Indexed OCR Text
Pages 21-40
(وما على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلى من أن يعزهم الله من أهل خبائك) هكذا
هو فى الرواية الثانية ((وما على ظهر الأرض)) والقيد فيها ملاحظ كما صرح به فى الرواية الثالثة،
حيث جاء فيها ((وما أصبح اليوم على ظهر الأرض)).
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١- فبه دلالة على وفور عقل هند، وحسن تأنيها فى المخاطبة.
٢- وأن صاحب الحاجة يستحب له أن يقدم بين يدى حاجته ما يزيل موجدة الذى يخاطبه.
٣- وأن المعتذر يستحب له أن يقدم ما يؤكد صدقه عند من يعتذر إليه لأن هندا قدمت الاعتراف
بذكر ما كانت عليه من البغض لتؤكد صدقها فيما ادعته من الحب.
٤- وجواز سماع كلام الأجنبية عند الإفتاء والحكم، وكذا ما فى معناهما، وأما عند من يقول: إن
صوتها عورة، فبقول: جازهنا للضرورة.
٥- وفيه وجوب نفقة الزوجة.
٦- وأنها مقدرة بالكفاية، وهو قول أكثر العلماء، والمشهور عن الشافعى أنه قدرها بالأمداد، فعلى
الموسر كل يوم مدان، والمتوسط مد ونصف، والمعسر مد، وتقديرها بالأمداد رواية عن مالك أيضا.
قال النووى: والحديث حجة على أصحابنا. اهـ قال الحافظ ابن حجر: وليس صريحا فى الرد
عليهم، لكن التقدير بالأمداد محتاج إلى دليل، فإن ثبت حملت الكفاية فى حديث الباب على
القدر بالأمداد، فكأنه كان يعطيها وهو موسر ما يعطى المتوسط، فأذن لها فى أخذ التكملة.
وتمسك بعض الشافعية بأنها لو قدرت بالحاجة لسقطت نفقة المريضة التى لا تنفق، ونفقة
الغنية، لأنها غير محتاجة، فوجب إلحاقها بما يشبه الدوام، وهو الكفارة، لاشتراكهما فى
الاستقرار فى الذمة، ويقويه قوله تعالى ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فاعتبروا
الكفارة بها، والأمداد معتبرة فى الكفارة. ويخدش هذا الدليل أن الشافعية صححوا الاعتياض
عنه، وبأنها لو أكلت معه على العادة سقطت، بخلاف الكفارة فيها، وبأن الشافعية جعلوا نفقة
القريب مقدرة بالكفاية، ففرقوا بدون موجب بين نفقة الزوجة ونفقة الأولاد. قال الحافظ ابن
حجر: والراجح من حيث الدليل أن الواجب الكفاية، ولا سيما وقد نقل بعض الأئمة الإجماع
الفعلى فى زمن الصحابة والتابعين على ذلك، ولا يحفظ عن أحد منهم خلافه.
٧- وفيه جواز ذكر الإنسان بما لا يعجبه، إذا كان على وجه الاستفتاء والاشتكاء ونحو ذلك، وهو أحد
المواضع التى تباح فيها الغيبة.
٨- وجواز خروج المرأة لحاجتها إذا أذن زوجها لها فى ذلك، أو علمت رضاه به، وهذا مبنى على أن أبا
٢١
سفيان علم وسمح، وفيه نظر، والأولى أن يقال: فيه جواز خروج الزوجة للفتوى والقضاء، ولولم
يأذن الزوج .
٩- وأن للمرأة مدخلا فى كفالة أولادها، والإنفاق عليهم من مال أبيهم. قال النووى. قال أصحابنا: إذا
امتنع الأب من الإنفاق على الولد الصغير، أو كان غائبا، أدن القاضى لأمه فى الأخذ من آل الأب
أو الاستقراض عليه والإنفاق على الصغير بشرط أهليتها. وهل لها الاستقلال بالأخذ من ماله بغير
إذن القاضى؟ فيه وجهان، مبنبان على وجهين لأصحابنا فى أن إذن النبى و # لهند امرأة أبى
سفيان كان إفتاء، -فيعم غبرها دون إذن القاضى-أم قضاء- فيحتاج إلى إذن - والأصح أنه كان
إفتاء، وأن هذا يجرى فى كل امرأة أشبهتها فيجوز.
١٠ - واستدل به على أن القول قول الروجة فى قبض النفقة، لأنه لوكان القول قول الزوج أنه منفق
لكلفت هند البيئة على إثبات عدم الكفاية.
١١ - وعلى جواز إطلاق الفتوى مع إرادة تعليقها وتقييدها، فإن رسول اللَّه ) أطلق الإباحة، لكنه
أراد: إن صح ما ذكرت يا هند فخذى ما يكفيك. كذا قال القرطبى، وقال غيره: يحتمل أن يكون
صلى الله عليه وسلم علم صدقها فيما ذكرت، فاستغنى عن التقبيد، ولم يقصده.
١٢ - وفيه جواز استماع كلام أحد الخصمين فى غيبة الآخر.
١٣ - واستدل به بعضهم على اعتبار حال الزوجة حين تقدير النفقة، وهو قول الحنفية، والفتوى عند
الحنفية على اعتبار حال الزوجين معا، والشافعية على اعتبار حال الزوج، تمسكا بقوله تعالى
﴿لِيُنفِقْ ذُوسَعَةٍ مِن سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧].
١٤ - واستدل به بعض الشافعية على جواز القضاء على الغائب، وفى المسألة خلاف للعلماء، قال أبو
حنيفة وسائر الكوفيين: لا يقضى عليه بشيء، وقال الشافعى والحمهور: يقضى عليه فى حقوق
الآدميين، ولا يقضى عليه فى حدود الله نعالى، ولا يصح الاستدلال بهذا الحديث لهذه المسألة،
لأن هذه القضية كانت بمكة، بعد إسلام هند وأبى سفبان، وكان أبو سفيان حاضرا بها، وشرط
القضاء على الغائب أن يكون غائبا عن البلد، أو مستترا لا يقدر عليه، أو متعذرا لا يقدر عليه، ولم
يكن هذا الشرط فى أبى سفيان موجودا، فلم يكن قضاء على الغائب، بل هو إفتاء، اهـ قال
الحافظ ابن حجر: وفى بعض الروايات الضعيفة أن أبا سفيان كان معها حاضرا، وذهب
الأكثرون إلى أن الموضوع فتوى لا قضاء، فلا يصح الاستدلال به على القضاء على الغائب.
ورجح القائلون بأنه قضاء بالتعبير بصيغة الأمر، حيث قال لها ((خذى)) ولو كان فتيا لقال مثلا:
لا حرج عليك إذا أخذت، وبأن الأغلب فى نصرفاته صلى اللّه عليه وسلم إنما هو الحكم، ورجح
القائلون بأنه فتوى بوقوع الاستفهام من هند فى القضية ((هل على جناح)»؟ ولأنه فوض تقدير
الاستحقاق إليها، ولو كان قضاء لم يفوضه إلى المدعى، ولأنه لم يستحلفها على ما ادعته، ولا
طلب منها البيئة.
٢٢
١٥- وفيه وجوب نفقة الأولاد وإن كانوا كبارا، لقولها ((بنى)) على الإطلاق، ورد بأنها واقعة عين،
لاتعم، قال ابن المنذر: اختلف فى نفقة من بلغ من الأولاد ولا مال له ولا كسب، فأوجبت طائفة
النفقة لجميع الأولاد، أطفالا كانوا أو بالغين، إناثا وذكرانا، إذا لم يكن أموال يستغنون بها،
وذهب الجمهور إلى أن الواجب أن ينفق عليهم حتى يبلغ الدكر، أو تتزوج الأنثى، ثم لا نفقة على
الأب إلا إذا كانوا زمنى، فإن كانت لهم أموال فلا وجوب على الأب، وألحق الشافعى ولد الولد،
وإن سفل بالولد فى ذلك.
١٦ - قال الخطابي: وفيه وجوب نفقة خادم المرأة على الزوج، لأن أبا سفيان كان رئيس قومه، ويبعد
أن يمنع زوجته وأولاده النفقة، فكأنه كان يعطيها قدر كفايتها وولدها، دون من يخدمهم،
فأضافت ذلك لنفسها، لأن خادمها داخل فى جملتها. اهـ. وهو غير مسلم.
١٧ - واستدل به على أن من له عند غيره حق، وهو عاجز عن استيفائه جازله أن يأخذ من ماله قدر
حقه بغير إذنه، وهو قول الشافعى وجماعة ، وتسمى هذه المسألة مسألة الظفر، والراجح عندهم أن
لا يأخذ غير جنس حقه، إلا إذا تعذر جنس حقه، وعن أبى حنيفة المنع، وعنه يأخذ جنس حقه،
ولا يأخذ من غير جنس حقه، إلا أحد النقدين بدل الآخر، وعن مالك ثلاث روايات، كهذه الآراء،
وعن أحمد المنع مطلقا. قال الخطابي: يؤخذ من حديث هند جواز أخد الجنس وغير الجنس، لأن
منزل الشحيح لا يجمع كل ما يحتاج إليه من النفقة والكسوة وسائر المرافق اللازمة، وقد أطلق
لها الإذن فى أخذ الكفاية من ماله. وعقب عليه الحافظ ابن حجر بما يحتاج إلى تعقيب.
١٨ - وفى الحديث نحكيم العرف والعادة فى الأمور التى لبس فيها تحديد شرعى. قال القرطبى: فبه
اعتبار العرف فى الشرعيات، خلافا لمن أنكر ذلك لفظا، وعمل به معنى، كالشافعية. ورد عليه
الحافظ ابن حجر فقال: إن الشافعية إنما أنكروا العمل بالعرف إدا عارضه النص الشرعى، أولم
يرشد النص الشرعى إلى العرف.
واللَّه أعلم
٢٣
(٤٥٧) باب النهى عن كثرة المسائل من غير حاجة
والنهى عن منع وهات
٣٩٣٥ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﴾(١٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: «إِنَّاللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا
وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ، وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ
جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ».
٣٩٣٢ - لإعَنْ سُهَيْلٍ (١١) بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ «وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاَثًا»
وَلَمْ يَذْكُرْ «وَلا تَفَرَّقُوا».
٣٩٣٧ - ٣ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَعَ﴾(١٢) عَن رَسُولِ اللَّهِ ﴿ قَالَ «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ
عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ وَوَأْدَ الْبَنَاتِ وَمَنْعًا وَهَاتٍ. وَكَرِةٍ لَكُمْ ثَلاَثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ
السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ».
٣٩٣٨ - - وفي رواية عَن مَنْصُورٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ «وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ
﴿)» وَلَمْ يَقُلْ «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ)».
٣٩٣٩ - ١٣عَنِ الشَّعْبِيِّ(١٣) حَدَِّي كَاتِبُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كَعَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ
اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ .. فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ يَقُولُ
«إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاَثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ».
٣٩٤٠ - ٤َ عَن وَرَّادٍ(١٤) قَالَ: كَتَبَ الْمُغِيرَةُ إِلَى مُعَاوِيَةَ سَلامٌ عَلَيْكَ. أَمَّا بَعْدُ. فَإِنِّي سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ يَقُولُ «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ثَلاثًا وَلَهَى عَن ثَلاثٍ. حَرَّمَ عُقُوقَ الْوَالِدِ، وَوَأَدَّ الْبَّاتِ،
وَلا وَهَاتٍ، وَنَّهَى عَنْ ثَلاثٍ: قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ».
. (١٠) حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(١١) وحَدَّثْنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخٌ أَخْبَرَنَا أَبّو عَوَانَةً عَنَ سُهَيْلَ
(١٢) وحَدَّثْنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةً عَنِ الْمُغِيرَةِ
- وحَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بَّنُ زَكَرِيَّاءَ حَدَّثَنًا عُنَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنّ شَيْئَّانِ عَنَ مَنْصُورٍ
(١٣) حَدَّثَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ عُلَيَّةً عَنِ خَالِدِ الْحَذَّاءِ حَدَّقَتِي ابْنُ أَشْوَعَ عَنِ الشَّعْبِيِّ
(١٤) حَدَّثْنَا ابْنُ أَبِيَ عُمَرَ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بَنُ مُعَاوِيَةٌ الْفَزَارِيُّ عَنِ مُحَمَّدٍ بْنِ سُوقَةً أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنَّ عُبَيْدِ اللَّهِ النَّقَفِيُّ عَن وَرَّادٍ
٢٤
المعنى العام
رضا اللَّه فى انباع أوامره، واجتناب نواهيه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦]
وأهم أوامره وأولها أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وثانيها أن نعتصموا بحبل الله جميعا،
المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، مثل المؤمنين فى
توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى عضو منه نداعى له سائر الجسد بالسهر
والحمى، واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخوانا. ثالث هذه
الأوامر النهى عن التفرق، والنهى عن الشيء أمر بضده، فالأمر الثالث فى الحديث المحافظة على
الوحدة واستمرارها وزيادتها، فلا يرفع المسلم سلاحه فى وحه مسلم، إذا التقى المسلمان بسيفيهما
فالقاتل والمقتول فى النار، ويرتد عن الإسلام، ويخرج من دائرنه التارك لدينه المفارق للجماعة.
وسخط اللَّه - وهو المقابل للرضا - فى ارتكاب معاصيه، وبين الأمرين مكروهات للَّه نعالى
ليست بالمعاصى الكبيرة، ولكنها تسىء إلى الإيمان وتعكره، ويضعفه، وتزيد فى السيئات والذنوب
ويحسبها المسلم أمرا هينا، وهو عند الله عظيم، اختار الحديث ثلاثة من هذا النوع كمتل ورمز لما
يشبهها، أولها كثرة الكلام فبما ينفع وما لا ينفع مما يوقع فى الخطأ والآثام والتعرض لأخبار الناس،
ونقل أحوالهم وغيبتهم، ثانيها كثرة سؤال الناس ما فى أيديهم، أعطوه أو منعوه، فهذه دلة بعيدة عن
سيما المؤمنين، فللَّه العزة ولرسوله وللمؤمنين، ثالثها: إضاعة المال وإنفاقه فى غير وجهه المشروع
مهما كان المنفق غنيا، إن الله لا يحب المسرفين، وإن المبذرين كانوا إخوان الشياطين، ﴿وَلا تَجْعَلْ
يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩].
المباحث العربية
(إن اللَّه يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا) قال النووى: قال العلماء: الرضا والسخط
والكراهة من الله تعالى المراد بها أمره ونهبه، وثوابه وعقابه، أو إرادته التواب لبعض العباد،
والعقاب لبعضهم.
(فيرضى لكم أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا) إن أريد من العبادة التوحيد كان قوله ﴿وَلا
تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ تأكيدا وإن أريد منها مطلق الطاعة كان تأسيسا، والثانى هو الظاهر ليكون
المطلوب ثلاثا.
(وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) الاعتصام افتعال من العصمة، والمراد
التمسك والامتثال والحبل يطلق على العهد، وعلى الأمان، وعلى الوصلة، وعلى السبب، وأصله من
استعمال العرب الحبل فى مثل هذه الأمور، لاستمساكهم بالحبل عند شدائد أمورهم، ويوصلون به
المتفرق، والمراد هنا التمسك بعهد الله، وهو اتباع كتابه العزيز وحدوده، والتأدب بآدابه، ففى الكلام
٢٥
استعارة، شبه الكتاب العزيز وتعاليمه بالحبل بجامع أن كلا منهما سبب لحصول المقصود به،
وحذف المشبه، وأقيم المشبه به مقامه على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية.
والمراد من النهى عن التفرق الأمر بلزوم جماعة المسلمين، وتآلف بعضهم ببعض، وهذه
الجملة منتزعة من قوله تعالى فى سورة آل عمران ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا
تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
(ويكره لكم قيل وقال) فى الرواية الثالثة ((ونهى عن ثلاث: قيل وقال)) واختلفوا فى إعراب
هذين اللفظين، فقيل: إنهما فعلان. الأول ماض مبنى للمجهول، والثانى ماض مبنى للمعلوم، وهما فى
الرواية الأولى مفعول به، مبنى على الفتح فى محل نصب، مقصود حكايته. وعلى الرواية الثالثة
مقصود حكايتهما فى محل جر، بدل من «ثلاث)) على أنهما فعلان.
الرأى الثانى أنهما اسمان مصدران من الفعل قال، تقول. قلت قولا وقالا وقيلا، ويؤيد ذلك دخول
الألف واللام عليهما، فتقول: كثر القيل والقال، وهما فى الرواية الثالثة مجروران منونان وأما المراد
منهما فقيل: كثرة الكلام، لأنه يؤدى غالبا إلى الخطأ، وقيل المراد منهما حكاية أقاويل الناس،
والخوض فى أخبارهم، فيقول: قال فلان كذا، وقيل كذا، ومحل النهى نقل ذلك من غير تثبت ولا
احتياط، وقيل: المراد منهما حكاية الاختلاف فى أمور الدين، ومحل النهى النقل تقليدا، دون
احتياط، فهو من قبيل («كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع)).
(وكثرة السؤال) حذف المسئول عنه جعل فى هذه العبارة احتمالات:
الأول: سؤال الناس أموالهم وما فى أيديهم، وقد كثرت الأحاديث الصحيحة بالنهى عن ذلك.
الثانى: كثرة السؤال عن أخبار الناس، وأحداث الزمان، وما جرى لهم مما لا يعنى، فهو الطرف
المقابل لقيل وقال. واحد يسأل ويطلب الغيبة، والآحر يجيب: قيل كذا وكذا إلخ.
الثالث: كثرة سؤال إنسان ىعبئه عن تفاصيل حاله، مما يكرهه المسئول، فيترنب على ذلك حرج
المسئول وألمه إذا أجاب بصدق، أو الوقوع فى الإثم إذا أجاب بكذب، أو تكلف المشقة إذا تكلف
التعريص، أو سوء الأدب إن أهمل جوابه.
الرابع: كثرة السؤال عن أمور غير مهمة، قد يؤذى جوابها، كما وقع فى سبب نزول قوله تعالى
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَن أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١].
الخامس: كثرة التكلف والتنطع وتتبع الغرائب، والأغلوطات والتقعر فى المسائل العلمية.
السادس: العموم، فيراد كل ذلك، وسنعرض ونبسط المسألة فى فقه الحديث.
(وإضاعة المال) أى صرفه فى غير وجوهه الشرعية، فهذا بمثابة إتلافه، لأن اللَّه تعالى جعل
المال فى أيدى الناس ليقوم بمصالحهم، وصرفها فى غير وجوهها الشرعية تضييع لتلك المصالح.
٢٦
(إن الله عزوجل حرم عليكم عقوق الأمهات) فى ملحق الرواية ((وحرم عليكم رسول الله
﴿.)) ولا تعارض، فما حرمه رسول اللّه﴿ إنما هو بتحريم الله.
وعقوق الوالدين بضم العبن مشتق من العق، وهو القطع، والمراد به صدور ما يتأذى به الوالد من
ولده، من قول أو فعل، إلا فى شرك أو معصية، ما لم يتعنت الوالد، وضبطه ابن عطية بوجوب طاعتهما
فى المباحات فعلا وتركا، واستحبابها فى المندوبات وفروض الكفاية والأمهات جمع أمهة،
والأمهات لفظ لمن يعقل، بخلاف لفظ أم. فإنه أعم.
وخص الأمهات هنا بالدكر، بدلا من الوالدين، من قبيل تخصيص الشىء بالذكر، إطهارا لعظم
موقعه، قال النووى. لأن حرمتهن آكد من حرمة الآباء، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم، حين قال له
السائل: من أبر؟ قال: أمك ... ثلاثا، ثم قال فى الرابعة ((ثم أباك)) ولأن أكثر العقوق يقع للأمهات،
لضعفهن وطمع الأولاد فيهن. اهـ وعقوق الأب مثل عقوق الأم، وقد جاءت الرواية الرابعة بلفط ((حرم
عقوق الوالد)».
(ووأد البنات) بسكون الهمزة، وهو دفن البنات بالحياة، فيمتن تحت التراب، وكان أهل
الجاهلية من العرب يفعلون ذلك كراهة فيهن، ويقال: إن أول من فعل ذلك قيس بن عاصم التميمى،
وكان بعض أعدائه أغار عليه، فأسربنته، فاتخذها لنفسه، ثم حصل ببنهم صلح، فخير ابنته،
فاختارت زوجها، فآلى قيس على نفسه ألا تولد له بنت إلا دفنها حية، فتبعه العرب فى ذلك، وكانوا
فى صفة الوأد على طريقين، أحدهما أن يأمرامرأيه حين يأنيها المخاض أن تلد بجوار حفرة، فإذا
وضعت ذكرا أبقته، وإذا وضعت أننى طرحتها فى الحفيرة، ومنهم من كان ينتظر بحياتها أشهرا،
يتوارى من القوم من سوء ما بشربه، أيمسكه على هون؟ أم يدسه فى التراب، ثم يزينها ويطيبها،
ويخرج بها إلى الصحراء فيلقى بها فى حفرة، ويهيل عليها التراب، ومن العرب من كان يفعل ذلك
فى الأولاد حتى الذكور، خشبة الفقر والحاجة. وإنما خص الوأد هنا بالبنات لأنه كان المعتاد والكثير
عند العرب.
(ومنعا وهات) ((منعا)) هنا بسكون النون، وتنوين آخره، وفى رواية للبخاى ((ومنع)) بدون
تنوين مع سكون النون، وهى فى الموضعين مصدر منع يمنع. وهى بدون تنوين على نية الإضافة، أى
منع إعطاء الحقوق. أما ((هات)) فبكسر التاء، فعل أمر، من الإيتاء، قال الخلبل: أصل هات آت،
فقلبت الألف هاء، والحاصل من النهى منع ما أمر بإعطائه، وطلب مالا يستحق أخذه، و((هات))
معطوف على ((منع ((مقصود حكايتها، مفعول ((حرم)). وفى الرواية الرابعة ((لا.وهات)) أى لا أعطيك
حقك، وأعطنى ما ليس حقى.
(كتب المغيرة إلى معاوية) قال الحافظ ابن حجر: ظاهره أن المغيرة باشر الكتابة، وليس
كذلك، فقد أخرجه ابن حبان بلفظ ((كتب معاوية إلى المغيرة: اكتب إلى بحديث سمعته، فدعا
غلامه وَرَّادا، فقال: اكتب ... )) فذكره. وأخرجه الطبرانى عن وراد بلفظ ((كتب معاوية إلى المغيرة:
اكتب إلى بشيء سمعته من رسول اللّه { له. قال: فكتبت إليه بخطى ... )).
٢٧
فقه الحديث
وجه إدخال هذا الحديث فى كتاب الأقضية أنه يتضمن قضايا ((قيل وقال، وكثرة السؤال،
وإضاعة المال، وعقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات )».
ومن مجموع الروايات نحصل على ثلاثة واجبات، وثلاثة محرمات، وثلاثة مكروهات.
ومن المعلوم أن ترك الواجب محرم، فتصبح المحرمات ستة: العصيان وعدم الطاعة، والإشراك
بالله، والتفرق والخروج على الجماعة، ثم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات.
والثلاثة الأولى معلومة من الدين بالضرورة، أما الثلاثة الثانية: فقد وردت فى جميع الروايات
بلفظ التحريم، ومن المعلوم أن المحرمات درجات. أكبر الكبائر. الكبائر. محرمات دون الكبائر،
فليس يلزم من اقترانها فى الذكر أنها فى درجة سواء.
والمكروهات الثلاثة صدرت بلفظ ((يكره)) و((كره)) و ((نهى)) وليس معنى ذلك أنها مكروهات فى
عرف الفقهاء على الإطلاق، وستأتى الأحكام بالتفصيل.
أما عقوق الأمهات، ومثله عقوق الآباء فقد سبق فى كتاب الإيمان أنه من أكبر الكبائر، ومن
السبع الموبقات، وقرن بالإشراك بالله وقتل النفس، ولا خلاف فى ذلك بين علماء المسلمين.
ووأد البنات: من الكبائر الموبقات، بل من أكبر الكبائر، فقتل النفس بغير حق من أكبر الكبائر،
وقرن بالإشراك بالله، فمن باب أولى قتل نفس لها حرمة كبرى، وحق أكبر.
أما منع وهات: والمراد منها الامتناع عن إعطاء الحقوق للآخرين، وطلب ومحاولة أخذ ما ليس
بحق من الآخرين، فحكمها يختلف باختلاف قيمة هذا الحق، فقد يكون كبيرة، وقد يكون مكروها،
لكن ذكره تحت عنوان المحرمات يجعل المراد منه من قصد الأمور الكبيرة، أو من أصبحت تلك
عادته، حتى اشتهر بها، ولو كانت الحقوق صغائر، فالإصرار على الصغيرة كبيرة، والإصرار على
الصغائر يحولها إلى كبائر، وهل الكبيرة فى الجمع بين الصفتين؟ أو كل منها مستقلا كبيرة؟ أمبل
إلى الثانى، فمن اعتاد منع الحقوق، أو منع حقاً كبيراً فقد دخل فى هذا، وإن لم يأخذ من الآخرين ما
ليس حقا له، ومن أخذ ما لبس حقه متعمدا من الآخرين دخل فى هذا، وإن لم يمنع الآخرين حقهم
عنده، ومن جمع بين الأمرين فهو من باب أولى.
وأما قيل وقال: فالحكمة فى النهى عن ذلك أن الكثرة من ذلك لا يؤمن معها وقوع الخطأ، إذا أريد
من المقول ما لافائدة فيه من الكلام، فإن كانت الكثرة من قيل وقال فى أمور الخير فلا يكره.
وأما كثرة السؤال: فقد ذكرنا فى المباحث العربية خمسة أنواع من السؤال.
النوع الأول: سؤال الناس أموالهم، وما فى أيديهم، والأحاديث كثيرة فى الحض على
التعفف عن المسألة («لأن يأخذ أحدكم حبله، فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتى رجلا
فيسأله، أعطاه أو منعه )».
٢٨
ودوافع هذه المسألة مختلفة.
الدافع الأول: مسألة الفقير المحتاج، العاجز عن الكسب عجزا لا دخل له فيه، والمسألة فى هذه
الحالة مباحة، والمطلوب من صاحبها الرفق فى السؤال، وعدم الإلحاح، وعدم الاستكثار، والأولى له
العفة والصبر على الحاجة ما أمكن، فقد مدح الله هذا الصنف بقوله ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِن خَيْرِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ
وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ للفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُخْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرَّضِ يَحْسَبُهُمْ
الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِن التَّعَقُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرِ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ
عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٢ وما بعدها].
والخلاف بين الفقهاء فى حدود الفقير المحتاح الذى يباح له السؤال، وقد قال الرسول
* فى تحديده ((ليس المسكين الذى يطوف على الناس، فترده اللقمة واللقمتان، ولكن
المسكين الذى لا يجد غنى يغنيه)) وقد اتفقوا على أن من استطاع ضربا فى الأرض، وكان
قادراً على الاكتساب فهو غنى، وهو واجد نوعا من الغنى، وقد قال تعالى فى وصف الفقراء
﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧٣].
نقول: إن الخلاف بين الفقهاء فى حدود الفقير المحتاج الذى يباح له السؤال، فقال بعضهم: أن
الفقير من لا يملك خمسين درهما أو قيمتها من الدهب، واستندوا إلى حديث ضعيف رواه الترمدى،
من حديث ابن مسعود مرفوعا ((من سأل الناس، وله ما يغذبه، جاء يوم القيامة ومسألته فى وجهه
خموش. قيل: يا رسول اللَّه، وما يغنبه؟ قال: خمسون درهما أو قيمتها من الذهب)).
وقال بعضهم: إن الفقير هومن لا يملك قوت يومه، واستندوا إلى حديث رواه أبو داود، وصححه
ابن حبان، عن سهل ابن الحنطلية قال: قال رسول اللّه: «من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكتر
من النار. فقالوا: يارسول اللّه وما يغنيه؟ قال: قدر ما يغديه ويعشيه)).
وقال أبو حنيفة: إن الغنى من ملك نصابا.
وقال الشافعى: قد يكون الرجل غنيا بالدرهم مع الكسب، ولا يغنيه الألف مع ضعفه فى نفسه
وكثرة عياله.
الدافع الثانى: مسألة الفقير المحتاج القادر على الكسب، وهى المقصودة من الحديث والأصح
عندالشافعية أن سؤال من هذا حاله حرام، وينظر فيمن يعطيه، هل يكون معينا ومساعدا على
الحرام؟ أمبل إلى هذا إذا تأكد من حاله.
وإنما قبح الشارع السؤال، سواء أعطى المسئول السائل أو منعه، لما يدخل على السائل من ذل
السؤال، وعظم المنة إذا أعطى، ومن ذلك السؤال والخسة والحرمان إذا لم يعط، ولما يدخل على
المسؤول من الضيق فى ماله إذا أعطى ومن الحرج إذا لم يعط.
الدافع الثالث: من يسأل ليجمع الكثير من غير احتياج إليه، وهذا النوع حرام باتفاق،
٢٩
وورد فيه وعيد شديد، ففى البخارى ((مايزال الرجل يسأل الناس، حتى يأتى يوم القيامة
ليس فى وجهه قرعة لحم)) أى قطعة لحم، وفى مسلم ((من سأل الناس تكثرا، فإنما يسأل
جمرا)) وعند الترمذى ((ومن سأل الناس ليثرى ماله، كان خموشا فى وجهه يوم القيامة،
فمن شاء فليقل، ومن شاء فليكثر)) وعند الطبرانى ((لايزال العبد يسأل وهو غنى، حتى يخلق
وجهه - أى يبلى وجهه - فلا يكون له عند الله وحه)).
النوع الثانى: كثرة السؤال عن أخبار الناس.
والنوع الثالث: كثرة سؤال إنسان بعينه عن تفاصيل أموره وأحواله.
وهذان النوعان واضحان فى النهى عنهما، لكنهما فى ضعف أهمبتهما يبعد أن يكونا المرادين من
هذا الحديث.
النوع الرابع: السؤال عن أمور غير مهمة، قد يؤذى جوابها، كقول رجل دعى إلى غير أبيه، قال:
((يارسول الله .. من أبى ... )) لو أن هذا الرجل قدر أنه فى نفس الأمرلم يكن لأبيه، فبين الرسول و ل﴿ أباه
الحقيقى لافتضح وافتضحت أمه.
ورجل آخر سأل رسول اللّه عن مصير أبيه الذى مات، وألح فى السؤال فكان الجواب: أبوك
فى النار.
النوع الخامس: سؤال التنطع والتكلف وتتبع الغرائب والأغلوطات والتقعر فى المسائل العلمية.
قال بعض الأئمة: والتحقيق فى ذلك أن البحث عما لا يوجد فيه نص على قسمين، أحدهما أن
يبحث عن دخوله فى دلالة النص على اختلاف وجوهها، فهذا مطلوب، لا مكروه، بل ربما كان فرضا
على من تعين عليه من المجتهدين.
ثانيهما: أن يدقق النظر فى وحوه الفروق، فيفرق بين متماثلين بفرق لبس له أثر فى الشرع، مع
وجود وصف الحمع، أو بالعكس، فيجمع بين متفرقبن بوصف طردى منلا، فهذا الذى ذمه السلف،
وعليه ينطبق حديث ابن مسعود، رفعه ((هلك المتنطعون)) أخرجه مسلم.
فرأوا أن فيه تضيبع الزمان بما لا طائل نحته، ومثله الإكثار من التخريج على مسألة لا أصل لها
فى الكتاب ولا السنة ولا الإجماع، وهى نادرة الوقوع جدا، فيصرف فيها زمانا كان صرفه فى غيرها
أولى، ولا سيما إن لرم من ذلك إغفال التوسع فى بيان ما يكثر وقوعه. وأشد من ذلك البحث عن أمور
مغببة، ورد الشرع بالإيمان بها، مع ترك كيفيتها، ومنها ما لايكون له شاهد فى عالم الحس، كالسؤال
عن وقت الساعة، وعن الروح، وعن مدة هذه الأمة، إلى أمتال ذلك، مما لا يعرف إلا بالنقل الصرف،
والكثير منه لم يثبت فيه شيء، فيجب الإيمان به من غير بحث.
وأشد من ذلك ما يوقع كثرة البحث عنه فى الشك والحيرة، كحديث أبى هريرة، رفعه ((لايزال
الناس يتساءلون، حتى يقال: هذا. اللَّه خلق الخلق، فمن خلق اللَّه)»؟
٣٠
وقال بعض الشراح: مثال التنطع فى السؤال، حتى يفضى بالمسئول إلى الجواب بالمنع، بعد أن
يفتى بالإذن، أن يسأل عن السلع التى توجد فى الأسواق، هل يجوزله أن يشترى سلعة مجهول
مصدرها عند البائع، فيجاب بنعم يجوز، فإذا سأل: أحشى أن نكون مسروقة أو منهوبة ونحن فى زمن
يكثر فيه ذلك، فيجاب بلا. لا تشتر. لأنك إن جزمت بأن مصدرهاحرام حرم الشراء، وإذا نشككت كره،
أو كان خلاف الأولى.
وإذا تقرر ذلك فمن يسد باب المسائل، حتى يفوته كثير من الأحكام التى يكثر وقوعها فإنه يقل
فهمه وعلمه، ومن نوسع فى تفريع المسائل وتوليدها، ولا سيما فيما يقل وقوعه أو يندر، ولا سيما إن
كان الحامل على ذلك المباهاة والمغالبة، فإنه يذم فعله، وهو عين الذى كرهه السلف.
وأظهر الأنواع مناسبة فى هذا الحديث النوع الأول، واللّه أعلم.
وأما إضاعة المال: فالأكثرون حملوه على الإسراف فى الإنفاق، وقيده بعضهم بالإنفاق فى
الحرامِ، والأقوى أنه ما أنفق فى غير وجهه المأذون فيه شرعا، سواء كانت دينية أو دنيوية فمنع منه،
لأن الله تعالى جعل الأموال قياما لمصالح العباد، وفى تبذيرها تفويت تلك المصالح، إما فى حق
مضيعها، وإما فى حق غيره، ويستثنى من ذلك كثرة إنفاقه فى وجوه البر، لتحصيل ثواب الآخرة، ما
لم يفوت حقا أخرويا أهم منه.
قال الحافظ ابن حجر: والحاصل فى كثرة الإنفاق ثلاثة أوجه. الأول إنفاقه فى الوجوه المذمومة
شرعا، فلا شك فى منعه، والثانى إنفاقه فى الوجوه المحمودة شرعا، فلاشك فى كونه مطلوبا
بالشروط المذكورة، والثالث إنفاقه فى المباحات بالأصالة، كملاذ النفس، فهذا ينقسم إلى قسمين.
أحدهما أن يكون على وجه يليق بحال المنفق، ويقدر ماله، فهذا ليس بإسراف، والثانى مالا يليق به
عرفا، وهو ينقسم أيضا إلى قسمين. أحدهما ما يكون لدفع مفسدة، إما ناجزة، أو متوقعة، فهذا ليس
بإسراف، والثانى ما لا يكون فى شيء من ذلك، فالجمهور على أنه إسراف، وذهب بعض الشافعية
إلى أنه ليس بإسراف، قال: لأنه تقوم به مصلحة البدن، وهو غرض صحيح، وإذا كان فى غير معصية
فهو مباح له. قال ابن دقيق العبد: وظاهر القرآن يمنع ما قال.اهـ وقد صرح بالمنع القاضى حسين،
ونبعه الغزالى، وجزم به الرافعى، وفى المحرر أنه ليس بتبذير، وتبعه النووى.
قال الحافظ ابن حجر: والذى يترجح أنه ليس مذموما لذاته، لكنه يفضى غالبا إلى ارتكاب
المحذور، كسؤال الناس، وما أدى إلى المحذور فهو محذور، نعم يجوز التصدق بجميع المال لمن عرف
من نفسه الصبر على المضايقة، وجزم الباجى من المالكبة بمنع استيعاب جميع المال بالصدقة،
قال: ويكره كثرة إنفاقه فى مصالح الدنيا، ولا بأس به إذا وقع نادرا لحادث يحدث، كضيف أو عيد أو
وليمة، ومما لا خلاف فى كراهته مجاوزة الحد فى الإنفاق على البناء زيادة على قدر الحاجة، ولا
سيما إن أضاف إلى دلك المبالغة فى الزخرفة.
ويدخل فى إضاعة المال سوء الإنفاق على الرقيق والبهائم حتى تهلك، ودفع المال لمن لا يؤمن
منه الرشد.
٣١
وقال السبكى الكبير: الضابط فى إضاعة المال أن لا يكون لغرض دينى ولا دنيوى، فإن انتفيا
حرم قطعا، وإن وجد أحدهما وجوداً له بال، وكان الإنفاق لائقا بالحال، ولا معصية فيه جاز قطعا.
وبين الرتبتين وسائط كثيرة، لا تدخل تحت ضابط، فعلى المفتى أن يرى فيها رأيه.
فالإنفاق فى المعصية حرام كله، ولا نظر إلى ما يحصل فى مطلوبه من قضاء شهوة ولذة حسنة.
وأما إنفاقه فى الملاذ المتاحة وهو موضع الاختلاف، فظاهر قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا
وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] أن الزائد الذى لا يلبق بحال المنفَق إسراف، ثم قَال:
وبذل مال كثير فى غرض يسير نافه، عده العقلاء مضيعا. واللَّه أعلم.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- قال النووى: عن قوله ((نهى عن ثلاث. قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال)) هذا الحديث دليل
لمن يقول: إن النهى لا يقتضى التحريم، والمشهور أنه يقتضى التحريم، وهو الأصح، ويجاب عن
هذا بأنه خرج بدليل آخر.
٢- واستدل النووى بكتابة المغيرة إلى معاوية ((سلام عليك أما بعد)) على استحباب المكاتبة على
هذا الوجه، فيبدأ بـ ((سلام عليك)) كما كتب النبى وُّ إلى هرقل: السلام على من اتبع الهدى.
٣- وفى مكاتبة المغيرة حجة على من لم يعمل فى الرواية بالمكاتبة، قال الحافظ ابن حجر: اعتل
بعضهم بأن العمدة حينئذ على الذى بلغ الكتاب، كأن يكون الذى أرسله أمره أن يوصل الكتاب،
وأن يبلغ ما فيه مشافهة. وتعقب بأن هذا يحتاج إلى نقل، وعلى تقدير وجوده نكون الرواية عن
مجهول، ولو فرض أنه ثقة عند من أرسله ومن أرسل إليه، فتجىء فيه مسألة التعديل على الإبهام،
والمرجح عدم الاعتداد به.
٤- قال الطيبى: هذا الحديث أصل فى معرفة حسن الخلق، وهو تتبع جميع الأخلاق الحميدة،
والخلال الجميلة.
والله أعلم
٣٢
(٤٥٨) باب بيان أجر الحاكم إذا أخطأ
٣٩٤١ - °١ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ظُ(١٥) أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِمَ﴿ قَالَ «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ
فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانٍ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ».
المعنى العام
دعوة للقضاة والحكام والعلماء والمفتين إلى الاجتهاد، وبذل الوسع، وعدم التقصير فى البحث
والتنقيب، مع الأهلية والاستعداد.
إن الأحكام من أهل الأحكام يترتب عليها مصالح العباد الدنيوية والأخروية، فالتصدى لها دون
أهلبة تعرض الناس لضلال فى معايشهم ومآلهم، يتحمل وزر هذا الضلال من حكم ومن أفتى، فمن سن
سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.
فالحكم أو الفتوى لابد أن تصدر بعد الاجتهاد الكامل من أهل الاجتهاد، فالقاضى الذى عرف
الحق وقضى به هو الناجى، أما الذى عرف الحق وقضى بخلافه فهو فى النار، والذى قضى عن جهل
هو أيضا فى النار.
أما الحاكم المؤهل، والمفتى العالم المتفقه، إذا اجتهد كل منهما، وبذل قصارى وسعه، وحقق
ودقق وعمق البحث والنظر، فأصاب، فله أجران، أجر الاجتهاد والبحث، وأجر إفادة الغير بالحق.
فإن هو أخطأ بعد اجتهاده فله أجر واحد، أجر تعبه ومشقته فى سبيل الوصول إلى الحق. وبهذا تتم
الدعوة إلى الاجتهاد، والتشجيع عليه، فهو ميزة للدين الإسلامى على غيره من الأديان.
المباحث العربية
(إذا حكم الحاكم فاجتهد) كان الطاهر أن يقول: إذا اجتهد الحاكم فحكم. فالاجتهاد مقدم
على الحكم، والأصل فى الفاء ترتيب وتعقيب ما بعدها لما قبلها.
(١٥) حَدََّا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى التّمِيمِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَن يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةً بْنِ الْهَادِ عَن مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ
عَنِ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَن أَبِي قَيْسٍ مَوْلَى عَمْرِو بْنَ الْعَاصِ عَن عَمْرِو بَّنِ الْعَاصِ
- وحَدَّثَنِيَ إِسْحَقُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ وَّمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي غَمَرَ كِلَهُمَا عَنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ وَزَادَ فِي عَقِبٍ
الْحَدِيثِ قَّالَّ يَزِيدُ فَحَدَّثْتُ هَذَا الْحَدِيثَ أَبَا بَكْرِ ابْنَ مُحَمَّدٍ بْنٍ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَقَالَ هَكَذَا حَدَّثَنِي أَبُو سَلّمَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
- وحَدَّثَنِي عَبْدٌ اللّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ يَغْنِي ابْنَ مُحِّمَّدٍ اَلْدِّمَشْقِيَّ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثْنِي يَزِيدُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِ الْيْئِيُّ بِهَذَا الْخَدِيثِ مِثْلَ رِوَايَةٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنٍ مُحَمَّدٍ بِالإِسْنَادَيْنِ جَمِيعًا.
٣٣
قال القرطبى: هكذا وقع فى الحديث، بدأ بالحكم قبل الاجتهاد، والأمر بالعكس، فإن الاجتهاد
يتقدم الحكم، إذ لا يجوز الحكم قبل الاجتهاد اتفاقا، لكن التقدير فى قوله ((إذا حكم)) إذا أراد أن
يحكم، اهـ ففى الكلام مجاز المشارفة، أى إذا أشرف على الحكم وأراده فاجتهد، فترتيب الاجتهاد
على إرادة الحاكم، لا على الحكم.
وقال الحافظ ابن حجر: ويجوز أن تكون الفاء تفسيرية، لا تعقيبية، اهـ والقول الأول أقعد، لأن
الفاء التفسيرية يكون ما بعدها مساويا ومبينا لما قبلها، كما فى قولنا: توضأ فغسل وجهه ويديه .. إلخ.
وكقولنا: خطب فقال كذا وكذا. أما هنا فليس الاجتهاد مفسرا للحكم.
(ثم أصاب) ((ثم)) ليست للتراخى الزمنى، وعند أحمد ((فأصاب)) وهو معطوف على ((اجتهد)).
والمراد من الإصابة مطابقة حكمه لما فى نفس الأمر، أو مطابقته لحكم الله تعالى.
(فله أجران) أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة. وعند عبد الرزاق ((فله أجران اثنان)).
(ثم أخطأ) أى ظن أن الحق فى جهة، فصادف أن الذى فى نفس الأمر بخلاف ذلك.
(فله أجر) واحد، أجر الاجتهاد.
فقه الحديث
قال ابن المنذر: إنما يؤجر الحاكم إذا أخطأ إذا كان عالما بالاجتهاد فاجتهد، وأما إذا لم يكن
عالما فلا، واستدل بحديث ((القضاة ثلاثة))، وفيه ((وقاض قضى بغير حق فهو فى النار، وقاض قضى
وهو لا يعلم فهو فى النار)).
وقال النووى: من ليس بأهل للاجتهاد والحكم، فلا يحل له الحكم، فإن حكم فلا أجر له، بل هو آثم،
ولا ينفذ حكمه، سواء وافق الحق أم لا، لأن إصابته اتفاقية، ليست صادرة عن أصل شرعى، فهو عاص
فى جميع أحكامه، سواء وافق الصواب أم لا، وهى مردودة كلها، ولا يعذر فى شيء من ذلك.اهـ
والقضية التى يثيرها هذا الحديث قضية نعدد الحق، أو عدم تعدده. وبعبارة أخرى هل يكون
الحق فى طرفين؟ وكل مجتهد مصيب؟ أم الحق لايكون إلا فى جهة واحدة؟ والمصيب واحد؟ أهل
التحقيق من الفقهاء والمتكلمين مع الأول، وهو مروى عن الأئمة الأربعة، لكن حكى عن كل منهم قول
بالرأى الآخر، والعجيب أن كلا من الفريقين المختلفين فى هذه القضية يستدل بهذا الحديث.
فالقائلون إن الحق لا يكون مع الطرفين وإن الحق فى جهة واحدة، يقولون: لوكان كل
من الطرفين مصيبا لم يطلق على أحدهما الخطأ، لاستحالة النقيضين فى حالة واحدة،
وبعبارة أخرى: سماه مخطئا، ولو كان مصيبا لم يسمه مخطئا، وأما الأجر الذى له فإنه
حصل له على تعبه فى الاجتهاد.
٣٤
أما الذين يجيزون كون الحق فى الطرفين، وأن كل مجتهد مصيب فيقولون: إن النبى {* جعل له
أجرا، فلوكان لم يصب لم يؤجر، وأجابوا عن تسميته مخطئا بأنه محمول على من أخطأ النص، أو
اجتهد فبما لا يسوغ فيه الاجتهاد، كالمجمع علبه ونحوه، فإن مثل هذا إن اتفق له الخطأ نسخ حكمه
وفتواه ولو اجتهد، بالإجماع، فهذا الذى يصح إطلاق الخطأ عليه، وأما من اجتهد فى قضية ليس فيها
نص ولا إجماع فلا يطلق عليه الخطأ.
والتحقيق فى هذه القضية التفصيل، وليس الإطلاق. ففى حالة تنازع زيد وعمرو
على ملكية شيء هو ملك لزيد فى واقع الأمر، فإذا قضى به لزيد فهو مصيب، وثبت له أجر
لاجتهاده، وأجر إعطاء الحق لمستحقه، أما إن قضى به لعمرو، بعد الاجتهاد، وبعد بذل
الجهد ربما لأن عَمْراً ألحن بحجته من زيد فهذا الحاكم مخطئ معذور، ولا يمكن أن يقال
عنه: إنه مصيب للحق، فالحق لا يتعدد بالنسبة لواقع الأمرومن وافق فى حكمه الواقع،
فهو مصيب، وإلا فهو مخطئ. لكن إذا نظرنا لحكم الشرع وقوانبنه والحكم بالبيئة للمدعى،
فالحاكم مصيب لقواعد الشرع وقوانبنه، وإن حكم لعمرو أى وإن لم يوافق الواقع، فهو
مصيب قواعد الشرع، مخطئ واقع الأمر فيؤجر على اجتهاده، ولا يأثم بخطئه، وإعطاء الحق
لغير مستحقه، ما دام قد بذل وسعه فى الاجتهاد، وكان من أهله، ووزر المحكوم له قاصر
علبه، وقد سبق فى ذلك قريبا حديث ((إنما أنا بشر، وإنه يأتينى الخصم، فلعل بعضهم أن
يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضى له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هى
قطعة من النار فليحملها أو يذرها ».
فهذه حالة لا يصح أن نقول فيها إن الحق مع الطرفين، وإن صح أن نقول: كل مجتهد
مصيب، فموافق الواقع مصيب غير مخطئ، وغير الموافق للواقع مصيب فى تطبيق قواعد
الشرع، مخطئ الواقع.
أما حالة اختلاف المجتهدين فى الفروع، نتيجة لاختلافهم فى استنباط الحكم من
الدليل، فيمكن أن يطلق على كل منهم أنه مصيب، لأن صاحب النص أراد لهم أن يختلفوا،
وأن يقبل منهم ما يصلون إليه، ولو أن المشرع أراد جعل الصواب فى ناحية والخطأ فى
أخرى لحرر الحكم، ونص عليه نصا لا يقبل الخلاف، كما فى أصول التوحيد، فالمصيب
فيها واحد بإجماع من يعتد به، قال النووى: ولم يخالف فى ذلك إلا عبد الله بن الحسن
العبترى وداود الظاهرى، فصوبا المجتهدين فى ذلك أيضا. اهـ
وإذا كان المختلفون فى الفروع مصيبين فى أحكامهم بعد استفراغ جهدهم فى الاجتهاد رجونا
لهم جميعا أجرين، واعتبرناهم غير داخلين فى الحديث، وجعلناه خاصا بالقضاة.
والله أعلم
٣٥
(٤٥٩) باب كراهة قضاء القاضى وهو غضبان
٣٩٤٢ - ١٦ِ عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ وَّه(١٦) قَالَ: كَتَبَ أَبِي وَكَبْتُ لَهُ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ
بْنِ أَبِي بَكْرَةَ وَهُوَ قَاضٍ بِسِجِسْتَانَ أَنْ لا تَحْكُمَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَالُ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ
اللَّهِوَ﴿ يَقُولُ «لا يَحْكُمْ أَحَدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَالُ».
المعنى العام
أبو بكرة أحو زياد لأمه، فحين تولى زياد على العراق أراد أن يكرم أخاه فى شخص أبناء أخيه،
فقربهم إليه، وشرفهم، وأقطعهم، وولى عبد الله بن أبى بكرة سجستان، فكتب أبو بكرة إلى ابنه كتابا
ينصحه فيه، ويقول له: إنك توليت القضاء والحكم بين الناس، فاقصد الحق، وابذل وسعك فى
الوصول إليه، وجرد نفسك من شواغلها حين النظر فى القضايا، ولا تصدر الحكم وأنت مشغول المال
بشيء غير القضية، واحذر الحكم وأنت غضان. فإني سمعت رسول الله * يقول: ((لا يقضى القاضى
بين اثنين وهو غضبان)).
المباحث العربية
(كتب أبى - وكتبت له - إلى عبيد الله بن أبى بكرة) قيل: معناه كتب أبو بكرة بنفسه
مرة، وأمر ولده عبد الرحمن - راوى الحديث - أن يكتب لأخيه، فكتب له مرة أخرى، فالضمير
المجرور فى ((له)) ضمير عبيد الله أخيه، وهو خلاف الظاهر، قال الحافظ ابن حجر: ولا يتعين ذلك،
بل الذى يظهر أن قوله ((كتب أبى)) أى أمر بالكتابة، وقوله ((وكتبت له)) أى باشرت الكتابة التى أمر
بها أبى، والأصل عدم نعدد الكتابة فى شيء واحد، ويزيد القول الأول بعدا عن الواقع قوله فى
المكتوب ((فإنى سمعت رسول اللَّه﴾﴿ يقول ... )) فإنه لا يصح أن يقع على لسان عبد الرحمن فإنه لا
صحبة له.
(وهو قاض بسجستان) بكسر السين والجيم وسين ساكنة بعدها تاء ممدودة بعدها
(١٦) حَدَّثَنَا قُتَنْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةً عَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَّيْرٍ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةً
- وحَدَّثَنَاهِ يَحْتِى بْنُ يَحْتِى أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ح وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ حَدَّثَنَا حَمَّاذَ بْنَّ سَلَّمَةً حٍ وَحَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً
حَدَّا وَكِيعٌ عَنِ سُفْيَانٌ حٍ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حِ وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا أَبِيَ كِلَاهُمَا
عَنِ شُعْبَةً حْ وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيّ عَنِ زَائِدَةً كُلُّ هَؤُلاءٍ عَن عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ
أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِّ ◌َّ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي عَوَّنَةً.
٣٦
نون، ممنوعة من الصرف، للعلمية والعجمة، أو للعلمية وزيادة الألف والنون، والجملة فى
محل النصب على الحال.
(أن لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان) ((أن)) تفسيرية، بمعنى أى، فما بعدها مفسر
للمكتوب، ((ولا)) ناهية، والفعل بعدها مجزوم، و((غضبان)) غير مصروف للوصفية وزيادة الألف والنون،
وفى رواية البخارى ((أن لا تقضى بين اثنين)).
(فإنى سمعت رسول اللّه ◌ِ﴿٣) الفاء تعليلية.
(لا يحكم أحد بين اثنين) فى رواية البخاري ((لا يقضين حكم بين اثنين)) وفى رواية
للشافعى ((لا يقضى القاضى -أولا يحكم الحاكم - بين اثنين)) والحكم بفتح الحاء والكاف هو الحاكم.
فقه الحديث
قال المهلب: سبب هذا النهى أن الحكم حالة الغضب قد يتجاوز بالحاكم إلى غير الحق، وقال
ابن دقيق العيد: النهى عن الحكم حالة الغضب لما يحصل بسببه من التغير الذى يختل به النظر، فلا
يحصل استيفاء الحكم على الوجه. قال: وعداه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما يحصل به نغير الفكر،
كالجوع والعطش المفرطين وغلبة النعاس، وألحق به بعض العلماء الهم البالغ، والفرح المفرط،
ومدافعة الحدث، وما يتعلق به القلب نعلقا يخل بانتظام الفكر واستقامته. قال الحافظ ابن حجر:
وهو قياس مظنة على مظنة، وكأن الحكمة فى الاقتصار على ذكر الغضب لاستيلائه على النفس،
وصعوبة مقاومته، بخلاف غيره.
فالعلماء استنبطوا معنى دل عليه النص جعلوه علة للحكم، وهو تغير الفكر، فألحقوا بالغضب ما
فى معناه، وإن كانت درجة تغير الفكر فى كل تختلف، والمقصود حماية الحكم من القصور الذى
ينشأ من تغير الفكر واشتغال البال بغير القضبة.
وجمهور العلماء يطلقون الغضب، فلا فرق بين مرانبه، ولا أسبابه، وفصل إمام الحرمين والبغوى،
فقيدا الكراهية بما إذا كان الغضب لغير الله، واستغرب الرويانى هذا التفصيل، واستبعده غيره،
لمخالفته لظواهر الأحاديث، وللمعنى الذى نهى عن الحكم حالة الغضب لأجله.
والجمهور على أن الحكم فى هذه الحالات مكروه، فإن وقع صح ونفذ، وقال بعض الحنابلة: لا
ينفذ الحكم فى حالة الغضب، لثبوت النهى عنه، والنهى يقتضى الفساد، وفصل بعضهم بين أن يكون
الغضب طرأ عليه بعد أن استبان له الحكم، أو قبل أن يستبين، ففى الحالة الأولى لا يؤثر الغضب،
والحالة الثانية هى محل الخلاف، قال الحافظ ابن حجر: وهو تفصيل معتبر.
واستدل للجمهور بأن النبى # قضى وهو غضبان، وأجاب المخالفون بأن النبى { مأمون من
التعدى والقصور، أو أن عضبه كان للحق، فمن كان فى مثل حاله جاز.
٣٧
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- أن الكتابة بالحديث كالسماع من الشيح فى وجوب العمل، وأما فى الرواية فمنع منها قوم،
والمشهور الجواز.
٢- ذكر الحكم مع دليله فى التعليم، وكذا الفتوى.
٣- وفيه شفقة الوالد على ولده، وإعلامه بما ينفعه، وتحذيره من الوقوع فيما يكره.
٤- وفيه نشر العلم، للعمل به، والاقتداء، وإن لم يسأل العالم عنه.
والله أعلم
٣٨
(٤٦٠) باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور
٣٩٤٣ - ١٧ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(١٧) قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا
هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».
٣٩٤٤ - ١٨ عَن سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ(١٨) قَالَ: سَأَلْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَن رَجُلٍ لَهُ ثَلاثَةُ
مَسَاكِنَ فَأَوْصَى بِثُلُثِ كُلِّ مَسْكَنٍ مِنْهَا. قَالَ: يُجْمَعُ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ قَالَ:
أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ ﴿ِ قَالَ «مَنْ عَمِلَ عَمّلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدِّ».
المعنى العام
يقول اللَّه تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ
دِينًا﴾ [المائدة: ٣] وقد تركنا رسول الله على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، ترك لنا
أمرين، ما إن تمسكنا بهما لن نصل بعده أبدا، كتاب الله وسنته {﴿، وما لحق { * بالرفيق
الأعلى إلا وكانت أمور الشريعة إما منصوصا علبها، وإما داخلة تحت نص وأصل أرساه
الشرع. نعم. قد جدت فى الحياة أمورلم تكن، وستجد أمور كثيرة غير كائنة اليوم، وواجب
العلماء والمجتهدين إدخالها نحت أصل ونص شرعى، فإن عجزوا قدموا درء المفاسد على
جلب المصالح والحذر من المشتبهات خير من الوقوع فيها.
فمثلا شهادات الاستثمار التى تصدرها البنوك، لم تكن، ثم كانت، وبحثها العلماء المجتهدون،
فُرادى وفى مؤتمرات، وأجمعوا على إدخالها تحت أصل الربا، ولم يشذ عنهم إلا من لا يعتد بشذوذه.
إن رسول اللَّه * يحذر من يوم نلعب فيه الأهواء، وتأخذ بالعلماء ذات اليمين أو ذات اليسار،
ويدعو الجماعة القائمة على حدود الله فى كل عصر أن يردوا أى عمل لا يتوافق مع أصول الشرع
وقواعده ونصوصه. واللَّه الهادى سواء السبيل.
المباحث العربية
(من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهورد) المراد من قوله ((أمرنا)) سنتنا، أى من
(١٧) حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّاحِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنِ الْهِلالِيُّ جَمِيعًا عَن إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ ابْنُ الصََّّاحِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ
ابْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ بْنِ عَوْفٍ حَدَّثَنَا أَبِيَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ عَائِشَةً
(١٨) وحَدَّثَنَا إِسْخَّقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ جَمِيعًا عَن أَبِّي عَامِرٍ قَالَ عَبْذَّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
جَعْفَرِ الزُّهْرِيُّ عَن سَعْدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ
٣٩
حكم بغير السنة جهلا أو غلطا يجب عليه الرجوع إلى حكم السنة وترك ما خالفها، امتثالا لأمر الله
تعالى بإيجاب طاعة رسول اللّه *، والإشارة لتأكيد المراد.
والأصل فى الإحداث الابتداع. والابتداء بالشيء وإنشاؤه على غير متال سابق فالمعنى من اخترع
فى الدين مالا يشهد له أصل من أصوله، فلا يعتد به، ولا يلتفت إليه.
وفى الرواية الثانية ((من عمل عملا ليس عليه أمرنا)) فعمم العمل بغير السنة، سواء كان محدثا له
مخترعا له لأول مرة، أو كان مسوقا به. ومن هنا قال النووى: وفى الرواية الثانية زيادة وهى أنه قد
يعاند بعض الفاعلين فى بدعة سبق إليها، فإذا احتج عليه بالرواية الأولى يقول: أنا ما أحدثت شيئا
- فعله قبلى فلان، فلست محدثا، فلا أدخل فيه، ولا يحتج به عليه بالثانية، التى فبها التصريح برد كل
المحدثات، سواء أحدثها الفاعل، أو سبق بإحداثها. اهـ
وقوله ((رد)» معناه مردود، من إطلاق المصدر على اسم المفعول، مثل الخلق يطلق على المخلوق،
كأنه قال: فهو باطل، ولا يعتد به، ولا يعتد بالثمرات المترتبة عليه.
فقه الحديث
قال الطرقى: هذا الحديث يصلح أن يسمى نصف أدلة الشرع، لأن الدليل يتركب من مقدمتين،
وهذا الحديث مقدمة كبرى فى إثبات كل حكم شرعى ونفيه، لأن منطوقه مقدمة كلية فى كل دليل
ناف لحكم، مثل أن يقال فى الوضوء بماء نجس: هذا ليس من أمر الشرع وكل ما كان كذلك فهو
مردود، فهذا العمل مردود، فالمقدمة الثانية ثابتة بهذا الحديث، ومفهوم الحديث أن من عمل عملا
عليه أمر الشرع فهو صحيح، فحديث الباب نصف أدلة الشرع.
وقال النووى: هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه صلى الله عليه
وسلم، فإنه صريح فى رد كل البدع والمخترعات. اهـ أى فى الدين.
وقد ذكره مسلم تحت كتاب الأقضية، كمستدل به على رد الحكم الصادر من القاضى جهلا أو
غلطا إذا خالف حكم السنة، وقد ترجم البخارى ترجمة مساوية لهذا الحديث فى كتاب الأحكام،
فقال (باب إذا قضى الحاكم بجور، أو خلاف أهل العلم فهو رد) لكنه لم يذكر هذا الحديث تحت هذه
الترجمة. وذكر قصة خالد بن الوليد مع الأسرى، وقول النبي ◌ُ ﴾: ((اللَّهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد
ابن الوليد. مرتين ».
وذكر البخارى حديثنا تحت ترجمة (باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ من غير علم
فحكمه مردود). قال الكرمانى: المراد بالعامل عامل الزكاة، وبالحاكم القاضى، وقوله ((فأخطأ)) أى
فى أخذ واجب الزكاة، أو فى قضائه. قال الحافظ ابن حجر: على تقدير ثبوت هذه الرواية التى أخذ
منها البخارى ترجمته فالمراد بالعالم المفتى، أى أخطأ فى فتواه.
وذكر البخارى حديثنا أيضا فى كتاب الصلح، تحت (باب إذا اصطلحوا على صلح
جور فالصلح مردود).
٤٠