Indexed OCR Text
Pages 421-440
النقطة الثالثة: ماذا فعل عمر ضده؟. أما عمر ى فقد أشكل عليه الفعل والترك، فالفعل دليله عزم النبى ₪ وفعل أبى بكر، والترك دليله فعل النبى #، والذى يظهر من كلام عمر أنه رجح عنده الترك، لأنه الذى وقع من النبى ول٣، لكنه رأى أن الاستخلاف أضبط لأمر المسلمين، فسلك فى هذا الأمر مسلكا متوسطا، خشية الفتنة، فخص الأمربستة من فضلاء الصحابة، وأمرهم أن يختاروا منهم واحدا، فجعل الأمر معقودا موقوفا على الستة، فأخذ من فعل النبى ®® وسلم طرفا، وهو ترك التعيين، ومن فعل أبى بكر طرفا، وهو العقد لأحد الستة، وإن لم ينص عليه. وأما عن النقطة الرابعة والخامسة: فيقول النووى وغيره: أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بعقد أهل الحل والعقد لإنسان، حيث لا يكون هناك استخلاف غيره، وعلى جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين عدد محصور، أو غيره، وأجمعوا على أنه يجب نصب خليفة، وخالف فى ذلك الأصم، فقال: لا يجب، واحتج ببقاء الصحابة بلا خليفة فى مدة التشاور يوم السقيفة، وأيام الشورى بعد وفاة عمر قته، ولا حجة له فى ذلك، لأن الصحابة فى هاتين الفترتين لم يكونوا تاركين لنصب الخليفة، بل كانوا ساعين فى النظر فى أمر من يعقد له. قال النووى: وأجمعوا على أن وجوب نصب الخليفة بالشرع لا بالعقل، وخالف فى ذلك بعض المعتزلة، فقالوا: وجوبه بالعقل، لا بالشرع، وفساد قولهم ظاهر، لأن العقل لا مدخل له فى الإيجاب والتحريم، ولا التحسين والتقبيح، وإنما يقع ذلك بحسب العادة، لا بذانه. وفى الحديث ١- فضيلة عمر له، وحرصه على الاقتداء برسول الله : ﴿ وأبى بكر تله ٢- تواضعه ربه وهضمه نفسه، وخشيته وخوفه من ربه عن فترة حكمه، وهو المشهور بالزهد وتحرى العدالة. ٣- ذكاء عبد الله بن عمر فى فهمه من عبارة أبيه ما فهم. ٤- عقلية ابن عمر وحكمته وقوة حجته فى تمثبله بالغنم وراعيها. والله أعلم ٤٢١ (٥٠٩) باب النهى عن طلب الإمارة والحرص عليها وكراهة الإمارة بغير ضرورة ٤١٤٨ - ١٣ عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمْرَةَ رَه(١٣) قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِوَ﴿و«يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ. فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَن مَسْأَلَةٍ أُكِلْتَ إِلَيْهَا. وَإِنْ أُعْطِيْتَهَا عَن غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا». ٤١٤٩ - ثَّ عَن أَبِي مُوسَى رَبُّ(١٤) قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيَِّ﴿ أَنَا وَرَجُلانٍ مِن بَنِي عَمِّي فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضٍ مَا وَلاكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَالَ الآخَرُ: مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ «إِنَّا وَاللَّهِ لا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ وَلا أَحَدًّا حَرَصَ عَلَيْهِ». ٤١٥٠ - ١٥عَنْ أَبِي مُوسَى ◌َ﴾(١٥) قَالَ: أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّلَ﴿ وَمَعِي رَجُلانِ مِنَ الأَشْعَرِّينَ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِي وَالآخَرُ عَن يَسَارِي. فَكِلَاهُمَا سَأَلَ الْعَمَلَ. وَالنَّبِيُّ ◌َ﴿ّ يَسْتَاكُ فَقَالَ «مَا تَقُولُ يَا أَبَا مُوسَى أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ؟» قَالَ: فَقُلْتُ وَالَّذِي بَعَنَكَ بِالْحَقِّ مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمَا وَمَا شَعَرْتُ أَنْهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ. قَالَ: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى سِوَاكِهِ تَحْتَ شَفَتِهِ وَقَدْ قَلَصَتْ. فَقَالَ «لَنْ أَوْ لا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ. وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ يَا أَبَا مُوسَى أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ» فَبَعَثَهُ عَلَى الْيَمِّنِ. ثُمَّ أَتْبَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ: انْزِلْ وَأَلْقَى لَهُ وِسَادَةً. وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ. قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ رَاجَعَ دِينَهُ دِينَ السَّوْءِ فَهَوَّدَ. قَالَ: لا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. فَقَالَ: اجْلِسْ نَعَمْ. قَالَ: لا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ. ثَلاثَ مَرَّاتٍ. فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ. ثُمَّ تَذَاكَرًا الْقِيَامَ مِنَ اللَّيْلِ. فَقَالَ أَحَدُهُمَا مُعَاذٌ. أَمَّا أَنَا فَأَنَامُ وَأَقُومُ وَأَرْجُو فِي نَوْمَتِي مَا أَرْجُو فِي قَوْمَتِي. ٤١٥١ - لْلِ عَنْ أَبِي ذَرٌّ ◌َ﴾(١٦) قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: فَضَرَّبَ بِيْدِهِ (١٣) حَدَّثَنَا شَيْيَانُ بْنُ فَرُّوخَ حَدْثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ حَدَّثْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ - وحَدَّثَنَا يَحْنِى بْنُ يَخَْى حَدََّا خَالِدُ بْنُ غَبِّدِ اللَّهِ عَنِ يُونُسَ ح وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بَّنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ يُونُسَ وَمَنْصُورِ وَحُمَّيْدٍ ح وحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنَ سِمَّاكِ بْنِ عَطِيَّةَ وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ وَهِشَامٍ بْنِ حَسَّان كُلُّهُمْ عَّنِ الْحَسَنِ عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَّنِ سَمُرَةً عَنِ النَّبِيِّ ◌َ بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ. (١٤) حَدَّثَنَّا أَبُو بَكْرِ بْنَّ أَبِي شَيْئَةً وَمُحَمَّدُ بَنُ الْعَلَاءِ قَالَا خَذْثَنَا أَبُوَ أُسَامَةً عَنِ بُرَيْدٍ بَّنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ أَبِي بُرْدَةً عَنِ أَبِي مُوسَى (١٥) حَدَّثَّا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَاللَّفْظُ لابْنِ حَاتِمٍ قَالا حَدَّثَنَا يَحْتَى ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطََّنْ حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثْنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلالِ حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةً قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى (١٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَّلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ حَدَّثَنِي أَبِي شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ حَدَّتِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ عَن بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيِّ عَّنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ الأَكْبَرِ عَن أَبِي ذَرٌ ٤٢٢ عَلَى مَنْكِي، ثُمَّ قَالَ «يَا أَبَا ذَرِّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ. وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌّ وَتَدَامَةٌ، إِلا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقْهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا». ٤١٥٢ - ١٧ عَنْ أَبِي ذَرِّعَ﴾(١٧) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ «يَا أَبًا ذَرِّ إِنِّي أَرَاكَ ضَعِفًا. وَإِنّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي. لا تَأَمََّنَّ عَلَى اثْنَيْنِ. وَلا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ». المعنى العام يقول صلى الله عليه وسلم ((إنكم ستحرصون على الإمارة)) وستتكالبون وتتقاتلون عليها، ويرفع أحدكم السبف على أخيه من أجلها، وفى ذلك ضعفكم وهلاكم، إنكم لا تدركون مخاطرها، ولا تدرون عواقبها، إنكم ستكونون كالفراش يتهافت على الضوء، وفيه احتراقه، أو كالطفل يتعلق بعد الحولين بالرضاعة، ويصعب بعدهما فطامه، ونعمت المرضعة، وبئست الفاطمة، الولاية تبعات، وقل من يتحمل تبعاتها، إنها سلطة وشهوة، وقل من لا يصل إلى الطغيان والجبروت، إنها امتلاك لمصالح العباد ومنافعهم وأضرارهم، وقل من يعدل فيها، ويقيم القسط، ويعلى الحق، ويمنع ما ليس بحق، ولو على نفسه، أو الوالدين والأقربين، إنها قوة وقدرة، وقل من يتحكم فى قدرته، ويكبح شهوة انتقامه، متذكرا قدرة الله عليه، إنها عرض لامحالة زائل ومنتقل إلى الغير، وقل من يحسب حسابا لما بعدها دنيا وأخرى، إنها هالة من الأضواء، تعمى من بداخلها عن رؤية ما حولها، إنها دائرة محاطة ببطانة الخير وبطانة الشر، تمد كل منهما الأمر بما تريد، فيتحرك على ضوء معلوماتها ويحركتها لا بمعلومانه وحركته وحريته، إنها هدف لآمال قريبة وبعيدة، حقة وباطلة، ورضى الناس غاية لا تدرك، ولهذا جاء فى الحديث ((الإمارة أولها ملامة)) يلومها من لم تتحق له آماله فيها ((وثانيها ندامة)) حيث يحس بالأخطار حوله ((وثالثها عذاب يوم القيامة)) حيث إن النجاة من أخطارها صعبة وعسيرة، والعادل فيها من يرجو أن يخرج منها كفافا، لا له ولا عليه، وفى رواية ((أولها ندامة)) حين يرى نفسه عاجزا عن تحقيق آمال الناس، وحين يرى ثقل حملها ((وأوسطها غرامة)) إذا أراد أن يؤدى الحقوق، ويتحمل التبعات ((وآخرها عذاب يوم القيامة)) حين تكون عليه حسرة، حيث لم يقم بحقها، وقل من يقوم بحقها، فرسول الله يقول: ((القضاة ثلاثة. قاضيان فى النار، وقاض فى الجنة)) فالناجى من أخطارها واحد من ثلاثة. والكيس من حسب المكسب والخسارة حسابا صحيحا، فلم يحرص عليها، ولم يجروراءها، ولم يسألها، ولم يلح فى طلبها، ولم يشترها بدينه، أو بماله، أو بعرضه، أو بكرامته، فإن هوعف عنها، وكان كفأ لها، جاءته وحدها وأعانه الله، وإن سألها، وكان ضعيفا عن أحمالها، فأعطيها، حجبت عنه إعانته عليها، وتركه الله فى عثراتها، ومن هنا كانت وصيته صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن (١٧) حَدَّا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ كِلاهُمَا عَنِ الْمُفْرِئِ قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّقَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ عَن عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرِ الْقُرَشِيِّ عَنْ سَالِمٍ بْنِ أَبِي سَالِمِ الْجَيْشَائِيِّ عَنْ أَبِهِ عَن أَبِي ذَرْ ٤٢٣ سمرة: لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها)» ووصيته لأبى ذر الغفارى، ضعيف البدن، ضعيف الخبرة ((إنى أراك ضعيفا، وأحب لك ما أحب لنفسى)) من جلب الخير ودفع الشر فلا تحرص على الإمارة ولو على اثنين، ولا تكن وليا على مال يتيم. وكانت سياسته صلى الله عليه وسلم أن لا يولى من يسأل الإمارة، لأن سؤاله جهل بتبعاتها، واستهتار بمسئولياتها، ومثله لا يولى؛ ولأنه لن يعان عليها، ومن لا يعان من اللّه عليها لا يصلح لها، وطبق صلى الله عليه وسلم هذه السياسة على أبى موسى الأشعرى وابن عمه، إذ جاءوا إلى النبى لَ﴾. فطلب كل من ابنى عمه من رسول اللَّه أن يوليه، فقال لهما: إنا لا نولى من سأل، ولا من حرص، ثم قال: ما تقول يا أبا موسى. قال: والذي بعثك بالحق ما علمت أنهما سيطلبان الولاية، ولو علمت ما وافقت على صحبتهما إليك، فقال له: أنت الأهل بالولاية، والأحق بها منهما. اذهب إلى اليمن بلد قومك واليا عليهم، يقاسمك فى ولايتها معاذ بن جبل، فبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا. فسارا على منهج رسول الله﴿، وأخذا يتزاوران، ويقيمان حدود اللَّه وشرائعه، ويعبدان اللَّه فى السر والعلن، يصومان النهار، ويقومان الليل، ويرطبان لسانهما فى أغلب الأحيان بقراءة القرآن. صورة حية للوالى المسلم المطيع لربه، الدارج على نهج رسوله وتعاليمه، صلى الله علبك وسلم يا رسول الله، ورضى عن أصحابك أجمعين. المباحث العربية (والحرص عليها) أى والحرص على طلب تحصيلها. (لا تسأل الإمارة) هذا الذى فى أكثر طرق الحديث، وفى رواية بلفظ ((لا تتمنين)) بصيغة النهى عن التمنى، مؤكدا بالنون الثقيلة، والنهى عن التمنى أبلغ من النهى عن الطلب، والإمارة تشمل الإمارة العظمى، وهى الخلافة، والصغرى وهى الولاية على بعض البلاد، والمراد هنا الثانى. (فإنك إن أعطيتها عن مسألة) الفاء للتعليل، و((أعطبتها)) بضم الهمزة، مبنى للمجهول، و((عن مسألة)» أى عن سؤال. (أكلت إليها) قال النووى: هكذا هو فى كثير من النسخ، أو أكثرها ((أكلت)) بضم الهمزة، وفى بعضها ((وكلت)) بالواو المضمومة، قال القاضى: والصواب بالواو، أى أسلمت إليها، ولم يكن معك إعانة، بخلاف ما إذا حصلت بغير مسألة. اهـ قال الحافظ ابن حجر: ((وكلت)) بضم الواو، وكسر الكاف مخففاً ومشددا، مع سكون اللام، ومعنى المخفف صرفت إليها، ومن وكل إلى نفسه هلك، ومنه فى الدعاء ((ولا تكلنى إلى نفسى)) ووكله بالتشديد استحفظه. (وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها) ومن المعلوم أن كل ولاية لا تخلو من مشقة، ٤٢٤ فمن لم يكن له من اللَّه عون تورط فيما دخل فيه، وخسر دنياه وعقباه، والأصل فى ذلك «من تواضع للَّه رفعه الله)). (دخلت على النبى 8 أنا ورجلان من بنى عمى) من الأشعريين، وجلس بينهما، كما فى الرواية الثالثة. (أمرنا على بعض ما ولاك اللَّه) ((أمرنا)) بفتح الهمزة وتشديد الميم المكسورة، أى اجعلنا أمراء. (وقال الآخر مثل ذلك) فى الرواية الثالثة ((فكلاهما سأل العمل)) وعند أحمد ((جئناك لتستعين بنا على عملك ». (فقال: ما تقول يا أبا موسى أويا عبد الله بن قيس)؟ شك من الراوى بأيهما خاطبه صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن قيس اسم أبى موسى. (إنا لا نولى على هذا العمل أحدا سأله، ولا أحدا حرص عليه) يقال: حرص بفتح الراء وكسرها، والفتح أفصح، وبه جاء القرآن، قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]. (فقلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعانى على ما فى أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل) وفى رواية ((فاعتذرت إلى رسول اللّه مما قالوا، وقلت: لم أدر ما حاجتهم، فصدقنى وعذرنى)) وفى رواية ((لم أعلم لماذا جاءا)) وفى رواية ((إنهم قالوا لى: انطلق معنا إلى رسول اللَّه ◌ِلّ، فإن لنا حاجة، فقمت معهم)). (وكأنى أنظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت) يقال: قلصت الشفة، بفتح اللام تقلص بكسرها، إذا شمرت وارتفعت. وقصده من ذكر هذه العبارة التوثيق بتذكر الظروف المحيطة بالحديث. (لن - أولا - نستعمل على عملنا من أراده) شك من الراوى، وفى الرواية الثانية ((إنا لا نولى على هذا العمل أحدا سأله أو حرص عليه)) وفى رواية ((فقال: إن أَخْوَنَّكُم عندنا من يطلبه، فلم يستعن بهما فى شىء حتى مات». (ولكن اذهب أنت يا أبا موسى. فبعثه على اليمن، ثم أتبعه معاذ بن جبل) ((معاذ بن جبل)) بالنصب، أى بعثه بعده، وظاهره أنه ألحقه به بعد أن توجه، وفى الصحيح ((بعث النبى وَلّ أبا موسى ومعاذا إلى اليمن، فقال: يسرا ولا تعسرا .. )) الحديث، ويحمل على أنه أضاف معاذا إلى أبى موسى، بعد سبق ولايته، لكن قبل توجهه، فوصاهما عند التوجه بذلك، ويمكن أن يكون المراد أنه وصى كلا منهما، واحدا بعد الآخر، وفى الصحيح ((أنه صلى الله عليه وسلم بعث كل واحد منهما على ٤٢٥ مخلاف)) أى على إقليم، واليمن مخلافان، وكانت جهة معاذ العليا إلى صوب عدن، وكانت جهة أبى موسى السفلى. (فلما قدم عليه) فى الكلام طى، والفاء عاطفة على محذوف، ففى الصحيح ((فانطلق كل واحد منهما إلى عمله، وكان كل واحد منهما إذا سار فى أرضه وكان قريباً من صاحبه أحدث به عهدا - أى جدد به العهد بزيارته، فجعلا يتزاوران، فزار معاذ أبا موسى، فلما قدم عليه .... إلخ. (قال: انزل. وألقى له وسادة) أى انزل عن دابتك، واجلس على الوسادة، ومعنى ((ألقى له وسادة)» فرشها له، ليجلس عليها، والوسادة ما يجعل تحت رأس النائم، وكانت عادتهم أن من أرادوا إكرامه وضعوا الوسادة تحته، مبالغة فى إكرامه. (وإذا رجل عنده موثق) وعند الطبرانى ((فإذا عنده رجل موثق بالحديد)). (قال: لا أجلس حتى يقتل) كأن معاذا نزل عن دابته، ووقف، ولم يجلس على الوسادة. (قضاء الله ورسوله) ((قضاء)) بالرفع، خبر مبتدأ محذوف، ويجوز نصبه بفعل محذوف، أى الزم قضاء الله ورسوله. (فقال: اجلس. نعم. قال: لا أجلس ... إلخ) أى نعم سنجيب طلبك فاجلس. قال: لا أجلس حتى يقتل. (ثلاث مرات) أى كررا هذا الكلام ثلاث مرات، أبو موسى يقول: اجلس، ومعاذ يقول: لا أجلس. فقوله ((ثلاث مرات)) من كلام الراوى، لا تتمة كلام معاذ. (ثم تذاكرا القيام من الليل) فى رواية ((قال معاذ لأبى موسى: كيف تقرأ القرآن)»؟ أى فى صلاة الليل؟ وفى رواية ((فقال أبو موسى: أقرؤه قائما وقاعدا وعلى راحلتى وأتفوقه)) أى ألازم قراءته فى جميع الأحوال، شبئا بعد شىء، وحينا بعد حين، مأخوذ من فواق الناقة، وهو أن نحلب، ثم تترك ساعة حتى تدر، ثم تحلب. ((كيف تقرأ أنت يا معاذ)»؟ (فقال أحدهما. معاذ) ((معاذ)) بدل من ((أحدهما)). (أما أنا فأنام وأقوم) أى أجزئ اللبل أجزاء، جزءا للنوم، وجزءا للقراءة والقبام. (وأرجو فى نومتى ما أرجو فى قومتى) معناه إنى أنام بنية القوة، واستجماع النفس للعبادة، وتنشيطها للطاعة، فأرجو فى ذلك الأجر، كما أرجو فى قومتى، أى فى صلاتى وقراءتى، وحاصله أنه يرجو الأجر فى ترويح نفسه بالنوم، ليكون أنشط عند القيام، وفى رواية ((فاحتسبت نومتى، كما احتسبت قومتى)» فهو يطلب الثواب فى الراحة، كما يطلبه فى التعب. (ألا تستعملنى؟) أى ألا تتخذنى عاملا على ولاية؟ طلب برفق عن طريق العرض. ٤٢٦ (فضرب بيده على منكبى) كأنه يربت على كتفه بيده، علامة على الرفق والحنو والعطف. (ثم قال: يا أبا ذر: إنك ضعيف) البدن، هزيل الجسم، لا تقوى على متاعب الولاية ومشاقها. (وإنها أمانة) شاقة التكاليف والتبعات. (وإنها يوم القيامة خزى وندامة) أى لمن لم يعمل فيها بما ينبغى. (لا تأمرن على اثنين) بفتح التاء والهمزة، وتشديد الميم المفتوحة وفتح الراء، وتشديد النون المفتوحة، وأصله لا تتأمرن، أى لا تكن أمبرا على قوم وإن قلوا. (ولا تولين مال يتيم) أصله ولا تتولين مال يتيم، فتتحمل بذلك نبعات نعرضك الأثقال الذنوب. فقه الحديث فى الحديث النهى عن سؤال الإمارة وطلبها، ومثل الإمارة القضاء والحسبة والوظائف العليا فى الدولة، إذا كانت المهمة ولاية أمور المسلمين ((لا تسأل الإمارة)) وهذا النهى للكراهة، لا للتحريم، وقد علل الحديث هذا الحكم بأن من طلب الإمارة فأعطيها نركت إعانته عليها، من أجل حرصه، ومن المعلوم أن كل ولاية لا تخلو من مشقة، وكل وال معرض للخطأ واتباع الهوى، فمن تولى أمرا ولم يكن له من الله إعانة أساء التصرف، وقد وعد صلى الله عليه وسلم من أعطى الولاية من غير مسألة بالعون من الله عليها، وأوعد من طلبها بحجب الإعانة، وقد جاء تفسير الإعانة وعدمها فى حديث أنس رفعه ((من طلب القضاء، واستعان عليه)) أى على الوصول له ((بالشفعاء)) والوسطاء ((وكل إلى نفسه، ومن أكره علبه)) أو أعطيه لكفاءته بدون مسألة ((أنزل اللَّه علبه ملكا يسدده)) أخرجه الترمذى وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه، وفى معنى الإكراه عليه أن يدعى إليه، فيهابه، خوفا من الوقوع فى المحذور، فإنه يعان عليه إذا دخل فيه، ويسدده اللَّه. فمن كان ذا عقل لم يتعرض للطلب أصلا. أما الحكمة فى عدم تولية من سأل الولاية أن سؤالها غالبا ينشأ عن الحرص على تحصيلها وما ذلك إلا لمصلحة شخصية، كثيرا ما تكون على حساب المصلحة العامة، فهو بهذا الوضع متهم، وسؤاله شبهة عدم كفاءته، ولو كان واثقاً من كفاءته لجاءته دون سؤال، ثم إن من سألها - كما قلنا - لا يعان عليها، ومن لا يعان عليها من اللّه لا يكون كفاً، ولا يولى غير الكفء. وهذا إذا كانت أمور الولايات تجرى فى مجراها الصحيح، وولى الأمر الأعلى يضع الرجل المناسب فى المكان المناسب، أما إذا اختلت الموازين، وأبعد الأكفاء عن مواقعهم، وقدمت الأحساب والوسائط فللأكفاء أن يطلبوا، وأن يلحوا فى الطلب، وأن يكافحوا من أجل وصولهم، فوصولهم حينئذ مصلحة عامة، قبل أن تكون خاصة. ٤٢٧ ويمكن حمل حديث أبى داود عن أبى هريرة رفعه « من طلب قضاء المسلمين حتى يناله، ثم غلب عدله جوره فله الجنة، ومن غلب جوره عدله فله النار)) يمكن حمل هذا الحديث على مثل هذه الحالة، وقال الحافظ ابن حجر فى الحمع بين حديث أبى هريرة وبين حديث الباب: والجمع بينهما أنه لا يلزم من كونه لا يعان بسبب طلبه أن لا يحصل منه العدل إذا ولى. اهـ فأطلق عدم العون لكل من سألها. وفى ذلك نطر، كما أوضحنا، ويميل ابن التين إلى هذا، فيقول عن حديث الباب: هو محمول على الغالب، وإلا فقد قال يوسف العَِّ ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥].اهـ والرواية الرابعة ((يا أبا ذر. إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزى وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذى عليه فيها)» تؤيد ما ذهبنا إليه، فقد مدحت من أخذها بحقها، وأدى الذى عليه فيها، والحقوق فى مثل زماننا تؤخذ ولا تعطى، أما الضعيف غير الكفء فإن تعرضه لحمل ما يثقل عليه يؤدى به إلى الخزى والندامة، الخزى أمام الخلائق يوم القيامة، حيث يقف ذليلا بعد أن عرفوه عزيزا، والندامة على تفريطه فى جنب الله. قال النووى: وهذا أصل عظيم فى اجتناب الولاية، ولا سيما لمن كان فيه ضعف، وهو فى حق من دخل فيها بغير أهلية، ولم يعدل، وأما من كان أهلا وعدل فيها فأجره عظيم، كما تظاهرت الأخبار، ولكن فى الدخول فيها خطر عظيم، ولذلك امتنع الأكابر منها. اهـ ومن الأخبار المتظاهرة التى أشار إليها النووى حديث ((سبعة يظلهم اللَّه فى ظله يوم لا ظل إلا ظله. إمام عادل .... )) والحديث الآتى فى الباب التالى ((إن المقسطين عند الله على منابر من نور، عن يمين الرحمن عزوجل ... )). وفى إرسال أبى موسى إلى اليمن من غير أن يسأل دليل على كفاءته لمهام الأمور والولايات، وأنه كان عالماً فطنا حاذقا، ولذلك اعتمد عليه عمر ثم عثمان ثم على، وأما الخوارج والروافض فطعنوا فيه، ونسبوه إلى الغفلة وعدم الفطنة، لما صدر منه فى التحكيم بصفين. قال ابن العربى وغيره: والحق أنه لم يصدر منه ما يقتضى وصفه بذلك، وغاية ما وقع منه أن اجتهاده أداه إلى أن يجعل الأمر شورى بين من بقى من أكابر الصحابة، من أهل بدر ونحوهم، لما شاهد من الاختلاف الشديد بين الطائفتين بصفين، وآل الأمر إلى ما آل إليه.اهـ وفى إلقاء أبى موسى الوسادة لمعاذ ليجلس عليها تكريم العلماء، وإكرام الضيف بمثل هذا الاحتفاء. وفى الرواية الثالثة وجوب قتل المرتد، قال النووى: وقد أجمعوا على قتله، لكن اختلفوا فى استتابته، هل يستتاب؟ أولا؟ فقال مالك والشافعى وأحمد والجماهير من السلف والخلف: يستتاب، ونقل ابن القصار المالكى إجماع الصحابة عليه. وقال طاووس والحسن والماجشون وأبو يوسف وأهل الظاهر: لا يستتاب، ولو تاب نفعته توبته عند الله تعالى، ولا يسقط قتله، لقوله صلى الله عليه وسلم ((من بدل دينه فاقتلوه)) وقال عطاء: إن كان ولد مسلما لم يستتب، وإن كان كافرا فأسلم ثم ارتد يستتاب، وليس فى حديث الباب حجة لمن قال: يقتل المرتد بلا استتابة، لأن عدم الذكر لا يقتضى ٤٢٨ عدم الوقوع، حتى رواية ((فلم ينزل حتى ضرب عنقه، وما استتابه)) فهذه فضلا عن أنها معارضة برواية مثبوتة أن معاذا استتابه يحتمل أنه اكتفى بما تقدم من استتابة أبى موسى له، فقد جاء فى بعض الروايات ((أن أبا موسى دعاه إلى الإسلام، فأبى عشرين ليلة، أو قريبا منها))، واختلف القائلون بالاستتابة. هل هى واجبة؟ أم مستحبة؟ والأصح عند الشافعى وأصحابه أنها واجبة. كما اختلفوا فى قدرها، والأصح عند الشافعى وأصحابه أنها فى الحال فقط، وله قول أنها ثلاثة أيام، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق، وعن على أنه يستتاب شهرا. واختلفوا فى المرأة، وهل هى كالرجل فى ذلك؟ أم لا؟ قال الجمهور: والمرأة كالرجل فى أنها تقتل إذا لم تتب، ولا يجوز استرقاقها. هذا مذهب الشافعى ومالك والجماهير، وقال أبو حنيفة وطائفة: تسجن المرأة، ولا تقتل، وعن الحسن وقتادة أنها تسترق، وروى عن على. قال القاضى عياض: وفى الحديث أن لأمراء الأمصار إقامة الحدود فى القتل وغيره، وهو مذهب مالك والشافعى وأبى حنيفة والعلماء كافة، وقال الكوفيون: لا يقيمه إلا فقهاء الأمصار، ولا يقيمه عامل السواد. قال: واختلفوا فى القضاة، إذا كانت ولايتهم مطلقة، ليست مختصة بنوع من الأحكام، فقال جمهور العلماء: تقيم القضاة الحدود، وينظرون فى جميع الأشياء إلا ما يختص بضبط البيضة من إعداد الجيوش وجباية الخراج، وقال أبو حنيفة: لا ولاية فى إقامة الحدود. وفى بعث معاذ إلى اليمن مع أبى موسى جواز نولية أميرين على البلد الواحد، وقسمة البلدين بين أميرين. ومما حدث بينهما يستفاد استحباب التزاور بين الإخوان والأمراء والعلماء. ومن موقف معاذ، وعدم نزوله يستفاد استحباب المبادرة إلى إنكار المنكر. وإقامة الحدود على من وجبت عليه. ومن ابتغاء معاذ الأجر فى نومه يستفاد أن المباحات يؤجر عليها بالنية، إذا صارت وسائل للمقاصد الواجبة أو المندوبة، أو تكميلا لشىء منهما. ويستفاد من الرواية الخامسة الحذر من أخطار الإمارة ولو على اثنين. والحذر من أخطار ولاية مال اليتيم. وعنون النووى لهذه الرواية الخامسة بباب كراهة الإمارة بغير ضرورة. والله أعلم ٤٢٩ (٥١٠) باب فضيلة الأمير العادل، وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية، والنهى عن إدخال المشقة عليهم ٤١٥٣ - ٨ ١ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍوٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٨) قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو بَكْرٍ يَبْلُغُ بِهِ النّبِيِّل:﴿ وَفِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ((إِنَّ الْمُفْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَّابِرَ مِن نُورٍ عَن يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ. وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ. الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِهِمْ وَمَا وَلُوا». ٤١٥٤- ١/٩ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةً(١٩) قَالَ: أَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَن شَيْءٍ. فَقَالَتْ: مِمِّنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: رَجُلٌ مِن أَهْلِ مِصْرَ فَقَالَتْ كَيْفَ كَانَ صَاحِبُكُمْ لَكُمْ فِي غَزَاتِكُمْ هَذِهِ؟ فَقَالَ: مَا نَقَمْنَا مِنْهُ شَيْئًا، إِن كَانَ لَيَمُوتُ لِلرَّجُلٍ مِنَّا الْبَعِيرُ، فَيُعْطِيهِ الْبَعِيرَ وَالْعَبْدُ فَيُعْطِيهِ الْعَبْدَ، وَيَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَةِ فَيُعْطِيهِ النِّفَقَّةَ. فَقَالَتْ: أَمَا إِنَّهُ لا يَمْنَعُنِي الَّذِي فَعَلَ فِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخِيٍ، أَنْ أُخْبِرَكَ مَا سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ فِي بَيْتِي هَذَا «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِن أَمْرٍ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ. وَمَنْ وَلِيَ مِن أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارُْقْ بِهِ». ٤١٥٥ - ٣٠ِ عَنِ ابْنِ عُمَّرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٢٠) عَنِ النَّبِيِّ:﴿ أَنَّهُ قَالَ «أَلا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُكُمْ مَسْئُولٌ عَنِ رَعِيَّتِهِ. فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلٍ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ. وَالْمَرَأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ. وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ. أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». (١٨) حَتَّنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ قَالُوا حَدَّثَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةً عَنْ عَمْرٍو يَعْنِي ابْنٌ دِينَارٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسِ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو (١٩) حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ حَدََّا ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةً - وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدََّا ابْنُ مَهْدِيٌّ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنِ حَرْمَلَةَ الْمِصْرِيِّ عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةً عَن عَائِشَةُ عَنِ النِِّّ ◌َتْ بِمِثْلِهِ. (٢٠) حَدَّثَنَا قُتِبَةُ بَنَ سَعِيدٍ خَذْقَا لَيْثٌ ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ حَدَّقَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ٤٣٠ ٤١٥٦- ٢٣ٍ وفي رواية عَن سَالِمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَن أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٠٠) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقُولُ بِمَعْنَى حَدِيثِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَدْ قَالَ: الرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالٍ أَبِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ. ٤١٥٧ - ١ِّ عَنِ الْحَسَنِ(٢١) قَالَ: عَادَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارِ الْمُزَنِيَّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِن رَسُولِ اللَّهِعَ﴿ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةٌ مَا حَدَّثْتُكَ. إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِوَ ﴿ يَقُولُ «مَا مِن عَبْدٍ يَسْتَرْعِهِ اللَّهُ رَعِيّةٌ، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعَِّتِهِ إِلا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». ٤١٥٨ - - وفي رواية عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: دَخَلَ ابْنُ زِيَادٍ عَلَى مَعْقِلٍ بْنِ يَسَارٍ وَهُوَ وَجِعٌ بِمِثْلٍ حَدِيثٍ أَبِي الأَشْهَبِ وَزَادَ قَالَ: أَلا كُنْتَ حَدَّقْتِي هَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ؟ قَالَ: مَا حَذْتُكَ أَوْ لَمْ أَكُنْ لِأُحَدِّثَكَ. ٤١٥٩ - ٣ِّ عَن أَبِي الْمَلِيحِ(٢٢) أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ زِيَادٍ دَخَلَ عَلَى مَعْقِلِ ابْنِ يَسَارٍ فِي مَرَضِهِ، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنّي مُحَدِّثْكَ بِحَدِيثٍ لَوْلا أَنِّي فِي الْمَوْتِ لَمْ أُحَدِّثْكَ بِهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ «مَا مِن أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ إِلا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ». ٤١٦٠ - - وفي رواية أَنَّ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ مَرِضَ فَأَتَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ يَعُودُهُ نَحْوَ حَدِيثٍ الْحَسَنِ عَنْ مَعْقِلٍ. (١٠) وحَدْثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثًّا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِحٍ وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَّيْرٍ حَدَّثَّا أَبِي حٍ وِحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنْىِ حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ حِ وَحَدَّثَّا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يَخْنَى يَعْنِي الْقَطَّنَ كُلُّهُمْ عَنْ عَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَّرَ حِ وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ وَأَبُوَ كَامِلٍ قَالاَ حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ حِ وحَدْثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ خَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ جَمِيعًا عِنْ أَيُّوَبَ ح وَحَدْقَيِي مُحَمَّدُ بَنَّ رَافِعِ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ أَخْبُرَنَا الضَّحَّاكُ يَعْنِي إِبْنَ عُثْمَانِ حِ وحَدَّثْنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ حَدَِّي أُسَامَةٌ كُلٌّ هَؤُلاءِ عَن نَفِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَ حَدِيثِ اللَّيْثِ عَن نَافِعٍ عَن سَالِمٍ بْرٍ عَبْدِ اللَّهِ - قَالَ أَبُو إِسْخُقَ وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِهَذَا مِثْلَ حَدِيثٍ اللَّيْثِ عَنِ نّافِعِ - وحَدَّثَنَا يَحْتَّى بْنُ يَحْتَى وَيَخْتِى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَنْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرِ كُلُّهُمْ عَنِ إِسْمَعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِو ◌َحِ وَحَدَّتَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِيٍ أَخْبُرْنَا ابْنُ وَهْبَ أَخْبُرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ - وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ أَخْبُرَنِي عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَنِي رَجُلٌ سَمَّاهُ وَعَمْرُوَ بْنُ الْحَارِثِ عَن بُكَيْرِ عَنِ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ حَدَّثَّهُ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّل ◌ْ بِهَذَا الْمَعْنَى. (٢١) وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنَ فَرُّوحَ حَدَّثَا أَبُو الأَشْهَبِ عَنِ الْحَسَنِ - وحَدَّثَنَاهِ يَحْتِى بْنُ يَحْبَى أَخْبُرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعَ عَن يُونِّسَ عَنِ الْحَسَنِ (٢٢) وحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ وَإِسْحَقُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى قَالَ إِسْحَقُ أَخْبُرْنَا وَقَالَ الآخَرَانِ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثْنِي أَبِي عَنِ قَتَادَةً عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ - وحّدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمِ الْعَمِّيُّ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَقَ أَخْبَرَنِي سَوَادَةُ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ مّرِضَ ٤٣١ ٤١٦١ - ٣ عَنِ الْحَسَنِ(٢٣) أَنَّ عَائِذَ بْنَ عَمْرٍوٍ، وَكَانَ مِن أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِوَ﴿، دَخَلَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ، فَقَالَ: أَيْ بُنِيَّ إِنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ يَقُولُ «إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الْحُطَمَةُ. فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ فَإِنَّمَا أَنْتَ مِن نُخَالَةٍ أَصْحَابٍ مُحَمَّدٍ ﴿. فَقَالَ: وَهَلْ كَانَتْ لَهُمْ نُخَالَةٌ. إِنْمَا كَانَتِ النِّخَالَةُ بَعْدَهُمْ وَفِي غَيْرِهِمْ. المعنى العام يقول الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِن اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْكُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُوا مِن حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْلَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] دستور إلهى للراعى مع الرعية، أساسه رفقه بهم، وعفوه عن مسيئهم، وإحسانه لمحسنهم، والسهر على رعاية مصالحهم. إن الحكم مسئولية، صغر أو كبر، وكل من له ولاية على غيره له حكم عليه، ولو كانت الولاية على واحد، فكلكم راع، وكل راع مسؤول عن رعبته، فالحاكم الأعلى راع، وهو مسؤول عن رعيته، مسئول فى الدنيا من الرعية، تحاسبه بالمعروف، ويذكره العلماء بحقوق شعبه، وينصحونه بالرفق، والدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: للَّه ولرسوله، ولخاصة المؤمنين وعامتهم، ومسئول فى الآخرة عند ربه، وإن الله سائل كل راع عما استرعاه، حفظ أم ضيع، فإن كان قد أطاع الله فى رعيته، وحكم فيهم بعدل الله، كرمه ربه أمام الخلائق، وأجلسه على منبر من نور على يمين الرحمن، وأظله اللَّه فى الموقف العظيم فى ظله يوم لا ظل إلا ظله. والرجل فى بيته راع وهو مسئول دنبا وأخرى عن زوجه وأولاده وأحفاده والأقربين، والمرأة فى بيت زوجها راعية ومسئولة عن حقوق زوجها وأولادها، والخادم فى بيت سيده راع ومسئول عن حقوق سيده، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته. وقد شاءت حكمة الله تعالى أن تمنح بعض الجزاء عن الخير فى الدنيا للمحسن، وما عند اللّه خير وأبقى، وأن تصيب العاصى المسىء بعض البلايا فى الدنيا، وعذاب الآخرة أشد وأبقى، والجزاء من جنس العمل، فمن يسر على مسلم يسر اللَّه عليه فى الدنيا والآخرة، ومن أعان مسلما أعانه الله فى الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله فى الدنيا والآخرة، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ولى من أمر الأمة شيئا فرفق بهم رفق الله به فى الدنيا والآخرة، وفى المقابل من شاق على رعيته شاق اللّه عليه، ومن عسر أمور رعيته عسر الله أموره، وما من عبد يسترعيه الله رعية، فيهملها [كما يهمل راعى الغنم غنمه، لا يوردها طعامها وشرابها وصالحها] ويظلمها ويستولى على أموالها ومواردها ويستغلها لمصالحه، ولا يقيم حدود الله فيها، ولا يجتهد جهده فى إدارة شئونها إلا جاء يوم القيامة، يريد دخول الجنة معها، فيمنع من دخولها بل يمنع عنها من بعيد حتى لا يجد ريحها الطيب ونسيمها العليل. (٢٣) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ حَدْقَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ٤٣٢ إن واجب الأمر بالمعروف فى الدنيا على عامة الناس وخاصتهم، لكن واجب النصح للحكام على العلماء، فصلاح الحكام بصلاح العلماء، وإذا فسد العلماء فسد الحكام. ولقد كان الحكام فى الصدر الأول يخافون العلماء ونقدهم، ويتأثرون بتوجيهانهم، وكان العلماء يخشون ربهم، ويؤدون واجب النصيحة للحكام، وإن تعرضوا لبطشهم، وما أكثر من وقع منهم ضحية هذا الواجب، فسطرلهم التاريخ مواقفهم المجيدة بحروف من نور. وقرأ لهم الخلوف ما سطره التاريخ، فعاشوا فى ضمير شعوبهم على مر الزمان. المباحث العربية (إن المقسطين) يقال: أقسط إقساطا فهو مقسط، إدا عدل، قال اللَّه تعالى ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهِ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] ويقال: قسط، بفتح القاف وكسر السين قسوطا وقسطا بفتح القاف، فهو قاسط، وهم قاسطون، إذا جاروا، قال اللَّه تعالى ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًّا﴾ [الجن: ١٥] فالمقسطون هنا العادلون، وقد فسره فى آخر الحديث بقوله ((الذين يعدلون)). (عند اللَّه) أى فى الآخرة، وشبه الجملة خبر، والعندية عندية مكانة، أى مقامهم ومكانتهم عند اللَّه عظيمة. (على منابر من نور) جمع منبر، قيل: سمى منبرا لارتفاعه، قال القاضى، يحتمل أن يكونوا على منابر حقيقة، على ظاهر الحديث، ويحتمل أن يكون كناية عن المنازل الرفيعة، قال النووي: الظاهر الأول، ويكون متضمنا للمنازل الرفيعة، فهم على منابر حقيقة، ومنازلهم رفيعة. اهـ وحمل اللفظ على معناه الحقيقى، حيث لا قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلى أولى من المجاز، وشبه الجملة خبر بعد خبر. (عن يمين الرحمن عز وجل، وكلتا يديه يمين) قال النووى: هذا من أحاديث الصفات، وقد سبق فى أول هذا الشرح بيان اختلاف العلماء فيها، وأن منهم من قال: نؤمن بها، ولا نتكلم فى تأويله، ولا نعرف معناه، لكن نعتقد أن ظاهرها غير مراد، وأن لها معنى يليق باللّه تعالى، وهذا مذهب جماهير السلف، وطوائف من المتكلمين، والثانى أنها تؤول على ما يلبق بها، وهذا قول أكثر المتكلمين، وعلى هذا قال القاضى عياض: المراد بكونهم عن اليمين الحالة الحسنة، والمنزلة الرفيعة، قال: قال ابن عرفة: يقال: أتاه عن يمينه إذا جاءه من الجهة المحمودة، والعرب تنسب الفعل المحمود والإحسان إلى اليمين، وضده إلى اليسار، قالوا: اليمين مأخوذ من اليُمْين، وأما قوله صلى اللّه عليه وسلم ((وكلتا يديه يمين)) فتنبيه على أنه ليس المراد باليمين جارحة، تعالى الله عن ذلك، فإنها مستحيلة فى حقه سبحانه وتعالى. ٤٣٣ (الذين يعدلون فى حكمهم وأهليهم وما ولوا) بفتح الواو، وضم اللام مخففة، أى وما كان لهم عليه ولاية، أى يعدلون قولا وفعلا. (ممن أنت؟) أى من أهل أى البلاد أنت؟ (كيف كان صاحبكم لكم) أى كيف كانت معاملة أميركم لكم؟ (ما نقمنا منه شيئا) بفتح القاف وكسرها، أى ما كرهنا منه شيئا. (إن كان ليموت للرجل منا البعير فيعطيه البعير) ((إن)) بكسر الهمزة وسكون النون مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف ضمير الشأن والحال، واللام فى ((ليموت)» الداخلة على الخبر، هى الفارقة بين المخففة والنافية، و(البعير)) الأول مرفوع فاعل ((يموت)) والثانى منصوب، مفعول، أى كان يموت البعير للرجل منا فيعطيه بعيرا بدله. (والعبد فيعطيه العبد) ((العبد)) الأولى مرفوع، عطفا على البعير، والثانية مفعول. (ويحتاج إلى النفقة فيعطيه النفقة) فاعل يحتاج يعود إلى ((الرجل منا)). (إنه لا يمنعنى الذى فعل فى محمد بن أبى بكر أخى أن أخبرك) عائد الصلة محذوف، أى لا يمنعنى ما فعله فى أخى أن أشكر فعله الحسن ورفقه بكم. قال النووي: اختلفوا فى صفة قتل محمد بن أبى بكر، فقيل: قتل فى المعركة، وقيل: قتل أسيرا بعدها، وقيل: وجد بعدها فى خربة، فى جوف حمار ميت، فأحرقوه. (كلكم راع) قال العلماء: الراعى هنا هو الحافط المؤتمن، الملتزم صلاح ما قام به، وما هو تحت نظره. (ألا فكلكم راع) ((ألا)) حرف استفتاح، والفاء فصبحة، فى جواب شرط مقدر، أى إذا كان الأمر كذلك فكلكم راع. (عن الحسن) البصرى. (عاد عبيد الله بن زياد معقل بن يسار المزنى فى مرضه الذي مات فيه) فى ملحق الرواية ((دخل ابن زياد على معقل بن يسار، وهو وجع)) وفى الرواية السادسة أن عبيد الله بن زياد دخل على معقل بن يسار فى مرضه)» وعبيد الله بن زياد كان أميرا على البصرة من قبل معاوية بن أبى سفيان، ثم من قبل ابنه يزيد بن معاوية، وكانت هذه الزيارة فى زمن يزيد، وقد أخرج الطبرانى عن الحسن البصرى قوله: لما قدم علينا عبيد الله بن زياد أميرا، أمره علينا معاوية، غلاما سفيها، يسفك الدماء سفكا شديدا ... )) الحديث. ويبدو أن الحسن حضر هذه الزيارة لمعقل، وكانت وفاته بالبصرة ما بين الستين والسبعين من الهجرة، فى خلافة يزيد، أسلم قبل الحديبية، وشهد بيعة ٤٣٤ الرضوان، وهو الذى حفر نهر معقل بالبصرة، بأمر عمر، فنسب إليه، ونزل البصرة، وبنى بها دارا، ومات بها. وقد روى الطبرانى عن الحسن أيضاً أن واعظ عبيد الله بن زياد كان عبد الله بن مغفل المزنى، ولفظه ((لما قدم علينا عبيد الله بن زياد أميرا، وفينا عبد اللّه بن مغفل المزنى، فدخل عليه ذات يوم، فقال له: انته عما أراك تصنع، فقال له: وما أنت وذاك؟ قال: ثم خرج إلى المسجد، فقلنا له: ما كنت تصنع بكلام هذا السفيه على رءوس الناس؟ فقال: إنه كان عندى علم، فأحببت أن لا أموت حتى أقول به على رءوس الناس، ثم قام، فما لبث أن مرض مرضه الذى توفى فيه، فأناه عبيد الله بن زياد يعوده ....... فذكر نحو الحديث السابق. قال الحافظ ابن حجر: فيحتمل أن تكون القصة وقعت للصحابيين. (إنى محدثك حديثا، سمعته من رسول اللهصل﴾، لو علمت أن لى حياة ما حدثتك) أى ما حدثتك به، وفى الرواية السادسة ((لولا أنى فى الموت لم أحدثك به)) قال العلماء: كأنه كان يخشى بطشه، فلما نزل به الموت أراد أن يكف بذلك بعض شره عن المسلمين، ورأى وجوب تبليغ العلم الذى عنده قبل موته، لئلا يكون مضيعا له، وقد أمرنا كلنا بالتبليغ. (وهو غاش لرعيته) يحصل غش الراعى لرعيته بظلمه لهم، بأخذ أموالهم، أو سفك دمائهم، أو انتهاك أعراضهم، أو حبس حقوقهم، أو ترك تعريفهم ما يجب عليهم فى أمر دينهم ودنياهم، أو بإهمال إقامة الحدود فيهم، وعدم ردع المفسدين منهم، وترك حمايتهم ونحو ذلك، وفى الرواية السادسة (( ما من أمير يلى أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة)) وفى رواية البخارى ((ما من وال)) وفيها ((ثم لا يجد)) بفتح الياء وكسر الجيم وتشديد الدال من الحد ضد الهزل، ومعنى ((ثم لا يجهد لهم وينصح)) أى ثم لا يبذل جهده فى مصالحهم، ولا ينصحهم لما ينفعهم. (ألا كنت حدثتنى هذا قبل اليوم؟) أى لوكنت فعلت لأخذت عقابك، فهو تهديد له ولغيره يثير الرعب فى نفس من تسول له نفسه أن يرفع رأسه. (أن عائذ بن عمرو) بن هلال بن عبيد بن يزيد المزنى، أبو هبيرة، كان ممن بايع تحت الشجرة، وسكن البصرة، ومات فى إمارة ابن زياد، كان تقيا ورعا، روى البغوى أنه كان لا يخرج من داره ماء الغسل إلى الطريق، فسئل، فقال: لأن أصب طستى فى حجرتى أحب إلى من أن أصبه فى طريق المسلمين. (فقال: أى بنى) ((أى)) حرف نداء، والتصغيرهنا من عائذ للتصغير، فقد كان عبيد اللّه شابا، وكان عائد كهلا. (إن شر الرعاء الحطمة) ((الرعاء)) بكسر الراء، كما فى قراءة الجمهور فى قوله تعالى ﴿قَالَتَا لا نَسْقِي حَتى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [القصص: ٢٣] وقرئ ((الرعاء)) بضم الراء، والمعروف فى صيغ الجمع فعال ٤٣٥ بكسر الفاء، فالضم على خلاف القياس، وهو جمع راع، و((الحطمة)) الراعى العسوف العنيف فى إبله وغنمه، لا يرفق بها فى سوقها ومرعاها، بل يحطمها ويؤذيها فى ذلك، وفى سقيها وغيره، ويزحم بعضها ببعض بحيث يؤذيها، يقال: حطم الشىء بفتح الطاء يحطم بكسرها إذا كسره، وحطم الناس بعضهم بعضا إدا نزاحموا حتى آذى بعضهم بعضا، وهذا المثل قصد به أن شر الولاة والأمراء من يشق على الرعية، ولا يرفق بهم. (فإنما أنت من نخالة أصحاب محمد ) النخالة ما تبقى فى المنخل من القشر، يعنى لست من صفوتهم ولا من فضلائهم ولا من علمائهم، ولا من أهل المرانب منهم، بل من سقطهم، والنخالة هنا استعارة من نخالة الدقيق، وهى قشوره، والنخالة والحقالة والحثالة بمعنى واحد. (وهل كانت لهم نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم، وفى غيرهم) قال النووي: هذا من جزل الكلام وفصيحه، وصدقه الذى ينقاد له كل مسلم، فإن الصحابة رضى الله عنهم هم صفوة الناس، وسادات الأمة، وأفضل ممن بعدهم، وكلهم عدول، قدوة، لا نخالة فيهم، وإنما جاء التخليط ممن بعدهم، وفى من بعدهم كانت النخالة. فقه الحديث يؤخذ من الأحاديث ١- فضيلة الأمير العادل. ٢- زجر الولاة عن المشقة على الرعية. ٣- من قول عائشة - رضى الله عنها- فى الرواية الثانية أنه ينبغى أن يذكر فضل أهل الفضل، ولا يمتنع منه لسبب عداوة ونحوها. ٤- وجوب النصيحة على الوالى لرعيته، والاجتهاد فى مصالحهم. ٥- وجوب تبليغ العلم. ٦- فيه منقبة وفضيلة لمعقل بن يسار، وجرأته فى قول الحق عند سلطان جائر. ٧- فيه منقبة كذلك لعائذ بن عمرو له. ٨- وفى قوله ((يموت يوم يموت وهو غاش)» دليل على أن التوبة قبل حالة الموت نافعة. ٩- تحريم الجنة على المستحل لغش الرعية، وتأخير دخولها لغير المستحل ممن يغش الرعية. وتفصيل هذا الحكم سبق فى كتاب الإيمان. والله أعلم ٤٣٦ (٥١١) باب غلظ تحريم الغلول ٤١٦٢ - ٤ُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َُِ(٢٤) قَالَ: قَامَ فِينًا رَسُولُ اللَّهِمَ ﴿ ذَاتَ يَوْمٍ فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظْمَهُ وَعَظْمَ أَمْرَهُ، ثُمَّ قَالَ «لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقْتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ: لا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ، فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ: لا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَتِهِ شَاةٌ لَهَا تُغَاءٌ، يَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغْنِي. فَأَقُولُ: لا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَيْتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ، فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي. فَأَقُولُ: لا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ، فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغْنِيٍ. فَأَقُولُ: لا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقْتِهِ صَامِتٌ، فَيَقُولُ یَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِشِْي. فَأَقُولُ: لا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ». ٤١٦٣ - ٢٥ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِ﴾(٢٥) قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿ِ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ، قَالَ حَمَّةٌ: ثُمَّ سَمِعْتُ يَحْيَى بَعْدَ ذَلِكَ يُحَدِّثُهُ فَحَذََّنَا بِنَحْرِ مَا حَدََّنَا عَنْهُ أَيُّوبُ. المعنى العام يقول اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسِ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١] والخيانة بصفة عامة ذميمة، وقد شرع قطع يد السارقُ إذا سرق من حرز مثله مالا شبهة له فيه، أما السرقة من الغنيمة قبل القسمة، وهى المعروفة بالغلول، فللسارق فيها شبهة، إذ له حق فيها فى الجملة، فهو مقاتل له فى الغنيمة سهم، فلا قطع عليه، لكن عدم القطع ليس دليلا على ضعف الحرمة، فالغلول حرام ومن الكبائر، وبعض الكبائر من الموبقات، أى من أكبر الكبائر، ولا حد فبها، كعقوق الوالدين، فلا يستهين الغالون بالغل، فقد بين صلى الله عليه (٢٤) وحَدَّثَنِيِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي حَيَّنْ عَنْ أَبِي زُرْعَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً - وحّدَثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلْيْمَانِ عَنِ أَبِي خَّانَ ح وحَدَِّيٍ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثْنَا جَرِيرٌ عَن أَبِي حَيَّانِ وَعُمَارَةَ بْنِ اَلْقَعْقَاعِ جَمِيعًا عَن أَبِي زُرْعَةً عِنَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمِثْلٍ حَدِيثِ إِسْمَعِيلَ عَنْ أَبِي حَيَّانِ (٢٥) وحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بَّنُ سَعِيدٍ بْنِ صَخْرِ الدَّارِيُّ حَدَّثَنَا سَلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدََّنَا حَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَّ زَيْدٍ عَن أَيُّوبَ عَن يُحْيّى بْنِ سَعِيدٍ عَنِ أَبِيٍ زُرْعَةَ بْنٍ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً - وحَدَّثْنِي أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَّنِ بْنِ خِرَاشَِّ حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ بْنِ حَيَّانْ عَن أُبِي زُرْعَةً عَن أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ النِّيِّ ٹ بنحوٍ حَدِيثِهِمْ. ٤٣٧ وسلم فى هذا الحديث عقوبتهم فى الآخرة، وهى تتشعب إلى شعبتين، شعبة أدبية معنوية، وهى الفضيحة على رءوس الخلائق، جزاء من جنس العمل، أو بنقيض القصد، فقد كان يتخفى عن أعين الناس وسمعهم حين غل، فليأت يوم القيامة يحمل سرقته على كتفه، لبراه الخلائق، وليس الحمل فى صمت، حتى لا يعلم من لا يرى، بل يكون للمسروق صوت يلفت به الأنظار، مبالغة فى الفضيحة، حتى الثبات التى لا صوت لها فى العادة، يبعث اللّه عليها ريحا لتخفق كالعلم فى الهواء، يسمع قعقعتها من لا يراها. أما الشعبة الثانية فهى العذاب بالنار ففى الحديث أن الرجل الذى غل شملة من الغنيمة ستشتعل عليه الشملة نارا، وحتى الرجل الذى غل شراك نعل، أى خيط نعل سيربط فى قدمه يوم القيامة ويشتعل نارا. وقد حذر صلى الله عليه وسلم وأنذر، فلا عذر لمعتذر، ولا قبول لاستغاثة مستغيث يوم القيامة، حتى الرحمة المهداة﴿ الذى قال فيه ربه ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِن أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتَّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِذِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] يوم يستغيث به الغال يقول لَه: لا أملك لك شبئًا. قد أبلغتك وأنذرتك، ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلَى عَن مَوْلَّى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [الدخان: ٤١]. المباحث العربية (قام فينا رسول اللَّه ﴿) أى قام خطيبا وواعظا. (ذات يوم) ((ذات)) مؤنث ((ذو)) بمعنى صاحب، وتقحم فى كلام العرب، فتضاف لما بعدها، وتأخذ حكمه، فيقال: لقيته ذات يوم، أى لقيته فى يوم، ولقيته ذات مرة، أى لقبته مرة، وقلت ذات يده، أى قلت يده، أى ما ملكت يده، وأصلح ذات بينهم، أى أصلح ببنهم، وجلس ذات اليمين، أى جلس يمينا. (فذكر الغلول) أصل الغلول الخيانة مطلقا، ثم غلب اختصاصه بالخيانة فى الغنيمة، قال نفطويه: سمى بذلك لأن الأيدى مغلولة عنه، أى محبوسة عنه، وقال ابن قتيبة: سمى بذلك لأن صاحبه وآخذه يغله فى متاعه، أى يخفيه فيه. (فعظمه وعظم أمره) أى عظم فعله، وعظم عقوبته. (لا ألفين أحدكم يجىء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء) قال النووي: هكذا ضبطناه ((لا ألفين)) بضم الهمزة وسكون اللام وكسر الفاء، أى لا أجدن أحدكم على هذه الصفة، ومعناه لا تعملوا عملا أجدكم بسببه على هذه الصفة. قال القاضى: ووقع فى رواية ((لا ألقين)) بفتح الهمزة والقاف، وله وجه، لكن المشهور الأول. اهـ قال الحافظ ابن حجر: والمراد بلفظ النفى النهى، وهو وإن كان من نهى المرء نفسه فليس المراد ظاهره، وإنما المراد نهى من يخاطبه عن ذلك. اهـ تقول: لا أراك هنا. فلفظه نفى رؤيتى له، وظاهره ٤٣٨ طلب عدم الرؤية طلبا موجها إلى نفس المتكلم، لكن المراد الطلب من المخاطب عدم الحضور هنا ليتحقق عدم رؤيتى له. والمعنى كما قال النووي: لا تعملوا عملا أجدكم بسببه على هذه الصفة. اهـ يقال: ألفاه، أى وجده وصادفه، والمراد من الرقبة هنا الكتفان ليحيط المحمول بالرقبة، و((الرغاء)) بضم الراء ونخفيف الغين صوت البعير. (لا أملك لك شيئا) قال القاضى: معناه من المغفرة والشفاعة إلا بإذن اللّه، قال: ويكون ذلك أولا غضبا عليه لمخالفته، ثم يشفع فى جميع الموحدين بعد ذلك. اهـ ومعناه إضافة قيد، أى لا أملك لك شيئا من المساعدة الآن، وكأنه صلى الله عليه وسلم أبرز هذا الوعيد بدون القيد فى مقام الزجر والتغليظ. (قد أبلغتك) فى الدنيا عقوبة من فعل ذلك، فلا عذر لك. (على رقبته فرس له حمحمة) بحاءين مفتوحتين، بينهما مم ساكنة، وهى صوت الفرس عند العلف، وهو دون الصهيل. (على رقبته شاة لها ثغاء) بضم الثاء وتخفيف الغين، وهو صوت الشاة. (على رقبته نفس لها صياح) كأنه أراد بالنفس ما يغله الغال من الرقيق من امرأة أو صبى. (على رقبته رقاع تخفق) المراد بالرقاع الثياب، ومعنى ((تخفق)) بفتح التاء وسكون الخاء وكسر الفاء، تتقعقع وتضطرب إذا حركتها الرياح، وقيل: معناه تلمع، والأول أنسب. (على رقبته صامت) الصامت الذهب والفضة، وقيل: مالا روح فيه من أصناف المال. ولبس الهدف من حمل هذا ثقله، وإنما الهدف الفضيحة، فلا فرق فيها بين الثقيل والخفيف. فقه الحديث ذكر الإمام مسلم هذا الحديث فى كتاب الإمارة، ولعله لاحظ قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَغُلِّ﴾. وكأنه يشير إلى تحذير الأمراء والحكام من سرقة أموال الشعب، لكن وضع هذا الحديث فى كتاب الجهاد والسير - كما فعل البخارى- أولى وأنسب. قال النووي: الحديث يصرح بعظم نغليظ الغلول، وقد أجمع المسلمون على تغليظ نحريم الغلول، وأنه من الكبائر، وأجمعوا على أن على الغال رد ما غله، [إذا كان قبل القسمة] فإن تفرق الجيش، وتعذر إيصال حق كل واحد إليه ففيه خلاف للعلماء، قال الشافعى وطائفة: يجب تسليمه إلى الإمام أو الحاكم، كسائر الأموال الضائعة، وقال ابن مسعود وابن عباس ومعاوية والحسن والزهرى والأوزاعى ومالك والثورى والليث وأحمد والجمهور: يدفع خمسه إلى الإمام، ويتصدق بالباقى. واختلفوا فى صفة عقوبة الغال، فقال جمهور العلماء وأئمة الأمصار: يعزر على حسب ما يراه ٤٣٩ الإمام، ولا يحرق متاعه، وهذا قول مالك والشافعى وأبى حنيفة ومن لا يحصى من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وقال مكحول والحسن والأوزاعى: يحرق رحله ومتاعه كله، قال الأوزاعى: إلا سلاحه وثيابه التى عليه، وقال الحسن: إلا الحيوان والمصحف، واحتجوا بحديث عبد الله بن عمر فى تحريق رحله. قال الجمهور: وهذا حديث ضعيف، لأنه مما انفرد به صالح بن محمد عن سالم، وهو ضعيف، قال الطحاوى: ولوصح يحمل على أنه كان إذا كانت العقوبة بالأموال، كأخذ شطر المال من مانع الزكاة، وضالة الإبل، وسارق التمر، وكل ذلك منسوخ. واستدل بعض العلماء بهذا الحديث على وجوب زكاة العروض والخيل، قال النووي: ولا دلالة فيه لواحد منهما، لأن هذا الحديث ورد فى الغلول وأخذ الأموال عصبا، فلا تعلق له بالزكاة. قال المهلب: هذا الحديث وعيد لمن أنفذ اللَّه عليه العقوبة من أهل المعاصى، ويحتمل أن يكون الحمل المذكور لابد منه، عقوبة له بذلك، ليفتضح على رءوس الأشهاد، وأما بعد ذلك فإلى اللّه الأمر فى تعذيبه أو العفو عنه، اهـ وهذا الاحتمال بعيد، فحين يعفو الله تعالى يستر من عفا عنه وغفر له، فليس من الضرورى أن يقع. واللَّه أعلم ٤٤٠