Indexed OCR Text

Pages 241-260

(٤٨٩) باب غزوة الطائف
٤٠٥٩ - ٨٢ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍوَّه(٨٢) قَالَ: حَاصَّرَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ أَهْلَ الطَّائِفِ فَلَمْ
يَنِالْ مِنْهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ «إِنَّا قَافِلُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ» قَالَ: أَصْحَابُهُ نَرْجِعُ وَلَمْ نَفْتَحْهُ؟ فَقَالَ لَهُمْ
رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ه«اغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ فَغَدَوْا عَلَيْهِ فَأَصَابَهُمْ جِرَاحٌ» فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَّ
«إِنَّا قَافِلُونَ غَدًا)» قَالَ: فَأَعْجِبُهُمْ ذَلِكَ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِعَ.
المعنى العام
نصر الله رسوله و فى غزوة حنين على هوازن، وعجل له غنيمة كبيرة من هزيمتهم، وكان معهم
فى حنين بنونضر بقيادة مالك بن عوف النضرى، وهم من سكان أعمال الطائف، فلما انهزموا فى
حنين فرمالك بن عوف وأنباعه نحو الطائف، ولما كانت القيادة الحكيمة تقضى بتتبع فلول الجيش
المنهزم قبل أن نتجمع أو نكيد، رأى رسول الله . أن يلحق بأتباع مالك، ويحاصر الطائف، فلم يقسم
غنائم حنبن على المجاهدين، بل جمعها فى الجعرانة فى طريق الطائف، حتى يعود من غزوه، وكان
أهل الطائف قد حسبوا لهذا اليوم حسابا، فجمعوا فى حصونهم ما يكفيهم سنة، وكانت حصونهم
منبعة، ذات أسوار عالية قوية، لم يؤثر الحصار فيهم، أولم يرغمهم على الاستسلام، بل كانوا فى
موقف المهاجم، جيش المسلمين فى العراء، وهم فى قلاع وطواب وشرفات، يصبدون ولا يصادون،
وهم قوم رماة، أهل قوة وشكيمة وحضارة، كانوا يحمون قطعة الحديد فى النار، ويقذفونها على جند
المسلمين، وكانت نبالهم نصبد المسلمين من أعلاهم، ولا تصل نبال المسلمين إليهم.
فلما يئس رسول اللّه :* من هزيمتهم، واعتبر حصارهم درسا كافيا، وهو يرجو أن يسلموا طلب
من أصحابه العودة، فعز عليهم أن يحاصروا هذه المدة، ثم يعودوا دون فتح، فأبدوا الأسى والأسف
للعودة، وقالوا: يعز علينا أن نرجع دون أن نفتح، ونحن فى عزة وقوة ونشوة انتصار على هوازن.
فقال لهم صلى الله عليه وسلم: إذن استمروا فى القتال، وفى الصباح بدءوا مناوشة أهل الطائف،
فأصابهم أهل الطائف بما المهم وأوجعهم، فأعاد عليهم صلى الله عليه وسلم طلب الرجوع، فرضوا به
وسروا، فتبسم صلى الله عليه وسلم لاقتناعهم بإشارته بعد أن جربوا غيرها تجربة مريرة.
المباحث العربية
(عن عبد الله بن عمرو) قال النووى: هكذا هو فى نسخ صحيح مسلم ((عن عبد الله بن عمرو))
(٨٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ نُمَيْرِ جَمِيعًا عَنِ سُفْيَانْ قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّتَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً عَنْ عَمْرٍو عَنْ
أَبِ الْعَّاسِ الشَّاعِرِ اَلأَغْمَى عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو
٢٤١

بفتح العين، وهو ابن عمرو بن العاص، قال القاضى: كذا هو فى رواية الجلودى وأكثر أهل الأصول عن
ابن ماهان قال: وقال القاضى الشهيد أبو على: صوابه ((ابن عمربن الخطاب)) كذا ذكره البخارى،
وكذا صوبه الدار قطنى، وذكر ابن أبى شيبة الحديث فى مسنده عن سفيان، فقال: عبد الله بن عمرو
ابن العاص، ثم قال: إن ابن عقبة حدث به مرة أخرى عن عبد الله بن عمر. هذا ما ذكره القاضى
عياض، وقد ذكر خلف الواسطى هذا الحديث فى كتاب الأطراف فى مسند ابن عمر، ثم فى مسند ابن
عمرو، وأضافه فى الموضعين إلى البخارى ومسلم جميعا، وأنكروا هذا على خلف، وذكره أبو مسعود
الدمشقى فى الأطراف عن ابن عمرابن الخطاب، وأسنده إلى البخارى ومسلم: وذكره الحمبدى فى
الجمع بين الصحيحين فى مسند ابن عمر، ثم قال: هكذا أخرجه البخاري ومسلم فى كتب الأدب عن
قتيبة، وأخرجه هو ومسلم جميعا فى المغازى عن ابن عمرو بن العاص، قال: والحديث من حديث ابن
عيينة، وقد اختلف فيه عليه، فمنهم من رواه عنه هكذا، ومنهم من رواه بالشك، قال الحميدى: قال أبو
بكر البرقانى: الأصح ابن عمر بن الخطاب. قال: وكذا أخرجه ابن مسعود فى مسند ابن عمر بن
الخطاب، قال الحميدى: وليس لأبى العباس هذا فى مسند ابن عمر بن الخطاب غير هذا الحديث
المختلف فيه، وقد ذكره النسائى فى سننه فى كتاب السير عن ابن عمرو بن العاص فقط.
(حاصر رسول اللَّهَ﴿ أهل الطائف) الطائف بلد كبير مشهور، كثير الأعناب والنخيل، على
ثلاث مراحل أو اثنتين من مكة، من جهة المشرق.
سار النبى # إليها بعد منصرفه من حنين، وحبس الغنائم بالجعرانة، وكان مالك بن عوف
النضرى قائد هوازن، لما انهزم دخل الطائف، وكان له حصن قبل الطائف، على أميال منها، فمر به
النبى ®، وهو سائر إلى الطائف، فأمر بهدمه.
قال أهل المغازى: وصل رسول اللَّه ◌َل إلى الطائف فى شوال سنة ثمان، وقيل: بل وصل إليها فى
أول ذى القعدة.
واستمر الحصار مدة، قيل: أربعين يوماً، وقيل: عشرين يوما، وقيل: بضع عشرة ليلة.
(فلم ينل منهم شيئا) أى فلم يفتحه، ولم يهزم أهله، لأنهم كانوا قد أعدوا فى حصونهم ما
يكفيهم لحصار سنة، وكانوا يرمون على المسلمين من الأسوار قطع الحديد المحماة، ورموهم بالنبل،
فأصابوا قوما، ولما أوذى المسلمون منهم قالوا: يارسول اللَّه، أحرقتنا نبال ثقيف، فادع الله عليهم.
فقال: اللَّهم اهد ثقيفا، وإستشار نوفل بن معاوية الديلى، فى شأنهم، فقال: هم ثعلب فى جحر، إن
أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك.
(فقال: إنا قافلون إن شاء الله) أى راجعون إلى الجعرانة غدا إن شاء الله.
(قال أصحابه: نرجع ولم نفتتحه؟) فى رواية البخارى)) فثقل عليهم، وقالوا: نذهب ولا
نفتحه»؟ أى لما أخبرهم بالرجوع بغير فتح لم يعجبهم.
٢٤٢

(فقال لهم رسول اللّه﴿ اغدوا على القتال) أى فلما رأى أنهم لم يعجبهم الرأى أمرهم
بالقتال، أى اذهبوا غدوة للقتال، والغدوة والغداة ما بين الفجر وطلوع الشمس، وقد يراد بالأمر ((اغدوا))
أى اذهبوا وانطلقوا، بقطع النظر عن زمانه.
(فغدوا عليه) أى استمروا على الحصار مع المناوشة بالنبال، فكانت سهامهم لاتصل إلى من
على السور وكانوا تحت سهام ثقيف.
(فأصابهم جراح) التنكير للتكثير، أى جراح كثيرة شديدة.
(فضحك رسول اللَّه ) لأنه لما أعاد عليهم القول بالرجوع أعجبهم حينئذ، فقد نبين لهم
تصويب القول الأول، والإعلان عن الرجوع، وفى رواية ((فتبسم صلى الله عليه وسلم))
فقه الحديث
يوخذ من الحديث
١- أن النبى ® كان قائدا حكيما.
٢- وأنه كان رحيما بأصحابه عزيزاً عليه عنتهم، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِن
أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
٣- ترك المخالف للرأى الحكيم حتى يلمس بنفسه صحته، ولو كانت النتيجة الكى.
٤- نتيجة مخالفة إشارة رسول اللّه ◌َل﴾.
٥- التبسم عند الإعجاب، وبيان صحة الرأى، لتنبيه المخالف إلى ما كان ينبغى، لاشماتة فيه وفيما
أصابه.
٢٤٣

(٤٩٠) باب غزوة بدر
٤٠٦٠ - ١٣ عَنْ أَنَسِ رَُ(٨٣) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ّ شَاوَرَ حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ. قَالَ:
فَتَكُلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَأَعْرَضَ عَنْهُ. ثُمَّ تَكَلِّمَ عُمَرُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ: إِيَّنَا تُرِيدُ
يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَمَرْتَنَا أَن نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لأَخَصْنَاهَا، وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَصْرِبَ
أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَفَعَلْنَا، قَالَ: فَتَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ِ النَّاسَ. فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْرًا.
وَوَرَدَتْ عَلَيْهِمْ رَوَايَا فُرَيْشٍ وَفِيهِمْ غُلامٌ أَسْوَدُ لِبَنِي الْحَجَّاجِ فَأَخَذُوهُ. فَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ
اللَّهِ وَ﴿ يَسْأَلُونَهُ عَنْ أَبِي سُفْيَانِ وَأَصْحَابِهِ، فَيَقُولُ مَا لِي عِلْمٌ بِأَبِي سُفْيَانَ، وَلَكِنْ هَذَا أَبُو
جَهْلٍ وَعُثْبَةُ وَشَيْئَةُ وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ. فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ ضَرَبُوهُ. فَقَالَ: نَعَمْ أَنَا أُخْبِرُكُمْ هَذَا أَبُو
سُفْيَانَ. فَإِذَا تَرَكُوهُ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ مَا لِي بِأَبِي سُفْيَانَ عِلْمٌ، وَلَكِنْ هَذَا أَبُو جَهْلٍ وَعُتْبَةُ وَشَيْئَةُ
وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ فِي النَّاسِ. فَإِذَا قَالَ هَذَا أَيْضًا ضَرَّبُوهُ. وَرَسُولُ اللَّهِ ﴿ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا رَأَى
ذَلِكَ انْصَرَفَ قَالَ «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَصْرِبُوهُ إِذَا صَدَقَكُمْ وَتَتْرُكُوهُ إِذَا كَذَّبَّكُمْ» قَالَ: فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِعَجِ «هَذَا مَصْرَعُ فُلانٍ» قَالَ: وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى الأَرْضِ هَاهُنَا هَاهُنَا. قَالَ: فَمَا مَاطٌ
أَحَدُهُمْ عَن مَوْضِعٍ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ مِّ.
المعنى العام
أوذى المسلمون بمكة على أيدى جبابرة قريش إيذاء لا يحتمله بشر، فهاجر بعضهم إلى الحبشة
مرتبن، ثم هاجروا إلى المدينة، فرارا بدينهم، وكان من يخرج منهم يترك وطنه وبيته وأملاكه وأمواله،
ويخرج سرا، أو بحجة التجارة أو الزيارة، بل كان صناديد قريش يشترطون على من يأذنوا له بالهجرة
أن يتنازل عن ممتلكاته ومامعه من مال، فيخرج بالثباب التى على جسده، حتى وصفهم الله فى
مهجرهم بالفقراء، وجعلهم من مستحقى الصدقة، وإن كانوا قبل ذلك بمكة من الأغنياء، فقال تعالى
﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِن أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَابْنِ السَّبِيل
كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولَ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ
شَدِيدُ الْعِقَابِ لِلْفُقَرَاء الْمَّهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ
وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٧ وما بعدها].
ماذا يحق شرعا وقانونا وعقلا لهؤلاء الذين اغتصبت أموالهم إذا قويت شوكتهم؟ واستطاعوا أن
يستردوا شيئا من أموالهم المنهوبة من أيدى من نهبوهم؟ هذا ما كان منهم. كانت قريش تجارا
(٨٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا عَفَّنُ حَدََّا حَمَّدُ بْنُ سَلَمَةً عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنْسٍ
٢٤٤

يرتحلون فى تجارتهم إلى الشام، فبمرون بقرب المدينة، فعلم المسلمون بالمدينة أن أبا سفيان فى
ثلاثين رجلا من قريش يقودون قافلة تجارية من مكة إلى الشام، فخرجوا ليتعرضوا لها فى غزوة
عرفت بغزوة العشيرة، ولم يكن النبى 8# معهم، ففانتهم، فترقبوا رجوعها، وأوحى الله إلى نبيه أن
يخرج إلى هذه القافلة، ووعده أن يغنم إحدى الطائفتين، إما عير هذه القافلة وأموالها، وإما غنيمة
أموال قريش الذين يخرجون لحربه، فاستنفر النبى 8 أصحابه، فخرجوا فى ثلاثمائة وبضعة عشر
رجلا، نيفا على الستين رجلا من المهاجرين، ونيفا وأربعين ومائتين من الأنصار، حتى وصلوا ماء
يعرف ببدر، قريب من طريق القافلة، وترصدوها. كان أبو سفيان قائد القافلة يتجسس الأخبار،
ويتوقع من النبى . ومن المسلمين أن يتعرضوا له، وبلغه أن النبى ول# استنفر أصحابه، يقصد
القافلة، فأرسل رجلا من قافلته يدعى ضمضما إلى قريش بمكة، يحرضهم على المجىء، لحفظ
أموالهم، ويحذرهم المسلمين، فاستنفرهم ضمضم، فخرجوا فى ألف راكب مسلح، ومعهم مائة فرس،
واشتد حذر أبى سفيان، فغير الطريق المعتاد المرتقب، وأخذ طريق الساحل، وأسرع فى السير، حتى
فات موقع المسلمين، فلما أمن أرسل من يلقى قريشا يأمرهم بالرجوع. لكن أبا جهل زعيم
المستنفرين أقسم أن لا يرجع مكة حتى يلقن المسلمين درسا، ويحتل الماء الذى ينزلون عنده،
ويشرب بنفسه من ماء بدر.
ووصلت عيون المسلمين بأخبار المشركين، وبعددهم وعددهم، فقال النبى # لأصحابه: أشيروا
علىّ أيها الناس. إن الله وعدنى إحدى الطائفتين. غنيمة العير، أو غنيمة الحرب، وقد أفلتت العير،
واستعدت قريش للحرب، وهاهم على مرمى جيشنا. فهل ننسحب ونرجع؟ أونثبت ونقاتل؟ وأجابه
أبو بكر، فأحسن الجواب. امض يارسول اللَّه إلى ما أمرك الله، فنحن معك. عن يمينك وشمالك وبين
يديك ومن خلفك، أرواحنا ملك لله ورسوله، فلم يعقب رسول الله على كلام أبى بكر، فهو لم يكن
يقصده بالسؤال، وصرف بصره عنه إلى جهة أخرى، وتكلم عمر فأحسن بمثل كلام أبى بكر، فلم يعقب
رسول اللَّه على كلامه، فهو لم يكن يقصد المهاجرين أصلا، وصرف بصره ناحية زعماء الأنصار،
إنه لم يكن بايعهم على أن يخرجوا معه للقتال وطلب العدو، وإنما بايعهم على أن يمنعوه ممن
يقصده. فما موقفهم من طلبه العدو؟ وقتالهم له؟ وفهم الأنصار قصده، فقال زعيمهم سعد بن معاذ:
كأنك تريدنا يارسول الله؟ امض يارسول اللَّه لما أمرت به، فنحن معك، فوالله لئن أمرتنا أن نخوض
بخيلنا هذا البحر لخضناه معك، ماتخلف منا أحد، ولو أمرتنا أن نضرب أكباد خيولنا إلى أبعد مكان
تقصده لفعلنا، ماتخلف منا أحد، ولا تكون كالذين قالوا لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا
قاعدون، ولكنا نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون، ولعلك - يارسول الله - خرجت
لأمر فأحدث اللَّه غيره، فأمض لما شئت، وصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وسالم من
شئت، وعاد من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت. فسر النبى ◌ُ﴾، وتكلم المقداد ابن الأسود بمثل ذلك،
فأشرق وجهه صلى الله عليه وسلم، وقرر القتال وصف الصفوف. إنه يعلم أن أصحابه كانوا يتمنون
الغير، غير ذى الشوكة، ولكن يريد الله أن يحق الحق بكلماته، ويقطع دابر الكافرين. ولقد صف
المشركون صفوفهم وخيلهم فى مواجهة المسلمين وأخذ أبو جهل يصول ويجول ويتبختر بين
٢٤٥

صفوفهم، وطلب المشركون المبارزة، وخرج من بين صفوفهم عتبة ابن ربيعة، ينادى من يبارزنى من
المسلمين؟ وتبعه ابنه الوليد ينادى نفس النداء، وتبعه أخوه شيبة بن ربيعة ينادى كذلك، فبرز لهم
ثلاثة من شباب الأنصار، فقال لهم عتبة: لاحاجة لنا فيكم، إنما أردنا بنى عمنا. فقال رسول اللَّه ◌َ ل:
قم ياحمزة، قم ياعلىّ، قم ياعبيدة، فأقبل حمزة إلى عتبة فقتله، وأقبل علىّ إلى شيبة فقتله، وتبادل
عبيدة والوليد الضربات، فأثخن كل منهما الآخر، فمال حمزة وعلى على الوليد فقتلاه، واحتملا عبيدة،
وتلاحمت الصفوف، وحمى الوطيس، والقوتان غير متكافئتين، ولكن نصر الله نزل من السماء، فأنزل
اللَّه ماء قليلا على المسلمين لينشطهم ويثبت به أقدامهم على الرمال، وأنزل ملائكة مددا، إجابة
لاستغاثة رسول اللَّه ﴿ لربه، إذ رفع يديه إلى السماء ينادى: اللَّهم نصرك الدى وعدتنى. اللَّهم إنى
أنشدك ما وعدتنى. اللَّهم إن شئت لم تعبد فى الأرض، حتى وقع رداؤه صلى الله عليه وسلم عن كتفيه،
فأتاه أبو بكر، فأخذ رداءه، فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، فقال: يانبى اللَّه، كفاك مناشدتك
ربك، فإنه سينجزلك ما وعدك، ولم يكن أبو بكر بذلك أوثق بربه من النبى و8®، بل الحامل على هذه
المناشدة الحامية شفقته صلى الله عليه وسلم على أصحابه، فاستقرت نفسه صلى الله عليه وسلم
لما رأى من نزول الملائكة، وقال: سيهزم الجمع ويولون الدبر. وانهزم المشركون وفروا، تاركين وراءهم
سبعين من القتلى، وسبعين من الرجال الأسرى، وغنم المسلمون الإبل والشاة والأموال، وكان على
رأس القتلى أبو جهل زعيم العصابة المشركة.
وأنزل اللَّه نعالى ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرِ وَأَنْتُمْ أَزِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ
أَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزِلِينَ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِن
فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِن الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهَ إِلا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ
قُلُوَبُّكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِن عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنِ الَّذِينَ كَفَّرُوا أَوْ يَكْبتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا
خَائِبِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٣ -١٢٧] وأنزلَ ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَّوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ
ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرَينَ* لِيُحِقَّالْحَقَّ وَيُبْطِلَ
الْبَاطِلَ وَلَوْكَرَةَ الْمُجْرِمُونَ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِّدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِن الْمَلائِکَةِ
مُرْدِفِينَ ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشرَّى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِن عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
إِذْ يُفَشِّيَكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِن السَّمَاءِ مَاءٌ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجَزَ الشَّيْطَانِ
وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُنَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَتَبِّتُوَ الَّذِينَ آمَنُواَ
سَأُلْقِي فِي قُلُوبَ الَّذِينَ كَفَرَّوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعَّنَاقِ وَاضْرِيُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَّانِ﴾ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ
شَاقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَّإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِهَ ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّلِلْكَافِرِينَ عَذَابَ
النَّارِهِ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرَّوا رَحْفًا فَلا تُؤَلُّوهُمْ الأَدْبَارَهِ وَمَنْ يُؤَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا
مُتَحَرِّفًا لِقِتَالِ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَّى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِن اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُهِ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ
وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلْهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءُ حَسَنًا إِنَّاللَّهَ سَمِيعٌ
عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧-١٧].
٢٤٦

المباحث العربية
(بدر) قرية مشهورة، بقرب ينبع والصفراء والجار والجحفة، وهو موسم من مواسم العرب،
ومجمع من مجامعهم فى الجاهلية، وبها آبار ومياه، على نحو خمسمائة ميل من المدينة. قيل:
سميت باسم بدر بن الحارث، وقيل: باسم بئر بها، لصفائه واستدارته.
(أن رسول اللّه ◌ِ﴿ شاور) مفعوله محذوف، أى شاور أصحابه، أبا بكر وعمر وغيرهما، أو نزل
منزلة اللازم، فلم يقصد له مفعول، أى حدثت منه المشاورة، كأن قال: ماذا نفعل أيها الناس ؟ وهذا
هو الظاهر.
(فتكلم أبوبكر) وأبدى رأيه فى الموقف، يقاتلون ؟ أو يرجعون ؟ وعند ابن إسحق أن هذه
المشاورة كانت بعد أن وصل النبى صل الصفراء، وبلغه أن قريشا قصدت بدرا، وأن أباسفيان نجا
بمن معه، فاستشار الناس، فقام أبو بكر فقال فأحسن، ثم قام عمر كذلك.
(فأعرض عنه) أى لم يعلق على كلامه لأنه لم يكن يقصده، بل كان يقصد الأنصار.
(فقام سعد بن عبادة) كذا فى مسلم ((سعد بن عبادة)) وكذا عند ابن أبى شيبة، قال الحافظ
ابن حجر: وفيه نظر، لأن سعد بن عبادة لم يشهد بدرا، وإن كان يعد فيهم، لكونه ممن ضرب له
بسهمه، والمحفوظ أن هذا الكلام لسعد بن معاذ، كذا ذكره موسى بن عقبة، وغيره من كتاب السير،
وزادوا «فقال رسول اللَّه ◌َ ﴿: أشيروا علىّ. فعرفوا أنه يريد الأنصار، لأنه لم يكن بايعهم على أن
يخرجوا معه للقتال وطلب العدو، وإنما بايعهم على أن يمنعوه ممن يقصده، فكان يتخوف أن لا
يوافقوه على القتال، فقال له سعد بن معاذ: امض يارسول اللّه لما أمرت به، فنحن معك، لئن سرت
حتى تأتى برك الغماد من ذى يمن لنسيرن معك، ولا نكون كالدين قالوا لموسى: اذهب أنت وربك
فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكنا نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون، ولعلك - يارسول
اللَّه - خرجت لأمر فأحدث اللَّه غيره، فامض لما شئت، وصل حبال من شئت، واقطع حبال من
شئت، وسالم من شئت، وعاد من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت)) والمحفوظ أيضا أن المقداد ابن
الأسود قال هذا القول، فقد روى البخارى عن ابن مسعود *ه قال: شهدت من المقداد ابن الأسود
مشهدا - لأن أكون صاحبه أحب إلى مما عدل به، أتى النبى { # وهو يدعو على المشركين، فقال:
لانقول كما قال قوم موسى: اذهب أنت وربك فقانلا، ولكنا نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، وبين
يديك وخلفك. فرأيت النبى {# أشرق وجهه، وسره)) قال الحافظ ابن حجر: ويمكن الجمع بأن النبى
# استشارهم فى غزوة بدر مرتين، الأولى وهو بالمدينة أول ما بلغه خبر العير مع أبى سفيان، وذلك
بين فى رواية مسلم، ولفظه ((أن النبى # شاور حين بلغه إقبال أبى سفيان)) والثانية كانت بعد أن
خرج، ووقع عند الطبرانى أن سعد بن عبادة قال ذلك بالحديبية، وهذا أولى بالصواب.اهـ
(فقال: إيانا [معشر الأنصار] تريد يارسول الله؟) وعلم من أسارير رسول اللّه
198 أن نعم فقال:
٢٤٧

(والذي نفسي بيده. لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها) ((نخيضها)) بضم النون
وكسر الخاء يعنى الخيل، يعنى نجعلها نخوض الدحر، وتخترقه لجعلناها كذلك.
(ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا) قال النووى: أما ((برك)) فهو
بفتح الباء وسكون الراء، هذا هو المعروف المشهور فى كتب الحديث وروايات المحدثين. قال
القاضى عياض: قال بعض أهل اللغة: صوابه كسر الراء. قال النووي: وذكره جماعة من أهل اللغة
بالكسر لاغير، واتفق الجميع على أن الراء ساكنة، إلا ما حكى القاضى عن الأصيلى أنه ضبطه
بإسكانها وفتحها، وهذا غريب ضعيف.
وأما (الغماد)) فبكسر الغين وضمها، لغتان مشهورتان، لكن الكسر أفصح، وهو المشهور فى
روايات المحدثين، والضم هو المشهور فى كتب اللغة. وهو موضع من وراء مكة. بخمس ليال، بناحية
الساحل، وقبل: بلدتان، وقيل: موضع بأقاصى هجر، وقبل: برك الغماد، وسعفات هجر، كناية، تقال
فيما تباعد. أى من غير قصد حقيقة الأمكنة.
(فندب رسول اللَّه﴿ الناس، فانطلقوا حتى نزلوا بدرا) أى دعاهم إلى الخروج للقاء
الغير، وهذا ظاهر فى أن المشاورة كانت بالمدينة.
(ووردت عليهم روايا قريش) الروايا من الإبل الحوامل للماء، واحدتها راوية، فالمراد مرت
بهم إبل قريش التى يستقون عليها، ونروى القوم، والمراد الروايا ورعاتها.
(وفيهم غلام أسود) أى وفى رعاتها ومرافقيها غلام أسود.
(مالى علم بأبى سفيان) هذه حقيقة الغلام، فهو لا يعلم عن أبى سفيان وقافلته شيئا، وإنما
هو مع قريش الذين خرجوا من مكة، ونزلوا بدرا، لحرب رسول اللّه ◌ُل﴾.
(ولكن هذا أبوجهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف فى الناس) أى هؤلاء الذين أعرفهم
وهم الذين أستقى لهم فى طائفة كبيرة من قريش، إن أبا سفيان أرسل إلى قريش: أن أدركوا أموالكم
مع أبى سفيان، فقد عرض لها محمد، فاستنفر أبو جهل الناس، وغير أبو سفيان الطريق، فنجا
بالعير، لكن أبا جهل وعصابته أبوا إلا أن يواجهوا محمدا فى بدر.
(فلما رأى ذلك انصرف) عن الصلاة بالتسليم بعد أن أكملها مخففة.
(لتضريوه إذا صدقكم، وتتركوه إذا كذبكم) قال النووى: هكذا وقع فى النسخ
((تضريوه))، و(«تتركوه)) بغير نون [وكان الأصل أن يقول: تضربونه ونتركونه] وهى لغة،
تحذف النون بغير نصب ولا جزم.
(فقال رسول اللَّه ◌َل: هذا مصرع فلان. قال: ويضع يده على الأرض ههنا)
أى فكان # يشير بيده إلى أماكن مصارع زعماء قريش فيما صار ميدان المعركة. وممن
٢٤٨

ذكرهم: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وأبو جهل بن هشام، وكان
يدعو عليهم بمكة.
(فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله ) أى فما بعد مصرع أحدهم عن موضع
إشارة يده صلى الله عليه وسلم. يقال: ماط عنى، مبطا، وميطانا، وأماط، أى بنحى وبعد وذهب، ومنه
إماطة الأذى عن الطريق، أى تنحيته.
فقه الحديث
ذكر البخارى نحت غزوة بدر مجموعة من الأحاديث. منها:
تحت باب ذكر النبى {₪ من يقتل ببدر «عن سعد بن معاذ أنه قال: كان صديقا لأمية بن خلف،
وكان أمية إذا مر بالمدينة نزل على سعد، وكان سعد إذا مربمكة نزل على أمية، فلما قدم رسول اللّه
* انطلق سعد معتمرا، فنزل على أمية بمكة، فقال لأمبة: انظر ى ساعة خلوة، لعلى أن أطوف
البيت، فخرح به قريبا من نصف النهار، فلقيهما أبو جهل، فقال: ياأبا صعوان من هذا معك؟ فقال:
هذا سعد. فقال له أبوجهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنا، وقد آويتم الصباة [جمع صابى، وهو الذى
ينتقل من دين إلى دين] وزعمتم أنكم ننصرونهم وتعينونهم؟ أما والله لولا أنك مع أبى صفوان ما
رجعت إلى أهلك سالما. فقال له سعد - ورفع صوته عليه - أما والله لئن منعتنى هذا لأمنعنك ما هو
أشد عليك منه. طريقك على المدينة [أى مايقاربها ويحاذيها في طريق الشام] فقال له أمية: لا نرفع
صوتك ياسعد على أبى الحكم، سيد أهل الوادى. فقال سعد: دعنا عنك يا أمية، فوالله لقد سمعت
رسول الله ﴿ يقول: إنهم قاتلوك. قال: بمكة؟ قال: لاأدرى، ففزع لذلك أمية فزعا شديدا، فلما رجع
أمية إلى أهله قال: ياأم صفوان. ألم درى ما قال لى سعد؟ قالت: وماذا قال لك؟ قال: زعم أن
محمدا أحبرهم أنهم قاتلى، فقلت له: بمكة؟ قال: لا أدرى فقال أمية: واللَّه لا أخرج من مكة، فلما
كان يوم بدر استنفر أبوجهل الناس. قال: أدركوا عيركم. فكره أمية أن يخرج، فأناه أبو جهل، فقال:
ياأباصفوان. إنك متى يراك الناس قد تخلفت، وأنت سيد أهل الوادى تخلفوا معك، فلم يزل به
أبوجهل حتى قال: أما إذ غلبتنى فوالله لأشترين أجود بعير بمكة، ثم قال أمية: يا أم صفوان،
جهزينى. فقالت له: ياأباصفوان. وقد نسيت ما قال لك أخوك اليتربى؟ قال: ما أريد أن أجوز معهم
إلا قريبا، فلم يزل حتى قتله اللَّه عز وجل ببدر)).
قيل: قتله ابن إساف، وقيل: قتله رجل من بنى مازن من الأنصار، وقال ابن هشام: اشترك فى
قتله معاذ ابن عفراء وخارجة بن زيد، وخبيب. وذكر الحاكم أن رفاعة بن رافع طعنه بالسيف، ويقال:
قتله بلال، وأما ابنه على بن أمية فقتله عمار.
وذكر البخارى هنا أيضا حديث قتل أبى جهل، وسيذكره مسلم بعد ستة أبواب وسبق حديث
ابنى عفراء بخصوصه فى باب استحقاق القاتل سلب القتبل، قبل خمسة عشر بابا ».
٢٤٩

وذكر حديث شهود الملائكة بدراً، وقد ذكره مسلم قبل عشرة أبواب.
وذكر حديث أبي طلحة ((أن نبى الله أمريوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش،
فقذفوا فى طوى من أطواء بدر [أى فى بئر مهمل] خبيث مخبث، وبعد ثلاث قام يناديهم بأسمائهم
وأسماء آبائهم: يا فلان ابن فلان. ويافلان ابن فلان. أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله ؟ فإنا قد وجدنا
ما وعدنا ربنا حقا؟ فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ فقال عمر: يارسول الله، ما تكلم من أجساد لا
أرواح لها؟ فقال رسول اللَّه ◌ُ ل﴾: والذي نفس محمد بيده. ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)).
وذكر أحاديث فى فضل من شهد بدرا، وأحاديث للبدريبن، وأخبرا ذكر أسماء البدريين مرتبة
على حروف المعجم. فمن أراد البسط فليراجع.
ويؤخذ من الحديث
١- استشارة الأصحاب وأهل الرأى والخبرة.
٢- ومن انصرافه من الصلاة قال النووى: فيه استحباب تخفيف الصلاة إذا عرض أمر فى أثنائها.
٣- ومن ضرب الغلام جواز ضرب الكافر الذى لاعهد له وإن كان أسيرا. قاله النووى. والأظهر أن فيه
جواز الضرب لإظهار الحقيقة، إذا ظُن إخفاؤها. هذا على أساس أن النبى ◌ُ أقر ذلك.
٤ - وفى الحديث معجزتان من أعلام النبوة. إحداهما إخباره صلى اللّه عليه وسلم بمصرع جبابرتهم،
فلم يتعد أحد مصرعه. التانية إخباره صلى الله عليه وسلم بأن الغلام الذى كانوا يضربونه يصدق
إذا ترکوه، ویکذب إذا ضربوه، وکان کذلك فى نفس الأمر.
٥- فيه منقبة عظيمة لسعد بن عبادة، وجهاده لرفعة راية الإسلام.
٦- ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من شغل أوقاته بالصلاة النافلة، حتى فى وقت الشدة.
والله أعلم
٢٥٠

(٤٩١) باب فتح مكة
٤٠٦١- ٤َجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَ﴾(٨٤) قَالَ: وَفَدَتْ وُفُودٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ وَذَلِكَ فِي
رَمَضَانَ. فَكَانَ يَصْنَعُ بَعْضُنَا لِيَعْضِ الطَّعَامَ. فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَدْعُوَّنَا إِلَّى
رَحْلِهِ. فَقُلْتُ: أَلا أَصْنَعُ طَعَامًا فَأَدْعُوَهُمْ إِلَى رَحْلِيٍ. فَأَمَرْتُ بِطَعَامٍ يُصْنِّعُ. ثُمَّ لَقِيتُ
أَبَا هُرَيْرَةَ مِنَ الْعَشِيِّ، فَقُلْتُ الدَّعْوَةُ عِنْدِي اللَّيْلَةَ. فَقَالَ: سَبَقْتَنِي؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
فَدَعَوْتُهُمْ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَلا أُعْلِمُكُمْ بِحَدِيثٍ مِن حَدِيثِكُمْ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، ثُمَّ
ذَكَرَ فَتْحَ مَكَّةَ. فَقَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ حَتْىٍ قَدِمَ مَكَّةَ، فَبَعَثَ الزُّبَيْرَ عَلَى إِحْدَى
الْمُجَنِبْتَيْنِ، وَبَعَثَ خَالِدًا عَلَى الْمُجَنِبَةِ الأُخْرَى، وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْحُسِّرِ،
فَأَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي وَرَسُولُ اللَّهِلَ﴿ فِي كَتِبَةٍ. قَالَ: فَنَظَرَ فَرَآنِي فَقَالَ «أَبُو
مُرَيْرَةَ» قُلْتُ: لَبِّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ «لا يَأْتِينِي إِلا أَنْصَارِيٌّ» زَادَ غَيْرُ شَيْبَانَ،
فَقَالَ «اهْتِفْ لِي بِالأَنْصَارِ» قَالَ: فَأَطَافُوا بِهِ. وَوَبَّشَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشَا لَهَا وَأَتْبَاعًا،
فَقَالُوا نُقَدِّمُ هَؤُلاءٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ كُنّا مَعَهُمْ، وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَا الَّذِي سُئِلْنَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِمَ ﴿ِ«تَرَوْنَ إِلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعِهِمْ)) ثُمَّ قَالَ بِيَدَيْهِ إِحْدَاهُمَا
عَلَى الأُخْرَى ثُمَّ قَالَ: «حَنِّى تُوَافُونِي بِالصَّفَا» قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَمَا شَاءَ أَحَدٌ مِنَّا أَنْ
يَقْتُلَ أَحَدًا إِلَّ قَتَلَهُ وَمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ يُوَجِّهُ إِلَيْنَا شَيْئًا. قَالَ: فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانٌ، فَقَالَ يَا
رَسُولَ اللَّهِ أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ لا قُرَيْتَ بَعْدَ الْيَوْمِ. ثُمَّ قَالَ «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبي
سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» فَقَالَتِ الأَنْصَارُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ
وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ. وَجَاءَ الْوَحْيُ وَكَانَ إِذَا جَاءَ الْوَحْيُ لا يَخْفَى عَلَيْنَا
فَإِذَا جَاءَ فَلَيْسَ أَحَدٌ يَرْفَعُ طَرْفَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِوَ ﴿ّ ◌َتِّسىِ يَنْقَضِيَ الْوَحْيِّ. فَلَمَّا
انْقَضَى الْوَحْيُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَّ«يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ» قَالُوا: لَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ «قُلْتُمْ أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ» قَالُوا: قَدْ كَانَ ذَاكَ. قَالَ «كَلا إِنّي
عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ وَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتَّكُمْ)»
فَأَقْبُلُوا إِلَيْهِ يَبْكُونَ وَيَقُولُونَ وَاللَّهِ مَا قُلْنَا الَّذِي قُلْنَا إِلا الضِّنَّ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِوَّ«إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ)» قَالَ: فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَّى دَارٍ
أَبِي سُفْيَانَ وَأَغْلَقَ النَّاسُ أَبْوَابَهُمْ. قَالَ: وَأَقْلَ رَسُولُ اللَّهِ،وَ﴿ِ حَتَّى أَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ
(٨٤) حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ حَدَّثْنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ حَدْثَنَا ثَابِتٌ الْنَانِيُّ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبّاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
٢٥١

فَاسْتَلَمَةُ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ. قَالَ: فَأَتَى عَلَى صَنَّمٍ إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ كَانُوا يَعْبُدُونَهُ.
قَالَ: وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ قَوْسٌ وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَةِ الْقَوْسِ فَلَمَّا أَتّى عَلَى الصَّنَمِ،
جَعَلَ يَطْعُنُهُ فِي عَيْنِهِ وَيَقُولُ ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ فَلَمَّا فَرَغَ مِن طَوَافِهِ، أَتَى
الصَّفَا فَعَلَا عَلَيْهِ حَتّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ
أَنْ يَدْعُوَ.
٤٠٦٢- جْجُ وفي رواية عَن سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ(٨٥) بِهَذَا الإِسْنَادِ: وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: ثُمَّ قَالَ
بَيَدَيْهِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى «احْصُدُوهُمْ حَصْدًا». وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ: قَالُوا: قُلْنَا ذَاكَ يَا
رَسُولَ اللهِ. قَالَ «فَمَا اسْمِي إِذَا؟ كَلا إِنّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ».
٤٠٢٣ - ٦ ٨ُ عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ (٨٦) قَالَ: وَفَدْنَا إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانٌ وَفِينَا أَبُو هُرَيْرَةَ،
فَكَانُ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا يَصْنَعُ طَعَامًا يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ، فَكَانَتْ نَوْيَتِي، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ الْيَوْمُ
نَوْيَتِي، فَجَاءُوا إِلَّى الْمَنْزِلِ وَلَمْ يُدْرِكْ طَعَامُّنَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ لَوْ حَدَّثْتَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ
مَّ حَتَّى يُدْرِكَ طَعَامُنَا، فَقَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَجَعَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى
الْمُجَّبَةِ الْيُمْنَى، وَجَعَلَ الزُّبَيْرَ عَلَى الْمُجْتِبَةِ الْيُسْرَى، وَجْعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْبَيَاذِقَةِ وَبَطْنٍ
الْوَادِي، فَقَالَ «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ادْعُ لِيَ الأَنْصَارَ» فَدَعَوْتُهُمْ فَجَاءُوا يُهَرْوِلُونَ. فَقَالَ «يَا مَعْشَرَ
الأَنْصَارِ هَلْ تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ» قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ «انْظُرُوا إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ غَدًا أَنْ تَحْصُدُوهُمْ
حَصْدًا» وَأَخْفَى بِيْدِهِ وَوَضَعَ يَمِيْنَهُ عَلَى شِمَالِهِ وَقَالَ «مَوْعِدُكُمُ الصَّفَا» قَالَ: فَمَا أَشْرَفَ
يَوْمَئِذٍ لَهُمْ أَحَدٌ إِلا أَنَاهُوهُ. قَالَ: وَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ الصَّفَا، وَجَاءَتِ الأَنْصَارُ فَأَطَافُوا
بالصَّفَا، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ لا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ. قَالَ
أَبُو سُفْيَانَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ. وَمَنْ أَلْقَى السِّلاحَ فَهُوَ
آمِنٌ. وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ» فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ وَرَغْبَةٌ
فِي قَرْيَتِهِ. وَنَزَلَ الْوَحْيٌّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِمَ﴿ قَالَ «قُلْتُمْ أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ
وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ. أَلَا فَمَا اسْمِي إِذَا ثَلاثَ مَرَّاتٍ أَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، هَاجَرْتُ إِلَى
اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ، فَالْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ» قَالُوا: وَاللَّهِ مَا قُلْنَا إِلا ضِنَّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.
قَالَ «فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيَعْذِرَانِكُمْ».
(٨٥) وحَدَّتْنِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِم حَدَّثَنَا بَهْرٌ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ
(٨٦) حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ حَدََّا يَحْتِي بْنُ حَسَّانَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ أَخْبَرَنَا ثَابِتٌ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبّاحٍ
- زَادَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَحَدَّثَنَاهَ حَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْخُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ كِلَاهُمَا عَن عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنَا الثَّوْرِيُّ
٢٥٢

٤٠٦٤ - ٧ج عَن عَبْدِ اللَّهِ عَ﴾(٨٧) قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ◌َ مَكْةً وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلاثُ مِاتّةٍ
وَسِتُّونَ نُصُبًّا فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ كَانَ بِيَدِهِ وَيَقُولُ «﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ
زَهُوقًا﴾ [الإسراء/٨١] ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ/ ٤٩]. زَادَ ابْنُ أَبِي
عُمَرَ يَوْمَ الْفَتْحِ.
٤٠٦٥ - - وفي رواية عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ إِلَى قَوْلِهِ ﴿زَهُوقًا﴾. وَلَمْ يَذْكُرِ الآيَةَ
الأُخْرَى. وَقَالَ بَدَلَ «نُصُبًّا» «صَنَمًّا».
٤٠٦٦ - له عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ عَن أَبِيهِ وَ﴾ (٨٨) قَالَ: سَمِعْتُ النّبِيَّلِ﴿ يَقُولُ «يَوْمَ فْحٍ
مَكَّةَ لا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
٤٠٦٧- ٨٩ وفي رواية عَن زَكْرِيَّاءَ(٨٩) بِهَذَا الإِسْنَادِ وَزَادَ قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ أَحَدٌ مِن
عُصَاةِ قُرَيْشٍ غَيْرَ مُطِيعٍ كَانَ اسْمُهُ الْعَاصِي فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِلَّ مُطِيعًا.
المعنى العام
فى ذى القعدة سنة ست من الهجرة خرج رسول الله* من المدينة قاصدا العمرة، فصدهم
المشركون عن الوصول إلى البيت، عند الحديبية، ووقع بينهم الصلح المشهور، وفيه أن يرجع من عامه
هذا، على أن يدخل مكة فى العام المقبل، وفيه [من أحب أن يدخل فى عقد رسول اللّه عَ لي وعهده
فلبدخل، ومن أحب أن يدخل فى عقد قريش فليدخل] فدخلت بنوبكر بن عبد مناة فى عهد قريش،
ودخلت خزاعة فى عهد الرسول *، وكان بين بكر وخزاعة حروب وقتلى فى الجاهلية، فلما كانت
الهدنة خرح نوفل بن معاوية من بنى بكر، حتى بيت خزاعة، على ماء لهم، يقال له الوثير، فأصاب
منهم رجلا يقال له منبه، واستيقظت لهم خزاعة، فاقتتلوا إلى أن دخلوا الحرم، ولم يتركوا القتال،
وأمدت قريش بنى بكر بالسلاح والطعام، وقاتل بعضهم معهم ليلا فى خفية، وانتصرت بنوبكر على
خزاعة، فجاء وفد خزاعة يستنصر بالمسلمين وبرسول اللَّه ﴿، فكتب رسول اللّه،﴾ إلى قريش أنهم
نقضوا العهد، وخيرهم بين ثلاث، أن يودوا قتيل خزاعة، وبين أن يبرءوا من حلف بكر، وبين أن ينبذ
إليهم على السواء، فقالوا: لانودى ولا نبراً، ولكننا ننبذ إليه سواء، فخرج إليهم رسول اللّه ﴿ فى عشرة
آلاف من أصحابه على رأس ثمان سنين ونصف السنة من الهجرة على الأصح، ولما علم بذلك أبو
(٨٧) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَعَمْرٌوِ النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَّرَ وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِي شَيْئَةَ قَالُوا حَدََّا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةً عَنِ ابْنٍ أَبِي
نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَن عَبْدِ اللّهِ
- وحدثنا حسن بن على الحلوانى وعبد بن حميد كلاهما عن عبد الرزاق. أخبرنا الثوري عن ابن أبي نجيح.
(٨٨) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَوَكِيعٌ عَن زَكَرِيَّاءَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ أَخْبَرَبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ عَنْ أَبِهِ
(٨٩) حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَّيَّرٍ حَدََّا أَبِي حَدََّنَا زَكْرِيَّاءُ
٢٥٣

سفيان زعم قريش، ونأكد أن قريشا لاقبل لها بالمسلمين، خرج إلى رسول اللّه ◌َ عند مر الظهران
يطلب منه الأمان لقريش، وأسلم، فقال رسول اللَّه ◌َ ل﴾: من دخل دار أبى سفيان فهو آمن، ومن دخل
المسجد فهوآمن، ومن أغلق علبه داره فهو آمن، ودخلت القوات المسلمة مكة، خالد بن الوليد على
الميمنة والزبير بن العوام على المبسرة، وأبو عبيدة بن الجراح على الساقة ونهاهم رسول اللَّه { ** عن
القتال، وكانت قريش قد جمعت من حولها جموعا من أوباش القبائل وغوغائهم، واستعدت لحرب
المسلمين، فلما وقع الأمان لأبى سفيان لم يلتزم به الغوغائيون، وتعرضوا لقتال المسلمين ودخل
الناس دورهم ودار أبى سفيان، فأشار النبى للأنصار: أن احصدوهم حصدا، فحصدوا منهم أربعة
وعشرين رجلا وفر الباقون وأوقف رسول اللّه إراقة الدماء بعد أن شكى إليه أبو سفيان وقال له
أبيدت قريش، وأعلن الأمان لقريش، أمانا على الأوراح، وأمانا على الممتلكات، لا أسرى ولاغنائم
ولاقتل، وهذا أسلوب لم يعهده الأنصار فى حروبهم السابقة، فقال بعضهم لبعض: إن النبى 248 بحكم
بشريته أخذته الرقة والرأفة بأهله، فاتخذ هذا القرار، ونخشى أن تأخذه عاطفة الوطن وحبه لمكة أن
يقيم بها، وينصرف عنا، وعن ديارنا، وأوحى إلى النبى 3# بما قالوا. فدعاهم، فسألهم، فأقروا، واعتذروا
بأن هذا الكلام صدر منهم لشدة حرصهم عليه وعلى جواره، فصدقهم وقبل عذرهم وطمأنهم بأنه عبد الله
ورسوله لا يصدر إلا عن الوحى، ولا ينفذ إلا ما أمره الله به، وقد أمره ربه أن تكون حياته بالمدينة مع
الأنصار، فلا يفسد هجرته، وأن يكون مماته بالمدينة، بين الأنصار، ففرحوا بهذا النبأ، ويكوا لشدة
فرحتهم بحيازتهم لرسول اللَّه ◌ِ ﴿ ..
ثم أخذ رسول اللّه* طريقه إلى المسجد الحرام، وإلى الكعبة، والمسلمون من حوله، فدخل
المسجد، واتجه نحو الحجر الأسود فاستلمه، وطاف حول الكعبة، وحطم الأصنام التى كانت في
المسجد وعددها ثلاثمائة وستون صنما، حطم بعضها بقوس كان فى يده، وهو يقول: جاء الحق وزهق
الباطل إن الباطل كان زهوقا، وأمر بتحطيم باقيها، ثم دعا حاجب الكعبة وأمين مفتاحها عثمان بن
طلحة، فأخذ منه المفتاح ففتحها ودخلها، وصلى بداخلها، ومكث فيها ماشاء الله، ثم أعاد المفتاح
إلى عثمان بن طلحة وقال: ((خذها - أى المفاتيح- خالدة مخلدة إنى لم أدفعها إليكم، ولكن الله
دفعها إليكم ولا ينزعها منكم إلا ظالم فظلوا خزنة الكعبة، وحافظى مفتاحها هم وورثتهم حتى اليوم.
فلما فرغ صلى الله عليه وسلم من طوافه أتى الصفا، فارتقى ربوته، ونظر إلى الكعبة وأخذ يحمد
اللَّه ويثني عليه بما هو أهله، ويدعوه بما شاء من الدعاء.
ثم أعلن صلى اللّه عليه وسلم قرار ربه ((لا يقتل قريشى صبرا بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة)).
) إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، لا يحل لا مرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما،
ولا يعضد بها شجرا، فإن أحد ترخص لقتال رسول اللَّه ﴿ فيها فقولوا له: إن اللَّه أذن لرسوله ولم
يأذن لكم، وإنما أذن له فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ
الشاهد الغائب ».
ومكث صلى الله عليه وسلم بمكة تسعة عشر يوماً، وعاد إلى المدينة، وهو يقرأ فى
٢٥٤

صلاته ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجَاهِ فَسَبِّحْ
بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.
المباحث العربية
(وفدت وفود إلى معاوية) يقال: وفد على القوم وإليهم، بفتح الفاء، يفد بكسرها، وفدا ووفودا
ووفادة. قدم. وقائل ذلك عبد الله بن رباح. ولما كان حديث رسول اللَّه هذا عن أبى هريرة قال فى
الإسناد: عن أبى هريرة، وكان الأولى أن يقول: عن عبد الله بن رباح قال: وفدت وفود ... إلخ وفى
الرواية الثانية ((وفدنا إلى معاوية بن أبى سفيان، وفينا أبو هريرة .. ))
(فكان يصنع بعضنا لبعض الطعام) فى الرواية الثانية (فكان كل رجل منا يصنع ملعاما
يوما لأصحابه»
(فكان أبو هريرة مما يكثر أن يدعونا إلى رحله) أى كان أبو هريرة من الأشخاص الذين
يدعوننا بكثرة إلى منازلهم ورحالهم، ويعنى هذا أن بعضهم كان مقلا، وبعضهم كان مكثرا،
(فقلت: ألا أصنع طعاما فأدعوهم إلى رحلى؟) أى قلت فى نفسى، أو لأهلى، أحضها على
أن تفعل.
(ثم لقيت أبا هريرة من العشى) أى آخر النهار.
(فقلت: الدعوة عندى الليلة، فقال: سبقتنى؟) على الاستفهام، وفى الرواية الثانية:
((فقلت: يا أبا هريرة. اليوم نوبتى)).
(فدعوتهم، فقال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار؟) أى
أعرض عليكم أن أعلمكم وأخبركم، وفى الكلام طى، أوضحته الرواية الثانية، وفيها ((فجاءوا إلى
المنزل، ولم يدرك طعامنا - يقال: أدرك التمر أى نضج، أى لم ينضج طعامنا- فقلت: يا أبا هريرة: لو
حدثتنا عن رسول اللَّه ◌َ﴿؟ حتى يدرك طعامنا؟ فقال .. )).
(أقبل رسول اللّه﴿ حتى قدم مكة) أى أقبل من المدينة فى أول رمضان بعد ثمان سنوات
ونصف السنة من الهجرة، ليفتح مكة، وسار بأصحابه، حتى قارب مكة.
(فبعث الزبير على إحدى المجنبتين، وبعث خالداً على المجنبة الأخرى، وبعث أبا
عبيدة على الحسر فأخذوا بطن الوادي) فى الرواية الثانية ((فجعل خالد بن الوليد على المجنبة
اليمنى، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على البياذقة وبطن الوادى» والمجنبة
بضم الميم وفتح الجيم وكسر النون، من الجيش جناحه، وهما مجنبتان، بينهما القلب.
٢٥٥

و((الحسر)) بضم الحاء وتشديد السبن المفتوحة الذين لا دروع عليهم، ولا مغافر.
وعند ابن إسحق وموسى بن عقبة أن رسول الله { ل بعث الزبير بن العوام على المهاجرين
وخيلهم، وأمره أن يدخل من كداء، من أعلى مكة، وأمره أن يغرز رايته بالحجون، ولا يبرح حتى يأتبه،
وبعث خالد بن الوليد فى قبائل قضاعة وسليم وغبرهم، وأمره أن يدخل من أسفل مكة، وأن يغرز رايته
عند أدنى البيوت، وبعث سعد بن عبادة فى كتيبة الأنصار، فى مقدمة رسول اللَّه ◌ُ له.
((والبياذقة)) الرجالة، قال النووى: قالوا: فارسى معرب، وأصله بالفارسية أصحاب ركاب الملك،
ومن يتصرف فى أموره، وقيل: سموا بذلك لخفتهم وسرعة حركتهم. وقال: هكذا الرواية فى هذا
الحرف هنا، وفى غير مسلم أيضا، قال القاضى: هكذا روايتنا فيه، ووقع فى بعض الروايات ((الساقة))
وهم الذين يكونون آخر العسكر، وقد يجمع بينه وبين البباذقة بأنهم رجاله وساقة، ورواه بعضهم
((الشارفة)) وفسروه بالذين يشرفون على مكة، قال القاضى: وهذا لبس بشيء، لأنهم أخذوا فى بطن
الوادى، والبياذقة هنا هم الحسر فى الرواية الأولى، وهم رجالة لا دروع عليهم. اهـ
ومعنى ((أخذوا بطن الوادي)) أى جعلوا طريقهم فى بطن الوادي.
(اهتف لى بالأنصار قال: فأطافوا به) أى ادعهم إلى.
(لا يأتينى إلا أنصارى) قال النووى: إنما خصهم لثقته بهم، ورفعا لمراتبهم، وإظهارا لجلالتهم
وخصوصيتهم.اهـ. وفى الرواية الثانية ((ادع لى الأنصار، فدعوتهم، فجاءوا يهرولون)) وأحاطوا به، يقال:
أطاف به أو عليه، وطاف، وأطاف به أَلمَّ به، وقاربه وأحاط به.
(وويشت قريش أوباشالها وأتباعا، فقالوا: نقدم هؤلاء، فإن كان لهم شيء كنا
معهم، وإن أصيبوا أعطينا الذى سئلنا) يقال: وبش فلان للحرب، بتشديد الباء المفتوحة، أى
جمع جموعا من قبائل شتى، والوبش بسكون الباء واحد الأوباش من الناس، وهم الأخلاط والسفلة.
والمعنى أن قريشاً كانت قد جمعت جموعا من قبائل شتى، وقدموهم للحرب فى المقدمة، على
أساس أنهم إن انتصروا واستفادوا شاركتهم قريش، وإن قتلوا كانوا وحدهم طعمة لنيران الحرب،
واستسلمت قريش سليمة دون إصابة.
(ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم؟) فى الرواية الثانية ((يا معشر الأنصار هل ترون أوباش
قريش؟ قالوا: نعم)».
(ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى، ثم قال: حتى توافونى بالصفا) فى الرواية
الثانية («انظروا - إذا لقيتموهم غدا - أى الأوباش والأتباع - أن تحصدوهم حصدا، وأخفى بيده،
ووضع يمينه على شماله، وقال: موعدكم الصفا)) ((احصدوهم)) بضم الصاد وكسرها، والمعنى أنه صلى
الله عليه وسلم أشار بيديه إشارة القتل والاستئصال والحصد، فوضع شماله أسفل يمينه فأخفاها،
ومرر يمينه عليها ذهابا وجيئة، ثم أكد هذه الإشارة بالتعبير والكلام. وقوله ((موعدكم الصفا)» قال
٢٥٦

النووى: يعنى قال هذا لخالد ومن معه الذين أخذوا أسفل من بطن الوادى وأخذ هو صلى الله عليه
وسلم ومن معه أعلى مكة.
(فانطلقنا. فما شاء أحد منا أن يقتل أحدا - من الأوباش - إلا قتله، وما أحد منهم
يوجه إلينا شيئا) من اللوم أو المنع، وفى الرواية الثانية ((فما أشرف يومئذ لهم أحد)) أى فما ظهر
من الأوباش للمسلمين أحد ((إلا أناموه)) قال النووى: أى ما ظهر لهم أحد إلا قتلوه، فوقع على الأرض،
أو يكون بمعنى أسكنوه بالقتل كالنائم، يقال: نامت الريح إذا سكنت، وضربه حتى سكن، أى مات،
ونامت الشاة وغيرها ماتت، قال الفراء: النائمة الميتة. هكذا تأول هذه اللفظة القائلون بأن مكة
فتحت عنوة، ومن قال: فتحت صلحا يقول ((أناموه)) ألقوه إلى الأرض من غير قتل إلا من قاتل.
(أبيحت خضراء قريش. لا قريش بعد اليوم) قال النووي: كدا فى هذه الرواية ((أبيحت))
وفى الرواية الثانية ((أبيدت)) وهما متقاربتان، أى استؤصلت قريش بالقتل وأفنيت، وخضراؤهم
بمعنى جماعتهم، ويعبر عن الجماعة المجتمعة بالسواد والخضرة، ومنه السواد الأعظم. اهـ
(ثم قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن) فى الرواية الثانية ((قال أبو سفيان: قال
رسول الله: من دخل دار أبى سفيان فهوآمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه
فهو آمن)».
وطاهرها أن النبى قال ذلك لأبى سفيان، وأن أبا سفيان أعلنها للناس.
(أما الرجل فأدركته رغبة فى قريته، ورأفة بعشيرته) أى رغبة فى الإقامة فى مكة. قال
النووى: معنى هذه الجملة أنهم رأوا رأفة النبى® بأهل مكة، وكف القتل عنهم، فظنوا أنه يرجع إلى
سكنى مكة، والمقام فيها دائما، ويرحل عنهم، ويهجر المدينة، فشق ذلك عليهم، فقالوا ما قالوا.اهـ
وعبروا عنه صلى الله عليه وسلم بالرجل، دون النبوة والرسالة إشارة إلى أن هذا من طبع الناس، لا
يلام علیه.
(وجاء الوحى ... فلما انقضى الوحى قال) ظاهر فى أن النبى 8* علم مقالتهم عن طريق
الوحى، لا عن طريق الصحابة.
(قال: كلا) يحتمل أن تكون بمعنى ((حقا)) أى حقا أدركتنى رغبة فى قريتى، ورأفة فى
عشيرتى، ولكنى لا أصدر فى سلوكياتى عن الرغبات الشخصية، والعواطف البشرية، ويحتمل أن تكون
بمعنى النفى، أى لم تدركنى رغبة فى الإقامة بقريتى، لأنى هاجرت إلى الله وإلى دياركم لاستيطانها،
فلا أتركها، ولا أرغب فى الرجوع عن هجرتى، ولم تدركنى رأفة فى عشيرتى، ولكنه الإسلام. القتل ليس
بقصد القتل وللقتل، وقد انتهى الهدف منه، وفى الرواية الثانية ((ألا. فما اسمى إذن؟ - ثلاث مرات .- ؟
أنا محمد عبد الله ورسوله)) والمقصود من الاسم ما تبعه من العبودية لله والرسالة التى لا يصدر فعله
إلا عنها.
٢٥٧

(إنى عبد الله ورسوله) قال النووى: يحتمل وجهين. أحدهما: إنى رسول الله حقا، فيأتينى
الوحى، وأخبر بالمغيبات، كهذه القضية وشبهها، فثقوا بما أقول لكم، وأخبركم به فى جميع الأحوال،
والآخر لا تفتتنوا بإخبارى إياكم بالمغيبات، ونطرونى كما أطرت النصارى عيسى عليه السلام، فإنى
عبد الله ورسوله.اهـ
وهكذا ربط النووى هذه الجملة بنزول الوحى وربطناها نحن بالقضية المثارة. والله أعلم.
(المحيا محياكم والممات مماتكم) أى مكان حياتى مكان حياتكم، ومكان مماتى مكان
مماتكم، أى أنا ملازم لكم، لا أحبا إلا عندكم، ولا أموت إلا عندكم.
(فأقبلوا إليه يبكون) الإقبال هنا معنوى، فهم معه مقبلون عليه، ويحتمل أنهم تحركوا نحوه
حبا وانعطافا والتصاقا، وكان بكاؤهم فرحا بما قال لهم، وحباء مما خافوا أن يكون بلغه عنهم مما
يستحى منه.
(والله ما قلنا الذى قلنا إلا الضن بالله ورسوله) ((الضن)) بكسر الضاد وفتحها الشع
والبخل الشديد، يقال: ضن به عليه ضِنا وضِنا وضنانه، و((الضن)) هنا مستثنى من عموم العلل، أى ما
قلنا الذى قلنا لعلة من العلل، وبدافع من الدوافع إلا لعلة الضن بك أن تفارقنا، ويحطى بك غيرنا، وإلا
بدافع الحرص عليك وعلى مصاحبتك، ودوامك عندنا، لنستفيد منك، ونتبرك بك.
(إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم) أى يصدقانكم فى اعتذاركم، ويقبلان عذركم. يقال:
عذره فيما صنع - بفتح العين والذال - يعذره - بكسر الذال - رفع عنه اللوم فبه.
(وأقبل رسول اللَّه ﴿ حتى أقبل إلى الحجر) الأسود أى أقبل نحو البيت، واستمرحتى
واجه الحجر فأقبل إليه.
(فاستلمه) أى لمسه بالقبلة أو اليد أو كلتاهما.
(وهو أخذ بسية القوس) ((سية القوس)) بكسر السين وفتح الياء مخففة المنعطف من طرفى
القوس. وللقوس سيتان، والقوس آلة على هيئة هلال، ترمى بها السهام، تذكر وتؤنث.
(جعل يطعنه فى عينه) أى شرع، و((يطعنه)) قال النووى: بضم العين على المشهور، ويجوز
فتحها فى لغة، قال: وهذا الطعن قصد به الإذلال للأصنام ولعابديها، وإظهار كونها لا تضر ولا تنفع، ولا
تدفع عن نفسها.
(﴿جَاءَ الْحَقُّ وَرَهَقَ الْبَاطِلُ﴾) فى الرواية الثانية ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ رَهُوقًا﴾ الآية (٨١) من
سورة الإسراء، ومعناها جاء الإسلام والدين الثابت الراسخ، وزال الشرك، واضمحل الكفر وتسويلات
الشيطان، من زهقت نفسه إذا خرجت من الأسف، إن الباطل كائنا ما كان مضمحل غير ثابت، وزاد
فى الرواية الثانية ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدٌ﴾ الآية (٤٩ من سورة سبأ) والمعنى: جاء
٢٥٨

الإسلام والتوحيد، أما الكفر والشرك فلا يفيد شيئا، فـ ((ما)) فى ((وما يبدئ الباطل)) نافية، والجملة
حالية، أى الباطل والشرك لا يبدأ شيئا، ولا يعيد شيئا، كناية عن عدم الأثر، كما يقال: لا يأكل ولا
يشرب، ولا يقدم ولا يؤخر.
(وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبا) فى رواية البخارى ((دخل النبى * مكة يوم الفتح،
وحول البيت ستون وثلاثمائة نصب)) والنصب بضم النون والصاد، وقد تسكن الصاد، وهى واحدة
الأنصاب، وهو ما ينصب للعبادة من دون اللَّه تعالى، ووقع فى رواية ابن أبى شيبة وفى ملحق روايتنا
الثالثة ((صنما)) بدل ((نصبا)) ويطلق النصب ويراد به الحجارة التى كانوا يذبحون عليها للأصنام،
وليست مرادة هنا، إنما قد يراد فى قوله تعالى ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾.
زاد عند الفاكهى وصححه ابن حبان («فيسقط الصنم ولا يمسه)) وفى رواية له والطبرانى «فلم يبق
وثن استقبله إلا سقط على قفاه، مع أنها كانت ثابتة فى الأرص)»
(لايقتل قرشى صبرا بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة) قال النووى: قال العلماء:
معناه الإعلام بأن قريشا يسلمون كلهم، ولا يرتد أحد منهم، كما ارتد غيرهم بعده صلى اللّه
عليه وسلم ممن حورب وقتل صبرا، وليس المراد أنهم لا يقتلون ظلما صبرا، فقد جرى على
قريش بعد ذلك ما هو معلوم . اهـ
وحاصل هذا الإخبار بأنهم لا يأتون مستقبلا ما يستحقون عليه القتل صبرا، ويحتمل أن المراد
منح قريش خصوصية عدم إباحة قتلهم صبرا، حتى إن أتوا ما يستحقون عليه القتل صبرا، فيقتلون
بغير هذه الهيئة والقتل صبرا هو الحبس حتى الموت.
(ولم يكن أسلم أحد من عصاة قريش غير مطيع) أى لم يكن أحد ممن اسمه العاص فى
قريش غير مطيع، قال النووى: قال القاضى عياض: ((عصاة)» هنا جمع العاص من أسماء الأعلام، لا
من الصفات، أى ما أسلم ممن كان اسمه العاص، مثل العاص بن وائل السهمى والعاص بن هشام
أبو البخترى، والعاص بن سعيد بن العاص بن أمية، والعاص بن هشام بن المغيرة المخزومى. (وليس
المراد الصفة فى ((عصاة قريش)) فقد أسلمت عصاة قريش وعتانهم كلهم بحمد الله تعالى).
(كان اسمه العاص، فسماه رسول اللَّه ◌َ ﴿ مطيعا) قيل لم يلتزم هذا فى كل من أسلم ممن
اسمه العاص، فقد ترك أبا جندل بن سهيل بن عمر، وكان اسمه العاص. قيل: ويحتمل أنه ترك
التغيير لأبى جندل لأنه غلبت عليه كنيته، وجهل اسمه، والله أعلم.
فقه الحديث
اختلف العلماء فى فتح مكة. هل فتحت عنوة؟ أو فتحت صلحا، فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد
وجماهير العلماء وأهل السير: فتحت عنوة، وقال الشافعى: فتحت صلحا، وادعى المازنى أن الشافعى
انفرد بهذا القول.
٢٥٩

واحتج الجمهور بهذا الحديث وفيه:
أ- ((أبيدت خضراء قريش))
ب- (( من ألقى سلاحه فهو آمن، ومن دخل دار أبى سفيان فهو آمن)» فلو كانوا كلهم آمنين لم
يحتج إلى هذا.
جـ- ((فما أشرف لهم أحد إلا أناموه)) ((فماشاء أحد منا أن يقتل أحدا إلا قتله، وما أحد منهم
يوجه إلينا شيئا )).
د- وفيه الأمر بالقتال ((انظروا إذا لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدا)).
هـ- وفيه وقوع القتال من خالد بن الوليد، وقتله من قتل منهم.
كما استدلوا بحديث أم هانئ - رضى الله عنها - حين أجارت رجلين، أراد على ه قتلهما،
فقال النبى 18 ((قد أجرنا من أجرت)) فكيف يدخلها صلحا ويخفى ذلك على على ظه حتى يريد قتل
رجلين دخلا فى الأمان؟ وما حاجتهما حينئذ إلى إجارة أم هانئ ماداما فى الأمان العام؟
كما استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم ((أحلت ساعة من نهار)).
أما الشافعى فيستدل على أنها فتحت صلحا، وأن تأمينها صدر من النبى * لأبى سفيان
والعباس وحكيم، فعند موسى بن عقبة فى المغازى ((أن أبا سفيان وحكيم قالا: يا رسول الله، ادع
الناس بالأمان. أرأيت إن اعتزلت قريش فكفت أيديها؟ أآمنون هم؟ قال: من كف يده، وأغلق داره
فهوآمن. قالوا: فابعثنا نؤذن بذلك فيهم. قال: انطلقوا، فمن دخل دار أبي سفيان فهوآمن، ومن دخل
دار حكيم فهو آمن)» ودار أبى سفيان بأعلى مكة، ودار حكيم بأسفلها، وفى ذلك تصريح بعموم
التأمين، فكان هذا أمانا منه لكل من لم يقاتل من أهل مكة، فكانت مكة مأمونة، ولم يكن فتحها
عنوة، والأمان كالصلح، وأما الذين تعرضوا للقتال، أو استثنوا من الأمان فلا يلزم منهم أنها فتحت
عنوة، فقد يكون التأمين مقيدا بترك المجاهرة بالقتال، فلما تفرقوا إلى دورهم، ورضوا بالتأمين
المذكور كانوا آمنين، ولا يضره أن أوباشهم لم يلتزموا كف أيديهم، فقاتلوا خالد بن الوليد ومن معه،
فقاتلهم، حتى قتلهم وهزمهم، يؤيد ذلك أن رسول الله:# قال لأصحابه «ما هذا وقد نهيت عن
القتال؟ فقالوا: نظن أن خالدا قوتل، وبدئ بالقتال، فلم يكن له بد من أن يقاتل، ثم قال لخالد: لم
قاتلت وقد نهبت عن القتال؟ فقال: هم بدءونا بالقتال: ووضعوا فينا السلاح، وقدكففت يدى ما
استطعت، فقال صلى الله عليه وسلم: قضاء الله خير)). وقد ذكر ابن سعد أن عدة من أصيب من
الكفار أربعة وعشرون رجلا، وقيل: مجموع من قتل منهم ثلاثة عشر رجلا.
ويستدل الشافعى أيضا بأن دور مكة لم تقسم، وأن الغانمين لم يملكوا دورها، وإلا لجاز إخراج أهل
الدور منها.
وأجاب الجمهور عن هذا الدليل بأن تقسيم الدور غير لازم للفتح عنوة، فقد تفتح البلد عنوة،ويمن
٢٦٠