Indexed OCR Text

Pages 301-320

فقه الحديث
كانت وقعة أحد المشهورة فى شوال سنة ثلاث باتفاق الجمهور، وشد من قال: سنة
أربع، وقال مالك: كانت بعد بدر بسنة، وفيه تجوز، لأن بدرا كانت فى رمضان باتفاق، فهى
بعدها بسنة وشهر لم يكتمل.
وكان السبب فيها ما ذكره ابن إسحق عن شيوخه وموسى بن عقبة. قالوا: لما رجعت
قريش مهزومين من غزوة بدر استجلبوا من استطاعوا من العرب فى هذه السنة، وسار بهم
أبوسفيان حتى نزلوا ببطن الوادى من قبل أحد - يهددون المدينة، انتقاما من المسلمين،
وأخذا بثأريوم بدر - وكان رجال من المسلمين قد أسفوا على مافاتهم من مشهد بدر،
وتمنوا لقاء العدو، ورأى رسول الله* رؤيا، فلما أصبح قال: رأيت البارحة فى منامى بقرا
تذبح، والله خير وأبقى، ورأيت سيفى ذا الغفار انقصم من عند ظبته - أو قال: به فلول -
فكرهته، وهما مصيبتان، ورأيت أنى فى دروع حصينة، وأنى مردف كبشا. قالوا: وما
أولتها؟ قال: أولت الدقر بقرا يكون فينا، وأولت الكبش كبش الكتيبة، وأولت الدرع
الحصينة المدينة، فامكثوا، فإن دخل القوم الأزقة قاتلناهم، ورموا من فوق البيوت، فقال
أولئك القوم: يا نبى الله، كنا نتمنى هذا اليوم. وأبى كثير من الناس إلا الخروج، فلما صلى
الجمعة وانصرف دعا باللأمة فلبسها، ثم أذن فى الناس بالخروج، فندم ذوو الرأى منهم،
فقالوا: يارسول اللَّه امكث كما أمرتنا. فقال: ما ينبغى لنبى إذا أخذ لأمة الحرب أن يرجع
حتى يقاتل، فنزل، فخرج بهم، وهم ألف رجل، وكان المشركون ثلاثة آلاف، حتى نزل بأحد،
ورجع عنه عبد الله بن أبي بن سلول فى ثلاثمائة، فبقى فى سبعمائة، فلما رجع عبد الله
سقط فى أيدى طائفتين من المؤمنين، وهما بنو حارثة وبنو سلمة.
أحداث المعركة: صف المسلمون بأصل أحد، وصف المشركون بالسبخة وتهيئوا للقتال، وعلى
خيل المشركين - وهى مائة فرس - خالد بن الوليد ، وليس مع المسلمين فرس، وصاحب لواء
المشركين طلحة بن عثمان، وأمر رسول اللّه * عبد الله بن جبير على الرماة، وهم خمسون رجلا،
وعهد إليهم ألا يتركوا منازلهم، وكان صاحب لواء المسلمين مصعب بن عمير، فبارز طلحة بن عثمان،
فقتله، وحمل المسلمون على المشركين حتى أبعدوهم عن أثقالهم، وحملت خيل المشركين، فنضحتهم
الرماة بالنبل ثلاث مرات، فدخل المسلمون عسكر المشركين، فانتهبوهم، فرأى ذلك الرماة، فتركوا
مكانهم، ودخلوا العسكر، فأبصر ذلك خالد بن الوليد ومن معه فعلا بخيل المشركين فوقهم، فقتل من
بقى من الرماة، ومنهم أميرهم عبد الله بن جبير، ولما رأى المشركون خيلهم ظاهرة، تراجعوا، فحملوا
على المسلمين، فمزقوهم، وصرخ صارخ: قتل محمد. فعطف المسلمون يقتل بعضهم بعضا، وهم لا
يشعرون، وفرطائفة منهم إلى جهة المدينة، وتفرق سائرهم فى الشعاب، وثبت نبى اللَّه ◌َ * حين
انكشفوا عنه، وهو يدعوهم فى أخراهم، واستقبله المشركون، فرموا وجهه فأدموه، وكسروا رباعيته،
٣٠١

وتوجه النبى - يلتمس أصحابه، وشغل المشركون بقتلى المسلمين، يمثلون بهم، يقطعون الآذان
والأنوف والفروج، ويبقرون الدطون، وهم يظنون أنهم أصابوا النبى ◌َ﴾، وكبار أصحابه، حتى اتخذت
هند من أجزاء قتلى المسلمين حزما وقلائد، وأعطت حزمها وقلائدها اللانى كن عليها، لوحشى، جزاء
له على قتل حمزة، وبقرت عن كبد حمزة، فلاكتها، فلم تستطع أن نسيغها، فلفظتها، وقال أبوسفيان
يفتخر بآلهته: اعل هبل. فناداه عمر: اللَّه أعلى وأجل، ورجع المشركون إلى أثقالهم، فحملوها ورحلوا،
ورجع المسلمون إلى قتلاهم، فدفنوهم فى ثيابهم، ولم يغسلوهم، ولم يصلوا عليهم، وبكى المسلمون على
قتلاهم، فسر المنافقون، وظهر غش اليهود، وفارت المدينة بالنفاق، فقالت اليهود: لو كان نبيا ما
ظهروا عليه، وقال المنافقون: لو أطاعونا ما أصابهم هذا، ما ماتوا وما قتلوا، قال ابن إسحق: وأنزل
الله فى شأن أحد ستين آية من سورة آل عمران. ذكرناها فى المعنى العام.
حصيلة المعركة: كان المسلمون فى بدر قد أصابوا من المشركين أربعين ومائة، سبعين قتيلا،
وسبعين أسيرا، واستشهد من المسلمين يوم أحد سبعون شهيدا، على أرجح الأقوال: أربعة من
المهاجرين، حمزة ومصعب بن عمير، وعبد الله بن جحش، وشماس بن عثمان، والباقون من الأنصار.
وقد روى البخارى فى غزوة أحد مجموعة من الأحاديث تلقى ضوءا على أحداث المعركة، نذكر منها:
١- عن البراء عنه قال: ((لقينا المشركين يومئذ، وأجلس النبى 8 جيشا من الرماة، وقال: لا
نبرحوا. إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا، فلما لقيناهم
هربوا، حتى رأيت النساء)) أى النساء المشركات، وكانت قريش قد خرجوا معهم بالنساء، لأجل
الحفيظة والثبات، وسمى منهن ابن إسحق: هند بنت عتبة، وأم حكيم بنت الحارث بن هشام،
وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وبرزة بنت مسعود الثقفية وريطة بنت شيبة السهمية، وسلافة بنت
سعد، وخناس بنت مالك والدة مصعب بن عمبر، وعمرة بنت علقمة بن كنانة. وقيل خرجت إلى أحد
خمس عشرة امرأة ((يشتددن فى الجبل، رفعن عن سوقهن، قد بدت خلاخلهن)) وفى رواية عند ابن
إسحق قال الزبير بن العوام: ((والله لقد رأيتنى أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحباتها مشمرات
هوارب، ما دون إحداهن قليل ولا كثير)» فقال الرماة من المسلمين: ((الغنيمة الغنيمة. فقال عبد الله
لأصحابه: عهد إلى النبى ®® أن لا تبرحوا. فأبوا، فأصيب سبعون قتيلا، وأشرف أبوسفيان فقال:
أفى القوم محمد؟ فقال: لا تجيبوه، فقال: أفى القوم ابن أبى قحافة؟ قال: لا تجيبوه. فقال أفى
القوم ابن الخطاب؟ .. فقال: إن هؤلاء قتلوا، فلوكانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه، فقال:
كذبت يا عدو اللَّه، أبقى الله عليك ما يخزيك، قال أبوسفيان: اعل هبل. فقال النبى ﴿: أجيبوه. قالوا:
ما نقول؟ قال: قولوا: اللَّه أعلى وأجل. قال أبوسفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبى ◌ُ﴾: أجيبوه.
قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: اللَّه مولانا ولا مولى لكم. قال أبوسفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال،
وتجدون مثلة لم آمر بها، ولم نسئنى)) أى لم أكرهها، وإن كان وقوعها بغير أمرى.
٢- عن زيد بن ثابت ه قال: ((لما خرج النبى # إلى غزوة أحد رجع ناس ممن خرج معه، وكان
أصحاب النبي # فرقتين، فرقة تقول: نقاتلهم، وفرقة تقول: لا نقاتلهم، فنزلت ﴿فَمَا لَكُمْ فِي
٣٠٢

الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكْسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: ٨٨] وقال: إنها طيبة، ننفى الذنوب، كما تنفى
النار خبث الفضة)»
٣- عن جابر بن عبد اللَّه - رضى الله عنهما - قال: نزلت هذه الآية فينا (آل عمران ١٢٢) ﴿إذْ
هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ بنى سلمة وبنى حارثة وما أحب أنها لم تنزل، والله يقول ﴿وَاللَّهُ
وَلِيُّهُمَا﴾ (والفشل الجبن، وبنوسلمة من الخزرج، وبنو حارثة أقاربهم، من الأوس).
٤- عن سعد بن أبى وقاص رظلُّه قال: «رأيت رسول اللّه ◌ُ ل يوم أحد، ومعه رجلان يقاتلان عنه،
علبهما ثياب بيض، كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد)» قال الحافظ ابن حجر: هما جبريل
وميكائيل، كدا وقع فى مسلم من طريق آخر.
٥- عن أنس له قال: ((لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبى ول®، وأبو طلحة بين يدى النبى
﴿ل، مجوب عليه بحجة له)) أى محصنه ومحيطه بترس له، يقال: جوب عليه بترس، أى وقاه به،
والحجفة الترس من جلد ونحوه ((وكان أبو طلحة رجلا راميا، شديد النرع)) أى شديد رمى السهم
((كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا، وكان الرجل يمر معه بجعبة من النبل، فيقول: انثرها لأبى طلحة، قال:
ويشرف النبى * ينظر إلى القوم فيقول أبو طلحة («للنبى 3 1﴾((يأبى أنت وأمى. لا تشرف يصيبك
سهم من سهام القوم، نحرى دون نحرك، ولقد وقع السيف من يدى أبى طلحة إما مرتين وإما ثلاثا))
٦- عن عثمان بن موهب قال: جاء رجل حج البيت، فرأى قوما جلوسا، فقال: من هؤلاء القعود؟
قالوا: هؤلاء قريش. قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر، فأتاه، فقال: إنى سائلك عن شىء. أتحدثنى؟ ثم
قال: أنشدك بحرمة هذا البيت. أتعلم أن عثمان بن عفان فريوم أحد؟ قال: نعم. قال: فتعلمه تغيب
عن بدر؟ فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه نخلف عن بيعة الرضوان؟ فلم يشهدها؟ قال نعم.
قال فكبر. قال ابن عمر: تعال لأخبرك، ولأبين لك عما سألتنى عنه. أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله
عفا عنه)) أى بقوله تعالى ﴿إِنَّالَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا
كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ((وأما تغيبه عن بدرَ فَإنه كان تحته بنت رسول اللَّه
*، وكانت مريضة، فقال له النبي ◌ُ﴾: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه، وأما تغيبه عن بيعة
الرضوان فإنه لوكان أحد أعز ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه، فبعث عثمان، وكانت
بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال النبى 8# بيده اليمنى: هذه يد عثمان، فضرب بها
على يده، فقال: هذه لعثمان. اذهب بها الآن معك))
٧- عن البراء بن عازب ◌ُه قال: جعل النبى ﴿ على الرحالة يوم أحد عبد الله بن جدير، وأقبلوا
منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول فى أخراهم)) يشير بذلك إلى قوله تعالى ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْؤُونَ
عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمَّا بِغَمَّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَافَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ
خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٥٣].
الحكمة فى الهزيمة: أفعال اللَّه لا تخلو من الحكمة، علمناها أولم نعلمها، ويحاول
٣٠٣

العلماء فى مثل هذه الظروف تلمس الحكم والعبر والمواعظ من المواقف الصعبة، فيقول
الحافظ ابن حجر: قال العلماء: وكان فى قصة أحد، وما أصيب به المسلمون من الفوائد
والحكم الربانية أشياء عظيمة، منها:
أ- تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية، وشؤم ارتكاب النهى، لما وقع من ترك الرماة موقفهم
الذى أمرهم به الرسول و/﴾، وهو أن لا يبرحوا مواقعهم، وأن هذا الشؤم يعم ضرره من لم يقع منه.
ب- وتعريف المسلمين أن عادة الرسل أن تبتلى، وتكون لها العاقبة، كما تقدم فى قصة هرقل مع
أبى سفيان، والحكمة فى ذلك أنهم لوانتصروا دائما دخل فى المؤمنين من ليس منهم، ولم يتميز
الصادق من غيره، ولوانكسروا دائما لم يحصل المقصود من البعثة، فاقتضت الحكمة الجمع بين
الأمرين، لتمييز الصادق من الكاذب، وذلك أن نفاق المنافقين كان مخفيا عن المسلمين، فلما جرت
هذه القصة، وأظهر أهل النفاق ما أظهروا من الفعل والقول عاد التلويح صريحا وعرف المسلمون أن
لهم عدوا فى دورهم، فاستعدوا لهم، وتحرزوا منهم.
ج- ومنها أن فى تأخير النصر فى بعض المواطن هضما للنفس، وكسرا لشماختها، فلما ابتلى
المؤمنون صبروا وجزع المنافقون.
د- ومنها أن اللَّه هيأ لعباده المؤمنين منازل فى دار كرامته، لا تبلغها أعمالهم، فقيض لهم أسباب
الابتلاء والمحن، ليصلوا إليها.
هـ- ومنها أن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء، فساقها إليهم.
و- ومنها أنه أراد إهلاك أعدائه، فقيض لهم الأسباب التى يستوجبون بها ذلك من كفرهم وبغيهم
وطغيانهم فى أذى أوليائه، فمحص بذلك ذنوب المؤمنين، ومحق بذلك الكافرين.
ز- وفى هدا وقوع الانتقام والابتلاء بالأنبياء، صلوات الله وسلامه عليهم لينالوا جزيل الأجر، قاله
النووى، وقال القاضى: ولبعلم أنهم من البشر، تصيبهم محن الدنيا، ويطرأ على أجسامهم ما يطرأ على
أجسام البشر، ليتيقنوا أنهم مخلوقون مربوبون ولا يفتتن بما ظهر على أيديهم من المعجزات وتلبيس
الشيطان من أمرهم ما لبسه على النصارى، وغيرهم. اهـ وليعظم لهم الأجر، وتزداد درجاتهم رفعة،
وليتأسى بهم أتباعهم فى الصبر على المكاره، والعاقبة للمتقين.
ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم
١- من لبس رسول اللَّه ◌ُ﴿ البيضة على رأسه فى الحرب استحباب لبسها هى والدروع وغيرها من
أسباب التحصن والتوقى فى الحرب، وأن ذلك لا يقدح فى التوكل.
٢- ومن موقف الأنصار السبعة واستشهادهم فى الدفاع عن الرسول 8 مدى شجاعتهم وإيمانهم
وتضحيتهم فداء لرسول اللَّه ◌ِ ال﴾.
٣- فى الأحاديث منقبة وفضيلة لطلحة وسعد لثباتهما وعدم فرارهما مع الشدة.
٣٠٤

٤- فى علاج فاطمة رضى اللَّه عنها لجروح رسول اللّه جواز العلاج والمداواة، وأنها لا
تقدح فى التوكل.
٥- قال المهلب: فيه أن قطع الدم بالرماد كان معلوما عندهم، لا سيما إن كان الحصير من ديس
السعد، فهى معلومة بالقبض، وطيب الرائحة، فالقبض يسد أفواه الجرح، وطيب الرائحة يذهب
بزهم الدم، وأما غسل الدم أولا فينبغى أن يكون إذا كان الجرح غير غائر، أما لو كان غائرا، فلا
يؤمن معه ضرر الماء إذا صب فيه.اهـ وقد ظن أبو الحسن القابسى أن هذه الخاصية لنوع معين
من الحصير، فقال:
وددنا لو علمنا ذلك الحصير مم كان؟ لنتخذه دواء لقطع الدم. وقال ابن بطال: زعم أهل الطب أن
الحصير بأنواعه إذا أحرقت تبطل زيادة الدم، بل الرماد كله كدلك، لأن الرماد من شأنه القبض،
ولهذا ترجم الترمذى لهذا الحديث بعنوان (التداوى بالرماد).
والظاهر أن كتم منافذ الدم بأى شيء يمنع تدفقه، وشرطه أن يكون معقما غير ملوث. قالوا: وأهم
التعقيم ما كان بالنار، فالتراب المتخلف عن النار فى مثل هذه الحالة خير ما يسد منافذ
الجروح، وبعض الناس كانوا يستخدمون مسحوق البن الخاص بالقهوة المصرية بدلا من رماد
الحصير، وليس معنى ذلك أن هذه الوسيلة خير من الوسائل الطبية الحديثة، ولكنها كانت أفضل
الوسائل المتاحة فى عصرها وظروفها.
٦- وفى الأحاديث أنه ينبغى للمرء أن يتذكر نعمة الله تعالى عليه، وأن يعترف بالتقصير، فإن النعم
تظهر قيمتها عند فقدها، وقديما قالوا: الصحة ناج على رءوس الأصحاء، لا يراه إلا المرضى.
٧- واستفيد من هذه الحادثة أحد الصحابة حذرهم من العود لمثلها، والمبالغة فى الطاعة والتحرز
من العدو المنافق بينهم، وإلى ذلك أشار تعالى بقوله فى سورة آل عمران ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا
بَيْنَ النَّاس.﴾ [آل عمران: ١٤٠] إلى أن قال: ﴿وَلِيُمَخِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِيَنَ﴾
وقال: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزُ الْخَبِيثَ مِن الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ
لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩].
٨- ومن الرواية الخامسة ما كان عليه الأنبياء من الحلم والصبر، وعفوهم عن أعدائهم الذين آذوهم،
والدعاء لهم بالهداية والمغفرة، فترتفع بذلك درجاتهم، ويتأسى بهم أتباعهم.
والله اعلم
٣٠٥

(٤٩٦) باب ما لقى النبى * من أذى المشركين والمنافقين
٤٠٨٧-١٠٧ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﴾(١٠٧) قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِم ◌َ﴿ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ، وَأَبُو
جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ. وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالأَمْسِ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلا
جَزُورٍ بَنِي فُلانٍ فَيَأْخُذُهُ فَيَضَعُهُ فِي كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَالْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ، فَأَخَذَهُ فَلَمَّا
سَجَدَ النّبِيُّ ◌َ﴿هُ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. قَالَ: فَاسْتَضْحَكُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ. وَأَنّا
قَائِمٌ أَنْظُرُ لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَخْتُهُ عَنِ ظَهْرٍ رَسُولِ اللَّهِعَ﴿. وَالنَّبِيُّفَ سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ
رَأْسَهُ. حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ فَأَخْبُرَ فَاطِمَةَ، فَجَاءَتْ وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ، ثُمَّ أَقْلَّتْ عَلَيْهِمْ
تَشِْمُهُمْ. فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ◌َّ صَلاَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ، وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلاثًا.
وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلاَثًا. ثُمَّ قَالَ «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ» ثَلاثَ مَرَّاتٍ. فَلَمَّا سَمِعُوا صَوَّتَهُ ذَهَبَ
عَنْهُمُ الضَّحْكُ وَخَافُوا دَعْوَتَهُ، ثُمَّ قَالَ «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ،
وَشَيْئَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ ابْنِ أَبِي مُعَيْطٍ» (وَذَكَرَ السَّابِعَ وَلَمْ
أَحْفَظْهُ). فَوَالْذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا ﴿ّ بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ سُحِبُوا
إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ. قَالَ أَبُو إِسْحَقَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ عَلَطٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.
٤٠٨٨ - شْ عَن عَبْدِ اللَّهِ صَ﴾(١٠٨) قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ: ﴿ّسَاجِدٌ، وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِن
قُرَيْشٍ، إِذْ جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِسَلَا جَزُورٍ فَقَذَفَهُ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ِ. فَلَمْ يَرْفَعْ
رَأْسَهُ. فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَخَذَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَّعَ ذَلِكَ. فَقَالَ «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ
الْمَلَّ مِنْ قُرَيْشٍ: أَبَا جَهْلِ ابْنَ هِشَامٍ، وَعُثْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُقْبَةَ ابْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَشَيْئَةَ بْنَ رَبِيعَةً،
وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، أَوْ أَبَيَّ بْنَ خَلَفٍ (شُعْبَةُ الشَّاكُّ» قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَأَلْقُوا فِي
بِثْرٍ، غَيْرَ أَنَّ أُمَيَّةً أَوْ أُبَّا تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ فَلَمْ يُلْقَ فِي الْبِعْرِ.
٤٠٨٩- ٩ ١ وفي رواية عَن أَبِي إِسْحَقَ(١٠٩) بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ وَزَادَ وَكَانَ يَسْتَحِبُّ ثَلاثًا
يَقُولُ «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ» ثَلاَثًا وَذَكَرَ فِيهِمُ
الْوَلِيدَ بْنَ عُثْبَةً وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، وَلَمْ يَشُكَّ. قَالَ أَبُو إِسْحَقَ: وَنَسِيتُ السَّابِعَ.
(١٠٧) وَحَدَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَّرَ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ أَبَانَ الْجُعْفِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ يَعْنِ ابْنَ سُلَيْمَانُ عَن ذَكَرِيَّاءً عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَن
عَمْرِو بْنِ مَيْمُونِ الأَوْدِيِّ عَنِ ابْنٍ مُسْعُودَ
(١٠٨) حَّدْثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ وَالِلَّفْظُ لابْنِ الْمُثِى قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةٌ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا
إِسْحَقَ يُحَدِّثُ عَنِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونِ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ
(١٠٩) وحَدَّثََّا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَّيْبَةً حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ
٣٠٦

٤٠٩٠ - ٠ لما عَن عَبْدِ اللَّهِ ﴾(١١١) قَالَ: اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ: ﴿ِ الْبَيْتَ فَدَعَا عَلَى سِتَّةِ نَفٍَ
مِن قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِعَةَ، وَشَيْئَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي
مُعَيْطٍ. فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى عَلَى بَدْرٍ، قَدْ غَيَّرَتُهُمُ الشَّمْسُ وَكَانُ يَوْمًا حَارًا.
٤٠٩١ - لإِ عَنْ عَائِشَةَ(١١) زَوْجِ النّبِيِّمَ﴿ رضي اللَّه عنها أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ وَلِ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِن يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ «لَقَدْ لَقِيتُ مِن قَوْمِكِ وَكَانَ أَشَدَّ
مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقْبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلالٍ، فَلَمْ يُجِيْنِي
إِلَى مَا أَرَدْتُ. فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي. فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي
فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلّْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ
سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ،
قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ،
وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ فَمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ
الأَخْشَيْنِ» فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ّ «بَلْ أَرْجُو أَن يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ
وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا».
٤٠٩٢ - ٢ ١١ عَن جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ رِ﴾(١١٢) قَالَ: دَمِيَتْ إِصْبَعُ رَسُولِ اللّهِ ﴿هُ فِي بَعْضٍ
تِلْكَ الْمَشَاهِدِ فَقَالَ:
«هَلْ أَنْتِ إِلا إِصْبَعٌ دَمِيتِ .. وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتٍ».
٤٠٩٣- ١٣ وفي رواية عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ(١١٣) بِهَذَا الإِسْنَادِ وَقَالَ: كَانٌ رَسُولُ اللَّهِعَ
فِي غَارٍ فُكِبَتْ إِصْبَعُهُ.
٤٠٩٤- ٤َمِد عَن جُنْدُبٍ ﴾(١١٤) قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِوَ ﴿َ. فَقَالَ
الْمُشْرِكُونَ: قَدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَالضُّحَىِهِ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىهَ مَا
وَدَّعَكَ رَّبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى/١ و٢ و٣].
(١١٠) وحَدَّثِّي سَّلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ حَدْثَنَا زُهَيْرٌ حَدْثَنَا أَبُو إِسْحَقَ عَنِ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونِ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ
(١١١) وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَّرْحٍ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْبَى وَعَمْرُوَ بْنُ سَوَّادٍ الْعَامِرِيُّ وَاَلْفَاظُهُمْ مُتَقَّارِبَةٌ قَالُوا حَدَّثَنَا
ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِيَ يُونُسُ عَنِ ابْنَ شِهَاَبٍ حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةً حَدَّثُْ
(١١٢) حَدَثَّا يَحْتِى بْنُ يَخْتِي وَقُتِبَةُ بَّنُ سَّعِيدٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي عَوَانَةً قَالَّ يَحْيِى أَخْبُرَنَا أَبُو عَوَالَةَ عَنِ الأَسْوَدِ بْنٍ قَيْسٍ عَنْ جُنْدُبِ
(١١٣) وَحَدَّثَّاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَّمِيعًا عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ
(١١٤) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنَّ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ أَنْهُ سَمِعَ جُنْدُبَّا يَقُولُ
٣٠٧

٤٠٩٥- ١١٥ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَان ◌َ﴾(١١٥) قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَيْنِ
أَوْ ثَلاَثًا فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَكُونُ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ لَمْ أَرَهُ
قَرِبَكَ مُنْذُ لَيْلَيْنِ أَوْ ثَلاثٍ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَالضُّحَىِهِ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىهَ مَا
وَدَّعَكَ رَّبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.
٤٠٩٦ - ١١٦ عَنِ عُرْوَةً(١١٦) أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ◌َّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الَّبِيَّ :﴿ْ رَكِبَ حِمَارًا عَلَيْهِ
إِكّافٌ تَحْتَهُ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ، وَأَرْدَفَ وَرَاءَهُ أُسَامَةً وَهُوَ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ
الْخَزْرَجِ وَذَاكَ قَبْلَ وَفْعَةٍ بَدْرٍ، حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبْدَةِ
الأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ، فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ وَفِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةً. فَلَمَّا غَشِيَتِ
الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ، خَمَّرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبَيِّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ. ثُمَّ قَالَ لا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا. فَسَلَّمَ
عَلَيْهِمُ النّبِيُّ ◌َ ثُمَّ وَقَفَ فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ:
أَيُّهَا الْمَرْءُ لا أَحْسَنَ مِن هَذَا إِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا: فَلا تُؤْذِنَا فِي مَجَالِسِنَا وَارْجِعْ إِلَى
رَحْلِكَ، فَمَنْ جَاءَكَ مِنَّا فَاقْصُصْ عَلَيْهِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: اغْشَنَا فِي مَجَالِسِنَا فَإِنَّا
نُحِبُّ ذَلِكَ. قَالَ: فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَتَوَاثَّبُوا. فَلَمْ يَزَّلِ
النَّبِيُّ ◌َّ يُخَفْضُهُمْ، ثُمَّ رَكِبَ دَابْتَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلّى سَعْدِ ابْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ «أَيْ سَعْدُ أَلَمْ
تَسْمَعْ إِلَى مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ؟ (يُرِيدُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبَيِّ) قَالَ كَذَا وَكَذَا» قَالَ اعْفُ عَنْهُ يَا
رَسُولَ اللَّهِ، وَاصْفَحْ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَعْطَاكَ اللَّهُ الَّذِي أَعْطَاكَ، وَلَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ أَنْ
يُتَوِّجُوهُ فَيُعَصِّبُوهُ بِالْعِصَابَةِ. فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الْذِي أَعْطَاكَهُ شَرِقَ بِذَلِكَ فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ
مَا رَأَيْتَ فَعَفَا عَنْهُ النّبِيُّ ◌َِ.
٤٠٩٧ - - وفي رواية عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ وَزَادَ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ
يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ.
(١١٥) حَدَّثَّا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَاللَّفْظُ لابْنِ رَافِعٍ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبُرَنَا وقَالَ ابْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا
زُهَيْرٌ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنَ قَيْسِ قَالَ سَمِعْتُ جُنْدُبَ بْنِ سُفْيَانٌ
- وحَدَّنَا أَبُو بَكْرِ بَّنِ أَبِيِّ شَيْئَةً وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَابْنُ بَشَّارِ قَالُوا حَدََّنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنِ شُعْبَةٌ حٍ وَحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَا الْمُّلَائِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَّاكُ كِلاهُمَا عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَ حَدِيثِهْمًا.
(١١٦) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنَ رَافِعٍ وَعَبْدَ بْنُ حُمَّيْدٍ وَاللَّفْظُ لابْنِ رَافِعٍ قَالَ ابْنُ رَافِعٍ حَدَّثْنَا وَقَالَ الآخَرَانِ
أَخْبَرَنَا عَبَدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَّةً
- حَدَّثِّي مُحَمَّدُ بَّنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا حُجَيْنٌ يَغَِّي ابْنَ الْمُثَنِّى حَدََّا لَيْثٌ عَنْ عُقَيْلٍ
٣٠٨

٤٠٩٨- ١١٧ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكِ ﴾(١١٧) قَالَ: قِيلَ لِلَّبِيِّ ◌َ﴿ لَوْ أَنْتَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبَيِّ.
قَالَ فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ وَرَكِبَ حِمَارًا، وَانْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ، وَهِيَ أَرْضٌ سَبَخَةٌ. فَلَمَّا أَتَاهُ الَّبِيُّ ◌َلَ.
قَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي فَوَ اللَّهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ حِمَارِكَ. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: وَاللَّهِ لَحِمَارٌ
رَسُولِ اللَّهِ ﴿ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ. قَالَ: فَغَضِبٌ لِعَبْدِ اللَّهِ رَجُلٌ مِن قَوْمِهِ. قَالَ: فَغَضِبَ لِكُلِّ
وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ. قَالَ: فَكَانَ بَيْنَهُمْ ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ وَبِالأَيْدِي وَبِالْعَالِ. قَالَ: فَبَلَغَا أَنَّهَا
تَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿وَإِنْ طَائِفْتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات/٩].
المعنى العام
تحمل الأذى فى سبيل اللَّه والدعوة إليه شأن الرسل وأصحابهم منذ بعث اللّه الرسل إلى البشر،
وتكذيب الأمم لرسلهم، وإيذاؤهم لهم قديم وأليم، وصل إلى درجة قتل الأنبياء بغير حق، ووصل إلى شق
الأتباع بالمنشار لمجرد أنهم يقولون: ربنا الله. ومن قبل قال فرعون لموسى التليف: ﴿قَالَ لَئِنْ اتَّخَذْتَ
إِلَهٌ غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِن الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] وقال لأنباع موسى التُّ ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ
وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلَِّنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٤].
وما يعرض فى هذا الباب من الأحاديث مثل لما لقى صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين
والمنافقين، وليس شرطا أن يكون المثال أعلى الدرجات، فقد يكون التمثيل بما هو أقل، إشارة لما
هو أكبر وأعظم، ولقد وقف مشركو مكة من دعوة محمد # موقف المعارضة والتسفيه منذ اللحظة
الأولى، ومنذ قال أبو لهب: تبالك. ألهذا جمعتنا؟
ولقد كان النبى 18: يعبد الله فى المسجد الحرام عند الكعبة، كما كانوا يسجدون لأصنامهم هناك،
ولم يكونوا يتعرضون له فى عهد عمه أبى طالب الذى كان يحميه من أذاهم، وكانوا يخشونه ويهابونه،
فلما مات أبو طالب بعد عشر سنوات من البعثة والحماية بدأ المشركون النيل والإيذاء المباشر
لرسول اللَّهَ﴾، وأكبر الإيذاء هو إيذاء السخرية والتنكيل والاستهزاء، وقد لجأ إلى ذلك فريق من
الجالسين فى المسجد حول الكعبة بزعامة أبى جهل رأوه صلى الله عليه وسلم قد دخل، فوقف، فبدأ
يصلى صلاتنا، وهم يعلمون أنها ذات ركوع وسجود، فقال أبوجهل: من منكم يذهب إلى بيت فلان،
وقد ولدت ناقته منذ قليل، فيأتى لنا بكيس مولودها بقذارته، فيضعه على رقبة محمد إذا سجد؟ فقال
عقبة: أنا آتيك به، فذهب، فجاء به فوضعه على رقبة رسول اللَّه {َ* وهو ساجد، ولم يرفع رسول الله
# رأسه، خشية أن يصيب ثيابه وبدنه أوساخ هذا الفرث وتضاحك المشركون، ولم يستطع أحد من
ضعفاء المسلمين كابن مسعود أن يفعل شيئا وهو يشاهد هذا المنظر الأليم، خوفا من هؤلاء
الصناديد، فأرسلوا إلى فاطمة رضى الله عنها سرا يخبرونها، فجاءت والبيت قريب، ورفعت الفرث
(١١٧) حَذََّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى الْقَيْسِيُّ حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَنَسِ
٣٠٩

عن أبيها، واتجهت إليهم تشتمهم وتسبهم، فلم يردوا عليها، فلما انتهى صلى الله عليه وسلم من صلاته
توجه إلى الكعبة ورفع يديه ودعا على زعماء قريش الجالسين، أصحاب هذا التخطيط والراضين عنه،
وكرر الدعاء ثلاثا وكتم المشركون أنفاسهم، واستبد الخوف والرعب بهم، يخافون على أنفسهم من
دعائه صلى الله عليه وسلم، ولم تمض بضع سنوات، بل لم تمض أربع سنوات حتى صرعهم اللَّه فى
غزوة بدر، وألقيت جثثهم فى بئر، بعد أن صارت جيفة، وتحقق فيهم ما دعا به صلى الله عليه وسلم.
ولما ابتلى رسول اللَّه :﴿ فى غزوة أحد، وكسرت سنه، وجرح وجهه، وشجت رأسه، وسال الدم
منه على وجهه الشريف، ورأت عائشة زوجه رضى الله عنها هذا المنظر الصعب واسته رضى الله عنها
بقولها: هل رأيت شدة وأذى فى حياتك يا رسول اللّه آلم من هذا الذى حدث لك؟ قال لها: إن الآلام
الجسدية قد تهون، ولكن الصعب الآلام النفسية، ولقد رأيت من قريش من الآلام النفسية الشىء
الكثير، وأصعب ما رأيت منها يوم ذهبت إلى الطائف، أستجير بزعيمها ابن عبد ياليل من إيذاء أهل
مكة لى بعد موت أبى طالب، طلبت منه أن يحمينى من أذاهم - وكان من عادة العرب إذا أعلن كبير
حماية أحد أو أنه فى جواره لم يتعرض له، ويصبح أذاه من أذاه، واستمر فى الإسلام أن يجير
المسلمون من أجاره واحد منهم - وأقمت فى الطائف عشرة أيام أستعطفهم حمايتى، وتمكينى من
تبليغ دعوة ربى، فسخروا منى، وقالوا إن قومك الذين آذوك ويؤذونك أعلم بك منا، ولولا أنك تستحق
ما آذوك، وأغروا بي سفهاءهم وصببانهم، يتبعوننى بالشتم والاستهزاء وقذف الحجارة حتى أدموا
قدمى، وسرت لا أدرى إلى أين أسير، مهموما، مهزوما، مشغولا بما أنا فيه، وقد كنت كالمستجبر من
الرمضاء بالنار، ولم أنتبه لنفسى، ولم أستفق من غشيتى إلا بعد عدة أميال فى طريق وصلت فيه إلى
ما يعرف بقرن الثعالب، وقد رجع السفهاء والصبية، فوقفت وأسندت ظهرى إلى سور حديقة،
ورفعت رأسى إلى السماء أقول: اللّهم أنت ربى. لا إله إلا أنت. أنت رب المستضعفين، وأنت ربى،
إلى من تكلنى؟ إن لم يكن بك غضب على فلا أبالى، ثم أظلتنى سحابة، فرفعت رأسى إلى السماء،
فنظرت، فإذا فيها جبريل القلّة، فناداني: يا محمد. إن الله عزوجل قد سمع قول قومك لك، وقد بعث
إليك ملك الجبال، لتأمره بما شئت فى قومك. فنادانى الملك الموكل بالجبال: يا محمد. إن اللَّه
عزوجل قد سمع ما رد به قومك عليك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثنى ربك لأأتمر بأمرك، إن شئت
أطبقت عليهم الجبلين المحيطين بهم. فبماذا تأمرنى؟ فقال رسول اللَّه ﴿، بل أعفو وأصفح وأسأل
الله أن يهديهم إلى الإسلام، فإن لم يسلموا فأرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا
يشرك به شيئا.
فصدق اللَّه العظيم إذ يقول ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِن أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ
بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
نعم. لقد كانت يد الرحمن الرحيم تحنوعلى محمد # كلما أوذى، وتأسو جراحه كلما جرح،
فحينما فرح المشركون بتأخر نزول الوحى، وأظهروا الشماتة، وقالوا: ودع رب محمد محمدا، وأبغضه
وقلاه، نزل قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى﴾ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىهَ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ولم يقتصر الأذى
٣١٠

الذى لحق برسول الله على كفار قريش فى مكة، بل كان العدو الثانى له بالمدينة المنافقون،
الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، والذين ينتهزون الفرص لإبداء البغضاء من أفواههم، فهذا عبد
الله بن أبى رأس المنافقين، قبل أن يظهر إسلامه كان يجمع علانية بعض المسلمين وبعض
المشركين كزعيم لهم، يجلس معهم مجلس رئيس القوم، فقد كان أهل المدينة يعدون له التاج،
ليضعوه فوق رأسه علامة على رئاسته وملكه، فلما أتى الله بمحمد﴿ إلى المدينة، وتقلد أمور
أصحابه، وصار كحاكم عام للمدينة ضاع الملك على عبد الله بن أبى، فحقد وحسد.
وأصبح يؤذى رسول اللّه # كلما سنحت له الفرصة، وأشار بعض الصحابة على رسول الله ولا
أن يلتقى بعبد الله بن أبى، وأن يعرض عليه الإسلام برفق، لعله يرضى غروره، ويستحى ويسلم، فقال:
حسنا، سأفعل ذلك فى طريقى لعيادة سعد بن عبادة، فهو مريض، وركب حمارا، وسار ومعه بعض
الصحابة، حتى وصلوا مجلس عبد الله بن أبى فى أرض ترابية سبخة، ارتفع غبارها بإثارة القوم،
فوضع عبد الله بن أبى يده على أنفه يسدها من التراب، وليظهر التأدى من رائحة حمار رسول الله
وَ﴿، ووقف رسول الله:﴿ وسلم، ونزل عن حماره، ودعاه إلى الإسلام، فقال عبد الله بن أبى: أيها المرء.
لقد آذيتنا بغبارك، وآذيتنا بنتن حمارك، فأمسك ما تقول، واجلس فى بيتك، فمن أراد ما تقول ذهب
إليك، وثار الصحابى الجليل، عبد الله بن رواحة، وكان جالسا فى مجلس عبد الله بن أبى، فقال له:
والله إن ريح حمار رسول اللَّه:﴿ أطيب ريحا منك، وغضب مع ابن رواحة أناس، وتشابكت أيدى
الفريقين، فهدأهم رسول اللّه *، ثم أكمل مسيره إلى عيادة سعد بن عبادة، وشكا إليه ما قال ابن
أبى، فقال له سعد: اعف عنه يارسول اللّه واعذره وقدر ظروفه، فقد كان يعد نفسه ليكون ملكا على
المدينة، فلم يرد اللَّه له ذلك فهو موتور، فاعف عنه، فعفا عنه، ولم يجد ابن أبى مخرجا من الحلقة
التى ضاقت عليه بإسلام من حوله واحدا بعد الآخر، فلجأ إلى إعلان إسلامه، وبقى رأس المنافقين.
المباحث العربية
(بينما رسول الله ﴿ يصلى عند البيت) ((البيت)) علم بالغلبة على الكعبة، وعند البخارى
((كان النبى # يصلى فى ظل الكعبة)).
(وأبو جهل وأصحاب له جلوس) عند البيت أيضا، وأصحابه هم السبعة المدعو عليهم بعد.
وفى الرواية الثانية ((وحوله ناس من قريش)).
(وقد نحرت جزور بالأمس) الجزور من الإبل، بفتح الجيم، ما يجزر، أى يقطع، وفى كتب
اللغة: الجزور ما يصلح لأن يذبح من الإبل، ولفظه أنثى، يقال للبعير: هذه جزور سمينة.
(فقال أبوجهل) فى رواية للبخارى ((إذ قال بعضهم لبعض)) فالمراد من البعض
القائل أبو جهل.
٣١١

(أيكم يقوم إلى سلا جزور بنى فلان فيأخذه، فيضعه فى كتفى محمد إذا سجد) فى
الكلام هنا حذف، والأصل: فيأخذه، فيجىء به، فيضعه .. الخ، وعند البخاري ((أيكم يجىء بسلا جزور
بنى فلان، فيضعه على ظهر محمد إذا سجد)»؟ والسلا مقصور، بفتح السبن وتخفيف اللام وهو اللفافة
التى يكون فيها الولد فى بطن الناقة وسائر الحيوان، وهو غشاء رقيق، ويسمى من الآدمية ((المشيمة)).
(فانبعث أشقى القوم، فأخذه، فلما سجد النبى ® وضعه بين كتفيه) فى الكلام
حذف، أى فذهب أشقى القوم، فأخذه، فجاء به، فانتظر حتى سجد فلما سجد وضعه، يقال: بعثه
يبعثه بفتح العين، أى أرسله وحده فانبعث، وفى رواية ((أشقى قوم)) بالتنكير، ففيه مبالغة، أى
أشقى الناس عموما، لكن المقام يقتضى الأول، لأن الشقاء هنا بالنسبة إلى هؤلاء القوم المعهودين،
والمراد من أشقى القوم هنا عقبة بن أبي معيط كما صرح به فى الرواية الثانية، وظاهر الرواية الثانية
أن عقدة فعل ذلك ابتداء، دون إرسال، لكنه محمول على الرواية الأولى، ففى الرواية الثانية اختصار.
(فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض) السين والتاء للصيرورة، أو للطلب، بأن
طلب كل منهم من نفسه الضحك، أو طلب بعضهم من بعض أن يضحك، ويميل بعضهم على بعض
من كثرة الضحك، وفى رواية للبخارى ((فجعلوا يضحكون، ويحيل بعضهم على بعض)) بالحاء بدل
الميم، قال الحافظ ابن حجر: من الإحالة، والمراد أن بعضهم ينسب فعل ذلك إلى بعض بالإشارة
تهكما، ويحتمل أن يكون من حال يحيل - بالفتح - إذا وثب على ظهر دابته، أى يثب بعضهم على
بعض من المرح والبطر.
(وأنا قائم أنظر) ما فعلوا لا أستطيع أن أتكلم أو أفعل شيئا. وهذا كلام ابن مسعود.
(لوكانت لى منعة طرحته عن ظهر رسول الله ( لا) المنعة بفتح النون القوة، وحكى
إسكان النون، وهو ضعيف، وجزم القرطبى بسكون النون، قال: ويجوز الفتح على أنه جمع مانع،
ككاتب وكتبة، وإنما قال ابن مسعود ذلك لأنه لم يكن له بمكة عشبرة، لكونه هذليا حليفا، وكان
حلفاؤه إذ ذاك كفارا. وجاء عند البزار ((فأنا أرهب)) أى أخاف منهم، وفى رواية البخارى ((لا أغنى
شيئًا)) وفى رواية ((لا أغير شيئا)) أى لا أغنى فى كف شرهم، أو لا أغير شيئا من فعلهم.
(ما يرفع رأسه) مخافة أن يلوث أكثر مما لوث، وفى رواية ((وثبت النبى {# ساجدا».
(حتى انطلق إنسان، فأخبر فاطمة، فجاءت، وهى جويرية) فى الرواية الثانية
((فجاءت فاطمة)) ففيها حذف، وفى رواية ((فأقبلت تسعى)) وفاطمة بنت رسول اللّه * كانت
صغيرة، والجارية الفتية الصغيرة، قيل: لأنها تجرى من مكان إلى مكان تلعب، دون قيود الفتاة.
(فطرحته عنه) فى الرواية الثانية «فأخذته عن ظهره)) أى وطرحته بعيدا عنه.
(ثم أقبلت عليهم تشتمهم) يقال: شتمه بفتح التاء، يشتمه بضمها وكسرها، سبه
٣١٢

وذكره بقبيح الكلام، وفى الرواية الثانية ((ودعت على من صنع ذلك)) زاد البزار ((فلم يردوا
عليها شيئا)).
(فلما قضى النبى - صلاته رفع صوته، ثم دعا عليهم) يحتمل أن المعنى رفع صوته
بالدعاء عليهم، لكن روايات أخرى تدل على أنه صلى الله عليه وسلم رفع صوته بكلام آخر، قبل الدعاء
عليهم، فعند البزار ((رفع رأسه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد. اللَّهم .. )) قال الحافظ ابن
حجر: والتعبير بثم يشعر بمهلة بين الرفع والدعاء، وروايتنا صريحة فى أن الكلام والدعاء عليهم كان
خارج الصلاة، لكنه رفع وهو مستقبل الكعبة، كما ثبت فى الرواية الثالثة.
(ثم دعا عليهم، ثم قال: اللّهم عليك بقريش) العطف تفسيرى، فالدعاء عليهم هو قوله: اللّهم
عليك بقريش، وفيها مضاف محذوف، أى عليك بإهلاك قريش، والمراد الكفار منهم، أو من سمى
منهم، فهو عام أريد به الخصوص. و((عليك)) اسم فعل بمعنى التزم، أو الزم.
وفى الرواية الثانية ((اللَّهم عليك الملأ من قريش)) أى هذه الجماعة من قريش.
(ثلاث مرات) فى بعض روايات الصحيح ((اللَّهم عليك بقريش. اللَّهم عليك بقريش. اللَّهم عليك
بقريش)» مكررة لفظا، لا عددا، وهو المراد الذى وقع.
(فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته) فى رواية البخارى ((فشق عليهم
إذ دعا عليهم، وكانوا يرون أن الدعوة فى ذلك البلد مستجابة)) أى وكانوا يعتقدون أن الدعوة فى مكة
وفى الحرم مستجابة، ويمكن أن يكون ذلك مما بقى عندهم من شريعة إبراهيم العليا.
(ثم قال: اللَّهم عليك بأبى جهل بن هشام) أى التزم بإهلاك أبى جهل، وفى رواية ((اللَّهم
عليك بعمرو بن هشام، وهو اسم أبى جهل، فلعله سماه وكناه معا.
(وعتبة بن ربيعة) فى رواية البخارى ((وعليك بعتبة بن ربيعة)).
(والوليد بن عقبة) هكذا الرواية هنا ((عقبة)) بالقاف، وهى وهم قديم، نبه عليه ابن سفيان
الراوى عن مسلم، قال أبو إسحق فى آخر الرواية: الوليد بن عقبة غلط فى هذا الحديث.
ورواها البخارى على الصواب ((بن عتبة)» بالتاء، وكذا فى ملحق الرواية الثانية، والوليد هذا هو ابن
عتبة بن ربيعة المدعو عليه، قال النووي: قال العلماء: الوليد بن عقبة بالقاف هو ابن أبي معيط، ولم
يكن ذلك الوقت موجودا، أو كان طفلا صغيرا جدا، فقد أتى به النبى 8# يوم الفتح وهو قد ناهز
الاحتلام، ليمسح على رأسه.
(وأمية بن خلف) كذا ذكر فى الرواية الأولى والثالثة بدون شك، وهو الصحيح، وفى
الرواية الثانية ((أمية بن خلف أو أبى بن خلف)) الشك من شعبة الراوى عن أبى إسحق
الراوى عن عمرو بن ميمون الراوى عن عبد الله بن مسعود، والصحيح أمية، فقد أطبق
٣١٣

أصحاب السير والمغازى على أن المقتول ببدر أمبة، وعلى أن أخاه ((أبيا)) قتل بأحد.
(وعقبة بن أبي معيط) بضم الميم وفتح العين.
(وذكر السابع ولم أحفظه) فى ملحق الرواية الثانية ((قال أبو إسحق: ونسيت السابع))
فالذى ذكر السابع لأبى إسحق شيخه عمرو بن ميمون، وفى رواية البخارى ((وعد السابع فلم نحفظه))
قال الكرمانى: فاعل ((عد)) رسول اللَّه ﴿، أوابن مسعود، وفاعل ((فلم نحفظه)) ابن مسعود أو عمرو بن
ميمون.اهـ وهو مستبعد مع صريح رواية مسلم، ((قال ابن إسحق: ونسيت السابع)) قال الحافظ ابن
حجر: على أن أبا إسحق قد تذكره مرة أخرى، فسماه عمارة بن الوليد، كذا أخرجه البخارى فى
الصلاة، وعلى هذا ففاعل ((ذكر)) و((عد)) عمرو بن ميمون، قال: واستشكل بعضهم عد عمارة بن الوليد
فى المذكورين، لأنه لم يقتل ببدر، بل ذكر أصحاب المغازى أنه مات بأرض الحبشة. والجواب أن
كلام ابن مسعود فى أنه رآهم صرعى فى القليب محمول على الأكثر، ويدل عليه أن عقبة بن أبى
معيط لم يطرح فى القليب، وإنما حمل من بدر أسبرا، وقيل صبرا، بعد أن رحلوا عن بدر مرحلة.
(فوالذى بعث محمداً في# بالحق) فى الرواية الثالثة ((فأقسم بالله)) وفى رواية النسائى
((والذى أنزل عليه الكتاب)» وكأن ابن مسعود قال ذلك تأكبدا.
(لقد رأيت الذين سمى صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب، قليب بدر) مفعول
((سمى)) وهو عائد الصلة محذوف، أى الذين سماهم، والمراد أكثرهم كما سبق، و((القلبب)) بفتح
القاف هو البئر التى لم تطو، أى المحفورة التى لم يتم بناؤها، وقيل: العادية القديمة التى لا يعرف
صاحبها، و((قليب)) من ((قليب بدر)) بالجر، بدل من ((القليب)) وإنما أمر بإلقائهم فى البئر تحقيرا لهم
ولئلا يتأذى الناس بريحهم، ففى الرواية الثالثة ((قد غيرتهم الشمس)) أى غيرت أجسادهم بالانتفاخ
ورائحتهم بالنتن وألوانهم إلى السواد، وقد ببن سبب هذا التغيير السريع بقوله ((وكان يوما حارا)).
وفى الرواية الثانية ((فألقوا فى بئر، غير أن أمية - أو أبيا - تقطعت أوصاله، فلم يلق
فى البئر)) قال النووى: هكذا هو فى بعض النسخ ((فلم يلق)) بالقاف فقط، وفى أكثرها ((فلم
يلقى)) بالألف، وهو جائز على لغة، والأوصال المفاصل. اهـ زاد فى رواية ((تقطعت أوصاله
لأنه كان بادنا)) فمعنى ((فلم يلق فى البئر)) أى لم يلق كاملا متماسكا وإنما ألقى قطعا،
ومن المعلوم أن قتلى بدر من الكفاركانوا نحو السبعين، وكأن الذين طرحوا فى القليب
كانوا الرؤساء منهم، وطرح باقى القتلى فى أمكنة أخرى.
(لقد لقيت من قومك) أى من قريش، والمفعول محذوف للتهويل، ولتذهب النفس فيه أى
مذهب، أى لقيت من قومك الكثير من الأذى والشدة.
(وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة) العقبة فى الأصل المرقى الصعب من الجبال،
والمراد هنا موضع معروف قريب من مكة، وقعت عنده بيعة الأنصار الأولى والثانية.
٣١٤

(إذ عرضت نفسى على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبنى إلى ما أردت) ذكر
ابن إسحق وغيره أن النبى ® كان بعد موت أبى طالب قد خرج إلى ثقيف بالطائف، يدعوهم إلى
نصره، وكان ابن عبد ياليل من أكابر أهل الطائف، من ثقيف قيل هو أحد المقصودين بقوله تعالى
﴿عَلَى رَجُلٍ مِن الْقَرْيَتَيْن عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣] وله أخوان، فعمد إليهم، يشكو إليهم ما أصابه من
قومه، رجاء أن يؤووه، وكان ذلك فى شوال سنة عشر من المبعث، وكان بعد موت أبى طالب
وخديجة، فردوا عليه أقبح رد، وقالوا له: قوم الرجل أعلم به، وأغروا به سفهاءهم وصبيانهم، يجرون
خلفه، يقذفونه بالحجارة، حتى أدموا قدميه صلى الله عليه وسلم.
ومعنى عرض نفسه أنه كان يسألهم أن يؤووه ويمنعوه، يقول: أنا لا أكره أحدا على شىء، بل أريد
أن تمنعوا من يؤذينى، حتى أبلغ رسالة ربى، ويقول: هل من رجل يحملنى إلى قومه؟ فإن قريشا
منعونى أن أبلغ كلام ربى؟
و))ابن عبد ياليل)» بكسر اللام، ابن عبد كلال، بضم الكاف ودخفيف اللام، واسمه كنانة. وقد ذكر
موسى بن عقبة وابن إسحق أن كنانة بن عبد ياليل وفد مع وفد الطائف سنة عشر، فأسلموا، وذكره
ابن عبد البرفى الصحابة لذلك، لكن ذكر المدينى أن الوفد أسلموا إلا كنانة، فخرج إلى الروم، ومات
بها بعد ذلك.
(فانطلقت وأنا مهموم على وجهى) أى على الجهة المواجهة لى، أى أمشى إلى الأمام دون
قصد جهة معبنة، من غيروعى لما حولى من كثرة انشغالى بهمومى.
(فلم أستفق إلا بقرن الثعالب) أصل القرن كل جبل صغير منقطع من جبل كبير، وقرن
الثعالب ويقال له: قرن المنازل هو ميقات أهل نجد، وهو على مرحلتين من مكة أى نحو مائة
وثلاثين ميلا.
حكى القاضى عياض أن بعض الرواة ذكره بفتح الراء، قال: وهو غلط، وحكى القابسى أن من
سكن الراء أراد الجبل، ومن حركها أراد الطريق التى يقرب منه.
وأفاد ابن سعد أن مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بالطائف كانت عشرة أيام.
قال النووى: والمعنى لم أفطن لنفسى وأنتبه لحالى وللموضع الذى أنا ذاهب إليه، وللطريق الذى
أسير فيه إلا عند قرن الثعالب.
(قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك) عائد الصلة محذوف، تقديره: وما ردوا به عليك،
والمراد من قول قومه له: يحتمل أن يكون هو ردهم على عرضه، فالعطف تفسيرى، ويحتمل أن يكون
قولا آخر غير رد العرض، فقد أقام بينهم عشرة أيام كما سبق.
والمراد من الإخبار بالسمح لازمه، وهو الاستجابة لما سمع، والعمل على مقتضاه.
٣١٥

(وقد بعث إليك ملك الجبال) أى الملك الموكل بالجبال.
(لتأمرنى بأمرك) أى لتأمرنى بالأمر الذى تريده، فأنفذه، وعند الطبرانى ((يا محمد إن اللّه
بعثنى إليك، وأنا ملك الجبال، لتأمرنى بأمرك فيما شئت إن شئت)) وفى روايتنا ((فما شئت))؟ وفى
رواية البخارى ((فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم .... )) إلخ فذلك خبر لمبتدأ محذوف
تقديره الأمر ذلك الذى علمته، أو الأمر ذلك الذى أخبرك به جبريل.
(إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين) جزاء الشرط محذوف، تقديره: فعلت، والمراد من
ضمير ((عليهم)) قومه الذين آذوه، وفى مقدمتهم أهل مكة الذين ألجئوه إلى أهل الطائف. والأخشبان
هما جبلا مكة، أبو قبيس والذى يقابله، وهو جبل قيقعان، وقال بعضهم: بل هو الجبل الأحمر الذى
يشرف على قيقعان، ووهم من قال: هو ثور، وسميا بالأخشبين لصلابتهما وغلظ حجارتهما، والخشب
الصلب من النبات، ويقال: خشب بكسر الشين يخشب بفتحها، إذا غلظ وخشن.
(بل أرجو) كذا فى روايتنا وفى أكثر الروايات، وفى بعضها ((أنا أرجو))
(دميت إصبع رسول اللَّه ◌َ﴿ فى بعض تلك المشاهد) وفى ملحق الرواية ((كان رسول
اللَّه ◌ِ﴿ فى غار فنكبت إصبعه)) قال النووى: كذا هو فى الأصول ((فى غار)) قال القاضى عياض: قال
أبو الوليد الكنانى: لعله ((غازيا)) فتصحف، كما قال فى الرواية ((فى بعض المشاهد)) وكما جاء فى
رواية البخارى ((بينما النبى ₪ يمشى إذا أصابه حجر فعثر، فدميت إصبعه)» قال القاضى: وقد يراد
بالغارهنا الجيش، لا الغار الذى هو الكهف، فيوافق رواية ((بعض المشاهد)) اهـ وفى رواية أحمد عن
جندب ◌ّه قال: كنت مع النبى {₪ فى غار)» وظاهر قوله فى البخارى ((أصابه حجر فعثر)» أن الإصبع
كانت من أصابع القدم، لأن العثرة بالقدم، لكن جاء عند الترمذى بلفظ «رمى صلى الله عليه وسلم
بحجر فى إصبعه)) وهى تحتمل إصبع القدم وإصبع اليد. والله أعلم.
ويمكن الجمع بين الروايات باحتمال أن يكون صلى الله عليه وسلم قد دخل مغارة فى بعض
الغزوات فخرج منها يمشى، فاصطدمت قدمه بحجر، فسال الدم من إصبع رجله .. إلخ، قال: دمى
الجرح بفتح الدال وكسر الميم وفتح الياء، يدمى بفتح الميم، أى خرج منه الدم ولم يسل، ويقال: نكبت
الحجارة رجله، أى لثمتها وأدمتها، ونكبت رجله بالبناء للمجهول أى أصيبت بحجر فدميت.
(هل أنت إلا إصبع دميت .. وفى سبيل الله ما لقيت) الاستفهام هنا
إنكارى بمعنى النفى و((ما)) اسم موصول، أى الذى لقيته محسوب فى سبيل اللَّه، قال
النووى: والرواية المعروفة ((دميت)) و((لقيت)) بكسر التاء، وبعضهم أسكنها، وزعم بعضهم أن
النبى # تعمد إسكانها، ليخرج عن الشعر، قال الحافظ ابن حجر: وهو مردود، فإنه يصير
من ضرب إلى آخر من الشعر، قال عياش: وقد غفل بعض الناس، فروى ((دميت)) و((لقيت))
بغير مد، فخالف الرواية، ليسلم من الإشكال، فلم يصب، وقد اختلف هل قاله النبى 8 1
٣١٦

متمثلا؟ أو قاله من قبل نفسه، غير قاصد لإنشائه؟ فخرج موزونا؟ بالأول جزم
الطبرى وغيره.
(أبطأ جبريل على رسول اللَّه ◌َ﴾) أى أبطأ النزول عليه، ومثل ذلك لا يعلم إلا عن طريقه
صلى الله عليه وسلم، فلعله استوحش، فشكا، فعلم بذلك المشركون، والمرأة، فقالوا ما قالوا. وفى مدة
الإبطاء وسببه اختلفت الأخبار، فظاهر الرواية السابعة أنها كانت ليلتين أو ثلاثا، وأخرج ابن أبى
شيبة فى مسنده والطبرانى أنها كانت أربعة أيام، وبسبب جروميت فى بيته، وجد تحت سريره
صلى الله عليه وسلم، وعن ابن جريج أنها كانت اثنى عشر يوما، وعن الكلبى كانت خمسة عشر يوماً،
وعن ابن عباس كانت خمسة وعشرين يوما، وعن السدى ومقاتل كانت أربعين يوما، قال المحققون:
إن مثل هذا مما يتفاوت العلم بمبدئه، ولا يكاد يعلم على التحقيق إلا منه صلى الله عليه وسلم، ولم
يثبت فى ذلك حديث صحيح، وقال جمع من المفسرين فى سبب الإبطاء: إن اليهود سألوه عليه
الصلاة والسلام عن أصحاب الكهف وعن الروح وعن قصة ذى القرنين، فقال صلى اللّه عليه وسلم:
سأخبركم غدا، ولم يقل: إن شاء اللَّه، فاحتبس عنه الوحى.
(فقال المشركون) فى الرواية الثانية ((فجاءت امرأة)) وأخرج الحاكم عن زيد بن أرقم قال
((لما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ قيل لامرأة أبى لهب: إن محمداً فقد هجاك، فأتته عليه الصلاة
والسلام وهو جالس فى الملأ، فقالت: يا محمد، علام تهجونى؟ قال: إنى والله ما هجوتك ما هجاك إلا
اللَّه تعالى، فقالت: هل رأيتنى أحمل حطبا، أو فى جيدى حبلا من مسد؟ ثم انطلقت، فمكث رسول
اللَّهِ ﴿ لا ينزل عليه الوحى، فأتته، فقالت: ما أرى صاحبك إلا قد ودعك وقلاك، فأنزل الله تعالى
﴿وَالضُّحَىهُ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾.
وربط الترمذى بين روايتنا الخامسة والسادسة فى حديث واحد، فبعد أن ذكر بيت الرجز قال:
((فمكث ليلتين أو ثلاثا لا يقوم، فقالت له امرأة: ما أرى شيطانك إلا قد تركك)).
وفى بعض الروايات ما يدل على أن قائل ذلك هو النبى #، وأنه قال لخديجة يشكو إليها: إن
ربى ودعنى وقلانى، فقالت: كلا. والذي بعثك بالحق، فنزلت. وأخرج ابن جرير أن قائل ذلك خديجة،
وفيه ((أبطأ)) جبريل عن النبى *، فجزع جزعا شديدا، فقالت خديجة: أرى ربك قد قلاك، مما أرى
من جزءك، فنزلت ﴿وَالضُّحَى﴾ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ والمعول عليه من هذه الأقوال ما عليه الجمهور،
وصحت به الأخبار أن قائل ذلك هم المشركون.
(قد ودع محمد) بضم الواو، وكسر الدال مشددة، مبنى للمجهول، من التوديع، وتوديع المسافر
فى الأصل من الدعة، وهو أن تدعو للمسافر بأن يرفع الله عنه كآبة السفر، وأن يبلغه الدعة وخفض
العيش، كما أن التسليم دعاء له بالسلامة، ثم صار التوديع متعارفا فى تشييع المسافر وتركه، ثم
استعمل فى الترك مطلقا، وفسر بهذا فى الآية، أى ما تركك ربك.
وقد حمل كلام المشركين هذا على التهكم والسخرية والاستهزاء، لأنهم لا يعتقدون ابتداء أن
لمحمد منزلة من ربه.
٣١٧

وفى الرواية السابعة ((إنى لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك. لم أره قريك منذ ليلتين أو ثلاث)»
قال النووى: ((قريك)) بكسر الراء، والمضارع يقرب بفتحها.اهـ هذا فى المتعدى، أما اللازم فهو قرب
يقرب بضم الراء فيهما، أی دنا.
﴿وَالضُّحَى ﴾ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىهِ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ أقسم سبحانه وتعالى
بالضحى، والمراد به هنا وقت ارتفاع الشمس الذى يلى وقت بروزها للناظرين، وهو وقت
شباب النهار - كما يقولون - والمراد من ((الليل)) جنس الليل ﴿إِذَا سَجَى﴾ أى إذا سكن
أهله، وسكن الناس والأصوات فيه، وهذا فى الغالب ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ﴾ بتشديد الدال على
القراءة الصحيحة المشهورة، التى قرأ بها القراء السبعة، وقرئ فى الشاذ بتخفيفها،
وخرجت على أن ((ودع)) مخفف ((ودع)) بالتشديد، ومعناه معناه، ويعكر عليه قول النحاة:
أماتت العرب ماضى ((يدع)) و((يذر)) ومصدرهما، واسم فاعلهما، واسم مفعولهما، واستغنوا
عن ذلك بـ ((نرك)) لكن بعض النحاة يثبتون ((ودع)) مخففاً ((وما قلى)) أى وما أبغضك،
وحذف المفعول لئلا يواجه صلى الله عليه وسلم بنسبة القلى، لطفاً به، وشفقة عليه. كذا
قال المفسرون.
(ركب حمارا عليه إكاف) بكسر الهمزة وتخفيف الكاف، وهو ما يوضع على الدابة مما يلى
طهرها، كالبرذعة.
(تحته قطيفة فدكية) الضمير فى ((تحته)) للنبى وُلّ، وليس للإكاف، لأن الإكاف يلى الحمار،
والقطيفة فوق الإكاف، والراكب فوق القطيفة، والقطيفة كساء غليظ له حمل، وفى رواية البخارى
((ركب على حمار، على إكاف، على قطيفة فدكية)) قال الحافظ ابن حجر: ((على)» الثالثة بدل من
الثانية، وهى بدل من الأولى. اهـ والبدل على نية تكرار العامل، فيصبح المراد: ركب على حمار، ركب
على إكاف، ركب على قطيفة فدكية، بفتح الفاء والدال وكسر الكاف، نسبة إلى فدك المشهور، كأنها
صنعت فيها، وهى مدينة على مرحلتين من المدينة، وحكى بعضهم أنه جاء فى رواية ((فركبه)) بدل
((فدكية)» وهو تصحيف بين.
(وهو يعود سعد بن عبادة فى بنى الحارث بن الخزرج) أى فى منازل بنى الحارث، وهم
قوم سعد بن عبادة، وفى الرواية التاسعة ((قيل للنبى { *: لو أتيت عبد الله بن أبى؟ قال: فانطلق
إليه)) فهل كان المقصود بالخروج سعدا؟ أو عبد الله بن أبى؟ أوهما؟ الظاهر أن المقصود الأول
سعد، ولقاء عبد اللَّه باعتباره فى الطريق قد قصد أيضاً.
(وذلك قبل وقعة بدر) فى رواية ((قبل وقيعة بدر)) وفى ملحق الرواية الثامنة ((قبل أن يسلم
عبد الله)) أى قبل أن يظهر الإسلام، وإلا فقد كان كافرا منافقا ظاهر النفاق.
(حتى مربمجلس) ((حتى غاية لمحذوف، دل عليه المقام، أى وسار حتى مربمجلس.
٣١٨

(فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود) فى رواية البخارى ((فإذا
فى المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود والمسلمين» بتكرار لفظ
((المسلمين)) والأولى حذف أحدهما.
(فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبى أنفه بردائه، ثم قال: لا
تغبروا علينا) ((عجاجة الدابة)) بفتح العين، وفتح الجيم مخففة، أى غيارها، بسبب ما ارتفع من
غبار حوافرها فى أرض ترابية، فهى الرواية التاسعة ((وهى أرض سبخة)) بفتح السين وكسر الباء،
وهى التى لا تنبت لملوحتها ونعومة ترابها، ومعنى ((خمر أنفه)) أى غطاه، ومعنى ((لا تغبروا علينا))
بضم التاء وفتح الغين وتشديد الباء المكسورة، أى لا يثيروا الغبار علينا، وهذا القول منه كان قبل
وصول النبى ول٣، وقبل أن يسلم عليهم.
(فسلم عليهم) أى ألقى السلام عليهم، وهو على الحمار.
(فدعاهم إلى الله) أى إلى الإسلام.
13
(أيها المرء. لا أحسن من هذا؟) قال النووي: هكذا هو فى جميع نسخ بلادنا، بألف فى
((أحسن)) أى ليس شىء أحسن من هذا؟. اهـ والكلام على الاستفهام، أى هل عندك شيء أحسن مما
تقول؟ وفى رواية البخارى ((إنه لا أحسن مما تقول)) بنصب أحسن على أنه أفعل تفضيل، اسم لا
النافية للجنس، والرفع على أنه خبرلا، والاسم محذوف، أى لا شىء أحسن مما نقول. قال ذلك
تهكما، ووقع فى رواية أخرى ((لأحسن من هذا)) بحذف الألف وفتح السين وضم النون، على أنها لام
القسم، كأنه قال: لأحسن من هذا أن تقعد فى بيتك، وحكى ابن الحوزى تشديد السين بغير نون، من
الحس، بمعنى لا أحس مما تقول شيئا، أى لا أعلم ولا أفهم منه شيئا. وفى رواية ((أيها المرء. الأحسن
من هذا)) أى اذكر الأحسن من هذا. أو الأحسن من هذا أن نقعد فى بيتك ولا تأتينا. وفى الرواية
التاسعة ((إليك عنى، فوالله لقد آذانى نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار» الظاهر أنه عبد الله بن
رواحة ((واللَّه لحمار رسول اللَّهِوَ ﴿ أطيب ريحا منك)).
(فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى هموا أن يتواثبوا) فى الرواية التاسعة
((فغضب لعبد اللَّه رجل من قومه، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهم ضرب بالجريد
وبالأيدى وبالنعال)) وفى رواية البخارى ((حتى كادوا يتشاورون)) أى يتواثبون، أى يثب بعضهم على
بعض، أى بالسلاح والقتال، فقد وثب بعضهم على بعض بغير السلاح، كما ذكر.
(فلم يزل النبى (1 يخفضهم) أى يهدئهم، وفى رواية البخارى ((حتى سكنوا)).
(أى سعد) أى حرف نداء، وفى رواية البخارى ((أيا سعد)).
(ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب؟) بضم الحاء وتخفيف الباء، والاستفهام نقريرى، أى قر
٣١٩

بأن تسمع أى اسمع، أو إنكارى بمعنى النفى، دخل على نعى، ونفى النفى إثبات، أى تسمع إلى ما
قال أبو حباب.
(ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يتوجوه، فيعصبوه بالعصابة) ((ولقد)) بإثبات الواو
فى بعض الروايات وبحذفها فى البعض الآخر، ومعنى ((اصطلحوا)) اتفقوا و(البحيرة)) بضم الباء على
التصغير، وفى رواية للبخارى ((أهل هذه البحرة)) بدون تصغير، وهذا اللفظ يطلق على القرية وعلى
البلد، والمراد به هنا المدينة النبوية، ونقل ياقوت الحموى أن البحرة من أسماء المدينة المنورة،
ومعنى ((أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة، أى ينصبوه ملكا عليهم، يعنى يرئسوه عليهم ويسودوه، وسمى
الرئيس معصبا لما يعصب برأسه من الأمور، أو لأنهم يعصبون رءوسهم بعصابة لا تنبغى لغيرهم
يمتازون بها، وفى غير البخارى ((فيعصبونه)) والتقدير فهم يعصبونه، والمراد هنا من التعصيب
التتويج وصناعة تاج له، فعند ابن إسحق ((لقد جاءنا الله بك وإنا لننظم له الخرز لنتوجه)».
(فلما رد اللَّه ذلك بالحق الذى أعطاكه شرق بذلك) («شرق بذلك» بفتح الشين وكسر
الراء، أى غص بذلك الحق، وهو كناية عن الحسد، والأصل يقال: شرق بالماء إذا اعترض شىء من
الماء فى الحلق، فمنع الإساغة، والمعنى فلما رد اللَّه تنصيبه ملكا بسبب الحق الذى جئت به حسد.
(فذلك فعل به ما رأيت) أى فذلك الحسد الداخلى دفعه إلى فعل ما فعل معك.
(فعفا عنه النبى ) زاد البخارى ((وكان النبى ® وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل
الكتاب، كما أمرهم الله، ويصطبرون على الأذى، قال الله عزوجل ((﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِن الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ
مِن قَبْلِكُمْ وَمِن الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَنَّى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآية، وقال الله ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِن أَهْلِ الْكِتَّابِ
لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِن بَعْدٍ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أَنفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩] وكان النبيِ ◌ّ * يتأَول العفو
ما أمره الله به، حتى أذن الله فيهم، فلما غزا رسول اللّه ﴿ بدرا، فقتل الله به صناديد كفار قريش
قال ابن أبى بن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه - أى ظهر وجهه -
فبايعوا الرسول # على الإسلام، فأسلموا ».
قال الحافظ بن حجر عن هذه الزيادة: هذا حديث آخر، أفرده ابن حاتم فى التفسير عن الذى
قبله، وإن كان الإسناد متحدا، وقد أخرج مسلم الحديث الأول مقتصرا عليه، ولم يخرج شيئا من هذا
الحديث الآخر.
(فبلغنا أنها نزلت فيهم ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِن الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾)
[الحجرات: ٩] كذا ذكر المفسرونَ وقيل لنزولها سبب آخر بين الأوس والخزرج، وقوله ﴿مِنْ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ مع بقية الآية يبعد أن يكون السبب حادثتنا، وبخاصة أنه لم يكن فيها قتال بمعناه.
فقه الحديث
تعرضت أحاديث هذا الباب إلى أربع وقائع من وقائع أذى الرسول 18 على يد قومه.
٣٢٠