Indexed OCR Text

Pages 381-400

ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- شجاعة أم سليم، وجهادها فى سبيل الله، وغيرتها على الإسلام فى طلبها قتل الطلقاء.
٢- رحمة الرسول * ورفقه، وتأليفه المؤلفة قلوبهم، برده على أم سليم.
٣- من الرواية الثالثة منقية لأبى طلحة، ودفاعه عن رسول اللّه﴿، وتفانيه فى فدائه بنفسه، وحرصه
على سلامته، وشهادة بشجاعته وقونه.
٤- فى استشراف رسول اللَّه ◌َ للقوم حرص القائد على تسيير المعارك عن خبرة وعلم
مهما تعرض للأخطار.
٥- من طلب الرسول 18 نتر الجعبة لأبى طلحة وتوزيع القائد الأدوار المناسبة على الجند
لمصلحة المعركة.
٦- من نشمير عائشة وأم سليم رضى الله عنهما كفاح النساء فى الغزو، ومساعدتهن الرجال واستعانة
الرجال بالنساء فى الحروب فى الأعمال المناسبة لهن.
٧- من كشف عائشة وأم سليم ورؤية أنس لخدم سوقهما لا يؤخذ منه جواز النظر ولا جواز الكشف،
قال النووى: كان هذا يوم أحد، قبل أمر النساء بالحجاب، وقبل تحريم النظر إليهن، ولأنه لم يذكر
هنا أنه تعمد النظر إلى نفس الساق، فهو محمول على أنه حصلت تلك النظرة فجأة بغير قصد،
ولم يستدمها.
٨- وفى هذا الحديث اختلاط النساء فى الغزو برجالهن فى حال القتال، لسقى الماء ونحوه. كذا قال
النووى. لكن فى قوله ((برجالهن)) وقصر ابن بطال مداواة النساء على الرجال المحارم فقط نظر،
فإن ما فى الحديث عام، لا يفرق بين المحارم وغيرهم، فالرأى تعميم الجواز على المحارم
والأجانب للضرورة.
٩- ومن الروايات الرابعة والخامسة والسادسة تغليظ حرمة كتم العلم، ولو عن الأعداء والمبغضين.
١٠ - وفيه منقبة لابن عباس رضي الله عنهما، وأداؤه واجب الفتوى لمن يكرهه ويبغضه.
١١ - وفيه النهى عن قتل صبيان المشركين. قال النووي: وهو حرام إن لم يقاتلوا، وكذا النساء، فإن
قاتلوا جازقتلهم.
١٢ - وفيه دليل الشافعى ومالك وجماهير العلماء أن حكم اليتم لا ينقطع بمجرد البلوغ، ولا بعلو السن،
بل لابد أن يظهر منه الرشد فى دينه وماله، وقال أبو حنيفة إذا بلغ خمسا وعشرين سنة زال عنه
حكم الصبيان، وصار رشيدا يتصرف فى ماله، ويجب تسليمه إليه، وإن كان غير ضابط له، وأما
الكبير إذا طرأ تبذيره فمذهب مالك وجماهير العلماء وجوب الحجر عليه، وقال أبو حنيفة: لا
يحجر. قال القصار وغيره: الصحيح الأول، وكأنه إجماع.
٣٨١

وفيه أن ابن عباس كان يرى أن حمس الخمس، الخاص بذى القربى فى عهد النبى# هوالذى
القربى ملكاً بعد النبى ₪، وقد سبق فى باب الخمس أن قلنا: إن عليا والعباس، وإن فاطمة
قبلهما طلبوا من أبى بكر ذلك، فروى لهما حديث ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث)) فغضبوا.
واختلف العلماء فى مصرف الفىء، فقال مالك الفىء والخمس سواء، يجعلان فى بيت المال،
ويعطى الإمام أقارب النبى 3 # بحسب اجتهاده، وقد سبقت المسألة مشروحة بمذاهبها
المختلفة.
والله أعلم
٣٨٢

(٥٠٤) باب عدد غزوات النبي
٤١٢٦ - ١٤٣ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ(١٤٣) أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي بِالنَّاسِ. فَصَلَّى
رَكْعَتَيْنٍ. ثُمَّ اسْتَسْقَى. قَالَ: فَلَقِيتُ يَوْمَئِذٍ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ. وَقَالَ: لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ غَيْرُ رَجُلٍ أَوْ
بَيْنِي وَبَيْنَهُ رَجُلٌ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: كَمْ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ قَالَ: تِسْعَ عَشْرَةَ. فَقُلْتُ: كَمْ
غَزَوْتَ أَنْتَ مَعَهُ؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً. قَالَ: فَقُلْتُ فَمَا أَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا؟ قَالَ: ذَاتُ
الْعُسَيْرِ أَوِ الْعُشَيْرِ.
٤١٢٧ - ١٤ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَ﴾ (١٤٤) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ،﴿ْ غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً. وَحَجّ
بَعْدَ مَا هَاجَرَ حَجَّةٌ لَمْ يَحُجَّ غَيْرَهَا، حَجَّةَ الْوَدَاعِ.
٤١٢٨ - ٤٥ ١ عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ضِ﴾ (١٤٥) قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِوَّتِسْعَ عَشْرَةً
غَزْوَةٌ. قَالَ جَابِرٌ: لَمْ أَشْهَدْ بَدْرًا وَلا أُحُدًا، مَنَعَنِي أَبِي. فَلَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ يَوْمَ أُحُدٍ لَمْ أَتَخَلَّفْ
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴿ فِي غَزْوَةٍ قَطُ.
٤١٢٩ - ١٩/٢٦ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِهِ وَظِ(١٤٦) قَالَ: غَزَا رَسُولُ اللَّهِ وَّ
تِسْعَ عَشْرَةٌ غَزْوَةً. قَاتَلَ فِي ثَمَانٍ مِنْهُنَّ. وَلَمْ يَقُلْ أَبُو بَكْرٍ مِنْهُنَّ. وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ.
٤١٣٠ - ١٤٧ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَن أَبِيهِ وَظْهَ(١٤٧) أَنَّهُ قَالَ: غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ
سِتَّ عَشْرَةٌ غَزْوَةٌ.
٤١٣١ - ١٤٨ عَنْ سَلَمَةَ وَ﴾(١٤٨) قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ّ سَبْعَ غَزَوَاتٍ. وَخَرَجْتُ
فِيمَا يَبْعَثُ مِنَ الْبُعُوثِ تِسْعَ غَزَوَاتٍ، مَرَّةً عَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ، وَمَرَّةٌ عَلَيْنَا أُسَامَةُ ابْنُ زَيْدٍ.
(١٤٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَابْنُ بَتَّارِ وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثَنِّى قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِيٍ إِسْحَقَ
(١٤٤) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَّا يَحْتِى بْنُ آذَّمَ حَدَّثَّا زُهَيْرٌ عَنِ أَبِي إِسْحَقَّ عَن زُّيُّدِ بْنِ أَرْقَمَ سَمِعَهُ مِنْهُ
(١٤٥) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ حَدََّا زَكْرِيَّاءُ أَخْبَرَنَا أَبُوَ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابَرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ
(١٤٦) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْيَةً حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ حَ وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْبِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ قَالا جَمِيعًا حَدْتَنَا
حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ عَنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ بُرَيْدَةً عَنْ أَبِيهِ
(١٤٧) وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبُلٍ حَدَّثْنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ كَهْمَسٍ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةً عَنْ أَبِهِ
(١٤٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّدٍ خُدَّثَنَا حَائِمٌ يَعْنِي ابْنَ إِسْمَعِيلَ عَن يَزِيدٌ وَهُوَ ابْنُ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَّةَ يَقُولُ
٣٨٣

٤١٣٢ - - وفي رواية عَنْ حَاتِمٍ(٢) بِهَذَا الإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِي كِلْتَيْهِمَا سَبْعَ غَزَوَاتٍ.
المعنى العام
بعض الأنبياء والرسل أدن لهم بقتال أعدائهم، وبعضهم لم يتعرض لقتال، والقتال فى الأصل
وسيلة من وسائل الإخضاع والإلزام، بل التهديد به، وخوف الأعداء منه قد يكون وسيلة للالتزام
والتسليم والدخول فى طاعة القوى، كما حدث لملكة سبأ مع سليمان العليئة، وصدق الله العظيم إذ
يقول: ﴿وَلَوْلا تَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَّرُ فِيهَا اسْمُ
اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَّوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠].
وهكذا أجرى اللَّه تعالى العادة بذلك فى الأمم الماضية، لينتظم به الأمر، وتقوم الشرائع، وتصان
المتعبدات من الهدم، ولولا القتال، وتسليط الله المؤمنين على المشركين لهدمت متعبداتهم، ولذهبوا،
ولم تنتشر الدعوة إلى الله، ولضاعت مهمة الرسل أمام كبد الكافرين.
إن الإسلام بدأ غريبا، وحورب قبل أن يحارب، وأودى رسول اللَّه * بمكة، وأودى من أسلم ثلاث
عشرة سنة، فرالمسلمون بدينهم مرتبن إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وكان الواحد منهم يفر بنفسه،
بثيابه التى عليه، مخلفا وراءه ماله للكافرين، أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا اللَّه،
ولقد حوصر رسول اللّه * وأهله فى شعب أبى طالب حصارا اقتصاديا واجتماعياً رهيبا، ووصل الأمر
بهم معه أن تآمروا على قتله، فأنزل اللَّه تعالى قرآنا بما بيتوا، فقال: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا
لِيُثْبَتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠].
وهاجر رسول اللّه من أحب البلاد إليه، وآواه الأنصار فى المدينة وعزروه ونصروه واتبعوا النور
الذى أنزل معه، وازداد المسلمون عددا وقوة، وتجمع مهاجروهم إلى الحبشة وغيرها فى المدينة،
وبدءوا يفكرون فى نشر دعونهم فى مشارق الأرض ومغاربها، لكن كيف والمشركون يضعون العقبات،
ويوحون إلى أولبائهم بمحاربة الإسلام وأهله، لقد استمرت الدعوة السلمية أكثر من ثلاثة عشر عاما،
فهل يصرح لها بأن تشق طريقها إلى مسامع الناس ولو بالقوة والسيف؟ نعم. وأنزل اللَّه تعالى هذا
التصريح فى قوله: ﴿ُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ بقتال أعدائهم ﴿بأَنَّهُمْ ظُلِّمُوا فَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ*
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقِّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج: ٤٠،٣٩] وبدأ القرآن الكريم
يحرض المسلمين على قتال الكفار ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] ﴿إِنَّ اللَّهَ
اشْتَرَى مِن الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ﴾َ [التوبة: ١١١]. ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِن الْكُفَّار
وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بهِ عَدُوَّ
اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. ﴿إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُواَ رَحْفًا
(-) وحَدَّثَنَا قُتِبَةٌ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حَائِمٌ
٣٨٤

فَلا تُؤَلُّوهُمْ الأَدْبَارَ، وَمَنْ يُؤَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالِ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِن اللَّهِ
وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِثْسَ الْمَصِيَرُ﴾ [الأنفال: ١٦] ﴿فَإِذا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفِّرُوا فَضَرْبَ الرَّقَابِ حَتَّى إِذَا
أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشَدُّوا الْوَثَّاقَ﴾ [محمد: ٤]. ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ
أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]. ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَّنْ يَتِرَّكُمْ
أَعْمَالَكُمْ﴾ [ محمد: ٣٥]. ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوْا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا
نَصِيرًا﴾ [الفتح: ٢٢] ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣]. ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ
فِي الْحَرْبِ فَشرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ* وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةٌ فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَّى سَوَاءِ إِنَّ
اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨،٥٧] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِّيُّ حَرِّضَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى
الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]. ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشَرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ
وَاحْصُرَّوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَّرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥] ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمْ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صَّدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ*
وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٤] ولم يكن قتال المسلمين لشهوة القتال وإراقة الدماء. وإنما كان
للدعوة إلى الله، فَمَن آمن وأسلم عصم دمه وماله وعرضه، ومن استسلم ولم يقاتل، ودخل فى حماية
المسلمين وتحت ولايتهم، وأراد أن يبقى على دينه وله مالهم، وعليه ما عليهم، دفع الجزية، مقابل
حمايته والدفاع عنه، فلا إكراه فى الدين، وما أكذب الذين يدعون أن الإسلام نشر بالسيف.
الحق أن الإسلام نشر بشريعته الحكيمة السمحة، وما دخل الناس فى دين الله أفواجا إلا عن
اقتناع وحب لتعاليمه، ويكفيه مثلا فى العفوعن المسيئين، والتسامح مع المحاربين ما حصل منه
يوم فتح مكة، وقوله لمن آذى وقاتل، وقتل من المسلمين من قتل، أن قال لهم: ما تظنون أنى فاعل
بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
إن الإسلام دين اللين، لا دين القسوة، دين السلام، لا دين الحرب ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١] دين حرية العقيدة، لا دين القهر والإرهاب، دين الرحمة بالضعفاء لا
يقتل صبيا ولا امرأة ولا شيخا عجوزا من الأعداء.
هكذا كانت تعاليمه عند القتال، بل حتى بعد القتال، وبعد النصر على الأعداء، وبعد أخذ الغنائم
والسبى، إذا دخل من كانوا حاربوا فى دين الله وأسلموا ردت إليهم أموالهم وسباياهم ، وعاشوا
أحرارا آمنين.
لقد غزا رسول الله* بضعا وعشرين غزوة فى تسع سنين، وقاد جند الله فى معاركه مع الكفر،
وكان أشجع الناس، وأثبت الناس فى الحرب، كما كان البلسم الشافى المداوى فى السلم، جرح
وكسرت سنه، وسال الدم على وجهه الشريف، فما وهن، وما ضعف، وما استكان، بل صبر وكافح،
وجاهد فى اللَّه حق جهاده، حتى جاء نصر الله والفتح ورأى الناس يدخلون فى دين الله أفواجا،
فسبح بحمد ربه واستغفره، حتى أناه اليقين.
صلى الله وسلم عليك يا رسول الله، نشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة،
وكشفت الغمة، فجزاك الله عن الأمة وعن الإسلام خير الجزاء. والحمد لله رب العالمين.
٣٨٥

المباحث العربية
(الغزوات) جمع غزوة وهى المرة الواحدة من الغزو، وهو السير إلى القتال مع العدو، تقول: غزا،
يغزو، غزوا، ومغزى، ومغزاة، وقال الجوهرى: غزوت العدو غزوا، والاسم الغزاة، ورجل غاز، والجمع غزاة
-بضم الغين مثل قاض وقضاة. اهـ. والمغازى جمع مغزى يصلح مصدرا، ويصلح أن يكون موضع الغزو،
وكونه مصدرا هنا أولى.
(كم غزا رسول اللَّهِ وَ﴿؟) أى كم غزوة اشترك فيها رسول اللَّهِ:﴿ بنفسه؟ قاتل.
فيها؟ أولم يقاتل؟
(تسع عشرة غزوة) فى الرواية الثالثة عن جابر ، قال: ((غزوت مع رسول اللّه ٤ * تسع عشرة
غزوة - قال جابر: لم أشهد بدرا ولا أحدا)) فعدد الغزوات عند جابر إحدى وعشرون غزوة، قال الحافظ
ابن حجر: فعلى هذا ففات زيد بن أرقم ذكر ثنتين منها، ولعلهما الأبواء، وبواط، وكأن ذلك خفى عليه
لصغره، ويؤيد هذا ما وقع فى روايتنا الأولى بلفظ ((فما أول غزوة غزاها؟ قال: ذات العسير))
و((العسير)) ثالث غزوة كما سنبين بعد. وهذا التوجيه حسن، أما توجيه ابن التين، وحمله قول زيد بن
أرقم على أن العسيرة أول ما غزا هو - أى زيد بن أرقم - والتقدير: فقلت: ما أول غزوة غزاها وأنت
معه؟ قال: العسير، فهو محتمل، لكنه بعيد، لأنه لما سئل: كم غزوت أنت معه؟ قال سبع عشرة،
فسيرجع هذا التوجيه إلى أنه خفى عليه ثنتان مما عد بعد، أوعد غزوتين واحدة، لقربهما، فقد أهمل
موسى بن عقبة غزوة بنى قريظة، لأنه ضمها إلى الأحزاب، لكونها كانت فى إثرها، وأفردها غيره،
لوقوعها منفردة، بعد هزيمة الأحزاب، وأهمل غيره الطائف، وعدها مع حنين واحدة، لتقاربهما،
فيجتمع على هذا قول زيد بن أرقم وقول جابر. وقد نوسع ابن سعد، فبلغ عدد المغازى التى خرج فيها
رسول الله ﴿ بنفسه سبعا وعشرين، وتبع فى ذلك الواقدى، وهو مطابق لما عده ابن إسحق، إلا أنه لم
يفرد وادى القرى من خيبر، وكأن الستة الزائدة من هذا القبيل، وعلى هذا يحمل ما أخرجه عبد الرازق
بسند صحيح عن سعيد بن المسيب قال: ((غزا رسول الله : أربعا وعشرين)) فالاختلاف فى العدد
ناشئ عن إدماج بعض الرواة غزوة فى غزوة، وعدم إدماج البعض لغزوتين فى واحدة، أما الرواية
الخامسة عن بريدة، ((وأنه غزا مع رسول اللَّه { * ست عشرة غزوة)» والرواية السادسة عن سلمة، ((وأنه
غزا مع رسول الله ﴿ سبع غزوات)) فلا تعارض ما قدمنا، فكل منهما يتحدث عن مشاركته، وليس
فيما ذكر حصر للعدد، ولا نفى للزيادة.
أما الغزوات والسرايا التى عدها ابن سعد فهى على الترتيب الزمنى :-
أول لواء عقده رسول اللَّه ◌َ لحمزة بن عبد المطلب فى رمضان على رأس سبعة أشهر،
من هجرة رسول اللَّه مح له، وبعثه رسول اللَّه ◌َ * فى ثلاثين رجلا من المهاجرين، قالوا، ولم
يبعث رسول الله :﴿ أحدا من الأنصار مبعثا حتى غزا بهم بدرا. خرج حمزة يعترض عبر
٣٨٦

قريش الآتية من الشام إلى مكة، وفيها أبو جهل بن هشام فى ثلاثمائة رجل، فلم يحصل
قتال، ورجع أبو جهل بالعير إلى مكة.
وعلى رأس ثمانية أشهر من الهجرة بعث رسول الله * سرية عبيدة بن الحارث بن
المطلب إلى بطن رابغ فى ستين رجلا من المهاجرين، ليعترض قافلة المشركين، فلم
يحصل قتال، وعادت القافلة.
وعلى رأس تسعة أشهر من الهجرة بعث رسول اللَّه ◌َ * سرية سعد بن أبى وقاص إلى الخرار فى
عشرين رجلا من المهاجرين، ليعترض عيرا لقريش، فكانت العير قد سبقتهم قبل وصولهم ثم غزا
رسول اللَّهَ الأبواء، على رأس اثنى عشر شهرا من الهجرة، واستخلف على المدينة سعد بن عبادة،
يريد عيرا لقريش، كما يريد بنى ضمرة بن بكر بن عبد مناة من كنانة، والأبواء موضع معروف بين مكة
والمدينة وهى إلى المدينة أقرب، فوادع بنى ضمرة، وعقد معهم عهدا أن لا يغزوه، ولا يغزوهم، ولا
يكثروا عليه جمعا، ولا يعينوا عدوا، ولم يلق العير.
فسار إلى ((ودان)) بفتح الواو، وتشديد الدال، وهى قرية من أمهات القرى، بينها وبين الأبواء ستة
أميال، ليعترض عيرا لقريش، فلم يلق العير، فرجع إلى المدينة بعد غياب خمس عشرة ليلة.
وعلى رأس ثلاثة عشر شهرا من الهجرة غزا ((بواط)) بضم الباء وتخفيف الواو، وهو جبل من جبال
جهينة، على نحو أربعين ميلا من المدينة من جهة الشام، واستخلف على المدينة سعد بن معاذ،
يقصد اعتراض عير لقريش، فلم يلق كيدا، ورجع إلى المدينة.
وعلى رأس ستة عشر شهرا كانت غزوة العشيرة.
(فقلت: فما أول غزوة غزاها؟ قال: ذات العسير، أو العشير) قال النووي: هكذا فى
جميع نسخ صحيح مسلم ((العسير)) أو ((العشير)) العين مضمومة، والأول بالسين والثانى بالشين، وقال
القاضى فى المشارق: هى ذات العشيرة، بضم العين وفتح الشين، قال: وجاء فى كتاب المغازى من
صحيح البخارى ((عسير)) بفتح العين وكسر السين، قال: والمعروف فيها ((العشيرة)) مصغرا، وهى من
أرض مدمج.اهـ قال ابن إسحق: هى بطن ينبع، خرج صلى الله عليه وسلم إليها يريد عيرا لقريش
فوجد العير التى خرج لها قد مضت قبل وصوله بأيام.
قال ابن سعد: وبلغ قريشا خبرها، فخرجوا يمنعونها، فلقوا رسول اللّه ◌ُ ببدر، فواقعهم، وقتل
منهم من قتل.
قال ابن إسحق: ولما رجع إلى المدينة لم يقم إلا ليالى حتى أغار كرز بن جابر القهرى على سرح
المدينة فخرج النبى 88# فى طلبه حتى بلغ سفران، بفتح السين، من ناحية بدر، ففاته کرزبن جابر،
وهذه هى بدر الأولى.
قال ابن سعد: وعلى رأس سبعة عشر شهرا من الهجرة كانت سرية عبد اللَّه ابن جحش إلى بطن
٣٨٧

نخلة، قرب مكة، فاعترضوا عيرا لقريش، وشدوا عليهم، واستولوا على العير، وكان فيها خمر وأدم
وزبيب وجاءوا بها إلى رسول اللَّه ◌ُ ﴾.
ثم كانت غزوة بدر الكبرى على رأس تسعة عشر شهرا من الهجرة.
ثم كانت غزوة بني قينقاع على رأس عشرين شهرا من الهجرة، وكانوا قوما من يهود، حلفاء لعبد
اللَّه بن أبى ابن سلول، وكانوا صاغة، وادعوا النبى ◌ُ ﴾، فلما كانت وقعة بدر أظهروا البغى والحسد،
ونبذوا العهد، فسار صلى الله عليه وسلم إليهم، فحاربوا، وتحصنوا فى حصنهم، فحاصرهم صلى الله
عليه وسلم أشد حصار، حتى قذف اللَّه فى قلوبهم الرعب، فنزلوا على حكم رسول اللّه {، فتشفع فيهم
عبد الله بن أبى، أن لا يقتلوا، وأن يجلوا من المدينة، فلحقوا بأذرعات.
وعلى رأس اثنين وعشرين شهرا من الهجرة أراد أبو سفيان أن يثأر من محمد محلي فى
بدر فأخذ أربعين راكبا، فجاءوا بنى النضير ليلا، ونزلوا على سلام بن مشكم، فلما كان
السحر خرجوا، وعلى بعد ثلاثة أميال من المدينة قتلوا رجلا من الأنصار وأجيرا له، وحرقوا
أبياتا هناك وتبنا، فبلغ ذلك رسول اللَّهِ ﴿ فخرج إليهم فى مائتى رجل، فهرب أبو سفيان،
ومن معه، وجعلوا يتخففون من السويق الذى معهم، يلقونه فيأخذه الصحابة، ولم يلحقوهم،
فسميت هذه الغزوة بغزوة السويق.
وعلى رأس ثلاثة وعشرين شهرا كانت غزوة قرقرة الكدر، ويقال: قرارة الكدر بضم الكاف، على بعد
أكثر من مائة ميل من المدينة، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم بلغه أن جمعا من سليم وغطفان
يتجمعون له، فسار إليهم فهربوا وتركوا إبلهم، فساقها المسلمون إلى المدينة وكانت خمسمائة بعير.
وعلى رأس خمسة وعشرين شهرا كانت سرية قتل كعب بن الأشرف، وقد سبقت فى
باب مستقل ثم ذكر ابن سعد غزوة غطفان، وغزوة بني سليم، وفيهما لم يجد الرسول وَ #
فيهما كيدا، ورجع إلى المدينة.
وعلى رأس ثمانية وعشرين شهرا كانت سرية زيد بن حارثة إلى القردة - بفتح القاف والراء
والدال، من أرض نجد، كانت لاعتراض عير لقريش، وكانت فى مائة راكب، فأصابوا العير، وأفلت
أعيان القوم، وقدموا بالعبر إلى المدينة، فبلغ الخمس: عشرين ألف درهم.
وعلى رأس اثنين وثلاثين شهرا من الهجرة كانت غزوة أحد.
ولما انصرف صلى الله عليه وسلم من أحد بات ليلة على بابه الأنصار، يداوون جراحهم، فلما
صلى الصبح أمر بلالا أن ينادى أن رسول اللَّه :﴿ يأمركم بطلب عدوكم، ولا يخرج معنا إلا من شهد
القتال بالأمس، فقال جابر بن عبد الله: إن أبى خلفنى يوم أحد على أخوات لى، فلم أشهد الحرب،
فأذن لى أن أسير معك، فأذن له رسول اللّه®، فلم يخرج معه أحد لم يشهد القتال غيره، وركب
رسول اللَّه ◌َ فرسه، وخرج الناس معه، فبعث بثلاثة نفر من أسلم طلبعة، فقتل المشركون منهم
اثنين بحمراء الأسد، وهى من المدينة على عشرة أميال، طريق العقيق على يسارذى الحليفة، وفر
٣٨٨

المشركون، وعسكر رسول اللّه بحمراء الأسد ليالى، ثم عاد إلى المدينة، وقد غاب خمس ليال،
وتعرف بغزوة حمراء الأسد.
وعلى رأس خمسة وثلاثين شهرا من الهجرة كانت سرية أبى سلمة بن عبد الأسد المخزومى إلى
قطن، وهو جبل بناحية فيد، به ماء لبنى أسد بن خزيمة، إذ بلغ رسول اللّه أن طليحة وسلمة ابنى
خويلد قد سارا فى قومهما ومن أطاعهما يدعوان إلى حرب رسول الله﴾، فعقد اللواء لأبى سلمة،
وبعث معه مائة وخمسين رجلا، فرجعوا سالمين غانمين إبلا وشاء، ولم يلقوا أحدا.
وبعد أيام من سرية أبى سلمة كانت سرية عبد الله بن أنيس إلى عرنة وما والاها، وعلى رأس
ستة وثلاثين شهرا كانت سرية المنذر بن عمرو إلى بئر معونة، وذلك أن رعْلاً وذكوان وُصِيَّةً وبنى
لحيان أرسلوا وفودا إلى رسول الله﴾، فطلبوا منه نفر من أصحابه إلى قومهم، رجاء أن يسلموا،
ويجيبوا دعوته، فبعث معهم بسبعين من القراء، فغدروا بهم وقتلوهم عند بئر معونة، فقنت صلى اللّه
عليه وسلم شهرا يدعو على رعل وذكوان وعصية وبنى لحيان.
وعلى رأس ستة وثلاثين شهرا من الهجرة كانت سرية مَرْتَد بن أبى مرتد إلى الرجيع، وذلك أن
رهطا من عَضَل والقارة، جاءوا رسول اللّه ◌ِ﴿، فقالوا: يا رسول الله إن فينا إسلاما، فابعث معنا نفرا
من أصحابك يفقهونا ويقرئونا القرآن ويعلمونا شرائع الإسلام، فبعث رسول اللّه ◌ِ﴾ معهم عشرة،
فخرجوا معهم، حتى إذا كانوا بالرجبع - وهو ماء لهذيل، على سبعة أميال من عسفان - غدروا بهم،
واستصرخوا عليهم هذيلا، فخرج إليهم بنولحيان، فقتلوا بعضهم وأسروا بعضهم، وباعوهم بمكة.
وعلى رأس سبعة وثلاثين شهرا من الهجرة كانت غزوة بنى النضير.
وعلى رأس خمسة وأربعين شهرا من الهجرة كانت غزوة بدر الموعد، وهى غير بدر القتال، وذلك أن
أبا سفيان لما انصرف من أحد نادى: الموعد بيننا وبينكم بدر الصفراء، رأس الحول، نلتقى بها
فنقتل، فلما دنا الموعد خرج رسول اللّه # فى ألف وخمسمائة حتى وصل بدرا، وخرج أبو سفيان
فى ألفين، حتى انتهوا إلى مرالظهران، ثم رجعوا. وهى غزوة بدر الصغرى.
وعلى رأس سبعة وأربعين شهرا من الهجرة كانت غزوة ذات الرقاع، التى سنتحدث عنها فى
الباب التالى.
وعلى رأس تسعة وأربعين شهرا من الهجرة كانت غزوة دومة الجندل إذ بلغ رسول اللّه ◌ُ ﴾ أن
بدومة الجندل جمعا كبيرا من الكفار، وأنهم يظلمون من مربهم، وأنهم يريدون أن يدنوا من المدينة -
وهى طرف من أطراف الشام، بينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة، فخرج إليهم رسول اللَّهلَ ﴿ فى
ألف من المسلمين، فلما دنا منهم هربوا. وفى هذه الغزوة وادع رسول الله:﴿ عيينة بن حصن.
وفى شعبان من السنة الخامسة من الهجرة كانت غزوة المريسيع، وذلك أن الحارث بن أبى
ضرار سارفى قومه ومن قدر عليه من العرب، فدعاهم إلى حرب رسول اللّه{*، فخرج إليهم رسول
اللَّه ◌َ﴿، ومعه خلق كثير من المنافقين على رأسهم عدد اللّه بن أبى، وانتهى رسول اللّهلِ لّ إلى ماء
٣٨٩

المريسيع، فتهيئوا للقتال، فحمل المسلمون عليهم، حملة رجل واحد، فما أفلت منهم رجل، قتل عشرة
منهم، وأسر سائرهم، وسبى رسول الله الرجال والنساء والذرية والنعم والشاء، ولم يقتل من
المسلمين إلا رجل واحد، وكان السدى مائتى أهل بيت وفيهن جويرية بنت الحارث، والإبل ألعى
بعير، والشاء خمسة آلاف شاة، وفى هذه الغزوة كان حديث الإفك.
وفى ذى القعدة سنة خمس من الهجرة كانت غزوة الأحزاب، وهى الخندق.
وفى الشهر نفسه كانت غزوة بني المصطلق.
وعلى رأس تسعة وخمسين شهرا من الهجرة كانت سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء، وهم بطن
من بنى بكر من كلاب، على بعد سبع ليال من المدينة، بعثه فى ثلاثين راكبا، فأغار عليهم، فقتل نفرا
منهم، وهرب سائرهم، واستاق نعما وشاء، ولم يتعرض للطعن.
وفى ربيع الأول سنة ست من الهجرة كانت غزوة بنى لحيان، وكانوا بناحية عسفان، أسرع رسول
اللَّه ﴿ فى مائتى رجل من أصحابه، حتى بلغ بطن غران - بينها وبين عسفان خمسة أميال - حيث
كان مصاب أصحابه القراء السبعين، فترحم عليهم، فسمعت بنولحيان بهم، فهربوا فى رءوس
الجبال، فلم يقدر منهم على أحد، فرجع إلى المدينة.
وفى الشهر نفسه كانت غزوة الغابة، وهى غزوة ذى قرد التى تحدثنا عنها.
وفى الشهر نفسه كانت سرية عكاشة بن محصن الأسدى إلى الغَمْر، وهو ماء لبنى أسد، خرج فى
أربعين رجلا، فأغاروا عليهم، فهربوا، فاستاقوا إلى المدينة مائتى بعير.
وفى ربيع الآخر سنة ست من الهجرة كانت سرية محمد بن مسلمة إلى القَصَّة، إلى بنى ثعلبة،
بينهم وبين المدينة أربعة وعشرون ميلا طريق الربذة، فى عشرة نفر، فحملت عليهم الأعراب، فقتلوهم،
وحمل محمد بن مسلمة جريحا إلى المدينة.
وفى الشهر نفسه كانت سرية أبى عبيدة بن الجراح إلى ذى القصة، فهرب أهلها إلى الجبال،
وعادوا بالنعم.
وفى الشهر نفسه كانت سرية زيد بن حارثة إلى بنى سليم بالجَمُّوم، ناحية بطن نخل، على نحو
سبعين ميلا من المدينة، فعادوا بالنعم والشاء.
وفي جمادى الأولى سنة ست من الهجرة كانت سرية زيد بن حارثة إلى العيص، وبينها وبين
المدينة أربع ليال، بعثه رسول اللَّه# فى مائة وسبعين راكبا، ليعترضوا طريق قافلة لقريش، قادمة
من الشام، فأخذوها وما فيها، وأسروا ناسا ممن كانوا فى العير، منهم العاص بن الربيع، زوج زينب
بنت النبى {#، فأجارته زينب.
وفى جمادى الآخرة كانت سرية زيد بن حارثة إلى الطَّرَف، وهو ماء على ستة وثلاثين ميلا من
المدينة، فى خمسة عشر رجلا، فأصابوا نعما وشاء، وهريت الأعراب.
٣٩٠

وفى الشهر نفسه كانت سرية زيد بن حارثة إلى حِسْمَى، وهى وراء وادي القرى، فى خمسمائة
رجل، فأغاروا على القوم، واستاقوا ماشيتهم ونعمهم ونساءهم، فأخذوا من النعم ألف بعير، ومن الشاء
خمسة آلاف شاة، ومن السبى مائة من النساء والصبيان، فأسلم القوم، فرد عليهم رسول اللَّه ◌َ﴾ ما
غنم منهم.
وفى رجب سنة ست من الهجرة كانت سرية زيد بن حارثة إلى وادي القرى.
وفى شعبان سنة ست من الهجرة كانت سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل، فدعاهم
إلى الإسلام فأسلموا.
وفى شعبان سنة ست من الهجرة كانت سرية على بن أبى طالب إلى بنى سعد بن بكر بفدك
حيث بلغ رسول اللَّه # أنهم يريدون أن يمدوا يهود خيبر، فعادت السرية بخمسمائة بعير وألف شاة،
وهربت بنو سعد.
وفى رمضان سنة ست من الهجرة كانت سرية زيد بن حارثة إلى أم قرفة بوادى القرى، على
سبع ليال من المدينة.
وفى الشهر نفسه كانت سرية عبد الله بن عتيك إلى أبي رافع سلام بن أبى الحقيق النضرى
بخيبر، فقتلوا أبا رافع، وعادوا إلى المدينة.
وفى شوال سنة ست كانت سرية عبد الله بن رواحة إلى أسيربن زارم اليهودى، بخيبر، فإنه لما
قتل أبورافع أمرت يهود عليهم أسير بن زارم، فسار فى غطفان وغيرهم يجمعهم لحرب رسول الله
** ، فوجه إليه عبد الله بن رواحة فى ثلاثين رجلا فقتلوه وقتلوا معه ثلاثين رجلا من يهود، ولم يصب
أحد من المسلمين.
وفى الشهر نفسه كانت سرية كرز بن جابر الفهرى إلى العُرَنِيِّين، فقد قدم نفر من عرينة، ثمانية
على رسول اللّه فأسلموا واستوبأوا المدينة، فأمر بهم رسول اللّه إلى لقاحه، وكانت ترعى
بناحية قباء، على ستة أميال من المدينة، فكانوا فيها حتى صحوا وسمنوا، فغدوا على اللقاح
فاستاقوها، وقطعوا يد الراعى يسار مولى رسول الله { ورجله، وغرزوا الشوك فى لسانه وعينيه حتى
مات. وبلغ رسول اللَّه ﴿، فبعث فى إثرهم عشرين فارسا، فأحاطوا بهم، وأسروهم وربطوهم وأردفوهم
على الخيل، حتى قدموا بهم المدينة، فأمر بهم رسول اللَّه # فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم
فصلبوا، ونزل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَرَّاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ
يُقَتَّلُوا .. ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية. فلم يسمل بعد ذلك عينًا.
وفى القعدة سنة ست كانت غزوة الحديبية.
وفى جمادى الأولى سنة سبع كانت غزوة خيبر.
وفى شعبان سنة سبع من الهجرة كانت سرية أبى بكر الصديق فيه إلى كلاب بنجد فقتلت
٣٩١

السرية من قتلت، وأسرت من أسرت، وبعث رسول اللّه﴿ بامرأة إحدى السبايا إلى مكة، فقدى بها
أسرى من المسلمين كانوا فى أيدى المشركين.
وفى الشهر نفسه كانت سرية بشير بن سعد الأنصارى إلى فدك.
وفى شهر رمضان كانت سرية غالب بن عبد اللّه اللبثى إلى الميفعة. وهى وراء بطن نخل، بعثه
فى مائة وثلاثبن رجلا، فقتلوا من أشرف لهم، واستاقوا نعما وشاء فجاءوا به المدينة.
وفى شوال كانت سرية بشير بن سعد الأنصارى إلى يمن وجدار حبث بلغ رسول اللَّه ◌ُ ﴾ أن
جمعا من غطفان بالجناب قد واعدهم عيينة بن حصن، ليكون معهم ليزحفوا إلى رسول اللَّه ◌ِ ﴾.
فبعث# بشيرا فى ثلاثمائة رجل، فهرب القوم وأصابت السرية نعما وأسدرين، وعادت إلى المدينة.
وفى ذى القعدة سنة سبع كانت عمرة القصية.
وفى ذى الحجة سنة سبع كانت سرية ابن أبى العوجاء السلمى إلى بنى سليم فى خمسين رجلا،
فقتل عامتهم، إذ نكاثر عليهم القوم، وأحاطوا بهم.
وفى صفر سنة ثمان من الهجرة كانت سرية غالب بن عبد الله اللبتى إلى بن الملوح بالكديد.
وفى الشهر نفسه كانت سرية غالب بن عبد الله اللينى أيضاً إلى مصاب فى مائتى رجل،
فأصابوا منهم قتلا ونعما.
وفى ربيع الأول كانت سرية شجاع بن وهب الأسدى إلى بنى عامر بالسِّبِّى فى أربعة وعشرين
رجلا، فأصابوا نعما كثيرا وشاة، وقدموا بها إلى المدينة.
وفى الشهر نفسه كانت سرية كعب بن عمير الغفارى إلى ذات أطلاح، من وراء وادي القرى فى
خمسة عشر رجلا، فتكاثر عليهم القوم، فقتلوهم عدا رجل واحد، تحامل حتى وصل رسول اللَّه ◌ُ له.
وفى جمادى الأولى كانت سرية مؤتة، بأدنى البلقاء، دون دمشق، بعث رسول اللَّه ◌َ ﴿ إليها
الحارث بن عمير الأزدى إلى ملك بصرى بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبل بن عمرو الغسانى
فقتله، فندب رسول اللَّه الناس، فأسرعوا فعسكروا فى الجرف، وهم ثلاثة آلاف، وقال لهم: أميركم
زيد بن حارثة، فإن قتل فجعفر بن أبى طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل فليرتض
المسلمون بينهم رجلا فيجعلوه عليهم. فلما خرجوا من المدينة سمع العدو بمسيرتهم، فجمعوا لهم
أكثر من مائة ألف والتقى الفريقان عند مؤتة، وقاتل المسلمون، وقتل القادة الثلاثة، فتول القيادة
خالد بن الوليد، ففتح اللَّه به، وهزم القوم أسوأ هزيمة.
وفى جمادى الآخرة كانت سرية عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل، وراء وادى القرى، بينها
وبين المدينة عشرة أيام، فى ثلاثمائة رجل، ثم أمده رسول اللّه ◌َ بمائتين فيهم أبو بكر وعمر، وأمر
عليهم عبيدة بن الجراح، فنصرهم الله على عدوهم.
وفى رجب كانت سرية الخبط، وأميرها أبو عبيدة بن الجراح فى ثلاثمائة رجل إلى حى من
٣٩٢

جهينة، على ساحل البحر، وبينها وبين المدينة خمس ليال، فأصابهم فى الطريق جوع شديد، فأكلوا
الخبط. وبه سميت السرية، فلما وصلوا لم يلقوا كيدا.
وفى شعبان كانت سرية أبى قتادة بن ربعى الأنصارى إلى خضره، وهى أرض محارب بنجد،
وكانت السرية خمسة عشر رجلا، فقتلوا من قتلوا، واستاقوا مائتى بعير وألفى شاة، وسبوا سبيا
كثيرا، وعادوا إلى المدينة.
وفى أول رمضان كانت سرية أبى قتادة بن ربعى الأنصارى إلى بطن إضم، وذلك حين هم الرسول
** بغزو مكة بعث أبا قتادة فى ثمانية نفر، وبينها وبين المدينة نحو خمسين ميلا، ليظن ظان أن
رسول اللَّه# توجه إلى تلك الناحية، فتذهب بذلك الأخبار، فمضوا ولم يلحقوا جمعا، فبلغهم أن
رسول اللَّهُ وَّ قد نوجه إلى مكة، فانجهوا نحوها.
وفى رمضان سنة ثمان من الهجرة كانت غزوة الفتح.
وفى آخر رمضان كانت سرية خالد بن الوليد إلى العزى ليهدمها، فخرج فى ثلاثين فارسا،
فانتهوا إليها فهدموها، وكانت بنخلة، وكانت لقريش وجميع بنى كنانة، وكانت أعظم أصنامهم،
وكان بنوشيبان من بنى سليم سدنتها.
وفى الوقت نفسه كانت سرية عمرو بن العاص إلى سواع، صنم هذيل، ليهدمه.
وفى الوقت نفسه كانت سرية سعد بن زيد الأشهلى إلى مناة، وكانت بالمشلل، وكانت للأوس
والخزرج وغسان، خرج فى عشرين فارسا، فهدموها.
وفى شوال كانت سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة من كنانة، وكانوا بأسفل مكة، ناحية
يلملم، فانتهى إليهم خالد فى ثلاثمائة وخمسين رجلا، فأعلنوا إسلامهم، فلم يصدقهم خالد، فقتل
منهم، فبلغ النبى و ما صنع خالد، فقال: ((اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد)) وبعث على بن أبى
طالب بالدية لقتلاهم.
وفى الشهر نفسه كانت غزوة رسول الله هوازن، وحنين واد بينه وبين مكة ثلاث ليال، وقد
سبق الحديث عن هذه الغزوة.
وفى الشهر نفسه كانت سرية الطفيل بن عمرو الدوسى إلى ذى الكَفَّين، صنم عمرو بن حُمَمَة
الدوسى، وذلك حين أراد الرسول # السير إلى الطائف، فهدم الصنم ولحق بالرسول {َ﴾.
وفى الشهر نفسه خرج رسول اللّه * من حنين، يريد الطائف، وكانت غزوة الطائف.
وفى المحرم سنة تسع كانت سرية عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم فى خمسين فارسا،
فأسروا نساء وأطفالا، وجاء أشرافهم مسلمين ينادون بصوت مرتفع: يا محمد اخرج إلينا، فنزل فيهم
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤] فرد عليهم رسول اللَّهِنَ﴿ الأسرى والسبى.
ثم بعث رسول اللَّه الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق من خزاعة يأخذ منهم
٣٩٣

الصدقة وكانوا قد أسلموا، وبنوا المساجد، فلما سمعوا بدنو الوليد خرج منهم عشرون رجلا يتلقونه
بالجزور والغنم فرحا به، فلما رآهم ولى راجعا إلى المدينة، فأخبر النبى # أنهم تلقوه بالسلاح،
يحولون بينه وبين الصدقة، فهم رسول اللَّه ◌َ أن يبعث إليهم من يغزوهم، وبلع ذلك القوم، فقدم عليه
الركب الذين تلقوا الوليد، فأخبروا النبى ﴿ الخبر على وجهه، ونزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَّبٍَ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات: ٦].
وفى صفر سنة تسع كانت سرية قطبة بن عامر بن حديدة إلى خثعم، ناحية بيشة، قريبا من تُرَيّة
فى عشرين رجلا، فقتلوا من قتلوا، وعادوا بالنعم والشاء والنساء إلى المدينة.
وفى ربيع الأول كانت سرية الضحاك بن سفيان الكلابى إلى بنى كلاب.
وفى ربيع الآخر كانت سرية علقمة بن مُجَرِّرْ المدلجى إلى الحبشة فى ثلاثمائة.
وفى الشهر نفسه كانت سرية على بن أبى طالب إلى الفلس، صنم طبئ، لهدمه فى خمسين
ومائة رجل، فهدموه.
وفى الشهر نفسه كانت سرية عكاشة بن محصن الأسدى إلى الجذاب، أرض عُذْرَة وَبَلِى.
وفى رجب سنة نسع كانت غزوة تبوك، خرج إليها رسول الله فى ثلاثين ألفا، فأقام بها
عشرين ليلة، ثم انصرف * من تبوك، ولم يلق كيدا.
وفى آخر شهر صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة أمر رسول اللّه * الناس للتهيؤ لغزو الروم، ثم
دعا أسامة بن زيد، فقال: سر إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد وليتك هذا الجيش، فمرض
رسول اللَّهِ ﴾، وأخذ يغيب ويفيق فيقول: انفذوا بعث أسامة، فلما توفي رسول اللَّهع﴾، وبويع لأبى
بكر خرج أسامة بجيشه، عند هلال شهر ربيع الآخر سنة إحدى عشرة من الهجرة.
هذا ما قاله ابن سعد في الطبقات الكبرى بتصرف كبير.
(ولم أشهد أحدا، ولا بدرا) قال النووى: قال القاضى: كذا فى رواية مسلم أن جابرا لم
يشهدهما، وقد ذكر أبو عبيد أنه شهد بدرا، قال ابن عبد البر: الصحيح أنه لم يشهدهما، وقد ذكر ابن
الكلبى أنه شهد أحدا.اهـ. وفيما سبق عن ابن سعد أنه لم يشهدها.
(منعنى أبى) سبق فى روايات ابن سعد أن المنع كان لرعايته أخواته البنات اللائى لا عائل
لهن غيره.
(فلما قتل عبد الله) أى أبوه.
(لم أتخلف عن رسول اللَّه ﴿ فى غزوة قط) فى الصحيح أنه كان قد تزوج بعد وفاة أبيه
ثيبا كبيرة، ترعى أخوانه فى غيبته. و(«قط)) ظرف زمان، لاستغراق ما مضى، تقول: ما فعلته قط،
بفتح القاف وتشديد الطاء مضمومة فى أفصح اللغات، وتختص بالنفى، والعامة يقولون: لا أفعله
٣٩٤

قط، وهو لحن، واشتقاقه من قططت الشىء إذا قطعته، فمعنى ما فعلته قط، ما فعلته فيما انقطع من
عمرى، لأن الماضى منقطع عن الحال والاستقبال، وبنيت على الضم لتضمنها معنى مذ، وإلى، وقد
تكسر، على أصل التقاء الساكنين، وقد تتبع قافه طاءه فى الضم، وقد نخفف طاؤه، مع ضمها أو
إسكانها، قاله ابن هشام فى مغني اللبيب.
(قاتل فى ثمان منهن) وهن: بدر، وأحد، والأحزاب، والمريسيع، وقديد، وخيبر، ومكة، وحنين.
وقيل: قاتل فى تسع، فزاد الطائف، وبعضهم لم يعد مكة، على أنها فتحت صلحا، كما سبق.
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١- مدى حرص الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - على حضور الغزوات.
٢ - تفاخرهم بالاشتراك فيها.
٣- حفظهم لها واهتمامهم بها.
٤- من الرواية الأولى الحرص على أخذ العلم من أهله، وممن اشتهر به.
٥- حب القرب من العلماء، والاعتزاز به.
٦- ومن الرواية الثانية أن الرسول 18# لم يحج بعدما هاجر إلا حجة واحدة، وهى حجة الوداع.
٧- ومن الرواية الثالثة، وتخلف جابرته عن بدر وأحد، أن الأعذار عن الغزو كانت مقبولة.
والله أعلم
(ملحوظة): ذكر الإمام مسلم - رحمه الله تعالى - الغزوات غير مرتبة، لا ترتيباً زمنيا كما فعل
البخارى، ولا ترتيب الأهم فالأهم، ولا ترتيب المتفق عليه ثم المختلف فيه، ولم أستطع الوصول إلى
حكمة لهذا الترتيب، فقد ذكر غزوة حنين، فغزوة الطائف، فغزوة بدر، ففتح مكة، فصلح الحديبية،
فغزوة الأحزاب، فغزوة أحد، فعود على أحداث غزوة بدر وقتل أبى جهل، فغزوة خيبر، فغزوة الأحزاب
مرة أخرى، فغزوة دی قرد.
وأغرب من هذا أنه ذكر غزوة ذات الرقاع بعد أن ذكر عدد غزوات النبي: {9 .. ولعله - رحمه الله
تعالى - لم يتسع زمنه لترتيب هذا الجزء من كتابه، أحسن الله إليه، وجزاه عن السنة خير الجزاء.
٣٩٥

(٥٠٥) باب غزوة ذات الرقاع
٤١٣٣ -١٩ عَنْ أَبِي مُوسَى ◌َّهِ(١٤٩) قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّ فِي غَزَاةٍ، وَنَحْنُ سِنَّةُ
نَفَرٍ بَيْنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِيُهُ. قَالَ: فَقِبَتْ أَقْدَامُنَا. فَقِيّتْ قَدَمَايَ. وَسَقَطَتْ أَظْفَارِي. فَكُنَّا تَلُفُّ عَلَى
أَرْجُلِنَا الْخِرَقَ. فَسُمِّيَتْ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّفَاعِ لِمَا كُنَّا نُعَصِّبُ عَلَى أَرْجُلِنَا مِنَ الْخِرَقِ. قَالَ أَبُو
بُرْدَةَ: فَحَدَّثَ أَبُو مُوسَى بِهَذَا الْحَدِيثِ ثُمَّ كَرِهَ ذَلِكَ. قَالَ: كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا مِنْ عَمَلِهِ
أَفْشَاهُ. قَالَ أَبُو أُسَامَةَ: وَزَادَنِي غَيْرُ بُرَيْدٍ وَاللَّهُ يُجْزِي بِهِ.
المعنى العام
وقعت الغزوات النبوية على مسافات بعيدة من المدينة، فى الكثير منها، مع قلة فى الظهر
والركاب، ووعورة فى الطريق، وتنكب الجبال والوديان، وضعف الحماية والوقاية من مشاق السفر.
وهذا الحديث يصور لنا صورة من هول مالاقى أصحاب رسول اللّه وَ ﴾.
فهذا أبو موسى الأشعرى اليمنى المولد والموطن، جاء مع وفد من أهله من اليمن إلى رسول الله
، عرفوا بالأشعريين، وكان فى غزوة خيبر، فأعلنوا إسلامهم، وانضمامهم إلى جيوش المسلمين،
ويحدثنا عن غزوة اشترك فيها، تعرف بغزوة ذات الرقاع، فيقول: خرجنا مع رسول اللّـه * فى نحو
سبعمائة من أصحابه، قاصدين غطفان فى نجد، وقد بلغ رسول اللَّه {: أنهم جمعوا جموعا لحربه،
فقرر مبادرتهم قبل أن يبادروه، خرج أبو موسى يرافقه خمسة من الأشعريين الفقراء، لا يملكون إلا
بعيرا واحدا، لا يعنيهم من يملكه منهم، فقد مدحهم الرسول * بالتعاون والتضامن والتكافل، فقال:
((إن الأشعريين إذا أرملوا فى الغزو أو قل طعامهم، جمعوا ما عندهم فى إناء واحد، واقتسموه بالسوية،
فهم منى، وأنا منهم)).
وظهرت هذه الصورة التضامنية فى سفرهم هذه الغزوة، فهم يتعاقبون على جمل واحد، يركب هذا
قليلا، ثم ينزل، ليركب الآخر مثله، حتى يركب آخرهم، فبنزل ليركب أولهم، لم يكن الجمل لهزاله
يتحمل اثنين، لهذا لم يردف أحدهما صاحبه، وهم الذين رقت قلوبهم، ولانت أحاسيسهم، ونتيجة هذا
التصرف أن يمشى الواحد منهم خمسة أسداس الطريق، ويركب سدسه، والرمال محماة من حرارة
الشمس، والحجارة متشعبة، تغوص شعبها فى الأقدام، ولا نعل يملكون ولا حذاء، ساروا فى البداية
حفاة، ساروا يوما، فانتفخت أقدامهم بفقاقيع مائية، انتهت بانفجارها، وفى اليوم الثانى تقيحت،
وفى اليوم الثالث أكلت ما حول أظافر القدمين من لحم، فسقطت الأظافر، فكانوا مع هذا يسيرون لا
(١٤٩) حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بِرَّادِ الأَشْعَرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ وَاللَّفْظُ لأَبِي عَامِرٍ قَالا حَدْثَنَا أَبُو أُسَامَةً عَنِ بُرَيْدٍ
ابْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةً عَن أَبِي مُوسَى
٣٩٦

يتوقفون، ويحاولون التخفيف عن مضاعفات جروح أرجلهم بخرق يلفون بها أقدامهم، ويعصبونها
على جروحهم، وكانت حالهم هذه حال كثير من الصحابة، فأطلقوا على غزوتهم هذه اسم غزوة ذات
الرقاع، للرقع التى كانوا يلفون أقدامهم بها، فرضى الله عنهم، وجزاهم عن الإسلام خير الجزاء.
المباحث العربية
(غزوة ذات الرقاع) يقال: رقع الثوب بفتح القاف مخففة، يرقع بفتحها أيضاً رقعا بسكونها،
ورقعة بفتح الراء وسكون القاف، أصلحه بالرقعة بضم الراء وسكون القاف، وأرقع بالهمز، ورقع
بالتضعيف بمعنى رقع بالتخفيف، والرقاع جمع رقعة.
وفى سبب تسمية هذه الغزوة بهذا الاسم قال أبو موسى له فى الحديث: ((فكنا نلف على أرجلنا
الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع، لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق)» قال النووي: هذا هو
الصحيح فى سبب تسميتها، وقيل: سميت بذلك بجبل هناك، فيه بياض وسواد وحمرة، وقيل: سميت
باسم شجرة هناك، وقيل: لأنه كان فى ألويتهم رقاع، ويحتمل أنها سميت بالمجموع. اهـ وقيل: بشجر
هناك يقال له: ذات الرقاع، وهذا هو مراد النووى بكلمة ((شجرة)) أى جنس شجرة، وقيل: بل الأرض
التى نزلوا بها كانت ذات ألوان نشبه الرقاع، وقيل: لأن خيلهم كان بها سواد وبياض، قال الحافظ
ابن حجر: يحتمل أن يكون لفظ ((خيل)) قد تصحف من لغط ((جبل)».
(ونحن ستة نفر) النور من الثلاث إلى التسع، فالإضافة بيانية، والمعنى ستة أى
نفر، وفى رواية البخارى ((ونحن فى ستة نفر)) أى كان أبو موسى ضمن ستة من الأشعريين
فى جيش هذه الغزوة.
(بيننا بعير نعتقبه) أى يركبه الواحد منا عقب الآخر، لكل واحد منهم نوبة، يركب هذا قليلا،
ثم ينزل، فبركب الآخر، بالنوبة حتى يأتى سائرهم، والمقصود إظهار الشدة والمشقة الحاصلة لهم من
طول المسافة، وشدة حرارة رمل الصحراء.
(فنقبت أقدامنا، فنقبت قدماى) بفتح النون وكسر القاف، أى رق جلدها، وقرحت من
·الحفاء وطول السير عليها. يقال: نقب بكسر القاف ينقب بفتحها، أى تخرق، ونقب خف البعير أى
رق، وقوله ((فنقبت قدماى)) بعد قوله ((فنقبت أقدا منا)) من ذكر الخاص بعد العام لمزيد عناية بهذا
الخاص، ولرفع توهم أن النقب أصاب البعض، أو أصاب إحدى قدمبه.
(وسقطت أظفارى) أى أظفار أصابع قدمی.
(فكنا نلف على أرجلنا الخرق) بكسر الخاء وفتح الراء، جمع خرقة، وهى القطعة من الثوب
الممزق وذلك لاتقاء حرارة الرمال، ولوقاية جروح الأقدام من الاحتكاك بالحجارة.
٣٩٧

(لما كنا نعصب على أرجلنا من الخرق) ((نعصب)) بضم النون وفتح العين وتشديد الصاد
المكسورة، ويفتح النون وكسر الصاد، يقال: عصب الشىء، وعصب على الشىء عصبا بسكون الصاد،
أى قبض وطوى ولوى وشد. واللام المكسورة فى ((لما كنا)) للتعليل، أى سميت ذات الرقاع من أجل
عصينا الرقع والخرق على أرجلنا.
(قال أبو بردة) بن أبى موسى الراوى عن أبى موسى الأشعرى.
(فحدث أبو موسى بهذا الحديث، ثم كره ذلك) التحديث، وندم أن حدث، وتمنى أن لو لم
يكن تحدث به، لما خاف من تزكية نفسه.
(كأنه كره أن يكون شيئا من عمله أفشاه) فى رواية مسلم ((شيئا)) بالنصب خبر ((يكون))
أى كره أن يكون الحديث شيئا أفشاه من عمله، لا ينبغى إفشاؤه، وفى رواية البخارى ((كأنه كره أن
يكون شىء من عمله أفشاه)) برفع ((شيء)) اسم ((يكون))، والخبر ((أفشاه)) زاد البخارى ((قال: ما كنت
أصنع بأن أذكره)) أى ماذا استفدت بذكره؟
(والله يجزى به) أى قال أبو موسى: لماذا أفشيته والله هو الذى يجزى على المشقة
فى سبيله، لا الإنسان.
فقه الحديث
روى البخارى تحت باب غزوة ذات الرقاع مجموعة من الأحاديث والتعليقات، فقال: وهى غزوة
محارب خصفة من بنى ثعلبة من غطفان، وهى بعد خببر، لأن أبا موسى جاء بعد خيبر.
وأخرج من الأحاديث غير حديثنا:
١- عن جابر بن عبد اللَّه ◌ُه «أن النبى - صلى بأصحابه فى الخوف فى غزوة السابعة، غزوة
ذات الرقاع)».
٢- عن جابر قال: خرج النبى * إلى ذات الرقاع من نخل، فلقى جمعا من غطفان، فلم
يكن قتال، وأخاف الناس بعضهم بعضا، فصلى النبى {$ ركعتى الخوف.
٣- عمن شهد مع رسول اللّه * يوم ذات الرقاع صلاة الخوف «أن طائفة صفت معه، وطائفة
وجاه العدو، فصلى بالتى معه ركعة، ثم ثبت قائما، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، فصفوا وجاه العدو،
وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التى بقيت من صلاته، ثم ثبت جالسا، وأتموا لأنفسهم،
ثم سلم بهم )».
٤- عن ابن عمر قال: ((غزوت مع رسول اللَّه قبل نجد، فوازينا العدو، فصاففنا لهم»
٣٩٨

٥- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ((أنه غزا مع رسول اللّه * قبل نجد، وفى رواية له
((كنا مع النبى ﴿ بذات الرقاع)) فلما قفل رسول اللّه# قفل معه، فأدركتهم القائلة فى واد كثير
العضاة)) - أى أدركهم وسط النهار فى واد كثير شجر الشوك - ((فنزل رسول اللّه ◌ُ ل®، وتفرق الناس
فى العضاة، يستظلون بالشجر، ونزل رسول اللَّه { # تحت سمرة)) بفتح السين وضم الميم، أى شجرة
كثيرة الورق، يستظل بها وفى رواية له ((فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبى {َ﴿)» - «فعلق بها
سيفه، قال جابر: فنمنا نومة، فإذا رسول اللّه * يدعونا، فجئناه، فإذا عنده أعرابى جالس، فقال
رسول اللَّه﴿: إن هذا اخترط سيفى وأنا نائم، فاستيقظت، وهو فى يده صلتا)) بفتح الصاد وسكون
اللام، أى مجردا عن غمده ((فقال وفى رواية فقال)) تخافنى؟ فقال له: لا)). ((فقال: من يمنعك منى؟
قلت: الله. فها هو ذا جالس)) وفى رواية ابن إسحق ((فوقع السيف من يده، فأخذه النبى { *، وقال:
من يمنعك أنت منى؟ قال: لا أحد. أنت خير منى، ثم أسلم بعد)».
تاريخها: قال الحافظ ابن حجر: اختلف فى هذه الغزوة. متى كانت؟ وقد جنح
البخارى إلى أنها كانت بعد خيبر، ومع ذلك ذكرها قبل خيبر، وربما تعمد ذلك تسليما لأهل
المغازى، أو أن ذلك من الرواة، أو إشارة إلى احتمال أن تكون ذات الرقاع اسما لغزوتين
مختلفتين، كما أشار إلى ذلك البيهقى.
وأصحاب المغازى يجزمون بأنها قبل خيبر، ويختلفون فى تاريخها، فعند ابن إسحاق أنها بعد
بنى النضير، وقبل الخندق، فى جمادى الأولى سنة أربع.
وعند ابن سعد وابن حبان أنها كانت فى المحرم سنة خمس.
وجزم أبو معشر بأنها كانت بعد بنى قريظة والخندق، وقريظة كانت فى ذى القعدة سنة خمس،
فتكون ذات الرقاع فى آخر السنة، وأول التى تليها.
وأما موسى بن عقبة فجزم بتقديم وقوع غزوة ذات الرقاع، لكن تردد فى وقتها، فقال: لا ندرى
كانت قبل بدر؟ أو بعدها، أو قبل أحد أو بعدها، قال الحافظ: وهذا التردد لا حاصل له، بل الذى
ينبغى الجزم به أنها بعد غزوة بنى قريظة، لأن صلاة الخوف لم تكن شرعت فى غزوة الخندق، وقد
ثبت وقوع صلاة الخوف فى غزوة ذات الرقاع.
سببها وأحداثها: ذكر الواقدى أن سبب غزوة ذات الرقاع أن أعرابيا قدم بإبل ومتاع للتجارة إلى
المدينة، فقال: إنى رأيت ناسا من بنى ثعلبة ومن بنى أنمار قد جمعوا لكم جموعا، وأنتم فى غفلة
عنهم، فخرج النبى ®® فى أربعمائة - ويقال سبعمائة - حتى وصل أرض غطفان، فلقى جمعا منهم،
فاصطف الفريقان للقتال، وأخاف بعضهم بعضا، وكان المشركون بين المسلمين وبين القبلة، فصلى
النبى * صلاة الخوف بأصحابه، فانصرف المشركون دون قتال، فرجع النبي ◌ُ ﴾ بأصحابه.
ويؤخذ من الحديث
١- جواز التناوب فى ركوب الدابة، إذا لم يضربها.
٣٩٩

٢- قال النووي: فيه استحباب إخفاء الأعمال الصالحة، وما يكابده العبد من المشاق فى طاعة الله
تعالى، ولا يظهر شيئا من ذلك إلا لمصلحة، مثل بيان حكم ذلك الشىء، والتنبيه على الاقتداء به
فيه، ونحو ذلك، وعلى هذا يحمل ما وجد للسلف من الأخبار بذلك.
٣- وفيه مدى ما لحق الصحابة من المشقة فى سبيل الجهاد، ونشر راية الإسلام.
والله أعلم
٤٠٠