّطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وَمِنْ
رِيَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠].
ولما كان بعض المسلمين يملك القوة البشرية والمال، فجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، وكان بعضهم
يملك نفسه والقوة البشرية، ولا يملك القوة المالية، فكانوا يذهبون إلى الرسول # يقدمون أنفسهم
للجهاد، ويطلبون منه أن يحملهم، فيقول لهم: ﴿لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِن الدَّمْعِ
حَرَّنًّا أَلا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢].
ولما كان بعض المسلمين يمنعه المرض والعذر عن الخروج، وعنده المال، كان من
يجاهد بماله كمن يجاهد بنفسه ومن جهز غازياً فقد غزا، ومن قدم ناقة فى سبيل اللّه ليغزو
عليها مجاهد كان له بها يوم القيامة سبعون ناقة، كل ناقة لا تقل عن التى قدمها، واللّه
يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم.
المباحث العربية
(جاء رجل بناقة مخطومة) أى فيها خطام، وهو حبل يلف حول أنف الناقة يشد على أعلى
رأسها، لتقاد به، وهو قريب من الزمام، والمراد بهذا الوصف إفادة أنها ذلول صالحة للحمل والركوب.
٥٤٠