Indexed OCR Text

Pages 261-280

على أهلها، ويترك لهم دورهم وغنائمهم، لأن قسمة الأرض المغنومة ليست متفقا عليها، بل الخلاف
ثابت عن الصحابة فمن بعدهم، وقد فتحت أكثر البلاد عنوة فلم تقسم، وذلك فى زمن عمر وعثمان مع
وجود أكثر الصحابة، وقد زادت مكة عن ذلك بأمر يمكن أن يدعى اختصاصها به دون بقية البلاد،
وهى أنها دار النسك، ومتعبد الخلق، وقد جعلها الله حرما سواء العاكف فيه والباد.
ويستدل الشافعى أيضا بما ثبت بلا خلاف من أنه لم يجرفيها قسم غنيمة، ولا سبى من أهلها
ممن باشر القتال أحد، فعند أبى داود عن جابر قته سئل: هل غنمتم يوم الفتح شيئا؟ قال: لا.
وجنحت طائفة، منهم الماوردى إلى أن بعضها فتح عنوة، لما وقع من قصة خالد بن الوليد، قال
الحافظ ابن حجر: والحق أن صورة فتحها كان عنوة، ومعاملة أهلها كانت معاملة من دخل فى
الأمان. والله أعلم.
ويجرنا الكلام عن دور مكة عن دار الرسول ﴿ التى هاجر منها، وَلِمَ لَمْ ينزل فيها صلى الله عليه
وسلم؟ وأجاب عن ذلك الخطابى، فقال: إنما لم ينزل النبى * فيها لأنها دور هجروها فى اللَّه نعالى
بالهجرة، فلم يرأن يرجع فى شيء تركه لله تعالى، وقد عقب عليه الحافظ ابن حجر: بأن الذى
يختص بالترك إنما هو إقامة المهاجر فى البلد التى هاجر منها، لا مجرد نزوله فى دار يملكها، إذا
أقام المدة المأذون له فيها، وهى أيام النسك، وثلاثة أيام بعده.
وأجاب عن السؤال بأن أبا طالب ورثه عقيل وطالب ابناه، ولم يرث جعفر ولا على شيئا لأنهما
كانا مسلمين، وكان عقيل وطالب كافرين، وكان أبو طالب قد وضع يده على ما خلفه عبد اللّه والد
النبى ، لأنه كان شقيقه، وكان النبى # عند أبى طالب بعد موت جده عبد المطلب، فلما مات أبو
طالب، ثم وقعت الهجرة، ولم يسلم طالب، وتأخر إسلام عقيل، استوليا على ما خلف أبو طالب، ومات
طالب قبل بدر، وتأخر عقيل فلما تقررحكم الإسلام بترك توريث المسلم من الكافر استمر ذلك بيد
عقيل، وكان عقيل قد باع تلك الدور كلها، واختلف فى تقرير النبى {8 عقيلا على داره صلى اللّه عليه
وسلم وعلى ماكان يملكه بمكه، فقيل: ترك ذلك تفضلا عليه، وقيل استمالة له وتأليفا، وقيل: تصحيحا
لتصرفات الجاهلية كما تصحح أنكحتهم.
وقد روى البخارى فى باب فتح مكة أحاديث لم يذكرها مسلم هنا. منها:
١ - عن على عَلُه قال: بعثنى رسول اللَّه ◌َ أنا والزبير والمقداد، فقال انطلقوا حتى تأتوا روضة
خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها، قال: فانطلقنا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة،
قلنا لها: أخرجى الكتاب. قالت ما معى كتاب. فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، قال:
فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول اللّه،﴿، فإذا فيه:
من حاطب بن أبي بلتعة - إلى ناس بمكة من المشركين - يخبرهم ببعض أمر رسول اللّه حق له.
وفى رواية أن لفظ الكتاب ((أما بعد فإن رسول اللّه * أذن فى الناس بالغزو ولا أراه يريد غيركم.
فانظروا لأنفسكم وقد أحببت أن يكون لى عندكم يد والسلام.
٢٦١

وعند بعض أهل المغازى أن لفظ الكتاب: ((يا معشر قريش فإن رسول اللّه # جاءكم بجيش
كالليل، يسير كالسيل، فوالله لوجاءكم وحده لنصره الله، وأنجزله وعده. فانظروا لأنفسكم والسلام.
فقال رسول اللَّهِ﴾: ياحاطب. ما هذا؟ قال: يا رسول اللّه﴾® لا تعجل على، إنى كنت امرأ
ملصقا فى قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين من لهم بها قرابات، يحمون
أهليهم وأموالهم، فأحببت إذا فاننى ذلك من النسب فيهم، أن أتخذ عندهم يدا، يحمون قرابتى، ولم
أفعله ارتدادا عن دينى، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول اللَّه ﴿: أما إنه قد صدقكم، فقال
عمر: يا رسول اللَّه ﴿ دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال: إنه شهد بدرا، وما يدريك لعل اللَّه اطلع
على من شهد بدرا فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم.
٢- عن هشام عن أبيه رضاُه قال: ((لما سار الرسول # عام الفتح، فبلغ ذلك قريشا خرج أبو سفيان
ابن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، يلتمسون الخبر عن رسول اللّه ◌ُ ﴾، فأقبلوا يسيرون حتى
أتوا مرالظهران فإذا هم بنيران، كأنها نيران عرفة، فقال أبو سفيان: ما هذه؟ لكأنها نيران عرفة؟
فقال بديل بن ورقاء: نيران بنى عمرو، فقال أبو سفيان: عمرو أقل من ذلك.
فرآهم ناس من حرس رسول الله ﴾ (كان النبى ◌ّ قد أمر بسد الطرق إلى مكة، كيلا يصلهم خبر
قدومه، وبت أمام الجيش العيون والحراس) فأدركوهم، فأخذوهم، فأتوا بهم رسول اللَّه {*، وفى رواية
((فلقيهم العباس فأجارهم، وأدخلهم إلى رسول اللَّه {13)) وأسلم أبو سفيان- وأسلم بديل وحكيم -
[فقال العباس للنبى ◌ُ : لا آمن أن يرجع أبو سفيان فيكفر، فاحبسه حتى تريه جنود الله للمشركين،
وما أعده اللّه للمشركين] فقال صلى الله عليه وسلم: احبسه عند خطم الجبل، حتى ينظر إلى
المسلمين، [فأخذه العباس، فحبسه، فقال أبو سفيان: أغدرا يا بنى هاشم؟ قال العباس: لا.ولكن لى
إليك حاجة، فتصبح، فتنظر جنود الله، فأصبحوا] فجعلت القبائل تمر مع النبى { #، تمر كتيبة كتيبة
على أبى سفيان، فمرت كتيبة، فقال: ياعباس .. من هذه؟ فقال هذه غفار. قال: مالى ولغفار، ثم مرت
جهينة، قال مثل ذلك، ثم مرت ... ثم مرت ... حتى أقبلت كتيبة لم ير مثلها، قال: من هذه؟ قال: هؤلاء
الأنصار، عليهم سعد بن عبادة، معه الراية. فقال سعد بن عبادة يا أبا سفيان، اليوم يوم الملحمة، اليوم
تستحل الكعبة، فقال أبو سفيان: يا عباس - حىذا يوم الذمار- أى حماية الأهل والأعراض - ثم
جاءت كتيبة وهى أقل الكتائب فيهم رسول اللَّه ◌َ ل وأصحابه وراية النبى وُ لّ مع الزبير بن العوام،
فلما مررسول اللّه * بأبى سفيان قال أبو سفيان: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال: ما قال؟
قال كذا وكذا. فقال: كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظم اللَّه فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة. قال:
وأمر رسول اللَّه# أن تركز رايته بالحجون.
٣- وعن ابن عباس ◌ُبه ((أن رسول الله﴾﴾ لما قدم مكة أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها
فأخرجت، فأخرج صورة إبراهيم وإسماعيل فى أيديهما من الأزلام، فقال النبى ﴿: قاتلهم الله. لقد
علموا ما استقسموا بها قط. ثم دخل البيت فكبر فى نواحى البيت».
٤- عن عبد الله بن عمر - رضى الله عنهما- أن رسول اللّه ◌َ ا أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على
٢٦٢

راحلته، مردفا أسامة بن زيد، ومعه بلال، ومعه عتمان بن طلحة، من الحجبة، حتى أناخ فى المسجد،
فأمره أن يأتى بمفتاح البيت، فدخل رسول اللّه، ﴾، ومعه أسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة،
فمكث فيه نهارا طويلا، ثم خرج)».
٥- عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: «أقام النبى # بمكة تسعة عشر يوما يصلى
ركعتين)» أى يقصر الصلاة.
٦- عن مجاهد ((أن رسول اللَّه قام يوم الفتح، فقال: إن الله حرم مكة يوم خلق السموات
والأرض، فهى حرام بحرام الله إلى يوم القيامة، لم تحل لأحد قبلى، ولا تحل لأحد بعدى، ولم تحل لى
قط إلا ساعة من الدهر، لا ينفر صيدها، ولا يعضد شجرها، ولا يختلى خلاها، ولا تحل لقطتها إلا
لمنشد)» فقال العباس بن عبد المطلب: إلا الإذخريا رسول الله. فإنه لابد منه للقين والبيوت. فسكت،
ثم قال: إلا الإذخر فإنه حلال.
هذا وللحديث علاقة بأحاديث ذكرت فى كتاب الحج، فلتراجع.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- من قوله ((من دخل دار أبى سفيان فهو آمن)) أخذ الشافعى وموافقوه أن دور مكة مملوكة، يصح
بيعها وإجارتها، لأن أصل الإضافة إلى الآدميين تقتضى الملك، وما سوى ذلك مجاز.
٢ - وفيه تأليف لأبى سفيان، وإظهار لشرفه.
٣- من موقف الأنصار يتبين مدى حبهم لرسول اللَّه ◌ِ﴾.
٤- من إخباره صلى الله عليه وسلم الأنصار بما قالوا، دون أن يبلغه أحد معجزة لرسول اللَّهِ ﴾.
٥- فى إقباله صلى الله عليه وسلم إلى الحجر ثم إلى الطواف الابتداء بالطواف فى أول دخول مكة،
سواء كان محرما بحج أو بعمرة أو غير محرم، وكان النبى 8# دخلها فى هذا اليوم وهو يوم الفتح
غير محرم بإجماع المسلمين، وكان على رأسه المغفر، والأحاديث متطاهرة على ذلك.
٦- استدل به على أن من دخل مكة لحرب فله دخولها حلالا، قال النووى: وأما قول القاضى عياض:
[أجمع العلماء على تخصيص النبى * بذلك، ولم يختلفوا فى أن من دخلها بعده لحرب أو بغى
أنه لا يحل له دخولها حلالا] فليس كما نقل، بل مذهب الشافعى، وأصحابه وآخرين أنه يجوز
حلالا للمحارب بلا خلاف، وكذا لمن خاف من ظالم لو ظهر للطواف وغيره، وأما من لا عذر له
أصلا فللشافعى فيه قولان مشهوران أصحهما أنه يجوزله دخولها بغير إحرام، لكن يستحب له
الإحرام، والثانى لا يجوز.
٧- من قراءته صلى الله عليه وسلم للآيتين استحباب قراءتهما عند إزالة المنكر.
٨- من صنع بعضهم لبعض الطعام عن طريق النوبات دليل على استحباب اشتراك
المسافرين فى الأكل، واستعمالهم مكارم الأخلاق، وليس هذا من باب المعاوضة حتى
٢٦٣

يشترط فيه المساواة فى الطعام، وأن لا يأكل بعضهم أكثر من بعض، بل هو من باب
المروءات ومكارم الأخلاق.
٩- من قوله ((فجاءوا إلى المنزل ولم يدرك طعامنا ... إلخ)) استحباب الاجتماع على الطعام.
١٠ - وجواز دعاء المدعوين إلى الطعام قبل إداركه.
١١- واستحباب حديثهم فى حال الاجتماع بما فيه بيان أحوال النبى {* وأصحابه وغزواتهم
ونحوها، مما تنشط النفوس لسماعه، وكذلك غيرها من الحروب ونحوها، مما لا إثم فيه، ولا يتولد
منه فى العادة ضرر فى دين ولا فى دنيا، ولا أذى لأحد، لتسهل بذلك مدة الانتظار، ولا يضجروا ولا
ينشغل بعض مع بعض فى غيبة أو نحوها من الكلام المذموم.
١٢ - أنه يستحب إذا كان فى الجمع مشهور بالفضل أو بالصلاح أن يطلب منه الحديث، فإن لم
يطلبوا استحب له الابتداء بالحديث، كما كان النبى ** يبتديهم بالحديث، من غير طلب منهم.
١٣- استحباب الأسماء الحسنة، وتغيير الأسماء غير الحسنة.
والله أعلم
٢٦٤

(٤٩٢) باب صلح الحديبية
٤٠٦٨- ٩٠ْ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﴾(٩١) قَالَ: كَتَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبِ الصُّلْحَ بَيْنَ النَّبِيِّ
* وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْحُدَِّيَّةِ فَكَتَبَ «هَذَا مَا كَاتَبَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» فَقَالُوا: لا
تَكْتُبْ رَسُولُ اللَّهِ فَلَوْ نَعْلَمُ أَنْكَ رَسُولُ اللَّهِ لَمْ نُقَاتِلْكَ. فَقَالَ النّبِيُّنَّ لِعَلِيِّ «امْحُةُ» فَقَالَ:
مَا أَنَّا بِالَّذِي أَمْحَاهُ. فَمَحَاهُ الَّبِيُّ ◌َّ بِيْدِهِ. قَالَ: وَكَانَ فِيمَا اشْتَرَطُوا أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ فَيُقِيمُوا
بِهَا ثَلاثًا، وَلا يَدْخُلُهَا بِسِلاحٍ إِلا جُلُبَّانَ السِّلاحِ؟ قُلْتُ لِأَبِي إِسْحَقَ: وَمَا جُلُبَّانُ السِّلاحِ؟
قَالَ: الْقِرَابُ وَمَا فِیهِ.
٤٠٦٩- ٩١ْ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﴿﴾(٩١) قَالَ: لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ أَهْلَ الْحُدَِّيَةِ
كَتَبَ عَلِيٌّ كِتَابًا بَيْنَهُمْ. قَالَ: فَكَتَبَ «مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ)» ثُمَّ ذَكَرَ بِنَحْوِ حَدِيثِ مُعَاذٍ غَيْرَ أَنَّهُ
لَمْ يَذْكُرْ فِي الْحَدِيثِ «هَذَا مَا كَاتَبَ عَلَيْهِ».
٤٠٧٠ - ◌ْ عَنِ الْبَرَاءِ ضَ﴾ (٩٢) قَالَ: لَمَّا أُحْصِرَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ِ عِنْدَ الْبَيْتِ صَالَحَهُ أَهْلُ مَكَّةَ عَلَى
أَنْ يَدْخُلَهَا فَيُقِيمَ بِهَا ثَلاثًا، وَلا يَدْخُلَهَا إِلا بِجْلُبَّانِ السِّلاحِ السَّيْفِ وَقِرَابِهِ، وَلا يَخْرُجَ بِأَحَدٍ
مَعَهُ مِنْ أَهْلِهَا، وَلا يَمْنَعَ أَحَدًا يَمْكُثُ بِهَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ. قَالَ لِعَلِيِّ «اكُبِ الشَّرْطَ بَيْنَنَا بِسْم
اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. هَذَا مَا قَاضَى عَلَّيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ» فَقَالَ لَهُ الْمُشْرِكُونَ: لَوْ نَعْلَمُ
أَنْكَ رَسُولُ اللَّهِ تَابَغْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. فَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَمْحَاهَا. فَقَالَ عَلِيٍّ:
لا وَاللَّهِ لا أَمْحَاهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ ﴿ِ «أَرِنِي مَكَانَهَا» فَأَرَاهُ مَكَانَهَا فَمَحَاهَا. وَكَتَّبَ «ابْنُ
عَبْدِ اللَّهِ» فَأَقَامَ بِهَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ. فَلَمَّا أَنْ كَانَ يَوْمُ الثَّالِثِ. قَالُوا لِعَلِيٍّ: هَذَا آخِرُ يَوْمٍ مِن شَرْطِ
صَاحِبِكَ، فَأْمُرْهُ فَلْيَخْرُجْ. فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ «نَعَمْ» فَخَرَجَ. وَقَالَ ابْنُ جَنَابٍ فِي رِوَايَتِهِ
مَكّانَ تَابَعْنَاكَ بَايَعْنَاكَ.
٤٠٧١- ٣ٍ عَنْ أَنَسِّ ◌َ﴾(٩٣) أَنَّ قُرَيْشًا صَالَحُوا النّبِيَّمَ﴿ فِيهِمْ سُهَيْلُ ابْنُ عَمْرٍو. فَقَالَ
النّبِيُّ ◌َّ لِعَلِيِّ «اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)» قَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا بِاسْمِ اللَّهِ فَمَا نَدْرِي مَا
(٩٠) حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنِبْرِيُّ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ أَبِي إِسْحَقَ قَالَ سَمِعْتُ الْبَرّاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ
(٩١) حَدَّثًّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ أَبِي إِسْحَقَ قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ
(٩٢) حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ جَنّابِ الْمِصِّصِيُّ جَمِيعًا عَنِ عِيسَىَ بْنِ يُونُسَ وَاللَّفْظُ لِإِسْحَقَ أَخْبُرْنَا عِيسَى
ابْنُ يُونُسََ أَخْبَرَنَا زَكْرِيَّءُ عَنِ أَبِي إِسْحَقَ عَنِ الْبَرَاءِ
(٩٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَثْنَاَ عَفَّنْ خَذََّنَا حَمَّادُ بْنُ سَلّمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنْسٍ
٢٦٥

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَلَكِنِ اكْتُبْ مَا نَعْرِفُ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ. فَقَالَ اكُبْ «مِنْ مُحَمَّدٍ
رَسُولِ اللَّهِ» قَالُوا: لَوْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ لاَتْبَعْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبِ اسْمَكَ وَاسْمَ أَبِيكَ.
فَقَالَ النّبِيُّ ◌َّ اكْتُبْ «مِنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ» فَاشْتَرَطُوا عَلَى النّبِيِّ ◌َّ أَنْ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ
لَمْ تَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَكُبُ هَذَا؟ قَالَ
«نَعَمْ. إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ. وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ سَيَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا».
٤٠٧٢ - ١٤ْ عَنْ أَبِي وَائِلِ (٩٤) قَالَ: قَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يَوْمَ صِفِّينَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا
أَنْفُسَكُمْ لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَلَوْ نَرَى قِتَالا لَقَاتَلْنَا، وَذَلِكَ فِي الصُّلْحِ
الَّذِي كَانٌ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ. فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ عَلَّ
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا عَلَى حَقِّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلِ؟ قَالَ «بَلَى» قَالَ: أَلَيْسَ قَتْلاَنَا فِي الْجَنَّةِ
وَقَتْلاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: «بَلَّى» قَالَ: فَفِيمَ نُعْطِي الدَِّيَّةَ فِي دِينًا وَتَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَا
وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللَّهُ أَبَدًا» قَالَ: فَانْطَلَقَ عُمَرُ فَلَمْ
يَصْبِرْ مُتَفِّظًا، فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَسْنَا عَلَى حَقِّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلِ؟ قَالَ بَلَى قَالَ
أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: بَلَى قَالَ: فَعَلَامَ نُعْطِي الدَِّيَّةَ فِي دِينِنَا وَنَرْجِعُ
وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضِيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًّا. قَالَ:
فَنَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿َّ بِالْفَتْحِ. فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ فَأَقْرَأَهُ إِيَّاهُ. فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْ
فَتْحٌ هُوَ؟ قَالَ «نَعَمْ)) فَطَابَتْ نَفْسُهُ وَرَجَعَ.
٤٠٧٣- ٩٥° عَن شَقِيقٍ (٩٥) قَالَ سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَقُولُ بِصِفِينَ: أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا
رَأْيَكُمْ وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْنُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ أَنِّي أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرْدَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِعَ﴿ لَرَدَدْتُهُ.
وَاللَّهِ مَا وَضَعْنَا سُيُوفَنَا عَلَى عَوَائِقِنَا إِلَى أَمْرٍ قَطُّ إِلا أَسْهَلْنَ بِّا إِلَى أَمْرٍ تَعْرِفُهُ إِلا أَمْرَكُمْ هَذَا.
لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ تُمَيْرٍ إِلَى أَمْرٍ قَطٌّ.
٤٠٧٤ - - وفي رواية عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَفِي حَدِيثِهِمَا «إِلَى أَمْرٍ يُفْظِعُنَا».
٤٠٧٥- ٩٦ عَن أَبِي وَائِلٍ (٩٦) قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ بِصِفِينَ يَقُولُ: اَّهِمُوا رَأَيْكُمْ
(٩٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَّيْرٍ ح وَحَدَّثَا ابْنُ نُمَّيْرٍ وَتَقَارَبَا فِي اللّفْظِ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ
سِيَاهٍ حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ عَن أَبِي وَائِلِ
(٩٥) حَدَّثَنَا أَبُو كُرِّيَّبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَمَّحَمَّدُ بَّنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ قَالا حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَّةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَن شَقِيقِ
- وحّدَثّه عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيِيَةً وَإِسْحَقُ جَمِيعًا عَنْ جَرِيرٍ حَ وخَّدَّثْتِي أَبُو سَعِيدِ الأَشَُّ حَدَّثَنَا وَكِيعُ كِلَاهُمَا عَّنِ الأَعْمَشِ
(٩٦) وحَدَِّي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ عَن أَبِي حَصِينٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ
٢٦٦

عَلَى دِينِكُمْ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِوَ﴿ِ. مّا فَتَحْنَا مِنْهُ
فِي خُصْمٍ إِلا انْفَجَرَ عَلَيْنَا مِنْهُ خُصْمٌ.
٤٠٧٦ - ٩٣ْ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَ﴾(٩٧) قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا* مُبِينًا لِيَغْفِرَ
لَكَ اللَّهُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتحِ الآيات ١-٥] مَرْجِعَهُ مِنَ الْحُدَِّيَةِ وَهُمْ يُخَالِطُهُمُ
الْحُزْنُ وَالْكَآبَةُ وَقَدْ نَحَرُ الْهَدْيَ بِالْحُدَيْبِيَّةِ. فَقَالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ
الدُّنْيَا جَمِيعًا.
المعنى العام
بعد حروب بين المسلمين، وبين كفار قريش فى بدر وأحد والخندق، وبعد أن زاد مسلمو المدينة
على ألف وخمسمائة مسلم، رأى رسول اللّه فى منامه أنه والمسلمين يدخلون المسجد الحرام
ويطوفون بالكعبة، ويسعون بين الصفا والمروة. ورؤيته صلى اللّه عليه وسلم حق وصدق. أصبح فأخبر
أصحابه، ففرحوا، وبخاصة المهاجرون الذين يحنون إلى وطنهم العزيز، ونادى صلى اللّه عليه وسلم
أنه سيخرج إلى العمرة، فمن شاء وعنده هدى إلى الكعبة فليعده، وفى مطلع ذى العقدة سنة ست من
الهجرة ساق النبى# والمسلمون هديهم، وساروا نحو مكة، وهم قريبون من ألف وأربعمائة مسلم،
ليس معهم سلاح المحارب، بل سلاح المسافر فحسب، فقد خرجوا يقصدون البيت الحرام لأداء
النسك، وقلدوا هديهم وأشعروه، قلدوا الإبل والبقر والغنم بحبل مفتول من صوف مصبوغ وعلموا
صفحة عنق الإبل والبقربكية نار، علامة على أنه هدى، موهوب لأهل الحرم، له حرمة وقدسية لا
يعتدى عليه، ولا يستغل فى منافع الحرث والسقى، وبعضهم كساه بالحبرة أو الحرير أو القباطى أو
اللحف.
ساروا متجهين إلى مكة، بعد أن أحرموا للعمرة من ذى الحليفة، ساروا يهللون ويكبرون
ويلبون، وقد أرسل رسول اللّه 8# عينا يسبق المسلمين، يستطلع لهم سلامة الطريق، وجاء
النذير يخبر أن قريشا أرسلت كتيبة قوامها مائتا فارس بقيادة خالد بن الوليد ليصدوا
المسلمين قبل وصولهم، وقد جمعوا له الجموع من القبائل المحيطة بمكة، ليمنعوه من
دخولها، فغير طريقه عن طريق خالد بن الوليد ووصل إلى الحديبية عند ما يعرف بالتنعيم.
ونزل المسلمون عند مائها، وأرسلوا عثمان بن عفان يخر قريشاً أنهم ما جاءوا محاربين،
وإنما جاءوا معتمرين، وأصرت قريش على منعهم من الوصول إلى المسجد الحرام،
(٩٧) وحَدَّثّا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةً أَنَّ أَنْسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ
- وِحَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ النَّضْرِ التَّيْمِيُّ حَدَّثْنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَّمِعْتُ أَبِي حَدَّثَنَا قَتَادَةٌ قَالَ سَمِعْتُ أَنْسَ بْنَ مَالِكٍ عِ وَحَدَّثَنَا ابْنُ
الْمُثَنِّى حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَنَا هَمَّاٌ ح وَحَدَّثْنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ خَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ عَنِ أَنَسٍ
نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةً.
٢٦٧

واحتجزوا عثمان ، وتراسلوا مع رسول اللَّهِ﴾ يفاوضونه، وفى هذه الأثناء أشيع أن
الكفار قتلوا عثمان، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، بايع المسلمون رسول اللّه ◌َ *
على القتال وعدم الفرار، حتى النصر أو الاستشهاد، وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ
عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزِلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَّابَهُمْ
فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨] وبعد تعدد الوساطات وظهور كذب إشاعة مقتل عثمان انتهت
المفاوضات إلى صلح الحديبية يمثل قريشاً فيه سهيل بن عمرو ويمثل المسلمين رسول الله
﴿*، وقد تعنت ممثل قريش فى نصوص الصلح شكلا وموضوعاً، فمن حبث الشكل لم يقبل
عبارة ((محمد رسول الله)) وأصر على ذكر الاسم واسم الأب فقط، ولم يقبل بسم الله الرحمن
الرحيم وأصر على ذكر باسمك اللَّهم، ووافقه صلى اللَّه عليه وسلم، ومن حيث الموضوع
كانت النصوص فى ظاهرها إجحافاً للمسلمين، فكانت تنص على أن يرجع محمد
وأصحابه دون الوصول إلى المسجد الحرام، على أن يعودوا فى العام القابل بدون سلاح،
فتترك لهم قريش مكة ثلاثة أيام، يعتمرون فيها ويخرجون، على أن لا يخرج معهم أحد من
أهل مكة وإن كان مسلما ما لم يقدم معهم، وأن من أراد ممن جاء معهم أن يبقى بمكة خلى
بينه وبين البقاء، ومن جاء إلى المسلمين مسلما من أهل مكة ردوه إلى أهله بمكة، ومن جاء
كفار مكة ممن كان قد أسلم لا يرده الكفار إلى المسلمين، وأن توضع الحرب بين قريش
وبين المسلمين سنوات فيأمن الناس على أموالهم ودمائهم. لم يقبل المسلمون هذه
النصوص، وقبلها رسول الله{*، وكيف يقبلون الضيم حسب مفهومهم ولله العزة ولرسوله
وللمؤمنين؟ شهد على الوثيقة أبو بكر وعمر وعثمان، ولو استطاعوا أن يردوها لردوها شأن
مشاعر جميع المسلمين.
لقد أمرهم رسول اللَّه * بعد إتمام الصلح أن يقوموا إلى الهدى فينحروه، وإلى رأسهم فيحلقوها
للتحلل من الإحصار فى العمرة، ليعودوا بعد ذلك إلى المدينة، ولم يتحرك منهم أحد لتنفيذ الأمر،
فدخل صلى الله عليه وسلم مغضباً على زوجته أم سلمة، يقول لها: كاد المسلمون يهلكون. آمرهم
بالأمر فلا يستجيبون؟ قالت: هَوَّن عليك يا رسول الله، واقبل عذرهم، فقد دخلهم من الهم والغم من
هذا الصلح ما دخلهم. ثم قالت: أو تحب أن يفعلوا ما أمرتهم؟ قال: نعم. قالت: اخرج إليهم، فلا تكلم
أحداً منهم، وانحر بدنك، وادع حالقك يحلق شعرك، فإنك إن تفعل يئسوا من نسخ الحكم ومن
التغيير، ولم يجدوا بدا من الامتثال، فاقتنع رسول اللّه * برأيها، فقام بتنفيذه، فنفذ المسلمون. وأذن
فيهم بالرحيل إلى المدينة، فرحلوا وفى نفوسهم انكسار وذلة وتحسروهم وغم، وأنزل اللَّه على رسوله
﴿ فى الطريق ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًاهِ لِتَغْفِرَلَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأْخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ
عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمَاهِ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزَاه هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبٍ
الْمُؤْمِنِينَ لِيَرْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمَاهِ لِيُدْخِلَ
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِيَ مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ
عِنْدَ اللَّهِ فَوْرًّا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١-٥] وهنا دعا رسول اللَّه: ﴿ عمر وكبار أصحابه فقرأ الآيات عليهم،
فطابت نفوسهم، رضى الله عنهم وأرضاهم أجمعين.
٢٦٨

المباحث العربية
(الحديبية) قال النووى: فيها لغتان، تخفيف الياء، وهو الأفصح، والتشديد.اهـ
قال المحب الطبرى: الحديبية قرية قريبة من مكة، أكثرها فى الحرم. وقيل: هى بئر سمى المكان
بها، وقيل: شجرة حدباء صغرت، وسمى المكان بها. والمكان معروف، وبه مسجد التنعيم.
وكان خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة يوم الاثنين، مستهل ذى القعدة سنة
ست من الهجرة، خرج يسوق الهدى، قاصداً العمرة، يريد زيارة البيت، لا يريد قتالا، ومعه
ألف وأربعمائة من أصحابه. فلما أتى ذا الحليفة [بيار على] قلد الهدى وأشعره، وأحرم منها
بعمرة، وبعث عينا من خزاعة، يدعى ((ناجية)) وقيل: بسر، يأتيه بخبر قريش، وسار النبى
/* حتى بلغ غدير الأشطاط، قريبا من عسفان، فأتاه عينه، فقال له: إن قريشاً جمعوا
جموعا، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك، وصادُّوك عن البيت، ومانعوك. فقال صلى
اللَّه عليه وسلم: أشيروا أيها الناس على. أترون أن أميل إلى ذرارى هؤلاء الذين أعانوهم-
يقصد ذرارى أهل غدير الأشطاط الذين تجمعوا مع قريش لحرب رسول الله * - والذين
يريدون أن يصدونا عن البيت؟ فإن يأتونا كان اللَّه عز وجل قد قطع عنقا من المشركين،
وإلا تركناهم محرومين؟ قال أبوبكر: يا رسول الله، خرجت عامدا لهذا البيت، لا تريد قتل
أحد، ولا حرب أحد، فتوجه له، فمن صدنا عنه قاتلناه. قال: امضوا على اسم اللَّه. وسار
صلى الله عليه وسلم حتى بلغ كراع الغميم - قريبا من رابغ والجحفة، بين مكة والمدينة ..
فقال لأصحابه: إن خالد بن الوليد، فى مائتى فارس، فيهم عكرمة بن أبي جهل، يعسكرون
قريباً منا، كطليع لجيش قريش، فمن الخبير بالطرق، يخرجنا على طريق غير طريقهم؟ قال
رجل من أسلم: أنا يا رسول اللَّه ونزل عن دابته، فسلك بهم طريقاً وعراً، أفضى بهم إلى
أرض سهلة، وما شعر بهم خالد، حتى رأى غباراً من بعيد، فانطلق يركض نذيراً لقريش.
وسار صلى الله عليه وسلم حتى وصل قريبا من الحديبية، فبركت ناقته، فقال الناس:
تعبت القصواء أو غضبت من السير، فقال النبى وُ لد: واحرنت القصواء، وما ذلك لها بخلق،
ولكن حبسها حابس الفيل، والذى نفسى بيده. لا يسألوننى- كفار قريش- خطة، يعظمون
فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها، ثم زجر الناقة فوثبت، حتى نزل بأقصى الحديبية على
ماء قليل، وشكى العطش إلى رسول الله*، فنزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه
فى البئر، فمازال يجيش لهم بالماء حتى ارتووا وفاض ماؤهم، فبينما هم كذلك إذ جاء بديل
بن ورقاء الخزاعى، فى نفر من قومه، من خزاعة، وكانوا موضع نصح رسول اللّه ﴿، فقال:
إنى تركت كعب بن لؤى وعامر بن لؤى، نزلوا على مياه الحديبية، ومعهم ذوات الألبان من
الإبل، ليتزودوا بلبنها، وهم مقاتلوك وصادُّوك عن البيت، فقال رسول اللَّهِ﴿: إنا لم نجئ
لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا أضعفتهم الحرب، وأضرت بهم، فإن شاءوا
٢٦٩

جعلت بينى وبينهم مدة دون حرب، ويخلوا بينى وبين الناس، فإذا ظهرت فإن شاءوا أن
يدخلوا فيما دخل فبه الناس فعلوا، وإلا فقد استجموا واستراحوا، وإن هم أبوا فوالذى
نفسى بيده لأقانلنهم على أمرى هذا، حتى تنفصل رأسى عن جسدى، ولينفذن اللَّه أمره.
فقال بديل: سأبلغهم ما نقول. قال: فانطلق حتى أتى قريشاً قال: إنا جئناكم من هذا
الرجل، وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا
أن تخبرونا عنه بشىء، وقال ذوو الرأى منهم: هات ما سمعته يقول. قال: سمعته يقول كذا
وكذا، فحدثهم بما قال النبى 38، فقام عروة بن مسعود، فقال: أى قوم. ألستم بالوالد؟ قالوا:
بلى. قال أولست بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تتهمونى؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أنى
استنفرت أهل عكاظ، فلما نراجعوا وامتنعوا جئتكم بأهلى وولدى ومن أطاعنى؟ قالوا: بلى.
قال فإن هذا قد عرض عليكم خطة رشد، اقبلوها، ودعونى آته. قالوا: ائته. فأتاه، فجعل يكلم
النبى. فقال النبى { * نحوا من قوله لبديل، فقال عروة عند ذلك: أى محمد. أرأيت إن
استأصلت أمر قومك؟ هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى،
فإنى واللَّه لا أرى وجوها، وإنى لأرى أشوابا من الناس - أى أخلاطا شتى، سيفرون
ويدعوك وكأنى بهم لوقد لقيت قريشاً قد أسلموك، فتؤخذ أسيراً، فأى شىء أشد عليك من
هذا؟ فقال له أبو بكر: امصص بظر اللات [اللات طاغبة عروة التى كان يعبدها، والبظر -
بفتح الباء وسكون الطاء، قطعة تبقى بعد الختان فى فرج المرأة، وكانت عادة العرب
الشتم بهذا، لكن بلفظ الأم بدل اللات] أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر.
قال: أما والذي نفسي بيده. لولا يد كانت لك عندى، لم أجزك عليها لأجبتك، قال: وجعل
يكلم النبى*، فكلما تكلم كلمة أخذ بلحية النبى {*، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس
النبى₪، ومعه السيف والمغفر، وقد لبس لأمته، ليشتفى من عروة، لأنه عمه. فلما أهوى
عروة بيده إلى لحية النبى 88# ضرب يده بنعل السيف، وقال له: أخر يدك عن لحية رسول
اللَّه ◌ِ، فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة. فقال: أى غدر. ألست
أسعى فى غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قوماً فى الجاهلية، فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثم جاء
فأسلم- فقال النبى : أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه فى شىء، ثم إن عروة
جعل يرمق أصحاب النبى {# بعينيه، فرأى أنهم يبتدرون أمره، ويقتتلون على وضوئه، وإذا
تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يرفعون فيه النظر إجلالا له وتعظيماً، فرجع عروة إلى
أصحابه، فقال: أى قوم واللَّه لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشى،
والله ما رأيت مليكاً قط، يعظمه أصحابه، ما يعظم أصحاب محمد [®*]: هذا فلان، وهو
من قوم يعظمون البُدْن، فابعثوها له [مقلدة مشعرة هديا، لا للقتال] فبعتت له، واستقبله
المسلمون يلبون، فلما رأى ذلك قال: سبحان الله. ما ينبغى لهؤلاء أن يصدوا عن البيت،
فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت، فما أرى أن يصدوا عن البيت،
فقام رجل منهم، يقال له: مِكْرز بن حفص، فقال: دعونى آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف
٢٧٠

عليهم قال النبى (8: هذا مكرز، وهو رجل فاجر، وجعل يكلم النبي:{ *. وكان رسول اللَّهِ له.
أحب أن يبعث إلى قريش رجلا، يخبرهم بأنه إنما جاء معتمراً، فبعث عثمان، وأمره أن
يبشر المستضعفين من المؤمنين بالفتح القريب، فتوجه عثمان، وأجاره أبان بن سعيد بن
العاص، وبعنت قريش سهيل بن عمرو ليعقد عنهم صلحاً مع محمد #- فجاء، وكانت قصة
الحديث الذى نحن بصدد شرحه.
فلما انتهوا من كتابة الصلح بلغ المسلمين أن عثمان قتل، فاحتفلوا بسهيل رهينة،
وبايعوا رسول اللَّه تحت الشجرة، على القتال، وعلى أن لا يفروا، فبلغهم بعد ذلك أن
الخبر باطل، ورجع عثمان.
(كتب على بن أبى طالب الصلح بين النبى ◌َ* وبين المشركين يوم الحديبية،
فكتب) ((كتب)) الأولى فيها محاز المشارفة، ليصح ترتيب وتعقبب ((كتب)) الثانية عليها، أى
أشرف على الكتابة فكتب، كما نقول: توضأ فغسل ... )) وخطب فقال كذا وكذا، ونحوه فى الرواية
الثانية ((لما صالح رسول اللَّه ول أهل الحديبية- أى من المشركين - كتب على كتابا)) على أن
الكتاب هو الصلح.
وقد جاء عند عمر بن شيبة ((أن كاتب الصلح هو محمد بن مسلمة، قال الحافظ ابن حجر:
ويجمع بأن أصل كتاب الصلح بخط على، كما هو فى الصحيح، ونسخ مثله محمد بن مسلمة لسهيل
ابن عمرو.
(هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله ) الطرف الثانى للمكاتبة محذوف،
والتقدير: هذا ما كانب عليه محمد رسول اللَّه المشركين. أو أهل مكة. وفى الرواية
الثالثة ((هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله)) أى أهل مكة، قال النووى: قال العلماء: معنى
((قاضى)) هنا ((فاصل وأمضى أمره)) ومنه: قضى القاضى، أى فصل الحكم وأمضاه، ولهذا
سميت ذلك السنة عام المقاضاة، وعمرة القضية، وعمرة القضاء، وكله من هذا، وغلطوا من
قال: إنها سميت عمرة القضاء لقضاء العمرة التى صد عنها، لأنه لا يجب قضاء المصدود
عنها إدا تحلل بالإحصار، وقيل غير ذلك، وسيأتى مزيد لهذا فى فقه الحديث.
(فقالوا: لا تكتب ((رسول اللَّه))) القائل واحد، وهو سهيل بن عمرو، كما هو واضح
من الرواية الرابعة فقد كان مبعوث قريش إلى رسول الله * ليعقد بينه وبينهم الصلح
نائبا عنهم، فنسب الصلح والقول إليهم، لرضاهم به، وتفويضهم إياه، وفى الرواية الثالثة
((صالحه أهل مكة)) وفى الرواية الرابعة ((أن قريشاً صالحوا النبى ◌ُ ﴾، وفيهم سهيل بن
عمرو)» وذكر ابن إسحق أن قريشاً بعنت للصلح بديل بن ورقاء مع سهيل بن عمرو، ولكن
مضى قريباً نقلا عن رواية البخارى أن بديل بن ورقاء كان رسول قريش فى نفر من خزاعة
فى المراسلات والمفاوضات السابقة على الصلح، لكن يحتمل أنه عاد مرة ثانية مع سهيل.
٢٧١

وعند البخارى ((فقال النبى ◌َ﴾((واللَّه إنى لرسول اللَّه وإن كذبتمونى. اكتب محمد بن
عبداللَّهِ)).
وروايتنا الأولى لم تذكر الاعتراض الأول، الذى ذكرته الرواية الرابعة، وهو الاعتراض على
((بسم اللَّه الرحمن الرحيم)) وقول سهيل ((أما اسم اللَّه. فما ندرى: ما بسم اللَّه الرحمن
الرحيم)) وفى الكلام حذف، حذف فبه جواب ((أما)) أى أما اسم اللَّه فنعلمه ونسلم به، وأما
الرحمن الرحيم فما ندرى ما معناهما.
والظاهر أن علياً لم يكن كتب ابتداء «بسم الله الرحمن الرحيم» حتى يتعرض لمحوها، كما
فى ((رسول اللَّه)) فالاعتراض من سهيل صدر عند إشارة رسول الله﴿ بكتابتها، وقبل أن يكتب على ،
أما ((رسول اللّه)) فيبدو أن علياً له أسرع بكتابتها قبل الاعتراص، أو أنه لم يستمع ولم يقبل
الاعتراض ابتداء، فكتبها على الرغم من الاعتراض.
(لو نعلم أنك رسول اللَّه لم نقاتلك) فى الرواية الثالثة ((فلو نعلم أنك رسول اللَّه تابعناك»
وفى ملحقها ((بايعناك)) وفى رواية البخاري ((ما صددناك عن الببت وما قاتلناك)).
(أمحه. فقال: ما أنا بالذى أمحاه. فمحاه النبى ) وفى الرواية الثالثة ((فأمر عليا أن
يمحاها)» قال النووى: هكذا هو فى جميع النسخ ((بالذى أمحاه)» وهى لغة فى ((أمحوه)». اهـ. وفى
لسان العرب: محا الشىء يمحوه ويمحاه محوا ومحيا أذهب أثره، وطيئء تقول: محيته محبا ومحوا.
(فمحاه النبى - بيده) فى الرواية الثالثة («فقال رسول اللَّه ◌َ : أرنى مكانها، فأراه مكانها،
فمحاها)» والظاهر أن المحولم يكن بممحاة مزيلة للأثر، بل كان يطمس المكتوب بالمداد.
(وكان فيما اشترطوا أن يدخلوا مكة، فيقيموا بها ثلاثاً) الظاهر أن ضمير ((اشترطوا))
لقريش أهل مكة، والمعنى: كان فيما اشترط المشركون أن يدخل المسلمون مكة، فيقيموا بها ثلاثا -
أى ثلاث ليال بأيامها، وهذا الشرط وإن كان للمسلمين لا عليهم، فإن توابعه، أو تضييقه بهذه المدة
تجعله عليهم لا لهم.
وضمير الإفراد فى ((ولا يدخلها بسلاح)) مراد به هو ومن معه، لأنهم أتباعه، ومثله فى الرواية
الثالثة ((أن يدخلها، فيقيم بها ثلاثاً)) .. فأقام ... فليخرج ... فخرج)).
(ولا يدخلها بسلاح، إلا جلبان السلاح) قال القاضى: ضبطناه بضم الجيم واللام وتشديد
الباء، قال: وكذا رواه الأكثرون، وصوبه ابن قتيبة وغيره، ورواه بعضهم بإسكان اللام، وكذا ذكره الهروى
وصوبه، وهو ألطف من الجراب، يكون من الجلد، يوضع فيه السيف مغمداً، ويطرح فيه الراكب سوطه
وأداته، ويعلقه فى رحله، اهـ. وقد فسره الراوى أبو إسحاق فى ملحق الرواية الأولى بالقراب وما فبه،
وفى الرواية الثانية ((السيف وقرابه)) أى فى قرابه.
(لما أحصر النبى # عند البيت) العندية على التساهل والتسامح، أو هى مقولة بالتشكيك
٢٧٢

إذ هى أمر نسبى، ففى المسافات البعيدة لها معنى غير المسافاة القريبة، فقد يقال: بلد كذا عند بلد
كذا وبينهما أميال، والمراد هنا بالحديبية.
وقال النووى: هكذا هو فى جميع نسخ بلادنا ((أحصر عند البيت)) وكذا نقله القاضى عن رواية
جميع الرواة، سوى ابن الحذاء، فإن فى روايته ((عن البيت)) وهو الوجه.
وعن كلمة الإحصار قال النخعى والكوفبون: الحصر: الكسر والمرض والخوف.
وقال كثيرون من الصحابة وغيرهم: الإحصار كل حابس حبس الحاج، من عدو ومرض، وغير ذلك.
وأخرج الشافعى عن ابن عباس: لا حصر إلا من حبسه عدو.
والمشهور عن أكثر أهل اللغة: أن الإحصار إنما يكون بالمرض، وأما بالعدو فهو الحصر، وأثبت
بعضهم أن أحصر وحصر بمعنى واحد، يقال فى جميع ما يمنع الإنسان من التصرف.
(ولا يخرج بأحد معه من أهلها) أى إذا أراد مسلم بمكة أن يخرج مع محمد * وهو خارج،
ولم يكن جاء معه، فلا يجوز لمحمد # أن يخرج به، ولا أن يدافع عن مصاحبته.
بل فى الرواية الرابعة ((من جاءكم منا رددتموه علينا)».
(ولا يمنع أحداً يمكث بها ممن كان معه) أى لا يمنع مسلماً أن يرتد عن الإسلام، ويمكث
بمكة ممن جاء معه، بل فى الرواية الرابعة ((من جاء منكم لم نرده عليكم)) وفى ذلك بسط لحماية
الكفار لمن رغب فى الكفر، ومنع لحماية المسلمين لمن رغب فى الإسلام.
(فلما أن كان يوم الثالث) قال النووى: هكذا هو فى النسخ كلها، بإضافة ((يوم)) إلى
((الثالث)) وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، ومذهب الكوفيين جوازه، ومذهب البصريين تقدير
محذوف، أى يوم الزمان الثالث.
(فقالوا: يا رسول الله، أنكتب هذا؟ قال: نعم) الظاهر أن هذا القول من المسلمين وقع
بعد كتابة الصلح، وأن هذا كان من الصحابة استغرابا وتعجبا وتبرما، فبين الرسول {# حكمة
موافقته على هذا الشرط، فقال:
(إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجا
ومخرجا) أى من ارتد عن الإسلام، وذهب إليهم فهو شر أبعده الله عنا، ومن جاءنا مسلما فرددناه
لن يضره ردنا، لأن اللَّه سيجعل له فرجا ومخرجا. وفى رواية البخارى ((كان فيما اشترط سهيل بن
عمرو على النبى ®®: أن لا يأتيك منا أحد- وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه،
فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا منه، وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبى ﴿)) وفى رواية أخرى للبخارى
((فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف فى قيوده)» ويمشى مشيا بطيئا بسبب
قيده، وكان أبوه سهيل قد حبسه وأوثقه، ومنعه من الهجرة، وعذبه بسبب إسلامه، فأفلت من سجنه
٢٧٣

- وقد خرج من أسفل مكة، وتنكب الطريق، وركب الجبال، حتى هبط على المسلمين ورمى بنفسه
بين أظهر المسلمين، ففرح به المسلمون، وتلقوه، وعند ابن إسحق ((فقام سهيل بن عمرو إلى أبى
جندل، فضرب وجهه وأخذ يلببه)). ((فقال سهيل: هذا -يامحمد- أول من أقاضيك عليه أن نرده إلى،
فقال النبى ®: إنا لم نقض الكتاب بعد. قال: فوالله إذن لم أصالحك على شىء أبدا، قال النبى وُ لّ:
فأجزه لى)) أى امض لى فعلى فيه، فلا أرده إليك، واستتنه من العقد ((قال: ما أنا بمجيزه لك. قال:
بلى فافعل. قال: ما أنا بفاعل. قال أبو جندل: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت
مسلماً؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذابا شديداً فى اللَّه)) زاد ابن إسحق فقال رسول الله
﴿*)) يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإنا لا نغدر، وإن الله جاعل لك فرجا ومخرجا)» وفى رواية ((فوثب
عمر مع أبى جندل، يمشى إلى جنبه، ويقول: اصبر، فإنما هم مشركون، وإنما دم أحدهم كدم كلب،
وأخذ يدنى قائمة سيفه من أبى جندل، يلوح له أن يأخذه، يقول عمر: رجوت أن يأخذه منى، فيضرب
به أباه، فضن الرجل بأبيه. وأعيد أبو جندل فى أسر أبيه، وجاء إلى المدينة مسلم قريشى يدعى أبا
بصبر، فأرسلوا فى طلبه رجلين، فقالا: العهد الذى جعلت لنا؟ فدفعه صلى الله عليه وسلم إلى
الرجلين، وقال له: إن هؤلاء القوم صالحونا على ما علمت، وإنا لا نغدر، فالحق بقومك. فقال: يا
رسول الله، أتردنى للمشركين يفتنوننى عن دينى ويعذبوننى؟ قال: اصبر واحتسب، فإن اللَّه جاعل
لك فرجاً ومخرجا. وفى رواية ((فقال له عمر: أنت رجل وهو رجل ومعه السيف)» يحرضه على قتلهما
((فخرجا به، حتى بلغ ذا الحليفة، فنزلوا، يأكلون من تمر معهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: إنى
لأرى سيفك جيدا. أرنى أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه به حتى قتله، وفر الآخر حتى أتى المدينة،
وجاء أبو بصير إلى النبى 48#، فعرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، وانفلت من
مشركي مكة أبوجندل، فلحق بأبى بصير، فكونا عصابة من مسلمى مكة المضطهدين قيل: بلغت
ثلاثمائة رجل، ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها، فقتلوا وأخذوا أموالهم،
فأرسلت قريش إلى النبى #: نناشدك الله والرحم، من خرج منا إليك فهو حلال لك، فكتب رسول
اللَّهِ:﴿ إلى أبى بصير، فقدم الكتاب وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول اللَّه ﴿ ﴿ فى يده، فدفنه
أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجداً، وقدم أبو جندل وممن معه إلى المدينة.
(فأراه مكانها، فمحاها، وكتب: ابن عبد الله. فأقام بها ثلاثة أيام) هكذا فى الرواية
الثالثة، وفيها طى واختصار، والمقصود أن هذا الكلام لم يقع فى عام صلح الحديبية وإنما وقع فى
السنة الثانية، وهى عمرة القضاء، وكانوا شارطوا الندى 203 فى عام الحديبية أن يرجعوا دون دخول
الحرم، وأن يجيئوا العام المقبل، فتترك لهم قريش مكة، فيعتمرون، ولا يقيمون فيها أكثر من ثلاثة
أيام، فجاء فى العام المقبل، فأقام إلى أواخر اليوم الثالث، فحذف، واستغنى عن ذكره بكونه معلوماً،
وقد جاء مبينا فى روايات أخرى.
(قام سهيل بن حنيف يوم صفين) أى يوم حرب صفين بين على ومعاوية رضى الله عنهما،
وقال هذا القول حين ظهر من أصحاب على ظه كراهة التحكيم.
٢٧٤

(فقال: يا أيها الناس. اتهموا أنفسكم. لقد كنا مع رسول الله * يوم الحديبية، ولو
نرى قتالا لقاتلنا) فى الرواية السادسة ((أيها الناس. اتهموا رأيكم على دينكم، لقد رأيتنى يوم أبى
جندل، ولو أستطيع أن أرد أمر رسول اللّه { لرددته)) يوم أبى جندل يوم الحديبية، يوم الصلح، وقد
سبق بيانه قريباً، وإنما نسبه إلى أبى جندل لأنه لم يكن فى هذا اليوم على المسلمين أشد من قصته،
والمراد باتهام الرأى عدم الإسراع فى اتخاذ القرار، والتروى فيه، والاتجاه به نحو الصلح بدلا من
رفضه، فالصلح خير، ويرجى بعده الخير، وإن كان ظاهره أحيانا تأنف منه النفوس الأبية، كما حصل
فى صلح الحديبية، فقد كانت نفوسنا تأباه، وكان رأينا القتال.
(واللَّه ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمرقط إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه، إلا
أمركم هذا) وضع السيوف على العواتق كناية عن حملها، وهى عادة تتدلى من علاقة معلقة بالكتف.
والمعنى ما حملنا سيوفنا لمعركة ما إلا كنا نعرف هدفنا، ونتبين طريقنا، إلا هذا الأمر الذى نحن
فيه، فقد عمى علينا الحق، واختلط بالباطل، فلم نعد ندرى. هل القتال حق أو لا؟)) أسهلن)) بفتح
الهمزة وسكون السين وفتح الهاء وسكون اللام ونون النسوة، أى يسرن وكشفن وأدت بنا إلى أمر
واضح، فالضمير للسيوف مجازا.
وفى ملحق الرواية السادسة ((ولو استطيع أن أرد أمر رسول الله ﴿)) بحذف جواب ((لو)) المذكور
فى أصل الرواية، وحذف جواب ((لو)) للعلم به كتير، ومنه قوله تعالى ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي
غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام: ٩٣].
(ما فتحنا منه فى خصم إلا انفجر علينا منه خصم) قال النووى: الضمير فى
((منه)) عائد إلى قوله ((اتهموا رأيكم)) ومعناه ما أصلحنا من رأيكم وأمركم هذا ناحية إلا
انفتحت أخرى، ولا يصح عود الضمير إلى غير ما ذكرناه، وأما قوله ((ما فتحنا منه خصما)»
فكذا هو فى مسلم. قال القاضى؛ وهو غلط أو تغيير، وصوابه: ما سددنا منه خصماً، وكذا هو
فى رواية البخارى ((ما سددنا)) وبه يستقيم المعنى، ويتقابل ((سددنا)) بقوله ((إلا انفجر))
وأما الخصم فبضم الخاء، وخصم كل شىء طرفه وناحيته، وشبهه بخصم الراوية وانفجار
الماء من طرفها، أو بخصم الغرارة والخرج، وانصباب ما فيه بانفجاره. اهـ
وفى ملحق الرواية السادسة ((إلى أمر يفظعنا)) أى يشق علينا ونخافه)).
(ففيم نعطى الدنية فى ديننا؟) ((الدنية)) بفتح الدال وكسر النون وتشديد الياء المفتوحة
النقيصة والحالة الناقصة.
(فنزل القرآن على رسول الله ﴿ بالفتح) أى بسورة الفتح، أى صدرها.
(فأقرأه إياه) يقال: أقرأ فلانا السورة، أى جعله يقرؤها، والمعنى قرأها عليه وسمعها منه،
والضمير فى ((إياه)) للقرآن، ويطلق على جزئه وكله.
والمراد بالفتح فى السورة صلح الحديبية.
٢٧٥

(أوفتح هو؟) الهمزة للاستفهام، والواو عاطفة على محذوف، والتقدير: أنسعد بالصلح؟ وفتح
هو؟ قال رسول الله: ﴿: نعم. أى لما فيه من الفوائد التى سنتعرض لها.
(وهم يخالطهم الحزم والكآبة، وقد نحر الهدى بالحديبية) يقال: كئب كآبة تغيرت
نفسه وانكسرت من شدة الهم والحزن. وحديث البخارى يرسم هذه الصورة، فيقول ((قال عمر لأبى
بكر: أليس كان يحدثنا أنا سنأتى البيت، ونطوف به؟ قال: بلى. فأخبرك أنك تأتيه العام؟ قال:
قلت: لا. قال: فإنك آتيه، ومطوف به. فلما فرغ رسول اللَّه ◌َ ﴿ من قضية الكتاب قال رسول اللّهِ حَ لّ
لأصحابه: قوموا، فانحروا، ثم احلقوا. قال: فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات. فلما
لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكرلها ما لقى من الناس ».
وفى رواية ابن إسحق ((فقال لها: ألا ترين إلى الناس؟ إنى آمرهم بالأمر فلا يفعلونه؟ هلك
المسلمون، أمرتهم أن يحلقوا وينحروا فلم يفعلوا)) ((فقالت: يا رسول اللَّه، إنهم قد دخلهم أمر عظيم،
مما أدخلت على نفسك من المشقة فى أمر الصلح، ورجوعهم بغير فتح)) ((ثم قالت: يا نبى اللَّه،
أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج، فلم
يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك. نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا، وجعل
بعضهم يحلق بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غما)) وعند ابن إسحق «ثم انصرف رسول الله { لا
قافلا، حتى إذا كان بين مكة والمدينة نزلت سورة الفتح.
فقه الحديث
اشتملت رواياتنا على بندين فقط من بنود صلح الحديبية. البند الأول أن يرجع المسلمون هذا
العام، بدون عمرة، وأن يرخص لهم بالعمرة فى العام القادم لمدة ثلاثة أيام بدون سلاح، ونص هذا
البند عند ابن إسحق:
ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل مكة علينا، وإنه إذا كان عام قابل خرجنا عنك - أى خرجنا نحن
من مكة إلى الجبال، وتركناها لك- فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثا، معك سلاح الراكب - أى
المسافر، وليس المحارب- السيوف فى القرب.
البند الثانى: من أوى إلى المسلمين من أهل مكة يرده المسلمون إلى الكفار، ومن أوى إلى الكفار
من المسلمين لا يرده الكفار للمسلمين. وقريب منه ما جاء فى روايتنا الثالثة بلفظ ((ولا يخرج بأحد
معه من أهلها، ولا يمنع أحدًا، يمكث بها ممن كان معه)) ولفظه عند البخارى ((أن لا يأتيك منا أحد -
وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا، وخليت بيننا وبينه» وفى لفظ للبخارى ((وعلى أنه لا يأتيك منا
رجل - وإن كان على دينك- إلا رددته إلينا)) ولفظه عند ابن إسحق ((أنه من أتى محمدًا من قريش،
بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشًا ممن يتبع محمدًا لم يردوه عليه)).
واختلف العلماء: هل كان هذا البند يشمل النساء؟ أو لا يشمل النساء؟ فظاهر بعض الروايات يعم
الرجال والنساء، وبعضها خصه بالرجال.
٢٧٦

وقد روى البخارى عن المسور بن مخرمة قال: ((وجاءت المؤمنات مهاجرات)) أى بعد
الصلح ((وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول الله# يومئذ -
وهى عاتق- أى شابة لم تدرك، وقيل شابة أدركت ولم تتزوج بعد - فجاء أهلها يسألون
النبى ® أن يرجعها إليهم، فلم يرجعها إليهم، لما أنزل اللَّه فيهن ﴿إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ
مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَّى
الْكُفَّارَ﴾ [الممتحنة: ١٠] فمن قال: إن البند لا يشمل النساء فالآية توضيح لنص الصلح،
وتحديد للمراد من النص العام ((أحد)) و((من)) واعتماد لقيد ((رجل)) فى بعض الروايات،
ومن قال إن النص يشمل النساء قال: إن الآية ناسخة لشق البند المذكور.
واختلف العلماء كذلك. هل يجوز الصلح مع المشركين على أن يرد إليهم من جاء مسلماً ممن
عندهم إلى بلاد المسلمين أم لا؟ فقيل: نعم. على ما دلت عليه قصة أبى جندل وأبى بصير، وقيل: لا،
وأن الذى وقع فى القصة منسوخ، وأن ناسخه حديث ((أنا برىء من مسلم بين مشركين)) وهو قول
الحنفية، وعند الشافعية تفصيل بين العاقل، والمجنون والصبى، فلا يردان، وقال بعض الشافعية:
ضابط جواز الرد أن يكون المسلم بحيث لا تجب عليه الهجرة من دار الحرب.
وهناك بنود أخرى فى الصلح، لم تتناولها رواياتنا. منها:
١- ما جاء فى رواية ابن إسحق من أن الصلح نص على أن توضع الحرب بينهما عشر سنين.
وفى مغازى ابن عائذ أنه كان سنتين. قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بينهما بأن الذى قاله ابن
إسحق هى المدة التى وقع الصلح عليها، والذى ذكره ابن عائذ وغيره هى المدة التى انتهى إليها أمر
الصلح فيها، حتى وقع نقضه على يد قريش، ثم قال الحافظ ابن حجر: وأما الذى وقع فى كامل ابن
عدى ومستدرك الحاكم والأوسط للطبرانى من حديث ابن عمر، من أن مدة الصلح كانت أربع سنين،
فهو مع ضعف إسناده منكر مخالف للصحيح.
قال: وقد اختلف العلماء فى المدة التى تجوز المهادنة فيها مع المشركين، فقيل: لا تجاوز أربع
سنين، وقيل: ثلاثاً، وقيل سنتين، والأول هو الراجح. والله أعلم.
٢- وأن يأمن الناس بعضهم بعضاً فى نفوسهم وأموالهم، سراً وجهراً، وفى رواية ابن إسحق
((وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة)) أى أمراً مطوياً فى صدور سليمة، وهو إشارة إلى ترك المؤاخذة عما
تقدم بينهم من أسباب الحرب وغيرها، والمحافظة على العهد الذى وقع بينهم)) وفى رواية ابن إسحق
أيضاً ((وأنه لا إسلال ولا إغلال))، أى لا سرقة ولا خيانة.
٣- وأنه من أحب أن يدخل فى عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل فى عقد
قريش وعهدهم دخل فيه.
وكان هذا البند هو الذى نقضته قريش بمعاونتهم بنى بكر، الداخلين فى عهدهم على خزاعة، الذين
دخلوا فى عهد محمد *، وكان السبب المباشر لفتح مكة، كما سبق فى الباب الذى قبله.
٢٧٧

موقف الصحابة من هذا الصلح: نكاد نقول: إنه لم يكن أحد من الصحابة يرضى بهذا الصلح،
والرواية السادسة توضح الموقف، وتبرز مشاعر سهل بن حنيف ته بقوله ((ولو أنى أستطيع أن أرد
أمر رسول اللّه ﴿ لرددته».
وكان أبرزهم نفوراً من الصلح عمر بن الخطاب ◌ُه، فقد روى البخاري أن عمر ظه أتى نبى اللَّه
وَل، فقال له: ألست نبى الله حقاً؟ قال: بلى. قال: ألسنا على الحق؟ وعدونا على الباطل؟ قال: بلى.
قال: فلم نعطى الدنية فى ديننا إذن؟ قال: إنى رسول اللَّه، ولست أعصيه، وهو ناصرى. قال: أوليس
كنت تحدثنا أنا سنأتى البيت فنطوف به؟ قال: بلى. فأخبرتك أنا نأتية العام؟ قال عمر: لا. قال
رسول اللَّه ◌َ﴾: فإنك آتيه ومطوف به. وذهب إلى أبى بكر، فقال له مثل ما قال لرسول اللَّه ◌ُ ﴾، وسمع
منه مثل ما سمع من رسول اللّه ◌ُ ﴾.
وعند البزار قال عمر: ((لقد رأيتنى أرد أمر رسول اللَّه ◌َ ﴿ برأى، وما ألوت عن الحق. قال: فرضى
رسول اللَّه ◌َ * وأبيت، حتى قال لى: يا عمر: ترانى رضيت وتأبى؟)) ولم يكن موقف عمر شكا فى
رسول اللَّهَ﴿، وفى حكمه وقراره، بل طلبا لكشف ما خفى عليه، وحثا على إذلال الكفار، وظهور
الإسلام، كما عرف من خلقه رضي الله عنه وقوته فى نصرة الدين، وإذلال المبطلين. وكان أكثرهم
استسلاما للصلح - وليس رضى به- أبو بكر له فمع قوة إيمانه، وزيادة تصديقه وإذعانه لم ينفذ أمر
الحلق والنحر.
وسبب هذا الموقف من الصحابة ما قاله ابن إسحق بلفظ ((كان الصحابة لا يشكون فى الفتح،
لرؤيا رآها رسول اللَّه ◌َ﴿، فلما رأوا الصلح دخلهم من ذلك أمر عظيم، حتى كادوا يهلكون)» وعند
الواقدى ((أن النبى # كان رأى فى منامه أن يعتمر، وأنه دخل هو أصحابه البيت، فلما رأوا تأخير
ذلك شق عليهم)) ويقول الحافظ ابن حجر: وقد وقع التصريح فى الحديث الصحيح بأن المسلمين
استنكروا الصلح المذكور، وكانوا على رأى عمر فى ذلك، والظاهر أن الصديق لم يكن فى ذلك موافقا
لهم، بل كان قلبه على قلب رسول اللَّه ◌ُ ﴾. اهـ
أما النبى وَ فإنه كان يتحرك فى هذا الأمر بوحى الله، يبدو هذا جليا من قوله لعمر ضه: «إنى
رسول اللَّه، ولست أعصيه، وهو ناصرى)) فقبوله هذه النصوص عن أمر الله تعالى، وليس عن اجتهاد،
أو مقدمات تسوق إلى نتائج، فالمقدمات كلها لا تتفق مع هذا الصلح، حتى الرجوع لا يتفق مع
قوتهم وعزتهم، وقد جاءوا معتمرين، فكيف يقبلون الصد عن البيت الحرام؟ ثم النصوص غير متكافئة،
وتكاد كلها تنطق بعقد الإذعان، نعم عدم كتابة ((رسول اللَّه)) و(الرحمن الرحيم)) كان لمصلحة إتمام
الصلح، وليس فى تركها مفسدة، أما البسملة وباسمك اللهم فمعناهما واحد، وكذا قوله ((محمد بن عبد
اللَّه)) هو أيضاً رسول اللَّه ◌ُ ﴾، وليس فى ترك وصف الله سبحانه وتعالى فى هذا الموضع بالرحمن
الرحيم ما ينفى ذلك، ولا فى ترك وصفه أيضاً صلى الله عليه وسلم هنا بالرسالة ما ينفيها، فلا مفسدة
فيما طلبوه، وإنما كانت المفسدة تكون لوطلبوا أن يكتب مالا يحل، من تعظيم آلهتهم ونحو ذلك.
وأما بقية الشروط ففيها من حيث الظاهر إجحاف بالمسلمين، ومن الصعب على أصحاب العزة
٢٧٨

والنفوس الأبية قبولها، لهذا دخلهم من الهم والغم ما دخلهم، أما عدم انصياعهم لأمر رسول اللَّه ◌ُ لّ.
بالنحر والحلق فلم يكن رداً لأمره صلى اللّه عليه وسلم، ولكنه كان توقفاً على أمل أن ينزل وحى يغير
الموقف، وقد تكرر نحوهذا فى قوله تعالى: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ إِذ
نزل بعدها ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا
الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [المجادلة: ١٣،١٢] قال الحافظ ابن حجر عند شرحه لجملة ((فوالله ما قام
منهم رجل)) قيل: كأنهم توقفوا لاحتمال أن يكون الأمر بذلك للندب، أو لرجاء نزول الوحى بإبطال
الصلح المذكور، أو تخصيصه بالإذن بدخولهم مكة ذلك العام، لإتمام نسكهم، وسوغ ذلك لهم أنه كان
زمن وقوع النسخ، ويحتمل أنهم انشغلوا بالفكر، لما لحقهم من الذل عند أنفسهم، مع ظهور قوتهم
واقتدارهم فى اعتقادهم على بلوغ غرضهم، وقضاء نسكهم بالقهر والغلبة، أو أخروا الامتثال لاعتقادهم
أن الأمر المطلق لا يقتضى الفور، ويحتمل مجموع هذه الأمور لمجموعهم، وليس فيه حجة لمن أثبت
أن الأمر للفور، ولا لمن نفاه، ولا لمن قال: إن الأمر للوحوب، لا للندب، لما يتطرق القصة
من الاحتمال.اهـ
نعم كان الغيب يحتفظ لهذه النصوص نتائج عظيمة، فيها خير كبير للإسلام والمسلمين ﴿وَعَسى
أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّلَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦].
فشرط رد من جاء منهم، وعدم رد من جاءهم - وإن شرح النبى # وجهة نظره فيه بقوله ((من
ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا)» كانت نتيجته شوكة فى
ظهر مشركى مكة، آلمتهم وأوجعتهم، حتى أرسلوا إلى رسول الله :* يتنازلون عن هذا الشرط،
ويرجونه أن يضم إليه من آوى إليه من المسلمين، أمثال أبى بصير وأبى جندل. وأما شرط الرجوع
دون نسك فقد عوض فى العام القابل بضعف عدد ما كان فى ذلك العام. قال النووي: قال العلماء
والمصلحة المترتبة على هذا الصلح ظهرت من ثمراته الباهرة، وفوائدة المتظاهرة التى كانت عاقبتها
فتح مكة، وإسلام أهلها كلهم، ودخول الناس فى دين الله أفواجا، وذلك أنهم قبل الصلح لم يكونوا
يختلطون بالمسلمين، ولا تتظاهر عندهم أمور النبى # كما هى، ولا يلتقون بمن يعلمهم بها مفصلة،
فلما حصل صلح الحديبية اختلطوا بالمسلمين، وجاءوا إلى المدينة، وذهب المسلمون إلى مكة، ونزلوا
على أهلهم وأصدقائهم وغيرهم ممن يستنصحونهم، وسمعوا منهم أحوال النبى# مفصلة بجزئياتها،
ومعجزاته الظاهرة، وأعلام ثبوته المتظاهرة، وحسن سيرته، وجميل طريقته، وعاينوا بأنفسهم كثيراً
من ذلك، فبادر خلق كثير إلى الإسلام، قبل فتح مكة - ولقد دخل الإسلام فى هاتين السنتين أكثر
ممن أسلم قبلهما، وليس أدل على ذلك من أنهم كانوا فى الحديبية ألفا وأربعمائة مسلم، وكانوا فى
فتح مكة عشرة آلاف مسلم، وازداد أهل مكة ميلا إلى الإسلام، فلما كان يوم الفتح أسلموا كلهم، لما
كان قد تمهد لهم من الميل، وكانت العرب من غير قريش فى البوادى ينتظرون إسلام قريش ليسلموا،
فلما أسلمت قريش أسلمت العرب فى البوادى، قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وَرَأيْتَ
النَّاسَ يَدْخُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجَاهُ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾، ولذلك يقول الزهرى
فيما ذكره ابن إسحق: لم يكن فى الإسلام فتح قبل فتح الحديبية أعظم منه، وروى البخارى عن البراء
٢٧٩

ابن عازب ◌ُ قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة - وقد كان فتح مكة فتحا - ونحن نعد الفتح بيعة
الرضوان يوم الحديبية)).
ولم يختلف أحد فى أن المراد بالفتح فى قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ هو الحديبية،
فقد نزلت هذه الآيات على رسول اللّه# منصرفه من الحديبية - كما هو صريح روايتنا السابعة،
فأرسل صلى الله عليه وسلم إلى عمر، فقال له: لقد أنزلت على الليلة آيات، هى خير من الدنيا وما
فيها، ثم أقرأه الآيات، فقال: يا رسول اللَّه، أو فتح هو؟ قال: نعم. فطابت نفسه رضي الله عنه.
ومن الحكمة فى قبول هذا الصلح أن الصحابة لو دخلوا مكة على هذه الصورة وصدهم قريش عن
ذلك لوقع بينهم قتال يفضى إلى سفك الدماء ونهب الأموال، وكان بمكة آنذاك جمع كنبر مؤمنون
مستضعفون من الرجال والنساء والولدان، فلو طرق الصحابة مكة لما أمن أن يصاب ناس منهم بغير
عمد، وإلى هذا يشير القرآن الكريم بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةً مِن
بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤].
وبقوله: ﴿هُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ
مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَتُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمِ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ
مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزِّيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥].
ويؤخذ من أحاديثنا فوق ما تقدم
١- قال القاضى عياض: احتج بعض الناس بقوله فى الرواية الثالثة ((أرنى مكانها، فأراه مكانها،
فمحاها، وكتب: ابن عبد اللَّه)) على أن النبى ﴿ كتب ذلك بيده، على ظاهر اللفظ، وعلى ظاهر
لفظ البخارى فى رواية، ففيها ((أخذ رسول اللَّه الكتاب فكتب)) وفى رواية ((ولا يحسن أن
يكتب فكتب)) قال أصحاب هذا المذهب: إن اللَّه نعالى أجرى ذلك على يده، إما بأن كتب القلم
بيده ذلك، وهو غير عالم بما يكتب، أو أن اللَّه تعالى علمه ذلك حينئذ، حتى كتب، وجعل هذا زيادة
فى معجزاته.
وهذا لا يقدح فى كونه أميا، فقد علمه ما لم يكن يعلم من العلم، وجعله يقرأ ما لم يكن يقرأ، ويتلو
ما لم يكن يتلو، كذلك علمه أن يكتب ما لم يكن يكتب، ويخط ما لم يكن يخط.
واحتجوا بآثارجاءت فى هذا المعنى عن الشعبى وبعض السلف، وأن النبى * لم يمت
حتى كتب. قال القاضى: وإلى جواز هذا ذهب الباجى، وحكاه عن السمعانى وأبى ذر
وغيره. وذهب الأكثرون إلى منع هذا كله، قالوا: وهذا الذى زعمه الذاهبون إلى القول
الأول يبطله وصف اللَّه تعالى إياه بالنبى الأمين﴿، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُومِنْ
قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وقوله صلى الله عليه وسلم ((إنا أمة
أمية، لا نكتب ولا نحسب)) قالوا: وقوله فى هذا الحديث ((كتب)) معناه أمر بالكتابة،
كما يقال: رجم ماعزا، وقطع السارق، وجلد الشارب. أى أمر بذلك، واحتجوا بالرواية
٢٨٠